الديمقراطية

نظرة على النضال الديمقراطي في عام: وأد عملية الإصلاح أم تكشف الطريق الحقيقي للتغيير؟

    عمرو عبد الرحمن

 

لماذا فشلت تحركات الطبقة الوسطى؟ وما سر إحجام الكتلة الحاكمة عن البدء في إصلاحات جذرية على الطراز الذي يحلم به نشطاء التغيير؟ وما الذي يجعلنا نتفاءل بنضالات الطبقات الاجتماعية المقهورة القادمة من أسفل على الرغم من تبعثرها وعدم انتظامها؟ وما هو جدول أعمال اليسار للاشتباك مع هذه التحركات القاعدية على الوجه الذي يدفع بها باتجاه خيار الديمقراطية الجذرية؟

 

 

 

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 15:04.

من "تحرير المرأة" إلى "تحرير المرأة مع الرجل" : الحركة الديمقراطية في مواجهة المسألة النسوية

    سامر سليمان

المعارضة التقدمية والديمقراطية تحتاج لإعادة النظر في موقفها من قضية المرأة ومن العلاقات بين الجنسين، لكي تستوعب مطالب واحتياجات النساء والرجال معاً. التيارات المحافظة المسيطرة على المجال السياسي المصري ليس لديها أية إجابة شافية في مجال العلاقات بين الجنسين. هذه الإجابة الشافية لن تأتي إلا من المعارضة التقدمية إذا امتلكت الجرأة والدأب في إعادة تأسيس قضية المرأة على أرضية جديدة. هذا المقال يحاول البحث في أسس إعادة طرح قضية المرأة.

 

 

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 14:55.

النسوية المصرية والديمقراطية: جذور الأزمة وإمكانيات النهوض

    زينب أبو المجد

 

نستطيع أن نقول أن التنظيمات النسوية المصرية بجناحيها الليبرالي والماركسي تعاني من أزمة حقيقية عندما يتعلق الأمر بالفعل السياسي على أرض الواقع. من السهل أن نقول أن العيب في ذلك لا يعود للناشطات النسويات أنفسهن ولكن يعود لثقافة ذكورية سائدة جعلت الأحزاب لا تضعهن على قوائم مرشحيها وجعلت الرجال (وحتى النساء) لا يمنحوهن أصواتهم، فضلاً عن عدم نزاهة الانتخابات في مجملها. وقد يكون هذا بالفعل صحيح، ولكن ما حدث يكشف أيضاً عن قصور كبير في قدرات التنظيمات النسوية وفاعلية النشطات السياسيات، ويحملهن مسؤولية مشتركة لأنهن لم يفلحن بالأساس في نقض تلك الثقافة الذكورية وإحداث تغيير حقيقي في المجتمع بالرغم من كل ما توفر لهذه التنظيمات من إمكانات في السنوات الأخيرة مع تدفق التمويل الأجنبي من صناديق المعونة الدولية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 14:50.

مدخل إلى تصور ديمقراطى للسياسة الخارجية: إعادة قراءة التاريخ والمفاهيم

شريف يونس

هذا المقال يحاول أن يقدم مساهمة نحو إعادة قراءة تاريخ المنطقة والبلاد، من منطلق ديمقراطى جذرى. موضوعه بالتحديد هو عهد الاستعمار، فحركة التحرر الوطنى، ثم دولة ما بعد الاستعمار وأزمتها الحالية، وظاهرة الاستعمار الجديد. وهدفه تقديم رؤية أخرى، ديمقراطية، تواجه طرح التيار القومى (والدينى) الذى يواجه الاستعمار الجديد بمنطق سلطوى، يضحى بكل رحابة صدر، وشغف، بالدولة الديمقراطية فى سبيل المواجهة التى يراها محتومة.

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:48.

بناء الدولة الوطنية الديمقراطية والنظام الدولى: هل من معادلة جديدة؟

عمرو عبد الرحمن

يمثل احتكار الأجهزة الأمنية لصياغة السياسة الخارجية وتعريف "المصلحة الوطنية" بصددها ركيزة أساسية للنظام السياسى القائم، وسببا رئيسيا لمحدودية الإنجاز على صعيد العلاقات الخارجية وتحقيق المصالح المصرية فى المنطقة، ودافعا لإشاعة نمط إيديولوجى غير فاعل من العداء للغرب على أساس مبدأ الهوية، تبنته المعارضة فى صراعها مع النظام. فى هذا المقال يحاول عمرو عبد الرحمن أن يصوغ موقفا يساريا ديمقراطيا أوليا يُخضع استراتيجية العلاقات مع النظام الدولى والإقليمى لمقتضيات بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، التى تقوم على تحالف ديمقراطى واسع وتستفيد من بيئة دولية مواتية لمثل هذا المشروع.

على مدار ثلاثة عقود خلت أو أكثر حظيت المقارنة بين مشروعى محمد على وجمال عبد الناصر لبناء الدولة الوطنية الحديثة باهتمام غير مسبوق بين الدارسين والنشطاء السياسيين المصريين. ومصدر الجاذبية فى هذه المقارنة واضح: تجربتين لبناء الدولة الوطنية، تعتمدان على الذات وتسعيان لإقامة علاقات متوازنة مع السوق الرأسمالى العالمى، تنهاران تحت وطأة هزيمة عسكرية أمام القوة الإمبريالية المهيمنة على النظام الدولى. ويستنتج غالبية الباحثين فى هذا الشأن نتيجة واحدة تبدو وكأنما أعدت سلفا وتردد بشكل ميكانيكى، وهى أن أى مشروع للنهوض الوطنى المصرى سيكون لزاما عليه الاصطدام بالقوى المهيمنة على النظام الدولى، وهى قوى غربية فى مجملها. ولما كان حديث الإصلاح السياسى الدائر فى مصر لا يعنى فى جوهره إلا إحياء مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الحداثية، كان لزاما على النشطاء السياسيين الحاملين لهذا المشروع الإصلاحى بحث هذه الفرضية بحثا جادا والإجابة على السؤال الذى تطرحه، وهو هل الصدام مع النظام الدولى القائم حتمى أم أن هذا النظام يشكل، الآن على الأقل، بيئة مواتية لنمو هذا المشروع نموا ناجزا؟
سنغامر بالإجابة على هذا السؤال كالتالى: ليس قدرا على مشروع بناء الدولة الوطنية المصرية أن يصطدم بالقوى المهيمنة على النظام الدولى، بالعكس، يتيح هذا النظام القائم منذ نهاية الحرب الباردة فرصا لنمو هذا المشروع أكثر من أى وقت مضى. من جهة أخرى، سنغامر بافتراض أن شيوع هذه النظرة التشاؤمية مرده فى التحليل الأخير إلى هيمنة أطروحات الإنتليجنسيا الوطنية المنتمية إلى نهاية الستينيات بإيديولوجيتها القومية/ الشعبوية على ساحة الجدل الفكرى والسياسى فى مصر منتفعة من أجواء الحساسية تجاه الغرب "الاستعمارى" التى نشرتها الناصرية ولم يقاومها أو يسعى النظام الحالى لاستبدالها بأى خطاب إيديولوجى بديل. أكثر من ذلك، نفترض أن هذه الإنتليجنسيا بأطروحاتها تلك قد تواطأت على احتكار الأجهزة الأمنية، دون غيرها، لعملية صنع السياسة الخارجية المصرية. فى ضوء هاتين الفرضيتين سنحاول صياغة رؤية بديلة بشأن إدارة البيئة الخارجية لمشروع بناء الدولة الوطنية تستهدف تحقيق مصالح تحالف اجتماعى عريض غير خاضع لهيمنة الإيديولوجيا الناصرية.

سياسة الاحتكار الأمنى للسياسة الخارجية
نقطة البدء فى تحليلنا هى منتصف السبعينيات، والتى نؤرخ بها لبداية تحلل طويل المدى لنظام الاستبداد الشعبوى الذى أرست الناصرية دعائمه. يرتكز هذا النظام على حكم البيروقراطية بالتحالف مع البرجوازية الزراعية والشرائح العليا من الطبقة الوسطى الجديدة. واحتلت البيروقراطية بجناحيها المدنى والعسكرى موقع الطبقة القائدة لهذا التحالف والمحتكرة لعملية صنع القرار بما فى ذلك إدارة العلاقة مع النظام الدولى. وقد تم تأمين هيمنة هذا التحالف، بما فى ذلك موقع البيروقراطية القيادى داخله، من خلال إنشاء دولة كوربوراتية (أى قائمة على تجميع المجتمع فى منظمات مصالح، نقابات عمالية مثلا، تحت الهيمنة المباشرة للنظام) لا تعترف بالمبادرة الحرة للأفراد ولا تدعوهم للمشاركة فى عملية صنع القرار بقدر ما تعترف بحقهم فى نصيب عادل من فوائض النمو المتحقق. ويتحقق ذلك من خلال ما يطلق عليه الزبونية: وهى آلية توزيع هذه الفوائض داخل تلك التنظيمات الفئوية من نقابات عمال واتحادات أهلية ونقابات مهنية ومنظمات أعمال، والتى انضوت جميعها فى تنظيم سياسى واحد هو الاتحاد الاشتراكى العربى، كان هدفه ضبط المجتمع وليس تسييسه. ومع مواجهة هذا النظام لأزمات انهياره الأولى بعد هزيمة 1967 بدأت بوادر تحلله تظهر للعيان. على أنه من المعروف أن تحلل هذا النمط الإدماجى من التنظيم لم يقترن بتحولات ديمقراطية جذرية تدرج قطاعات أوسع من المواطنين فى عملية صنع القرارات الاستراتيجية للمجتمع بقدر ما كسرت احتكار بيروقراطية الدولة لهذه العملية وأسست لاحتكار أوليجاركية من فلول هذه البيروقراطية متحالفة مع شرائح رأسمالية احتكارية صاعدة.
وجاءت أولى إرهاصات تأسيس هذا النمط مع توجيه ضربة قاصمة للاتحاد الاشتراكى العربى: الجهاز السياسى للبيروقراطية المهيمنة لصالح الحاكم الفرد خلال أزمة مايو 1971. وفى أعقاب هذه الأزمة حملت الرياح كثيرا مما لم تشتهِ سفن الحركات الديمقراطية المصرية حيث تم تصفية النمط التعبوى للمشاركة وأصبح المواطن غير مطلوب منه حتى التأييد الشكلى للبيروقراطية، وتم تكريس احتكار القلة للقرار السياسى بتحويل جميع الملفات الاستراتيجية إلى غابة من الأجهزة الأمنية بعيدا عن تقلبات المجال السياسى غير المأمونة، والذى لم تعد تثق به الأوليجاركية الحاكمة كساحة مناسبة لإعادة إنتاج هيمنتها. ومع مرور الوقت فرضت هذه الأجهزة إيقاعها ومنطقها الخاص على إدارة هذه الملفات الاستراتيجية: الهدف الرئيسى من عملية الإدارة تلك هو منع الأوضاع من التدهور والإبقاء عليها تحت السيطرة، الأمر الذى يعنى عدم الإخلال بأى من المصالح الموروثة حتى لو اقتضى الأمر انتهاج سياسات متضاربة فى ذات الوقت. والمحصلة متروكة لتخمينك عزيزى القارئ، وإن كان من الواجب التذكير ببعض ملامحها: تراجع السياسة من حيث هى تدبر عقلانى/ إبداعى لخيارات استراتيجية من أجل الوصول إلى بدائل تحظى بأكبر قدر ممكن من الإجماع مقرونا بترهل البيروقراطية التى أصبحت معدومة المسؤولية تقريبا عن أىٍ مما هو موكل إليها من مهمات، وترتب على ذلك تفش غير مسبوق للفساد. بكلمة واحدة: تراجع الميراث المؤسسى الرشيد للدولة الوطنية لصالح إدارة تصريف أعمال تدير أزمة ممتدة دون أى أفق سياسى للمستقبل، وهو ما يُعَد الرئيس مبارك المولع "بالاستقرار" خير ممثل له.
بالطبع لم يكن ملف علاقات مصر بالنظام الدولى استثناءا من عملية التحول تلك. على العكس تماما، جاءت عملية احتكار هذا الملف على قائمة أولويات النظام الحالى، وسرى عليه ما يسرى على بقية الملفات الاستراتيجية الكبرى. لا أدل على ذلك من الدور الذى يلعبه الرجل القوى عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة، فى مد الصلات المباشرة مع إسرائيل أو التوسط بين الفصائل الفلسطينية المسلحة. كذلك الحال بالنسبة للسودان، الذى أضحى منذ فترة طويلة ملفا أمنيا خالصا. أما عن العلاقة مع الشركاء الاستراتيجيين للنظام المصرى وعلى رأسهم الولايات المتحدة فحدث ولا حرج. هذا ناهيك عن التداخل المتصاعد بين عمل الخارجية المصرية وعمل أجهزة المخابرات، الأمر الذى انتهى على المستوى اليومى إلى ازدواجية معترف بها بحكم الأمر الواقع فى الانتماء الوظيفى لحوالى نصف الطاقم الدبلوماسى المصرى. واقترن ذلك التطور الخطير بتخصيص إدارة جديدة فى جهاز مباحث أمن الدولة معنية بإدارة اتصالات مباشرة مع السفارات الأجنبية الموجودة فى القاهرة بغير الرجوع إلى تعقيدات البيروقراطية فى الخارجية المصرية.
وتشمل الملفات الأمنية أيضا الملف الاقتصادى والعلاقات الاقتصادية الدولية. فكما يعرف الجميع، ترفع أجهزة الأمن القومى الفيتو تجاه العديد من الإجراءات الاقتصادية التى أوصى بها صندوق النقد الدولى، خصوصا فى مجال رفع الدعم عن السلع الرئيسية، خوفا مما يمكن أن ينجم عنها من اضطرابات وانفلات أمنى (وهو ما بات يعرف فى الصحافة العالمية باسم عقدة يناير المصرية، فى إشارة واضحة لانتفاضة الخبز التى أعقبت تحرير أسعار عدد من السلع الأساسية). أكثر من ذلك مازالت هذه الأجهزة تلعب الدور الأهم فى عرقلة عدد من الاتفاقات الاستراتيجية مع العديد من الأطراف الدولية، خصوصا الأوروبية منها، على الرغم من انتهاء كافة الأعمال التحضيرية.
غير أن سياسة الإبقاء على الأمر الواقع وإعادة إنتاج الموروث قد أدت لاختلالات عميقة فى أداء النظام المصرى على الصعيد الدولى، عنوانها العجز عن صياغة هوية وتوجه واضحين للسياسة الخارجية المصرية. فقد ورث النظام الأمنى هذا ميراثا متناقضا للسياسة الخارجية المصرية: تقاليد ناصرية شبه إمبراطورية تحكم حركة مصر فى محيطها العربى، تتصادم أحيانا مع المصالح الأمريكية فى المنطقة، ومشروعا ساداتيا غير مكتمل لإعادة تعريف المحيط الإقليمى لمصر فى ارتباطه بالشرق أوسطية، وعلامته الأبرز هى السلام "المنفرد" مع إسرائيل. حاول نظام مبارك أن يمسك العصا من المنتصف من خلال السعى الدائم للحفاظ على دور الزعامة الإقليمية المصرى فى المحيط العربى دون توريط نفسه بلعب دور نشط فى أىّ من الصراعات الإقليمية الدائرة على حدوده، وهى معادلة يعد استمرارها من المستحيلات. يستثنى من ذلك حسم النظام لأحد الخيارات الاستراتيجية الكبرى وهو الاشتراك فى حرب الخليج الثانية.
بخلاف ذلك ظل السلام مع إسرائيل باردا، حتى هذه اللحظة، ولم تسعى مصر إلى الاستفادة من الممكنات التى تتيحها أجواء السلام مع إسرائيل، إلا على استحياء شديد من خلال إجراءات اقتصادية بالأساس كتوقيع اتفاق الكويز. فى المقابل لم تذهب مصر بعيدا فى دعم الطرف الفلسطينى، وظلت العقلية الأمنية المصرية العتيدة متحفظة بشدة تجاه أى انخراط نشط فى دعم الأمن الفلسطينى إلى أن قبلت بذلك فى ظل ظروف أسوأ بكثير نتيجة محدودية خياراتها الاستراتيجية. وعلى الصعيد العراقى كان الارتباك سيد الموقف. فبينما أعلنت مصر رفضها القاطع للحرب على العراق بادرت بعد شهور قليلة بالعمل ضمن الإطار الإقليمى والدولى لدعم الحكومة العراقية الوليدة. وبعدها بشهور أقل كانت الخارجية المصرية تعلن أنها لن ترفع تمثيلها الدبلوماسى فى العراق نافية تعرضها لأى ضغوط أمريكية بهذا الشأن، حتى تم اكتشاف رفع التمثيل بعد خطف السفير المصرى وقتله. الأنكى هو تراجع الدولة المصرية أمام عصابات الزرقاوى وخضوعها لابتزاز الرأى العام الداخلى سريعا بتقليص البعثة الدبلوماسية المصرية.
ثم ماذا عن السودان؟ لم يسمح بأى دور سياسى نشط خلال حقبة الثمانينات يحول دون كارثة انقلاب مايو 1989 أو على الأقل يتنبأ بها. الأنكى من ذلك أن العقلية الأمنية الساعية إلى التكيف مع الأمر الواقع بأقل الخسائر المكنة فى التعامل مع الشأن السودانى زينت للنظام القبول بالترابى والبشير، ونشرت هستيريا التواجد الإسرائيلى بجنوب السودان عند منابع النيل كمبرر لهذا التأييد المشئوم. وكانت المحصلة النهائية هى تقلص "الدور" المصرى فى السودان، واضطرار النظام إلى الاعتراف بجارانج نائبا للرئيس السودانى بعد أن كان يوصم بالعمالة لإسرائيل. الطريف أن تقلص الدور المصرى فى محيطه الإقليمى اقترن بسعى مصر للحصول على مقعد دائم فى مجلس الأمن، وسعيها الدءوب لاستعادة أمجادها فى القارة الإفريقية والتى تواجه فيها منافسة شرسة مع جنوب أفريقيا. هل يذكر أحدكم تجمع الكوميسا الهزلى عندما سعت الدولة المصرية إلى غزو أسواق رواندا وبوروندى دون أى عائد اقتصادى واضح؟
اقترن هذا التدنى فى أداء السياسة الخارجية المصرية وتراجع "الدور" المصرى الإقليمى بتلفيقية إيديولوجية أثيرة لنظام مبارك تحتل فيها القوى الفاعلة فى النظام الدولى موقع المفاوض الصعب المتحين الفرص للانقضاض على "الدور" و"المكانة" المصريين، والذى تتطلب مواجهته حكمة وتمرسا لا يتحملان أى تأثر بعوارض الرأى العام، ولا تتوفر إلا لدى الأجهزة الأمنية. وهو ما يعنى عمليا نشر دعاية ديماجوجية تجاه الغرب لا تصدر عن أى عداء متأصل فى السياسة المصرية لتلك القوى بقدر ما تبرر احتكار الأمن للقرار السياسى الخارجى المصرى. هذا وقد أظهر النظام فى مصر قدرة يعتد بها على التكيف، والتلاعب بمؤتمرات مناهضة التطبيع ومظاهرات الشوارع التى تطالب النظام بمواقف أكثر صدامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. هل يوجد مثال أبلغ من أداء الإعلام المصرى فى أعقاب اندلاع الانتفاضة الثانية؟ لن نخوض كثيرا فى التفاصيل، ولكن ما يعنينا هنا هو التشديد على حقيقة أن تخبط السياسة الخارجية المصرية بين لعب دور إقليمى مهيمن والانكفاء الذاتى داخل الحدود لم يكن ناتجا عن خلل فى الأداء يمكن تصويبه بسلاسة بقدر ما نتج عن مصادرة السياسة الخارجية المصرية لصالح الأجهزة الأمنية بالانقلاب على التراث المؤسسى للدولة الوطنية المصرية وهى المعادلة التى تشكل شرط إعادة إنتاج القلة الحاكمة لهيمنتها السياسية والإيديولوجية.

تواطؤ المعارضة
فى ذات الوقت الذى بدأ النظام يصوغ فيه "لا توجهه" الخارجى مع منتصف السبعينيات، اتجهت غالبية قوى المعارضة القومية والإسلامية واليسارية، وحتى الليبرالية التقليدية ممثلة فى حزب الوفد الجديد، إلى تبنى مواقف شديدة الراديكالية تجاه علاقة مصر بالنظام الدولى. لن نتعرض هنا لفرضيات الحركة الإسلامية التقليدية أو الراديكالية، فقد نالت حظها من الاشتباك النقدى فى مواقع عديدة، ولكن ما يعنينا هنا هو أطروحات التيارات القومية العربية واليسارية بشأن طبيعة النظام الرأسمالى العالمى وعلاقته ببنية الدولة المصرية، إذ أنها ظلت لفترة طويلة محصنة من النقد، وكانت المحصلة هى هيمنتها على لغة الجدل السياسى اليومى فى الإعلام المرئى والمسموع والمقروء.
تتأسس هذه الرؤية على فرضية بسيطة مفادها أن القوى الرأسمالية الاحتكارية من شركات متعددة الجنسية وإمبراطوريات مالية كبرى، المحمية بظلال القطب الأمريكى الأوحد، ترتكن فى عملها فى الإقليم على طبقات محلية حاكمة، وظيفتها الموضوعية هى حماية تلك المصالح، وأن تلك الطبقات تستمد شرعيتها أساسا من العلاقة بـ"الإمبريالية"، ولا تبحث لها عن قاعدة تأييد محلى. فى هذا السياق يكون القمع أو الإيديولوجيا الدينية المحافظة هما السبيل الوحيد لحفظ شرعية هذه الأنظمة المتهالكة التى يستحيل عليها إنجاز مهمة التحول إلى رأسمالية ناجزة. وهنا يكمن الجذر التاريخى للتمييز بين أنظمة رجعية وأخرى ثورية أو تقدمية تسعى للإفلات من هذه العلاقة الشاذة عن طريق مواجهة الاحتكارات وظهيرها السياسى، الذى هو الولايات المتحدة. ويحدث ذلك عن طريق التأميم وإتباع إجراءات جذرية لتوزيع الدخل مثل الإصلاح الزراعى أو التوظيف واسع النطاق.
أضيف لاحقا إلى هذا النظام الفكرى المتماسك فرضية أخرى مفادها أن هذه الأنظمة بتبعيتها للولايات المتحدة تتواطأ موضوعيا مع إسرائيل ومحاولاتها المستمرة لفرض الهيمنة على العالم العربى، وهو ما عُرف لاحقا فى أدبيات الحركة القومية العربية فى جيلها الثالث بطبعاته الراديكالية الفلسطينية بمعضلة "التجزئة". ما يعنينا هنا فى هذه الأطروحات أنها تفضى إلى نتيجة وحيدة مفادها أن أى نضال ديمقراطى ضد الأنظمة القائمة مقدر له أن يصطدم حتما بالولايات المتحدة وإسرائيل ومن ورائهما الرأسمالية العالمية فى مجملها، وأن عليه تاليا أن يتوجه توجها عروبيا خالصا لمواجهة التجزئة وإنجاز مشروع توحيدى عربى خالص. فهل مازالت هذه الفرضية صالحة للتطبيق على واقع النضال الديمقراطى المعاصر فى مصر؟
للإجابة على هذا السؤال ينبغى العودة قليلا إلى الوراء. اكتسبت هذه التحليلات شعبية غير مسبوقة فى أوساط اليسار والقوميين وبعض الفصائل الإسلامية عندما تبنتها بالكامل فصائل الثورة الفلسطينية الصاعدة منذ منتصف الستينيات مثل حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية. ووجد هذا النظام الإيديولوجى قبولا حسنا لدى الإنتليجنسيا المصرية التى كانت موزعة ما بين التيارين اليسارى والقومى العربى، لأنه ملأ لديها فراغا إيديولوجيا خلفته الناصرية بعد هزيمتها. وإذا كانت الناصرية على شعبويتها وتوجهاتها العروبية التى لا تخطئها العين هى فى التحليل الأخير، على المستوى النظرى طبعاً بغض النظر عن التطبيق، مشروع لبناء الدولة الوطنية من خلال تعبئة الفوائض المحلية والقضاء على أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية، لم تكنُّ هذه الرؤى الثورية القومية كثيرا من الود لفكرة بناء الدولة الوطنية أو حتى الاعتراف بوجود مشكلة تخلف فى القوى الإنتاجية. فالأزمة فى جوهرها وجميع أوجهها عندهم سياسية محضة ولا يمكن البحث عن بدائل لها من تخلف أو غيره من التحليلات التى تفترض مراحل سابقة على الثورات الموعودة لتقويض دعائم الدولة الوطنية؛ وهى التحليلات التى كانت سائدة خلال الأربعينيات فى صفوف الحركة اليسارية المصرية.
يمكن إرجاع هذا الافتتان جزئيا إلى ظروف نشأة هذه الإنتليجنسيا المصرية التى تشربت إيديولوجيا "الشعب المعلم" من أبواق الدعاية الناصرية بغير الانغماس فى أى فعل سياسى حقيقى قائم على تجميع وتعبئة مصالح هذا الشعب. فكل المطلوب هو التمثيل المجرد لهذا الشعب "العظيم" الذى لا يأتى حسه الباطل من بين يديه ولا من خلفه دون أية مسئولية حقيقية تجاه أبنائه. أضف إلى ذلك أن استبعاد كوادر هذه الإنتليجنسيا من أية ممارسة فعلية لصنع القرار (وهو جوهر فعل الدولة المدنية الحديثة) جعلها تستهجن أى نزوع إلى الرشادة أو التقنية فى صناعته. بعبارة أخرى كانت هذه الرؤى الرومانسية فى جوهرها تحمل خصومة لمنطق الدولة الوطنية الذى لا يتسع لتمثيل حرارة التصاقها بشعبها. فى النهاية توارت مفاهيم التخلف والتقدم والتنمية إلى الخلف لصالح مفاهيم الثورة و"الانتفاض". ومع توزع عناصر هذه الإنتليجنسيا على مختلف التيارات السياسة وغزوها لأغلب المواقع الإعلامية الفضائية الخارجة عن سلطة الدولة الوطنية سادت هذه الرؤية التبسيطية رويدا رويدا حتى أصبحت من قبيل البديهيات المستقرة. فمثلا يتحدث برنامج حزب التجمع عن أهمية تشكيل تحالف وطنى لبناء الدولة الوطنية القادرة على إنجاز مهمات النمو، فى حين أن الرؤية التى يتبناها كوادره مغرقة فى نزوعها السياسوى بشأن الصدام الحتمى مع الإمبريالية فى أى نضال ديمقراطى.
كانت هذه الرؤية قادرة على فرض جاذبيتها فى نهاية الستينيات مستظلة بالمد الثورى فى فيتنام وأمريكا اللاتينية. غير أن استمرار التشبث بمقولات أصبحت تنتمى إلى التاريخ الفكرى وفقدت صلاحيتها كنموذج تفسيرى لأمر يثير الدهشة. على أى حال ليس هذا مقام التعرض للانتقادات الموجهة لافتراضات مدرسة التبعية و امتداداتها فى الفكر السياسى المصرى. ولكن ينبغى التشديد على أن هذه التنظيرات المبسطة اتسمت بالتركيز المفرط على العلاقات البنيوية القائمة داخل النظام الدولى بغير أية إشارة لأدوار الفاعلين الاجتماعيين فى إنتاج وإعادة إنتاج هذه الأوضاع أو إدخال تعديلات جذرية عليها. فى هذا السياق لم تستطع هذه الأطروحات أن تقدم تفسيرا مقبولا لتجارب النمو الرأسمالى الناجح فى شرق وجنوب شرق آسيا وبعض بلدان أمريكا اللاتينية والتى أحدثت تعديلات جوهرية فى أوضاعها داخل النظام الدولى بغير صدامات دموية أو حتمية بالقوى الإمبريالية المهيمنة.
قد يحاجج البعض بأن هذه التجارب قد نشأت فى ظل رعاية أمريكية من أجل الحد من امتداد النفوذ السوفيتى لهذه البلدان. ولكن ماذا عن تجارب النمو فى شرق أوروبا، والتى اقترنت بمستويات من عدالة التوزيع لا تقارن بالسائدة فى بلدان المنطقة العربية، فى أعقاب انهيار النموذج السوفيتى وانتفاء الحاجة الاستراتيجية لمحاصرته؟ لا نجد تفسيراً منطقياً اللهم إلا بعض الإشارات لدور القوى الخارجية مثل الاتحاد الأوروبى فى دعم تجارب النمو فى أوروبا الشرقية. حسن، إذا كان هناك استنتاج يمكن الخلوص إليه بتتبع هذه التحليلات هو أنه على عكس فرضيات مدرسة التبعية كان الانفتاح على الاقتصاد العالمى بكل ما يحتويه ذلك من مخاطر أفضل للنمو الاقتصادى المحلى مائة مرة من كل تجارب "فك الارتباط" التى تحدثت عنها هذه النظريات. ويظل المعيار الحاكم إذن لنجاح أية تجربة هو مدى إخضاع العلاقات الاقتصادية الخارجية لضرورات التراكم المحلى وليس العكس، وهو ليس بالهدف المستحيل فى ظل أنظمة شرعية تستند فى حركتها على تحالفات اجتماعية واسعة كما هو الحال فى الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا.
هذا وتمدنا الحالة المصرية بالعديد من الأمثلة على تهافت هذا البناء النظرى/الإيديولوجى لأغلب الفصائل القومية واليسارية المصرية. تشير جميع الدراسات التاريخية والاقتصادية الموثقة إلى أن النمو الرأسمالى فى مصر، شأنه شأن بقية تجارب العالم لم يتخذ يوما مسارا خطيا ثابتا يعيد إنتاجه بغض النظر عن الحقب التاريخية التى يمر بها. أما من حيث اثر تلك العلاقات مع السوق الرأسمالى العالمى على استقلالية القرار الخارجى المصرى فلا نلحظ ذلك التزاوج الماهوى بين تزايد الاعتماد على السوق العالمى وتبعية القرار السياسى. بل نستطيع المغامرة بالقول بأن القرار السياسى المصرى كان أكثر حرية وقدرة على المناورة والإفلات من فخ سياسة الأحلاف الدولية خلال حقبتى الخمسينيات والستينيات، وهى الفترة التى تزايد فيها اعتماد الاقتصاد المصرى على السوق العالمى لتأمين احتياجات النمو المحلى من تكنولوجيا ومواد خام ناهيك عن الاقتراض المباشر من الخارج لتمويل النمو المحلى، خصوصا من الشريك السوفيتى. كل ذلك لم ينعكس، إلا فى أضيق الحدود بالطبع، على استقلالية القرار الخارجى المصرى. بل ولم يتمكن حتى من كبح جماح الانجرار المصرى للحرب مع إسرائيل عام 1967. على العكس من ذلك تماما، كانت المراحل التى اتسم بها القرار السياسى المصرى بتماهيه التام مع التوجهات الأمريكية على وجه الخصوص خلال حقبة الثمانينات هى الحقبة التى زادت فيها درجة تهميش الاقتصاد المصرى داخل الاقتصاد العالمى إلى درجات غير مسبوقة، سواء من حيث درجة اعتماد التراكم الرأسمالى المحلى على رؤوس الأموال الخارجية، فى شكل استثمارات مباشرة على سبيل المثال، أو من حيث الإسهام فى حركة التجارة الدولية. فى هذا السياق كان القبول ببرنامج الإصلاح الاقتصادى المفروض من صندوق النقد الدولى هو المحصلة الطبيعية للأزمة الاقتصادية التى تسببت فيها الإجراءات الاحتكارية التى توازت مع تدفق الفوائض البترودولارية على الاقتصاد المصرى مع نهاية السبعينيات. مع العلم أن هذه الإجراءات الاحتكارية لصالح القطاع العام والرأسمالية المحلية حظت بتفضيل شرائح ما يسمى بالبرجوازية الطفيلية والتى تحظى بالنصيب الأوفر من سهام النقد الإيديولوجى للإنتليجنسيا المصرية بوصفها القاعدة المحلية لعمل الرأسمال الاحتكارى العالمى.
وقد قاومت هذه الرأسمالية، وما زالت، مستغلة نفاذها المباشر إلى أجهزة الدولة، أية محاولة لإعادة النظر فى الإجراءات الحمائية التى يتبعها الاقتصاد المصرى لصالح هذه الشرائح الرأسمالية الموصومة بصفة الكمبرادورية. أى أن النظام المصرى دفع فاتورة انعزاله عن السوق العالمى وإجراءاته الحمائية من استقلالية قراره السياسى وليس العكس على الإطلاق. وكان رضوخه لضغوط المؤسسات الاقتصادية الدولية ناتجا عن فشله السياسى فى السيطرة على الأزمة الاقتصادية وليس نتيجة حتمية لعلاقة بنيوية ما مع النظام الرأسمالى العالمى. أكثر من ذلك تسقط هذه التحليلات تماما من حساباتها فترات النمو الرأسمالى التى تمت فى ضوء الانفتاح على آليات السوق الرأسمالى العالمى بغير صدام حتمى مع الإمبريالية الأمريكية. على سبيل المثال تتجاهل هذه التحليلات فترات النمو الصناعى المحدود خلال الفترة الأولى من حكم مبارك أو خلال النصف الأول من عقد التسعينيات وتتعامل معها كأنها لم توجد قط، إذ أنها تتناقض جذريا مع تصوراتها الميتافزيقية عن الصدام الحتمى مع الرأسمالية العالمية. كذلك تستهجن هذه التيارات محاولة دفع النمو الرأسمالى المحلى وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة على يد المجموعات الليبرالية داخل الحزب الوطنى وهياكل الدولة المختلفة بغير سبب واضح على حد علمنا اللهم إلا الربط الميكانيكى بين تلك المحاولات وتبعية القرار السياسى الخارجى المصرى. بعبارة أخرى وبدون أية مبالغة، تحتفى هذه التحليلات بالتوجهات الصدامية مع الغرب الرأسمالى حتى وإن عصفت بمشروع النمو الرأسمالى المحلى "المعتمد على الذات"، وتستهجن أى نمو رأسمالى محلى مستند إلى برجوازية وطنية إذا لم يكن فى صدام محتدم مع الغرب. هل نحن فى حاجة إلى تبيان أن هذا القناع الأيديولوجى الواهى لمنظرى التبعية المصريين لم ينجح إلا فى صب الماء فى طاحونة القوى القومية والإسلامية التى تكن عداء للغرب من حيث هو غرب؟ لم يكن ذلك من قبيل الصدفة ولكنه كان نتاجا طبيعيا لإيديولوجيا الإنتلجسنيا الوطنية الناصرية والتى اغتنت من شيوع المحافظة التقليدية تجاه الانفتاح على الاقتصاد الرأسمالى العالمى والغرب الحداثى لدى جمهرة الفلاحين والبرجوازية الصغيرة والتى تم تعريفهم بدءا على أنهم "الشعب".
وهكذا اقترن الاستنكاف عن الخوض التفصيلى فى حديث العلاقة مع العالم الخارجى وكراهة الدولة الوطنية "بنت الاستعمار وقاعدته" بالضغط الدائم على النظام لاتخاذ مواقف أكثر صدامية على الصعيد الدولى تبدأ بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ولا تنتهى بالإحجام عن إرسال السفراء للعراق استجابة لرغبات عصابة الزرقاوى وأتباعه. أصبح النظام هنا محور الضغط وأداته بغير أى دور للمعارضة فى صياغة إبداعية لبدائل للسياسة الخارجية المصرية. فليس من المتصور مثلا أن تتصدى قوى المعارضة لقطع العلاقات مع إسرائيل! ولاقى ذلك كله هوىً فى نفس النظام القائم إذ أنه كان تسليما مبطنا باحتكار النظام وأجهزته الأمنية لملف العلاقة مع الخارج كليةً، بل أن النظام استطاع استغلال هذه المشاعر العدائية لدى النخبة المعادية للغرب الرأسمالى فى توسيع هامش مناوراته الدولية والتى يحتكرها وحده أيضا. وفى هذا السياق، استقر الحوار المجتمعى حول إدارة البيئة الخارجية للتقدم عند مستوىً متدن من الجدل بين منظرى النظام/ الأمن ومناضلى المعارضة، يستبطن إقرارا من الطرفين بكراهة الانفتاح على النظام الدولى، مع اختلاف فى درجة هذه الكراهة، مشفوعا بإقرار ضمنى آخر بحق القلة الأمنية/ العسكرية البيروقراطية فى الاستئثار بهذا الملف دون غيرها من برجوازيات أو سياسيين يقال عنهم دائما أنهم مستعدون "لبيع الوطن بثمن بخس". فهل من بديل يستلهم أطروحاته بعيدا عن سيطرة الأجهزة الأمنية والإنتليجنسيا المستظلة بالرجعية الريفية؟

محددات رئيسية لعلاقات مصر الخارجية
النقاط التالية تشكل النتائج التى يمكن استخلاصها من التحليل النقدى السابق، والتى يمكن اعتبارها فى نظرنا محددات أساسية لأى موقف من إدارة البيئة الخارجية لأى مشروع للنهضة المصرية. وعلى الرغم من الإقرار بإمكان الخروج ببدائل متعددة عن طريق التركيب بين هذه المحددات إلا أننا سنحاول الخروج برؤية يسارية ديمقراطية تأخذ فى اعتبارها المصالح التى تمثلها.
أولا: فى مختلف مراحل النمو الرأسمالى المصرى كان الصدام مع البيئة الخارجية من عدمه رهنا بالتوجهات السياسية للتحالف الاجتماعى الحاكم، وكانت استقلالية القرار السياسى الخارجى رهينة بكفاءة الأداء الاقتصادى من عدمه بغض النظر عن طبيعة النظام الاقتصادى القائم. وتمثل هذه الخلاصة أهمية قصوى لنا فى محاولة استلهام محددات رئيسية لموقف أية قوة ديمقراطية من إدارة البيئة الخارجية لمشروع بناء الدولة الوطنية، فى ضوء أن الصدام مع الخارج ليس قدرا محتوما، ويمكن تلافيه مع الاحتفاظ باستقلالية القرار المصرى فى ذات الوقت.
ثانيا: النظام فى مصر ليس خائنا أو عميلا لأحد. المشكلة تكمن فى عدم وضوح رؤية النظام بصدد سياسته الخارجية وتأرجحها بين السعى للعب دور إمبراطورى أو الانكفاء داخل الحدود، على نحو ما حاولنا أن نوضح. وقد نتج هذا التأرجح عن احتكار الأجهزة الأمنية لعملية تشخيص المصالح الوطنية وصياغة أهداف وتكتيكات السياسة الخارجية. وقد أسفر ذلك عن تدنى قدرة النظام على لعب أى دور إقليمى نشط، مما أنتج فراغا استراتيجيا هائلا فى الإقليم، كان من المنطقى أن تتقدم القوة الإمبراطورية الأمريكية لشغله.
لقد أصبح من مسلمات فكر العلاقات الدولية أن فائض القوة يحتاج إلى فراغ استراتيجى لتصريفه فى أشكال حروب أو مشاريع هيمنة. وظاهرة تصريف فائض القوة تلك كانت ملازمة لغالبية الإمبراطوريات الكبرى التى عرفها التاريخ، ومن ضمنها الإمبراطورية الأمريكية. ويتجه فائض القوة إلى مناطق الفراغ الاستراتيجى التى تتسم بتحلل أنظمتها السياسية وانهيار شرعيتها وليس إلى المناطق التى تشكل تهديدا حقيقيا للنفوذ الإمبراطورى. وهو ما يفسر جزئيا أن الحروب الإمبريالية الأمريكية الأخيرة كانت ضد يوغوسلافيا فأفغانستان فالعراق، وهى جميعا مناطق فراغ استراتيجى بالمعنى السابق ذكره، ولم تتجه إلى الصين مثلا أو المكسيك، وهى قوى صاعدة تشكل تهديدا حقيقيا لهيمنة الأمريكية على المدى البعيد. بعبارة أخرى، نحن ندفع من استقلالنا الوطنى فاتورة هامشيتنا فى الاقتصاد العالمى وتقوقعنا المحلى، على خلاف مقولة القوميين التى تعزو الهامشية إلى المؤامرات الاستعمارية الإمبراطورية.
ثالثا: النظام الدولى القائم و الذى خلف انهيار الإتحاد السوفيتى، وإن كان يتسم بالنزوع الإمبراطورى تحت قيادة القطب الأوحد الأمريكى والنزوع الاحتكارى الرأسمالى، إلا أنه ما زال يقدم بيئة مواتية لعديد من بلدان ما كان يعرف سابقا بالعالم الثالث لتحقيق مستويات أعلى من التنمية الاقتصادية والتنافسية والوصول إلى علاقات أكثر توازنا مع العالم الخارجى تخدم أهداف التنمية المحلية. ويعود هذا بالأساس إلى خفوت حدة التنافس الاستراتيجى المستعر بين القوى العظمى طوال فترة الحرب الباردة والذى كان وبالا على العديد من تجارب التنمية المبشرة فى مناطق الصراع الكبرى. هل يوجد مثل على ذلك أفضل من الشرق الأوسط والحالة المصرية على وجه الخصوص، والتى كانت الحروب المتكررة التى استنزفتها منذ حرب السويس وانتهاء بهزيمة 1967 بمثابة ضربات متتالية لمشروعها التنموى؟ ألم يكن التدخل الأمريكى والسوفيتى لدعم الانقلابات العسكرية المتوالية فى المنطقة بمثابة محفز دولى لنزع الاستقرار المطلوب لنمو الدولة الوطنية ببناها المؤسسية وهياكلها الاجتماعية الحديثة؟ ألم يكن التنافس الاستراتيجى على الموارد الطبيعية، وعلى رأسها النفط، داعما رئيسيا لتشجيع نمو الإيديولوجية الإسلامية المحافظة فى الجزيرة العربية وتخطيها لحدودها الجغرافية لتحظى بانتشار غير مسبوق بكل ما حملته تلك الإيديولوجية من عداء مبطن وظاهر لمشروع الدولة الوطنية؟ أعتقد أن بشائر تحلل كل ذلك بدت ظاهرة للعيان وأن فرص التحول الديمقراطى والنمو الرأسمالى السلمى بدون لغة الانقلابات أصبحت أعلى بما لا يقارن بشرط توافر القدرة على استغلالها.
رابعاً: استنادا إلى الفرضيتين السابقتين يمكن الوصول إلى استنتاج مبدئى مفاده أن الدولة المصرية يمكنها أن تنجز مستويات أعلى من التنمية الاقتصادية، وأن تصل إلى توزيع أكثر عدلا لعوائد هذه التنمية، وأكثر من ذلك أن تنتهج سياسة دفاعية وخارجية أكثر توازنا داخل ذات النظام الدولى القائم، شريطة إنجاز تعديلات جوهرية على تركيب التحالف الاجتماعى الحاكم وأنماط العلاقات التى ينسجها مع الطبقات الاجتماعية المسودة لصالح تلك الأخيرة. هذا التطور من شأنه فى نظرنا أن يكسر احتكار المؤسسات العسكرية والأمنية (والذى تواطأت على استمراره معظم قوى المعارضة المصرية)، لصالح مشاركة أرحب فى الجدل حول الخيارات الاستراتيجية للنظام المصرى، بما يجعل السياسة الخارجية أكثر موائمة لأهداف النهضة المحلية.

ملامح أولية لموقف يسارى ديمقراطى بشأن إدارة البيئة الخارجية للإصلاح
أولا: إن الأولوية القصوى لأى مشروع يسارى يستند على حلف اجتماعى واسع يضم كل العاملين بأجر هى استكمال بناء الدولة الوطنية الديمقراطية بما يتطلبه من مستويات نمو مرتفع وتوزيع عادل للدخل ومقرطة أعلى بكثير من المتحقق حاليا فى ظل النظام الحالى. فهذه القوى الاجتماعية فى حركاتها وأشكالها التنظيمية لا تميل بطبيعتها إلى المشاريع الهوياتية/ الإيديولوجية، وإنما إلى الحس العملى البراجماتى وترشيد سلوك الدولة بعيدا عن الجموح الإيديولوجى. وبالتالى لا يعبر مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية التى تدير علاقاتها الخارجية بمنطق تعظيم المكاسب وتحجيم الخسائر الممكنة عن رؤية فكرية مجردة بقدر ما يعبر عن ميل طبيعى لدى حلف اجتماعى صاعد ممكن، وإن كان لايزال يفتقر الى أشكال تنظيمه المستقلة عن بيروقراطية الدولة.
ثانيا: الاندماج فى الاقتصاد الرأسمالى العالمى أصبح حتمية لا ينبغى إضاعة المزيد من الوقت فى الجدل الإيديولوجى حولها. الجدل الحقيقى ينبغى أن يتوجه إلى كيفية تحقيق الاستفادة القصوى من هذه البيئة الدولية المليئة بالفرص والمخاطر لصالح الأغلبية. وعليه، ينبغى إخضاع العلاقات الاقتصادية الخارجية لمنطق التراكم المحلى والتوزيع العادل للثروة والدخل. وهو الأمر الذى يمكن تحقيقه من خلال فرض شروط موضوعية على الاستثمار المحلى والأجنبى بشأن حقوق العمال وظروف العمل، على أن تضطلع بهذه المهمة تنظيمات هؤلاء العاملين أنفسهم وليس بيروقراطية الدولة الكوربوراتية فى سياق ابتزازها لرأس المال. تشير تجارب النمو الرأسمالى الناجح فى بلاد يشتد فيها عود الحركات العمالية يوميا كالبرازيل والمكسيك وجنوب إفريقيا إلى أن رأس المال الأجنبى، والمحلى، عادة ما ينصاع لتلك الشروط فى حالة ضبط الفساد المستشرى فى أجهزة الدولة وتحجيم نفوذ البيروقراطية، فلا يمكن مواجهة الحركات الإجتماعية الصاعدة الى الأبد دون تقديم تنازلات جوهرية. مرة أخرى الصدام ليس قدرا.
ثالثاً: أخذا فى الحسبان الفرضيتين السابقتين، يمكن الخلوص إلى أن علاقات مصر بمحيطها العربى ينبغى إخضاعها للمصلحة الوطنية المصرية فى استكمال مشروع دولتها الوطنية وليس العكس. فسيبقى التنسيق المصرى/ العربى فى القضايا والتحركات الاستراتيجية فى مجال السياسة الخارجية المصرية ضرورة ورصيدا مهما للمناورة على الصعيد الدولى، خصوصا فى مجال تحجيم السياسات التوسعية الإسرائيلية التى تظهر على السطح بين الحين والآخر. بالإضافة إلى ذلك، سيبقى البناء على المشترك الثقافى المتحقق بالفعل بين الدول العربية قائما فى مختلف المجالات الممكنة للتعاون والإنتاج الثقافى. وفى هذا السياق تستثمر مصر رصيدا غير مسبوق من الحضور الإعلامى المتميز فى المجالات الأدبية والفنية المختلفة، أى أنها لا تنشئ توجها من العدم. أما الإصرار على لى عنق الحقائق والدفع بمشاريع التكامل التى يرتبها الجوار الجغرافى والمشترك الثقافى إلى آفاق لا تتحملها، كمشاريع للتوحيد السياسى على سبيل المثال، أو الإصرار على إنشاء سوق عربية مشتركة (وهى مشاريع تفتقر إلى كل من الحد الأدنى من القبول العام والمرتكزات المادية داخل كل بلد عربى على حدة)، لا ينتج فى الواقع إلا مزيدا من الأعباء على كاهل السياسة الخارجية المصرية لا تستطيع الوفاء بها، بالإضافة إلى فتور فى العلاقات العربية/ العربية يصاحب أية محاولة توحيد قسرى تقودها مصر أو غيرها.
آن الأوان أن تعترف القوى القومية والإسلامية وغالبية القوى اليسارية المصرية بأن النظام العربى القائم منذ نهاية الحرب العالمية الأولى والمتمركز على الدولة الوطنية هو نظام شرعى ويحظى بقبول عام داخل كل بلد عربى على حدة وأن قاعدة شرعيته تتزايد يوميا. ولا يوجد تعبير عن هذه الحقيقة أدق من أفول نجم الحركات القومية التى اجتاحت العالم العربى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكذلك تحول الفصائل الكبرى من الحركات الإسلامية إلى التكيف مع واقع الممارسة السياسية على الصعيد الوطنى المحلى بغير أية طموحات أممية إسلامية جامعة، حتى لو أنكرت ذلك فى رطانتها الإيديولوجية. أكثر من ذلك، أن التعبئة الإعلامية الضخمة التى رافقت الانتفاضة الثانية ثم الحرب على العراق مضافا إليها ما تموج به شبكة الانترنت من مواد تحريضية وإمكانيات للتواصل ما بين القوميين العرب دون التقيد "بحدود الأقطار المصطنعة"، والتى تفوق أكثر أحلام ميشيل عفلق (المفكر البعثى) وردية بشأن وحدة النضال القومى، لم تساهم ولو بقدر ضئيل فى إقالة الحركة القومية العربية من عثرتها التى يبدو أنها ستطول. ولم تتحول الكراهية المتزايدة للسياسات الأمريكية فى المنطقة إلى رصيد تنظيمى للحركة القومية العربية.
رابعا: الحديث عن إعادة هيكلة علاقة مصر بمحيطها العربى يستتبع بالضرورة حديثا عن مستقبل علاقة مصر بالصراع العربى الإسرائيلى، والعلاقة بإسرائيل باعتبارها المنافس الاستراتيجى الأهم فى الإقليم. هنا أيضا تشكل فكرة رد الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية نقطة البداية فى المناقشة. فى هذا السياق، يجب التذكير بإحدى البديهيات، وهى أن أى مشروع تنموى لا يمكن أن يكتب له النجاح فى ظل توتر إقليمى يهدد دائما باندلاع حروب تستنزف كل فوائض التنمية المتحققة بالفعل. وبالتالى يكون أحد أهم أهداف السياسة الخارجية فى مرحلة إطلاق النمو هى تحجيم احتمالات نشوب حروب إقليمية والابتعاد عن السياسات التى تفضى فى النهاية إلى ذلك. فالمواجهة مع إسرائيل لا يمكن ولا ينبغى أن تكون هدفا فى ظل أى مشروع تنموى طموح.
فى المقابل ستستمر مشكلة مواجهة الميول التوسعية للسياسة الخارجية الإسرائيلية. وهو ما لا يمكن أن يتم إلا بضغط متواصل على الولايات المتحدة لانتهاج سياسات أكثر توازنا فى علاقتها بإسرائيل. يضاف إلى ذلك توظيف الممكنات التى تتيحها العلاقات الأوروبية/ العربية فى إضافة المزيد من الضغوط على إسرائيل، خاصة من خلال توظيف الكيانات التى تضم أطرافا عربية وأخرى إسرائيلية كالمجالس المنبثقة عن اتفاقيات الشراكة مثلا، سواء كانت وزارية أو برلمانية. هذا ليس كلاما مرسلا، بل له ما يعززه على أرض الواقع من شواهد. على سبيل المثال يعتبر الانسحاب الإسرائيلى من غزة فى أحد أوجهه منتجا جانبيا لتوظيف ورقة الضغط الأمريكية والأوروبية بكفاءة عالية نجحت فى بناء إجماع فى تلك الدوائر على الانسحاب الإسرائيلى الكامل مقترنا بتفكيك مستوطنات القطاع. هذه إحدى الخبرات القليلة الناجحة لمؤسسات السياسة الخارجية المصرية والتى ينبغى تأملها والبناء عليها فى أى مشروع يهدف إلى بناء الدولة، لا إلى الانقلاب على تلك المؤسسات بالكامل.
أضف إلى ذلك بديهية أخرى استقرت فى العلاقات الدولية وهى أن استمرار طرف فى تشكيل تهديد إقليمى لمدة تربو على النصف قرن هو المستحيل بعينه، وأن أية محاولة لتمرير هذا الادعاء لا يمكن تبريرها إلا إذا كان هذا الطرف لا يسرى عليه ما يسرى على بقية المجتمعات الإنسانية من تحولات فى بناها الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية. والمجتمع الإسرائيلى شأنه شأن أى مجتمع فى النظام العالمى الجديد يتجه إلى الاستقرار على معادلة للحكم قوامها طبقة وسطى واسعة لا تسائل الدولة فى هويتها أو حدودها وفقا لمرجعيات إيديولوجية كبرى بقدر ما تسائلها فى شرعية سياساتها الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المحلى، وهو ما يفرض قيودا حقيقية على أية ميول توسعية إسرائيلية فى المستقبل.
خامسا: القضية الأخيرة والأكثر إثارة للجدل فى تصور أية قوة يسارية لإدارة البيئة الخارجية بما يحقق أهداف بناء الدولة الوطنية الديمقراطية هى الإحراج الناجم عن تبنى القوى الخارجية الدولية المهيمنة على حركة التفاعلات فى النظام الدولى لخطاب قوى اليسار بشأن الديمقراطية والتداول السلمى لسلطة. الأمر الذى يضع هذه القوى فى مأزق تاريخى، خاصة أن هذه الضغوط الدولية على النظم العربية (كمصر والسعودية مثلا) تأتى فى إطار فرض قبول غير مشروط بالاحتلال الأمريكى للعراق أو السياسات التوسعية الإسرائيلية، وهو ما يضع هذه القوى موضوعيا فى صف الضغوط الأمريكية التى تستهدف إحداث خلخلة فى أنماط الشرعية القائمة، فى طبعتها الثورية السورية أو طبعتها المحافظة السعودية، و التى لم تعد قادرة على حفظ الأمن و المصالح الاستراتيجية الأميريكية فى الإقليم. يفاقم من دراما الموقف الحقيقة البسيطة التى مفادها أن قادة حركة المعارضة لمبارك يأتون فى أغلبهم من خلفيات قومية أو ناصرية، ناهيك عن معارضة الإخوان المسلمين، وهى فى مجملها قوى اقتاتت فى حركتها السياسية وخطابها الإيديولوجى على معارضتها للسياسة الأمريكية فى المنطقة.
فى هذا السياق قد يطرح البعض مقولة مفادها أن النظام القائم يتحمل مسؤولية هذا الوضع ولا يجوز تحميله لقوى الوطنية الديمقراطية التى تناضل فى سبيل تلك المطالب قبل التحول الأخير فى سياسة الإدارة الأمريكية. إذا سلمنا بصحة هذه المقولة يكون المدخل الطبيعى لصياغة موقف وطنى ديمقراطى من التدخلات الأمريكية بشأن قضية الإصلاح السياسى هو تعديل شروط هذه العلاقة التى تربط أنظمة المنطقة بالولايات المتحدة كلية. وهى العلاقات التى لم تعتن كثيراً بمطالب التنمية والعدالة فى الإقليم لصالح مفاهيم عامة عن "الاستقرار" ترجمتها فى الواقع العملى هى حماية أمن إسرائيل ونفط الخليج. هذه المعادلة لم تفلح الا فى خلق حالة دائمة من التوتر الإقليمى بين العرب وإسرائيل ألقت بظلالها على التطور الديمقراطى فى كل بلد عربى على حدة على هيئة انقلابات عسكرية أو شيوع إيديولوجيات إسلامية محافظة تتخاصم مع شرعية الدولة الوطنية الحديثة. وعليه ينبغى أن تضغط القوى الديمقراطية فى اتجاه تعديل الشروط المستقرة للعلاقات المصرية الأمريكية فى اتجاه ما يمكن أن نطلق عليه "صفقة جديدة" New Deal مع الإقليم، يتم بمقتضاها ربط الالتزام الأمريكى "المعلن" بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالتزام بالانغماس النشط فى حل الصراع العربى الإسرائيلى وجدولة الانسحاب من العراق إلى جانب الامتناع عن دعم أية اتجاهات انقلابية فى السياسة العربية كما كان الحال خلال فترة الحرب الباردة وما بعدها.
بالإضافة الى ذلك إلى ينبغى توجيه المعونات الأمريكية إلى دعم القدرات المؤسسية للدولة المصرية فى مجالات كالإصلاح القضائى أو الإدارى فى شراكة مع منظمات المجتمع المدنى. مرة أخرى هذا ليس حديثا مرسلا إذ يشهد الإقليم على سابقة هامة بشأن صياغة علاقة دول الإتحاد الأوروبى بالمنطقة فى ضوء صفقة متكاملة لا تجتزئ قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان عن قضايا التنمية والأمن والسلام الإقليميين. على أى حال لا يمكن تقييم حصاد العقد الفائت فى هذا الصدد ولكن التراجع عنه والارتداد عليه تتحمل مسئوليته فى المقام الأول حكومات المنطقة التى لم تتعامل بالحد الأدنى من المسئولية مع هذا المشروع واعتبرته فرصة لإقالة دول المنطقة من عثراتها المالية وأزمات شرعيتها الطاحنة. زاد من الطين بلة الجموح العدوانى الإسرائيلى والهجمة الإمبراطورية الأمريكية على المنطقة والتى حولت الحديث عن دعم الأمن والسلام الإقليميين إلى حديث ينتمى للماضى.
إحياء تلك المشاريع سواء مع الشريك الأوروبى، أو الشريك الأمريكى المحتمل، لا يمكن انتظارها من الطرف الخارجى على الإطلاق. فكما كانت أزمة الشرعية الممتدة سببا فى فشل تلك المشاريع مع بداية الألفية الجديدة تصبح محاولة البحث عن شرعية جديدة تضخ الدم فى أوصال الدولة المصرية مدخلا لإحيائها. وقد علمنا تاريخ المنطقة البائس مضافا إليه تحولات السياسة الدولية أن الطريق الوحيد للشرعية فى عالمنا هو الطريق الديمقراطى الدستورى القائم على انتخابات حرة نزيهة. فهل آن الأوان لأن ندرك أننا ندفع ثمن سلطوية أنظمتنا من مكانتنا الدولية واستقلالنا الوطنى؟ أرجو ذلك، وإن كانت الشواهد تدل على أن غالبية القوى الإسلامية والقومية تسعى لامتطاء حصان طروادة الديمقراطى لإعادة الكرة من جديد والانقلاب على ما تبقى من ميراث الدولة الوطنية الديمقراطية.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:14.

من "الدين للـه والوطن للجميع" إلى "الدين للـه والدولة للجميع"

الحركة الديمقراطية في مواجهة المسألة الطائفية

سامر سليمان

يتطلب تأسيس "توافق وطني" حول إنجاز مهام التحول الديمقراطي في مصر، من ضمن ما يتطلب، التوصل إلى تسوية للقضية الطائفية، أي إعادة صياغة ما يسمى "بالوحدة الوطنية" بين المسلمين والمسيحيين، التي أرستها ثورة 1919 والتي تجاوزتها الظروف والأحداث فيما بعد. يحاول سامر سليمان طرح الأرضية التي يمكن عليها بناء هذه التسوية.

هناك مؤشرات لا يمكن أن تخطئها عين المراقب المنصف، مؤشرات تؤكد أن العلاقات الطائفية في مصر وصلت في السنوات الأخيرة إلى أقصى درجات التردي، ذلك التردي الذي بدأ منذ الثلاثينات، وظهر على السطح منذ السبعينات، ولا يزال يتفاقم حتى هذه اللحظة. فمن صدامات مباشرة سقط ضحيتها المئات من القتلى والجرحى، ومن حروب كلامية طائفية ساعد على ظهورها نهاية احتكار الدولة لوسائل الإعلام، وتشكل وسائط اتصال جديدة، مثل شرائط الكاسيت، ثم الفضائيات ومواقع الانترنت، كان لها أن تخرج المكبوت الطائفي الذي يحاول النظام والخطابات القومية أن يخفيه بمقولات جوفاء عن صلابة "الوحدة الوطنية" التي ستصمد أمام كل محاولات بث الفرقة المدسوسة من قوى خارجية تحاول من خلالها زعزعة وحدة الأمة.
وللمتشكك في مدى هذا التردي في العلاقات الطائفية أن يراجع تقارير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عن المسألة، أو أن يتجول على شبكة الانترنت، في المواقع الإسلامية والمسيحية لكي يلمس بنفسه مستوى عنف الخطاب الطائفي. والنزاع الطائفي في مصر لا يقتصر فقط على "مطالب قبطية" يطرحها بعض النشطين "الأقباط" تدور حول حقوق مهضومة للأقلية المسيحية، لكي يتلقفها نشطون إسلاميون ويرفضونها جملة وتفصيلا باعتبار أن المسيحيين هنا يتمتعون بحقوق لا يحصل عليها المسلمون، ولكن الأمر يصل إلى حرب مستعرة حول قراءة تاريخ البلاد، بين من يرى أن الاستقلال الوطني لم يتحقق بعد لأن مصر لا زالت تعاني من "استعمار عربي إسلامي" بدأ في القرن السابع الميلادي، وبين من يرى أن تاريخ مصر بدأ فقط بدخول العرب المسلمين إليها وأن جماعة الأقباط ظلوا منذ ذلك التاريخ مجموعة من الخونة يشكلون شوكة في ظهر المسلمين. هذه الصياغات الأشد راديكالية وتطرفا لا تحظى بقبول قطاعات واسعة على الجانب المسلم والمسيحي، لكن يظل التعرف عليها مهما، لأنها استطاعت بالفعل أن تخترق الوعي الطائفي العام، حتى أن أصدائها تتردد في الخطاب الطائفي الأقل تطرفا.
المناخ الطائفي في مصر ملوث، لا شك في هذا. ولكن هذا التلوث لم يمنع قوى سياسية تنشط حاليا من أجل التغيير السياسي، أن تحاول إعطاء انطباع ما بأنها قادرة على تجاوز الانقسامات والاحتقانات الطائفية. والأمثلة كثيرة: حينما قررت حركة كفاية اختيار شخصيتين كواجهة لها أمام الإعلام، كان جورج إسحاق، العضو السابق في حزب العمل، هو إحدي هاتين الشخصيتين، وذلك حين قدمته الحركة كمنسق عام لها. وحينما تأسس حزب الغد، تقرر أن تشغل منى مكرم عبيد منصب نائب رئيس الحزب، وهي تنتمي إلى أسرة مسيحية قدمت الكثير من الكوادر السياسية المهمة، يأتي على رأسها بالطبع مكرم عبيد. ولم يتخلف الإخوان المسلمون عن الركب، فحينما أسسوا، في يونيو الماضي، التحالف الوطني للإصلاح والتغيير تحت قيادتهم، كان أحد أهم الوجوه التي قاموا بإبرازها ابن الرئيس الراحل للطائفة الإنجيلية الكاتب رفيق حبيب، الذي يعمل بنشاط في صفوف التيار الإسلامي منذ حوالي عشر سنوات. أما الحملة الشعبية للتغيير وحركة شباب من أجل التغيير، والتي يعمل من خلالها اليسار، فبالرغم من أنها لم تقم بإبراز أية وجوه "قبطية" (وهي على أية لم تقم حتى الآن بتقديم قيادات ذات حضور إعلامي)، تكشف حركتها في الشهور الماضية عن تقاطع ما مع المسألة الطائفية. فبعد أن شاركت الحملة في تنظيم مظاهرة "كنس السيدة" أمام مسجد السيدة زينب، ذهبت في المرة التي تلتها إلى حي الزيتون ذو الثقل السكاني المسيحي ونظمت مظاهرة أمام كنيسة العذراء، كان من الشعارات التي رُفعت فيها "محاكمة مجرمي الكشح"، أي محاكمة رجال الشرطة الذين قاموا بتعذيب مئات من سكان قرية الكشح التي تقطنها أغلبية مسيحية، ومحاكمة السكان الذين ارتكبوا جرائم اعتداء على مسيحيين في هذه القرية في الأحداث الطائفية الشهيرة التي نشبت هناك، وهو المطلب الذي رفعته مظاهرات المسيحيين في السنوات الأخيرة.
يبدو أن الحركات السياسية التي تنشط الآن في التعبئة السياسية تدرك، أو على الأقل تشعر بالفطرة، أن بناء توافق وطني حول مطالب التغيير السياسي يتطلب العديد من الأشياء، من أهمها تقديم إجابة ما على المسألة الطائفية. فقوى التغيير لن تستقيم في مصر إلا إذا استطاعت جذب أفراد وجماعات من الأقلية المسيحية. ليس هذا بالأمر الغريب أو الجديد. أنظر إلى ثورة 1919 وكيف صاغت التوافق حول مطالب الاستقلال الوطني. المجتمع المصري كان منقسما في تلك الفترة إلى فئات وجماعات اجتماعية عديدة، من ملاك زراعيين كبار وفلاحين فقراء، من أرستقراطية مدينية وأفندية، من رأسماليين وعمال، من متعلمين وأميين، من رجال ونساء، الخ. لم تؤسس ثورة 1919 التوافق الوطني على الاتحاد بين الفئات الاجتماعية السالفة الذكر, ولكنها صاغته فقط على الانقسام الطائفي بين مسلمين ومسيحيين. هكذا أصبح أهم شعارات الثورة "يحيا الهلال مع الصليب" و"الدين للـه والوطن للجميع". وهو الأمر الذي يحتاج لتفسير، لأن المسيحيين في مصر لا يشكلوا إلا حوالي 10% من السكان. فلماذا تكون مشاركتهم في "الإجماع الوطني" لها كل هذه الأهمية؟ الإجابة الأقرب للمنطق هي أن ثورة 1919 قامت على مجتمع طائفي، كان لا يزال يُعرِّف المواطن في السياسة وفي الشأن العام عموما تبعا لانتماءاته الطائفية. ووصف مجتمع ما بأنه مجتمع طائفي لا يعني بالضرورة أن طوائفه تصارع بعضها البعض، لأن الطائفية قد تقوم على التسامح والتعاون بين الطوائف. المقصود بالطائفية هنا هو أن تكون الهوية الدينية/ الطائفية هي مدخل أساسي لمشاركة الناس في الشأن العام، وأن يكون لانتماء الفرد إلى طائفة ما علاقة مباشرة بسلوكه السياسي أو برؤية المجتمع لدوره في الحياة العامة.
تميزت السنوات التي سبقت ثورة 1919 بدرجة مرتفعة من المشاحنات الطائفية، وصلت إلى أوجها بانعقاد "المؤتمر القبطي الأول" سنة 1911 والذي تلاه انعقاد "المؤتمر المصري" الذي دعا إليه بعض المسلمين للرد على مطالب "الأقباط". كانت شكاوى الحركة "القبطية" في تلك المرحلة تدور حول حرمان المسيحيين من حقوق أساسية أهمها الآتي: حرمان المسيحيين من تولي المناصب الكبرى في الدولة مثل حكام المديريات (المحافظين)، تلك المناصب التي كانوا يتولونها قبل الاحتلال البريطاني، وعدم إنفاق الدولة على مؤسساتهم الدينية، بينما تنفق على المؤسسات الإسلامية. والحقيقة أن الحركة التي رفعت مطالب "الأقباط" كان يشوبها توتر وانقسام بين تيار يريد تكريس الطائفية السياسية، بمجموعة من السياسات مثل توزيع المناصب في الدولة على الطوائف تبعا لنسبتها في السكان، وتيار آخر يريد تجاوز الطائفية بتوزيع وظائف ومناصب الدولة تبعا لمعيار الكفاءة، ليس إلا.
وقد تراوحت ردود الفعل "الإسلامية" في المؤتمر المصري على هذه المطالب بين الحدة تارة واللين تارة أخرى. ولكن كان هناك إجماع على رفض مطالب المؤتمر القبطي. وكان من ضمن الأطروحات أن المسيحيين في مصر يحصلون على أكثر من حقوقهم، فنسبتهم في شغل الوظائف العامة تفوق نسبتهم بين السكان، كما أن نصيبهم من ثروة البلاد يفوق أيضا نسبتهم العددية. ولكن كان من ضمن الأطروحات أيضا أنه لا يجوز الكلام عن توزيع طائفى للمناصب. هكذا ضم هذا المؤتمر بدوره من يريد تكريس الطائفية ومن يريد تجاوزها.

الطائفية وتأسيس الدولة الحديثة على يد محمد على
كانت هذه الاحتكاكات الطائفية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين النتيجة الطبيعية للتطور الاقتصادي والسياسي الذي شهدته مصر منذ تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد على باشا. لقد بدأ محمد على في تمصير مؤسسات الدولة. وكان حصول المصريين لأول مرة منذ آلاف السنين على حق دخول الجيش علامة بارزة في عملية التمصير تلك. والحقيقة أن محمد على لم يكن له أي مخطط لتمصير الدولة، لقد فعل ذلك لأسباب براجماتية بحتة. هو كان يريد فقط تمصير الدولة في مصر بقدر ما سوف توفر له الأداة الأساسية لتشكيل إمبراطورية في المنطقة. وقد قام بذلك برغم احتقاره للمصريين باعتبارهم شعبا من الفلاحين، مثله مثل كل النخب العسكرية المحاربة التي حكمت مصر منذ الغزو الإغريقي. فالتراتبية التي تتبناها النخب العسكرية لسكان البلاد التي يحكمونها تقوم على تمجيد القتال باعتباره مقترنا بالقوة والشجاعة بل قل بالرجولة، كما تقوم على تحقير الفلاحة باعتبارها مقترنة بالضعف والخنوع، بل قل بالأنوثة.
وبتطور عملية تمصير الدولة بدأ المصريون، أبناء الفلاحين، في التسلل إلى مراكز وسطى فيها، وأصبحوا يتطلعون إلى مراكز أعلى وأعلى. وكان على أسرة محمد على أن تدفع ثمن قرارها بتمصير الدولة، فتمصير الدولة أدى تدريجيا إلى تمصير النظام. لنا أن تخيل كيف كان الخديوي توفيق يتفاعل نفسيا مع فكرة أن ابن الفلاح أحمد عرابي قد جرؤ على التمرد أمام حكم نخبته التركية/الشركسية. كان هذا الحدث فارقا في تاريخ مصر: أنظر إلى صورة عرابي التي رسمها الفنانون المصريون من خيالهم، وهو يعتلي حصانا كبيرا أمام الخديوي توفيق الذي يبدو مسحوقا أمامه، وكأنها طبعة جديدة من رسم أجدادهم لصورة القديس المصري ماري جرجس وهو يسحق التنين (رمز الشر) من على حصانه، ولكن مع تغيير الشخوص.
وكان من ضمن المصريين الذين تسربوا إلى الدولة، بفعل عملية التمصير، مسيحيون. والحقيقة أن المسيحيين لم ينقطعوا عن العمل بالدولة حتى في ظل حكم الإمبراطوريات التي دانت بالإسلام، والتي مالت في بعض الأحيان إلى النزول بهم إلى أقل مراتب السلم الاجتماعي عن طريق إجراءات تمييزية تصل إلى حد إجبارهم على عدم ارتداء ملابس كملابس المسلمين وحرمانهم من ركوب الخيول. بالرغم من ذلك استعانت الإمبراطوريات المتعاقبة بهم لأنها كانت تحتاج لمصريين من أجل إدارة الجهاز البيروقراطي الذي يشتغل كوسيط بينها وبين سكان البلاد. وظل المسيحيون يلعبون دورا أساسيا في هذا الجهاز البيروقراطي، خاصة في مجال جباية الضرائب والمكوس. فأحد الصور الشعبية الرائجة عن المسيحي هو أنه جامع الضرائب. وجامع الضرائب مكروه في كل العصور وفي كل البلاد. لماذا قررت النخب الإسلامية/ العربية التي حكمت مصر الاستعانة بالمسيحيين بكثافة في جباية الضرائب. ما علاقة المسيحية بجباية الضرائب؟ لا يعرف كاتب هذه السطور الإجابة، ربما يكون باحثونا في التاريخ قد أجابوا على هذا السؤال.
عندما بدأت أسرة محمد على عملية تمصير الدولة كان عليها أن تواجه اتهامات من بعض الطوائف بأنها تفضل طوائف على طوائف أخرى. فطائفة المسلمين المصريين كانت محرومة لعدة ألاف من السنين من الوصول إلى المناصب القيادية في الدولة أو من الالتحاق بالمؤسسة المحورية الحاكمة وهي الجيش. وقد فتحت لها عملية التمصير الباب لكي تصعد في جهاز الدولة، ولكنها كانت تواجه العديد من النخب والطوائف الأخرى التي كانت تسود، من خبراء أجانب أوروبيين ومن نخب تركية وشركسية ومن أقليات شامية، كما كانت تواجه الأقلية المسيحية المصرية التي فتحت لها علمية التمصر الباب لكي تلتحق هي أيضا بالدولة. هكذا ظهرت اتهامات من المسلمين المصريين للسلطة بأنها تحابي الطوائف الأخرى، كأن تحابي "النصارى"، حتى أطلق البعض على محمد على بأنه باشا النصارى.
المشكلة كلها تكمن في أن فئة "النصارى" هي فئة قادمة من الدين ولا تتطابق مع التقسيمات الواقعية للأمور، فما الذي يجمع بين الفرنسي كلوت بك، والمصري المسيحي المعلم جرجس؟ لا شيء تقريبا. وعلى الجانب الأخر، كان قطاع من المسيحيين يصر على أن المؤسسات والمناصب التي فتحت أبوابها للمصريين قد فضلت المسلمين منهم، وواربت الأبواب أمام المسيحيين. وكانوا هنا ينظرون إلى الجيش بالذات وإلى المناصب القيادية في الدولة. وهنا كانوا ينظرون للسلطة باعتبارها مسلمة، لأن من يقوم بإدارتها مسلمون. ولكن شأنها شأن فئة "النصارى" كانت فئة "المسلمين" في مصر إشكالية، لأنها تضع المسلمون المصريون أبناء الفلاحين مع النخب التركية الشركسية الحاكمة في نفس الخانة. ولكن في الحقيقة لا الباشا كان باشا النصارى، ولا السلطة كانت مسلمة. فالنخبة الأجنبية الحاكمة كانت تنظر للمصريين المسلمين من أعلى باعتبارهم طائفة خاضعة، شأنهم شأن المصريين المسيحيين، وهي تتعامل مع هذه الطوائف غالبا بمعايير احتياجات السلطة في الاستقرار والتجدد. فديانة الحاكم فى مصر لا تحدد طريقة إدارته للعلاقات الطائفية إلا جزئيا. وأحد أهم الدلائل على ذلك هو سلوك المحتل البريطاني نفسه الذي فضل إقصاء المسيحيين من بعض المناصب كانوا يتولونها من قبل مثل حكام المديريات. وقد برر اللورد كرومر ذلك بأن حاكم المديرية سينفذ مهامه بنجاح إذا كان ينتمي لديانة الأغلبية.

الطائفية البيروقراطية: فتش عن الوظيفة الميري:
عندما بدأت المطالب "المسيحية" في التبلور ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، مالت إلى التركيز على فتح المجال أمام المسيحيين لشغل وظائف الدولة. وهو الأمر الذي يمكن تفهمه إذا تذكرنا أن المصريين المسلمين كانوا هم أيضا يخوضون معارك ضروس من أجل تولي الوظائف القيادية في بعض المؤسسات، خاصة الجيش، في مواجهة نخبة تركية شركسية تدعي التفوق العنصري على المصريين. الكل كان يتصارع على الالتحاق بالدولة. وإذا كان ذلك كذلك فلأن تجربة محمد على في التحديث قامت على التحديث من أعلى: جهاز دولة بيروقراطي متطور يقوم بإصلاح وتنمية مجتمع متخلف. الكل كان ينظر للدولة و"يتمرغ في ترابها". هكذا تمحورت المطالب الطائفية في مصر حول عدد الوظائف التي تحصل عليها كل طائفة.
هذه المحورية تجلت في المشاحنات الطائفية في مصر في أوائل القرن العشرين، ولا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة. والمنطق المستخدم لا يزال هو نفس المنطق: مسيحيون يشتكون من ضعف نسبتهم العددية في مناصب الدولة، ومسلمون يردون عليهم بأنهم يحصلون على أكثر من حقوقهم، والدليل على ذلك هو سيطرتهم على نصيب من الثروة القومية يفوق نسبتهم العددية، فليتركوا الدولة إذن للمسلمين الأقل حظا في الثروة. والحقيقة أن الإشارة لقضية توزيع الثروة هنا ليست إلا حجة في النقاش. فالمنطق الطائفي ذاته يعوق طرح قضية توزيع الثروة بشكل يفضي إلى أية تسوية لها. فالحقيقة الساطعة للعيان هي أن الأغنياء يتوزعون بين المسلمين والمسيحيين، حتى ولو افترضنا جدلا (ليس هناك إحصائيات) أن نسبة المسيحيين في الأغنياء تفوق نسبتهم العددية، كما أن الفقراء في مصر يتوزعون بين المسلمين والمسيحيين، حتى ولو افترضنا جدلا أن نسبة المسلمين في الفقراء أكبر من نسبتهم العددية. والحقيقة التي يجب على "المناضلين" الطائفيين في كلا الجانبين أن يدركوها هي أنه لا قضية توزيع الدخل في مصر، ولا النقاش حول العدالة الاجتماعية سيقفان على أرضية طائفية، وأن كل ما يهمهم هو الحصول على وظائف كبرى في الدولة.
تظل الوظائف التي توفرها الدولة المصرية هي المحور الأساسي للصراع الطائفي في مصر. لا يسير عكس ذلك الميل إلا نمو الرأسمالية ونمو الطبقات الوسطى الحديثة المستقلة عن الدولة والتي لا تريد العمل بها لأنها تفضل العمل الحر. هذه الطبقات مشكلتها مع الدولة مختلفة، هي تنتظر من الدولة خدمات ووظائف على أساسها تحدد موقفها من هذه الدولة، معها أم ضدها. هكذا يتسرب مبدأ الكفاءة في النقاش الطائفي الدائر حول مناصب الدولة. فديانة الشخص ليس من المفترض أن تكون لها أية علاقة بتولى المناصب العامة. هذا ما دفع به مسلمون ومسيحيون عندما استعر الجدل الطائفي قبل ثورة 1919. ولكن الثورة ارتفعت بفكرة المواطنة إلى السماء بفعل الزخم الوطني ضد الاحتلال، وبفضل الخدمة الجليلة التي أداها اللورد كرومر إلى الحركة الوطنية، دون أن يدري، حين أجهض أحلام طالبي الوظائف من المسيحيين في أن تلعب ديانة المحتل المسيحية دورا في فتح الطرق أمامهم لتولي المناصب. هكذا خمدت أصواتهم والتحق معظم المسيحيين بالحركة الوطنية الديمقراطية وشاركوا في بناء حزب الوفد.
لكن حزب الوفد لم يستطع حل المشكلة الطائفية حلا جذريا. فالشعارات التي قامت عليها "الوحدة الوطنية" كانت غامضة. فشعار "الدين للـه والوطن للجميع" لم يحدد ما هو المقصود بهذا الوطن، هل هو الأرض، أم الزرع، أم الوظائف في الدولة، أم حق المصري في الشعور بالكرامة بغض النظر عن الديانة. كان الشعار جميلا وملهما، ولكن لم تكن وراءه مذكرات تفسيرية تقوم بتعريف هذا الوطن. لماذا؟ ربما لأن مهام تعريف الوطن ستثير البلبلة، لأنها ستثير مسألة عدالة توزيع الثروة والحقوق في هذا البلد الذي ابتليت أغلبية شعبه بأقصى صنوف الاستغلال طوال آلاف السنين. لأن إثارة مسألة توزيع الثروة بين المسلمين والمسيحيين بغرض حلها ستؤدي حتما إلى الاصطدام بالحقيقة التي يتهرب منها زعماء الطوائف وهي أن عنصري الأمة منقسمين داخلهم إلى فئات وطبقات وجماعات، وأن مصالحهم ليست متحدة، وأنه لكي يحقق هؤلاء مصالحهم يجب أن يخرجوا من الوعي الطائفي الضيق الذي يحول دون تكوين رؤية واضحة لمصالحهم وللفئات التي يمكن أن يتحالفوا معها. كان في إثارة هذه المسائل هدم شامل "للوحدة الوطنية" التي قامت على فكرة "عنصري الأمة".
لقد فشلت ثورة 1919 في تأسيس وحدة وطنية على أسس اجتماعية، ونجحت فقط في إرساء دعائم وحدة وطنية دينية، قامت على فكرة انقسام الشعب إلى عنصرين: المسلمون والأقباط. وهذين العنصرين يجب أن يعيشا في تسامح وإخاء. ولكن ما لبثت هذه الوحدة أن تهاوت في الثلاثينات. وبدأت قوى سياسية في الظهور والنمو تلعب على الأوتار الطائفية من أجل التعبئة السياسية. تراجعت الليبرالية أمام زحف الإخوان المسلمين ومصر الفتاة اللذان أمسكا بالمعاول لهدم هذه "الوحدة الوطنية" التي أقامها حزب الوفد، لأن طريقتهما في التجنيد السياسي تقوم ليس فقط على المشاعر الطائفية ولكن على تأجيج هذه المشاعر. وبخروج مكرم عبيد ومن ورائه العديد من المسيحيين من حزب الوفد، أصبحت طاقات المسيحيين السياسية موجهة في اتجاهات أكثر راديكالية، سواء في اليمين الديني (جماعة الأمة القبطية)، أو أقصى اليسار في التنظيمات الشيوعية. وكلاهما هزم أمام الضباط الأحرار فيما بعد.
لم تستطع جماعة الأمة القبطية إنجاز أي شيء بحكم راديكاليتها الطائفية، كما لم تستطع الأحزاب الشيوعية أن تتجاوز الحل الوفدي للمسألة الطائفية والذي صاغه شعار "الدين للـه والوطن للجميع". فالشيوعيون لجأوا إلى حل عملي بحت للمشكلة الطائفية، هو عدم الاعتراف بوجودها على الإطلاق وتجاوزها إلي الشعور بالانتماء الحر لما يمسى بالإنسانية، وبالمساواة التامة بين الرفاق في التنظيمات بغض النظر عن ديانتهم. هكذا اغترفت الحركة الشيوعية المصرية من الأقليات اليهودية والمسيحية التي كانت تعاني من أفول الوحدة الوطنية الوفدية وصعود التيارات الأصولية والفاشية، وفتحت لهم الطريق للمساهمة في بناء المشروع السياسي الاشتراكي.
ولكن هذا الحل العملي بدأ في التصدع بعد تأسيس دولة إسرائيل التي أجبرت الأحزاب الشيوعية على الخضوع لابتزاز الحركات الأصولية والقومية التي رجمتها بالحجارة لأن الكثير من قياداتها كانت تدين باليهودية. وقد تخلى العديد من اليهود الشيوعيين عن مناصبهم القيادية عن طيب خاطر، وتخلى البعض الأخر عن ديانته لكي يظل يعمل بنشاط في الحركة، ولكن هذا لم ينقذ الأحزاب الشيوعية من تهمة العمالة التي رفعتها في مواجهتهم التيارات القومية/ الإسلامية. لكن بالرغم من ذلك، يظل أن الحركة اليسارية نجحت في تجاوز الطائفية في داخلها إلى حد كبير، لكنها لم تقدم للمجتمع أي برنامج سياسي واضح يتجاوز الحل الذي صاغته ثورة 1919 للمشكلة الطائفية. فالانتماء الإنساني الحر الذي تجاوزت به الانقسامات الطائفية بين أعضاءها لم تستطع أن تصدره للمجتمع.

الناصرية تكرس الطائفية
وصل الضباط الأحرار إلى السلطة عام 1952 ووجدوا في انتظارهم ملفا طائفيا حساسا ًينتظر الحل. ولكن، وكما هو معروف، لم يصل هؤلاء الضباط إلى السلطة بأي برنامج سياسي. وهكذا قام هؤلاء الضباط بإدارة المسألة الطائفية في حدود قدراتهم، وغلب على هذه الإدارة الطابع العملي الأمني المحض. لقد نبذ نظام يوليو تدريجيا شعار "الدين للـه والوطن للجميع" بحكم لجوئه المتزايد للدين الإسلامي لتدعيم شرعيته، ولم يقدم أية صياغة تتجاوز الطرح الوفدي. ولكنه كان مضطرا إلى مواجهة مشكلة حادة تتمثل في كونه نظاما قادما من الجيش، ذلك الجيش التي كانت كل قياداته من غير المسيحيين. وبما أن الجيش المصري كان يشكل العمود الفقري للنخبة الحاكمة، فقد شعر معظم المسيحيون أنه قد تم إقصائهم من النظام السياسي. ولحل تلك المعضلة لجأ عبد الناصر إلى تعيين عشرة من أعضاء مجلس الأمة، كان يختارهم من بين المسيحيين، كما لجأ إلى تعيين بعض المسئولين من التكنوقراط المسيحيين في الوظائف الكبيرة، بالإضافة إلى تحديد نسبة للمسيحيين في الكليات العسكرية وفي كلية الشرطة. وبهذا يكون النظام الناصري قد أرسي دعائم الطائفية السياسية غير الدستورية التي لا نزال نعيش فيها حتى الآن والتي تصل عبثيتها في توزيع المناصب على الطوائف إلى درجة تخصيص بعض الوزارات للمسيحيين مثل وزارة الهجرة أو وزارة البيئة.
أرسى عبد الناصر دعائم الدولة الطائفية من حيث لا يدري. فحزب الوفد كان يصوغ الوحدة الوطنية من خلال تشكيلات الحزب القاعدية والقيادية، أما نظام عبد الناصر، فهو لم يمتلك أي حزب حقيقي يستطيع أن ينجز به هذه المهمة، لذلك كان يلجأ إلى التعيين الفوقي لمسيحيين في بعض المناصب القيادية غير السيادية. وكان هذا الاختيار يتم عادة بقبول ومباركة ما من الكنيسة. وبهذا قوى النظام من شوكة تلك المؤسسة، خاصة أنه كان قد أحال إلى التقاعد النخب الليبرالية المسيحية التي كانت توازن نفوذ الكنيسة فى أوساط الأقباط في النصف الأول من القرن العشرين.
تعامل نظام يوليو مع المسيحيين كطائفة، نظرا لأنه كان ولا زال يتعامل مع الفئات الاجتماعية عموما بوصفها طوائف يجب ضمان تأييدها بإعطاء "ممثليها" مناصب كبرى في الدولة. إنه نظام للطوائف أو كوربوراتي بتعبير العلوم السياسية. هذا النظام الكوربوراتي يقوم على توحيد كل جماعة اجتماعية في منظمة واحدة "تمثلها" وتكون خاضعة لسيطرة الدولة. فالعمال يجب أن ينضووا في الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، والمهندسين في نقابة المهندسين، والأطباء في نقابة الأطباء، الخ. وفي مقابل انضواءهم في هذه النقابات التي تسيطر عليها الدولة بدرجة أو بأخرى، يعطي النظام لبعضهم مناصب في الدولة: فللعمال وزارة العمل، وللمهندسين وزارة الإسكان، وللأطباء وزارة الصحة، الخ. وهكذا فمن الطبيعي أن يكون للمسيحيين مناصب محددة. الدولة الطائفية هي إذن أحد أوجه الدولة الكوربوراتية الناصرية.
يمكن القول بكل أمانة وإنصاف أن الصيغة التي طرحتها ثورة يوليو "للوحدة الوطنية" لم تنجح أبدا في الوصول بالعلاقات الطائفية في مصر لذلك المستوى المبهر من التسامح الذي وصلت إليه في ثورة 1919 وما بعدها. لقد استمر التسامح الطائفي فترة في العهد الناصري بقوة الدفع التي أطلقتها ثورة 1919 وتجربة حزب الوفد. ولكن ما لبثت تلك الذكريات أن توارت وتركت الساحة لطائفية متوحشة وبغيضة لا زالت تنهش في عظام المجتمع المصري، طائفية زادت في عهد السادات ومبارك. ولم يأخذ نظاما هذين الرئيسين أية إجراءات عملية من أجل القضاء عليها أو على الأقل احتوائها، ناهيك عن قيام السلطة باستخدامها في بعض الأحيان، خاصة نظام الرئيس السادات، الذي وصل به الأمر إلى محاولة كسب بعض الشعبية المفقودة بتأكيده على أنه "رئيس مسلم لدولة مسلمة"، وهو بذلك قد أعلن بكل وضوح أنه ليس رئيسا لكل المصريين. ولا غرابة إذن في أن أغلبية المسيحيين في مصر لم تنظر أبدا لرؤساء نظام يوليو باعتبارهم زعماء للأمة أو زعماء لهم، وهي الزعامة التي أعطوها بإخلاص وحب لقادة الحركة الوطنية سعد زغلول ومصطفي النحاس.

ما العمل؟ "الدين للـه والدولة للجميع"
ما أشبه اليوم بالأمس. الحالة الطائفية المحتقنة في مصر اليوم تشبه إلى حد كبير تلك الحالة التي سادت في أوائل القرن العشرين، قبل اندلاع ثورة 1919. والمطالب "القبطية" الآن هي تقريبا نفس المطالب المرفوعة قبل 1919. ماذا يحمل الغد؟ هل تأتي ثورة ديمقراطية على الحكم الاستبدادي لكي تجتذب جموعا من المسيحيين؟ وكيف لها أن تنجز هذه المهمة؟ وكيف لها أن تتجاوز الحل العملي غير الشامل الذي أتت به ثورة 1919؟
مصر تشهد اليوم البوادر الأولي لتيار ديمقراطي يريد إنجاز عملية بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، تلك العملية التي انطلقت في 1919 ولكنها لم تكتمل حتى الآن. فلنفترض جدلا أن هذه الحركة نمت ووصلت إلى الزخم الذي وصلت إليه الحركة الوطنية ضد الاستعمار، كيف ستحل تلك الحركة موضوع مشاركة المسيحيين بها؟ لم يعد شعار "الدين للـه والوطن للجميع" صالحا لذلك. فبالرغم من أن هذا الشعار يثير الحنين لماض جميل سادت فيه قيم التسامح والحب بين أصحاب الديانات المختلفة، فإنه لا يمكن أن يقيم أية "وحدة وطنية" لأن هذا الشعار قد تمت تجربته بالفعل في 1919 ولم يثبت صلاحية تتجاوز سنوات محدودة. لقد كان موضوع الخلاف الطائفي المسيحي/ الإسلامي قبل 1919 يتعلق بالدولة المصرية، مدى تمثيلها لكل المصريين ومدى علاقتها بالدين الإسلامي. ولكن الحركة الوطنية وفرت على نفسها مخاطر الشقاق والفرقة بأن أجلت حسم مسألة الدولة الوطنية الديمقراطية لأجيال مقبلة، وها نحن نتلقفها من جديد. ولكي ننجز ما تهربوا هم من إنجازه علينا بادئ ذي بدء أن نتكلم عن الدولة وليس عن "الوطن". فالحديث عن الوطن يساوي التهرب من مواجهة المشكلة الطائفية وتركها لأجيال مقبلة لكي تكتوى بنارها، كما اكتوينا نحن بها.
الدولة المصرية تعاني من تناقض مرير، فدستورها يقول أن الدولة تدين بالإسلام، ولكنه في نفس الوقت يؤكد أنها دولة كل المصريين. كيف لغير المسلمين أن يشعروا أن هذه الدولة دولتهم في الوقت الذي ترفع فيه هذه الدولة ديانة مغايرة لديانتهم، بل قل منافسة لها في تصور البعض؟ مستحيل. الحل الوحيد لتلطيف هذا التناقض، هو أن تعطي هذه الدولة الإسلامية لغير المسلمين تمثيلاُ ما بها يقنعهم بأن إسلامية الدولة لا تعني أن أبوابها مغلقة أمامهم. هذا ما أدركه العديد من المثقفين والسياسيين العلمانيين مثل محمود عزمي وتوفيق دوس الذين اشتركوا في المناقشات التي مهدت لدستور 1923. فالتمثيل الطائفي هو الوجه الأخر لعملة الدولة الطائفية. وبالرغم من إيمانهما المطلق بالدولة العلمانية غير الطائفية، فقد انتهى عزمي ودوس إلى الدفاع عن مبدأ التمثيل الطائفي. فقال عزمي مثلا أنه "لابد من تمثيل الأقليات ما دام الدستور لا يهدم العتيق من المبادئ الاجتماعية التي تبقي الهوة بين الطوائف [يقصد النص على ديانة للدولة]، ولا قول بأكثرية وأقليات إذا قامت الوحدة على أساس من التشريع المدني، وإلى أن يقوم الأساس، يجب احترام الواقع، وحذار من إهمال اعتباراته." ما الذى كان يحذر عزمي؟ من خطر الصدامات الطائفية التي وصلت إلى ذبح مصريين لإخوانهم في عز النهار بداية من السبعينات؟ هذه البصيرة التي امتلكها محمود عزمي تجبرنا على الاستماع إليه حينما يؤكد أنه لا يمكن قبول إسلامية الدولة المصرية بدون إعطاء تمثيل ما للأقليات. إما أن نقبل بتجرع الطائفية حتى نهايتها، إما أن نقيم دولة مدنية من الألف للياء، لا تدعي الحكم باسم الدين، ولكن تستمد شرعيتها من رضاء الناس عنها. لقد اختار عزمي تجرع الطائفية حتى الثمالة بسبب خيبة أمله في النخبة المصرية، التي انتقدها بقوله: "الواقع المصري هو أن جماعة من خير مفكري ال