القضاء

إيران... معركة السياسة في ساحات القضاء؟

ريم وسيم

في إيران يخوض بعض المحامين معركة مع السلطة تدور أحداثها في ساحات القضاء ومؤسساته، ومحورها هو الدفاع عن حقوق وحريات المواطنين في مواجهة تعسف الجهاز التنفيذي. و حتى إذا لم يسفر نشاط المحامين السياسي عن نتائج ملموسة تكشف عن تحول ديمقراطي في إيران - مثل ترسيخ استقلالية و حياد القضاء أو تعديل التشريعات في صالح تأمين الحقوق و الحريات- فإن ثمة نجاح أحرزته الحركة الحقوقية قانونية الطابع يتجلى في اختراق مفرداتها الحقوقية لخطاب السلطة، التي أصبحت تتحدث هي أيضاً بلغة الحقوق وليس فقط بلغة الدفاع عن الأمة ضد الامبريالية. ريم وسيم تكتب من طهران.

كان انتخاب محمد خاتمي للرئاسة في مايو 1997 مؤشرا هاماً على تحولات تجري في المجتمع الإيراني، ولعبت فترة حكمه دوراً في ترسيخ تلك التحولات. وبرغم خيبة أمل الكثير من منتخبيه من شباب ونساء ومثقفين، لا يجدر بنا تجاهل التحولات البنيوية التي طرأت على الدولة في إيران خلال السنوات الثمانية السابقة. ويسعى هذا المقال لقراءة التحولات -مؤسسية كانت أو خطابية- في قواعد ومحتوى التفاوض السياسي المستمر بهدف تحديد العلاقة بين الدولة والمجتمع في إيران. ويهمنا تحديداً انتقال الصراع السياسي -المتمثل في ضغوط المجتمع المدني من أجل المزيد من المشاركة والحريات من جهة ومحاولات المحافظين والفئة الحاكمة للسيطرة عليها واحتوائها من جهة أخرى- إلى قاعات المحاكم، وإلى تصريحات وانتقادات يتبادلها المحامون والقضاة والمسئولون داخل الجهاز القضائي، وإمكانية أن يترتب على ذلك نشوء دولة القانونEtat de droit في إيران.

انحسار العناصر الإصلاحية في جهاز الدولة لا يعني تراجع المشروع الإصلاحي
وفي حين يعلو صدى المتفائلين بعملية التحول الديموقراطي في إيران يأتي انتصار محمود أحمدي نجاد الأخير في الانتخابات الرئاسية مفاجئة ودعماً لتبشير المتشائمين بقصر عمر وسرعة تهاوي الحركة الإصلاحية في إيران. فليس من هو أجدر من نجاد في تجسيد جيل المحافظين الجديد الذي نشأ في أحضان مؤسسات الثورة العسكرية ذات الأيديولوجية الإسلامية المحافظة. ولا يستعصي على المحللين فهم هذا الانتصار للمرشح المحافظ -بعد أن كانت أجندة خاتمي الإصلاحية الأكثر شعبية في الانتخابات السابقة في 1997 و2001- حيث بات اسم رفسنجاني مقترنا بالطبقة البازارية شديدة الثراء وبتفشي الفساد في الفئة الحاكمة، وفي الوقت ذاته لعب أحمدي نجاد على الوتر الأكثر رنيناً بالنسبة لضحايا البطالة وارتفاع الأسعار بالتركيز على أحد أهم شعارات الثورة وهي العدالة الاجتماعية. ففي الوقت الذي زادت فيه أسعرا البترول وبالتي عائداته، فقد تدهور مستوى المعيشة لدى أبناء الطبقة الوسطى وانتشرت البطالة بينهم. ويأتي تركيز حملة نجاد على إعادة توزيع عوائد البترول ومحاربة الفساد في الوقت الذي بات الإصلاح الاقتصادي أكثر ضرورة وإلحاحا من الإصلاح السياسي في نظر الكثير من الشباب. و من ناحية أخرى جاء انتصار نجاد في الانتخابات مؤشرا على ضجر الإصلاحيين من مفارقة التصفية المسبّقة للمرشحين و عزوفهم عن هذا النوع من المشاركة السياسية باعتباره لا يعدو عن كونه ديموقراطية شكلية.
والصفحة الجديدة التي يفتحها نجاد كرئيس للجمهورية الإسلامية تعبر عن استمرار تقلص العناصر الإصلاحية في مؤسسات الدولة. فقد بدأ هذا الانحسار بأحداث الانتخابات البرلمانية لعام 2004، حيث تسبب استبعاد "مجلس صيانة الشريعة والدستور" لمعظم المرشحين الإصلاحيين في مقاطعة الإصلاحيين للانتخاب. أدى ذلك إلى غلبة المحافظين في عضوية البرلمان السابع -بمعدل مشاركة في الانتخابات لا يزيد عن 50%- بعد أن اتسم البرلمان السادس بهيمنة الاتجاه الإصلاحي. وحتى الجهود التشريعية الإصلاحية لأعضاء البرلمان السادس فقد حال دون التصديق عليها تعنت وتكرر اعتراض "مجلس صيانة الشريعة والدستور" وانحياز "مجمع تشخيص مصلحة النظام" للأخير. ومن ناحية أخرى ظلت الأحزاب المعارضة عرضة لهجمات الميليشيات شبه النظامية، وأدى قمعها المستمر واستبعاد مرشحيها من قوائم الانتخابات الرئاسية و التشريعية والزج بممثليها وأعضائها إلى السجون إلى عدم صلاحية الأحزاب كشكل مؤسسي لتداول السلطة ولتمثيل المعارضة. وفي ضوء ذلك التراجع في تواجد الإصلاحيين في مؤسسات الدولة التشريعية -بجانب عدم قدرة الأحزاب على القيام بدورها المؤسسي المشروع- لم يتبقى للإصلاحيين إلا اللجوء للمأوى الأخير: القضاء. فصحيح أن العناصر الإصلاحية في مؤسسات الدولة في حالة تراجع ولكن اقترن هذا الانحسار بمزيد من النشاط السياسي على صعيد آخر و هو ساحة الصراع القانوني.

القضاء في صالح من؟
والواقع أن التحالف المحافظ الحاكم الذي يضم فئة البرجوازية التجارية البازارية والمؤسسة الدينية كان قد لجأ أيضاً إلى استخدام الجهاز القضائي في محاولة لاحتواء الحركات الإصلاحية بعد حصول الإصلاحيين علي غالبية الأصوات في الانتخابات التشريعية لعام 2000. ترتب على ذلك سياسة السيطرة الكلية على مؤسسات المهنة القانونية، بدءً من التعيين الانتقائي لقضاة موالين للنظام وخاصةً في المحاكم المختصة بالملفات السياسية مثل المحاكم الثورية -التي نشأت أساساً مع الثورة كمؤسسة مؤقتة لتطهير عناصر النظام القديم- إلى محاولات شتى للسيطرة على أجهزة تدريب وتأهيل المحاميين، حتى وصل الأمر بمنح الجهاز القضائي (وفقاً لقانون الميزانية لعام 1999) حق إعطاء رخص محاماة لأفراد لا يستوفون شروط التأهيل الخاصة بنقابة المحاميين، بحجة ضرورة خلق وظائف جديدة والسماح للمتعثرين بتوكيل محامي أقل أجرا.
ومن المعروف في أوساط المحاميين أن المحكمة الثورية رقم 26 تتناول القضايا السياسية الشائكة، فدائماً ما يرأسها قاضي ذو تاريخ طويل في العمل لحساب التحالف الحاكم. هذا دون أن تصنف تلك الملفات بسياسية، وذلك لتجنب أي تشريع يسعى لتعريف قانوني للجريمة السياسية. ويأتي رفض "مجلس صيانة الشريعة و الدستور" -الذي له حق النقض على تشريعات "مجلس الشورى الإسلامي" (البرلمان) حتى وإن حصلت على تصويت الأغلبية- لمشروع قانون لتعريف الجريمة السياسية قدمه نواب إصلاحيين في نوفمبر 2001 ليكرس سيطرة المحافظين على القضاء واتخاذهم له كأداة لقمع المعارضين. ومن المثير للاهتمام والسخرية أيضاً اللجوء المستمر لرئيس القضاء محمود هاشمي شهرودي لعلة قانونية بحتة في الرد على المنددين بالاعتقالات السياسية -ورغبةً في تبرير القضاء من تهمة عدم الاستقلالية- وهى انه لا يوجد بإيران معتقلون سياسيون لأنه ليس هناك تعريف قانوني للجريمة السياسية! وبالفعل تتراوح الاتهامات التي تزج في السجن بكثير من المعارضين والمفكرين والصحفيين والنشطاء في مجال حقوق الإنسان بين تعاطي المخدرات والزنى والفساد ونشر الأكاذيب والإخلال بالأمن القومي والتجسس لصالح جهة خارجية.
وفي رأينا أن هذا المنحى القضائي التي تأخذه لعبة التفاوض على حدود الدولة والمجتمع المدني- ونعني هنا تحويل الخطاب الحقوقي والمناورات السياسية بين السلطة والمعارضة لخطاب قانوني يكاد يكون تقني الطابع- جاء كنتيجة للجوء المعارضة لمبادئ الدستورية وسيادة القانون وخيار خوض المعركة السياسية على الساحة القضائية عن طريق رفع الدعاوى على أشخاص بعينهم في الجهاز التنفيذي بدلاً من خيار انتقاد سياسة النظام وعسكريته ككل. وقبل أن نشرع في تحليل عوامل ونتائج وآفاق هذا اللجوء للمعيار القانوني يجدر بنا سرد بعض الأحداث الرئيسية التي تعبر بوضوح عن هذا المنحى القضائي.

سياسة المحامين في معركة سيادة القانون
يمثل المحامون في إيران فئة شديدة التسيّس حتى أن حوادث القبض المتتالية على من يعمل منهم بالملفات السياسية باتت أمر معتاد. ومن الدلالات على أهمية النشاط السياسي للمحاميين في إيران، حصول المحامية شيرين عبادي (كانت قاضية حتى منعت حكومة الثورة تولي النساء منصب القاضي) على جائزة نوبل للسلام في أكتوبر 2003 لنشاطها في مجال حقوق الإنسان، و هي صاحبة الكثير من الأبحاث والمقالات التي تنتقد العديد من التشريعات الإيرانية باللجوء إلى حجج دستورية وبنفي نسب تلك البنود القانونية للشريعة الإسلامية. ولم تفلت عبادي من سلسلة اعتقالات المحاميين -التي تكاثرت بإدراك رجال النظام لخطورة تسيّس المحاميين ولجوئهم للقضاء لتسوية النزاعات السياسية- فتم القبض عليها في الوقت الذي كانت تدافع فيه عن طلاب أحداث 1999 وهي الفترة التي شهدت تظاهرات طلابية ضد قمع الصحافة، ردت عليها قوات "أنصار حزب الله" (قوات شبه نظامية) بهجمة شرسة علي المساكن الجامعية مما أسفر عن موت أربعة طلاب وإصابة كثيرين وحرق وتدمير بعض غرف الطلبة. ورُفعت الدعاوي ضد الطلبة الذين شاركوا في المظاهرات في حين لم يحاكَم منظمي ومنفذي الهجمات. فمثلاً حُكم على الطالب أحمد باطبي بالإعدام، ثم تم تخفيف العقوبة لخمسة عشر عاماً من الحبس بسبب صورة نشرتها الصحيفة الإنجليزية The Economist لتظاهرات الطلبة كان فيها يرفع قميص زميله الملطخ بالدم، وكانت تهمته "الاخلال بالأمن القومي". كما تم القبض على حوالي 400 طالب باتهامات مختلفة لا تقل عبثاً. وفي أثناء العمل على ملف الطلاب تلقت شيرين عبادي زيارة من فرشاد ابراهيمي -أحد مرتكبي الهجمات- الذي اعترف لها بدوره في الهجمات كما أفشى أسماء المسئولين المتورطين فيها، وتم تصوير اعترافه، فكان شريط التسجيل هو سبب اعتقال المحامية بتهمة "الإساءة للرأي العام". كما قررت المحكمة منعها من ممارسة مهنة المحاماة لمدة 5 أعوام، ولم ينج المعترف أيضاً فتم حبسه هو الآخر. واستمرت عبادي بعد خروجها من الحبس في انتقاء الملفات الحساسة سياسياً فدافعت عن العائدين من مؤتمر إصلاحي دولي في برلين بعنوان "مستقبل الإصلاحات في إيران" في أبريل 2000 والذين اتُّهموا "بالتآمر ضد نظام الجمهورية الإسلامية" ومنهم الكاتب الصحفي أكبر غانجي وعدد من رجال الدين الإصلاحيين والطلبة. كما ترأس شيرين عبادي رابطة محاميين باسم "جمعية المدافعين عن حقوق الإنسان"، وهي تضم العديد من المحاميين الذين اختاروا التخصص في الملفات السياسية ومعظمهم دون الحصول على أي أجر من عائلات المعتقلين وأكثريتهم سبق أن أُعتقلوا في أثناء دفاعهم عن المعارضين مثل المحامي عبد الفتاح سلطاني ومحمد شريف ومحمد علي دادخاه و سيف زاده... وللمرة الثالثة تم القبض على عبد الفتاح سلطاني محامي عائلة الصحفية الكندية -الإيرانية الأصل- التي تم القبض عليها أثناء تصويرها سجن إفين وتوفت إثر ضربة على رأسها في قسم الشرطة. وقد تكاتف المحامون أيضاً للدفاع عن الكاتب الصحفي أكبر غانجي الذي تتدهور حالته الصحية بشدة -في أثناء كتابة هذه السطور- في مستشفى سجن إفين بعد انقضاء 58 يوماً من إضرابه عن الطعام -للاعتراض على حبسه الذي دام 5 سنوات بتهمة "إفشاء أسرار بهدف الضرر بالأمن القومي" إثر كتابته لمجموعة من المقالات تدين كبار المسئولين في سلسلة القتل التي استهدفت العديد من الكتاب والمفكرين الإصلاحيين في 1998. وفي حين تزداد مطالبات الطلبة والمثقفين بالإفراج عن غانجي يأتي رد رئيس الجهاز القضائي بوجوب طلبه العفو حتى يكون الإفراج قانونياً! ولكن غانجي يرفض طلب العفو لأنه متمسك بمحتوى مقالاته ويفضل الموت جوعاً. وكان مصير ناصر زرفشان -محامي عائلات من استهدفتهم عمليات القتل المنظمة- مماثلاً، فهو معتقل بسجن إفين حالياً ومضرب عن الطعام. كما دافع المحامي صالح نكبخت عن العديد ممن اُعتقلوا بسبب التعبير عن فكرهم مثل الكاتبين الصحفيين الإصلاحيين عباس عبدي و عماد الدين باقي الذين سبق اتهام أولهم "بنشر الأكاذيب وإهانة المقدسات" وثانيهم "بالتجسس وبيع معلومات لجهات خارجية" ومثل المدرس الجامعي هاشم آغاجري، الذي ارتبط اسمه بما سماه البعض الحركة البروتستنتية الإسلامية، والذي تحدث أمام الطلبة ضد سلطة رجال الدين قائلاً "لا يجب أن نطيع رجال الدين مثل القردة" مما تسبب بالحكم عليه بالإعدام في 2003 وهو الأمر الذي تراجعت عنه المحكمة إثر اعتراض الطلبة الشديد و تظاهرهم.
ولا تقتصر نشاطات المحامين السياسية على تطوعهم بالعمل في الملفات السياسية -الأمر الذي يهددهم بانقطاع مصدر رزقهم بسبب إثارة نشاطهم لعداء القضاة وما يترتب عليه من لجوء المتضررين لمحاميين بدون سوابق سياسية- بل يلجأ أكثرهم للكتابة في العديد من الصحف عن مظالم جهاز العدل وعدم تماشى قراراته وأحكامه مع القانون، بل ويذهب البعض للتشكيك في قانونية القانون ودستورية الدستور. ولهؤلاء المحاميين أنشطة أخرى تهدف إلى تكريس استقلالية نقابة المحامين عن الدولة، وفي مكاتب المحاماة الخاصة بهم تكثر الندوات و النقاشات السياسية-القانونية، كما يفتحون أبوابهم لتدريب الخريجين وبعضهم يمارس التمييز الإيجابي لصالح تدريب الفتيات.
ومما سبق يمكن للقارئ التعرف على حجم وأهمية نشاط المحاميين الإيرانيين السياسي ودرجة تنظيمهم بهدف التحدث باسم الحقوق السياسية والحريات. وبإمعان النظر والاستفسار عن هؤلاء يتبين لنا أن أكثريتهم كانوا نشطين سياسياً في فترة دراساتهم الجامعية قبل الثورة ولهم تجارب سابقة ليس فقط في التنظيم السياسي ولكن أيضاً في معتقل الشاه وحكومة الثورة على السواء. وهم لا ينحدرون فقط من مهنيين من الطبقة الوسطى بل أيضاً من الطبقة العاملة التي زاد من تسييسها المد الثوري في السبعينات. وقد يكون اختيار الالتحاق بكلية الحقوق قرار سياسي الدافع في الأصل، ففي إيران تراث طويل للحركات الإصلاحية قانونية الطابع منذ اندلاع الثورة الدستورية عام 1906. ويشير هذا اللجوء إلى القضاء وتفعيل دور المحامين في الحركة الإصلاحية إلى تحول آليات النشاط السياسي من التراث الثوري الطابع إلى السعي لإصلاح النظام من الداخل عبر الآليات القانونية المتاحة والمواجهات القضائية.
الصحافة تنقل القضاء إلى مركز الاهتمام العام
لا ينبغي أن نغفل عن الدور الرئيسي الذي لعبته الصحافة في هذا التحول. لقد شهدت الصحافة في إيران نهضة ملحوظة تمثلت في ظهور صحف جديدة على الساحة الإعلامية في منتصف التسعينيات تستخدم أساليب جديدة في اجتذاب القراء وتعنى بالمظهر الجمالي للصحيفة. وتطور محتواها بفضل لجوءها المستمر للمصادر الأولية للأخبار، وهو ما كان نادراً في الصحف الرسمية التي أصبحت مجرد أداة دعائية للحكومة. وتميزت تلك النهضة الصحفية بصغر سن اللاعبين الأساسيين من ناقلي الأخبار و المصورين. واكتسبت الصحف الجديدة مصداقية تفتقر لها وسائل الإعلام الرسمية مما أدى لارتفاع ملحوظ في أرقام مبيعاتها. وبرغم أحكام القضاء بإغلاق ما يتجاوز المائة جريدة، اعتاد العاملون بالجريدة المقرر إغلاقها أن يطبعوا صحيفتهم -في اليوم التالي من الحظر- تحت اسم جديد. ويمكن القول بأن للصحافة دور رئيسي في تشكيل وعي الحركة الإصلاحية و خلق الحيز العام publicité الذي يعتبره كانط وفلاسفة التنوير الشرط الأساسي لنشوء دولة القانون. فالحوارات التي تدور من خلال الصحف اليومية عن القانون والقضاء تفترض مشروعية اعتبار العقل مصدراً رئيسياً للتشريع، كما تتيح آليات سلمية لتفعيل دور المجتمع المدني. فعلى سبيل المثال، قامت الصحف الإصلاحية بتغطية محاكمة الطلبة الذين تظاهروا سلمياً للاعتراض على حظر الجريدة "سلام"، كما قامت بمتابعة هجمة قوات "أنصار حزب الله" على الطلبة في مساكنهم الجامعية، وأوضحت كيف يتم التنكيل بالطلبة في الوقت الذي تتقاعس فيه السلطات عن معاقبة المتحرشين. كما كرست جريدة "نشاط" عدة صفحات يومياً لمتابعة الأحداث ونشرت مقابلات مع أعضاء "اللجنة القومية للتحريات" المسئولة عن تعقب الجناة. كما نشرت الصحف الكثير من الخطابات المفتوحة التي وجهتها الروابط الطلابية لرئيس المحكمة الثورية بطهران لتذكيره بأن المذنبين هم منظمي ومنفذي الهجمات وليس من اعترضوا سلمياً عليها من الطلبة. ونقلت نفس الصحف عن رجال الدين المتشددين تصريحاتهم مثل ما قاله آية الله مصباح يزدي تعقيباً عن الحادث: أن لأي مسلم الحق في معاقبة وقتل أي شخص ينتهك المقدسات بدون حاجة للمحكمة. وهكذا أصبحت الصحافة الساحة الرئيسية للنقاش عن العدل وسيادة القانون، ولعبت دور رئيسي في تعميم publicisation الحوارات القانونية وإعلام القراء بتفاصيل المحاكمات والنزاعات التي تنشأ في قلب الجهاز القضائي، الأمر الذي جعل رجال القضاء مسئولين أمام الرأي العام وأعطى الفرصة للخبراء بالقانون وللمتضررين من انحياز أحكام القضاء أن يعبروا في الصحف اليومية عن شكواهم وانتقاداتهم، حتى أن أكثرية الصحف بما فيهم الأكثر توزيعا تخصص صفحة كاملة بعنوان "قانون" أو "حق" وتضم تقارير تفصيلية عن محاكمات جارية وأبواب للتوعية عن الحقوق التي يكفلها الدستور والقانون الإيراني والمواثيق الدولية ومقالات ينتقد فيها الخبراء بنود قوانين بعينها. وكثيراً ما تنشر خطابات مفتوحة من المتهمين السياسيين أو وكلائهم إلى رئيس القضاء. ولم تعكس الصحافة فقط ما يدور من نقاشات عامة بل خلقت الحيز العام public sphere -تلك المساحة التي أشار إليها هابرماس كأساس للتحول الديموقراطية. كما أن اهتمام الصحف بنشر تفاصيل المحاكمات أدى إلى خروج الحقل القضائي إلى المجال العام، أي أن القضاء أصبح تدريجياً في مركز اهتمام المجتمع وأصبحت أحداثه ومفرداته أكثر تداولاً.

آفاق و حدود الإصلاح من خلال الساحة القانونية
صحيح أن من يتطلع إلى الأحداث السابق ذكرها تتراءى له صورة شديدة القتامة عن وضع العدالة الإيرانية، فهي تبدو وكأنها أداة في يد المحافظين من الفئة الحاكمة، مثلها مثل أي جهة تنفيذية، لا تتسم بأي استقلالية. وهذا صحيح لحد كبير، خاصةً إذا ما نظرنا لعملية تعيين القضاة والتي تخضع كليةً لقرار رئيس الجهاز القضائي، الذي بدوره يتم تعيينه بقرار من المرشد -الوليّ الفقيه آية الله سيد علي خامنئي. وغني عن الذكر إن تولي منصب الوليّ الفقيه -الذي يملك اليد العليا في سياسة إيران الداخلية والخارجية- يتم بقرار من مجلس الخبراء، ولا يترك هذا المنصب شاغله إلا بوفاته. وهنا لنا أن نتساءل إذا كان اللجوء للعنف بقتل القاضي المحافظ مسعود مقدسي في شهر أغسطس الماضي -والذي حكم في أكثر القضايا السياسية حساسيةً- ينم عن فشل الجهود القانونية للمطالبة بصيانة حقوق المواطنين السياسية. هل قتله أحد أقارب أو أصدقاء ضحاياه؟ هذا ما لا نعرفه حتى الآن. ولكن من الممكن أن يؤدي يأس الناس من قدرة القانون على الحد من تعسف السلطات إلى لجوء بعضهم لعمليات انتحارية.
وللإجابة عن السؤال المتعلق بمدي نجاح استراتيجية اللجوء للقضاء يتعين لنا أن نبحث عن تأثير السياسة الحقوقية الجديدة للمجتمع المدني -ليس فقط على مؤسسات الدولة بل على خطاب رجالها. فلا يصعب على من يتابع تصريحات المسئولين في إيران أن يلاحظ انتشار المفردات القانونية legality وحقوق المواطنين بل كان شعار سيادة القانون أهم شعارات حملة خاتمي في الانتخابات الرئاسية. و كما رأينا فإن المتابعة الجيدة التي قامت بها الصحف لتفاصيل ما يدور في المحاكم و مؤسسات تطبيق القانون جعل رئيس الجهاز القضائي محمود هاشمي شهرودي لاعبا رئيسيا في الساحة السياسية يوجه تصريحاته للرد على أسئلة وانتقادات المعسكر الإصلاحي. ففي أبريل 2004 أصدر شهرودي مشروع إصلاح في صيغة "توجيهات" وجهها للقضاء والشرطة ورجال المخابرات بهدف تعزيز حقوق المواطنين. وتحتوى التوجيهات على 15 نقطة -منها وجوب احترام مبدأ البراءة حتى تثبت الإدانة، ومراعاة حق المقبوض عليهم في توكيل محامي، والامتناع عن التعذيب وسوء المعاملة. وبرغم أهمية ما تمثله تلك "التوجيهات" من اعتراف -الأول من نوعه- عن حقيقة التعذيب في السجون الإيرانية،لم تلق توجيهات شهرودي أي ترحيب من جهة المحامين بسبب تجنبها تحديد وسائل وطرق الإشراف على تطبيقها ومعاقبة منتهكيها. وذهب المحامي محمد شريف إلى حد نقد مبادرة شهرودي قانونياً إذ أن الدستور الإيراني يحتوي على نفس النقاط المذكورة، بعبارة أخرى أجدر بالسلطات أن تقوم باديء ذي بدء بتطبيق الدستور قبل إصدار توجيهات.
ممكن أن تكون مبادرة شهرودي مجرد تظاهر بالرغبة في إعلاء مبدأ سيادة القانون و ترسيخ استقلالية الجهاز القضائي، ولكنه يعبر عن واقع الضغوط التي تواجهها السلطة في مواجهة المطالبة بالإصلاح. والمثير للتساؤل هو ما تلى مبادرة شهرودي ببضعة أيام من سماح القضاء لعدد من المعتقلين السياسيين بالخروج المؤقت منهم الطالب أحمد باطبي والصحفي أكبر غانجي بالاضافة إلى مجموعة من الليبراليين المتهمين بالتآمر لقلب النظام. وتزامنت تلك الإفراجات المؤقتة مع نقل الصحف للجدل الدائر عن الاعتقال السياسي الذي أثاره طرح النواب الإصلاحيين لتعريف للجريمة السياسية في البرلمان. وأثناء محاضرة للرئيس خاتمي أقر فيها بوجود معتقلين سياسيين "تم حبسهم بسبب أفكارهم" -وقال انه عبر عن امتعاضه من خلال كتابته لخطابات للمسئولين- اعترض شهرودي على تصريحه بحجة أن مصطلح المعتقل السياسي غير وارد في تشريعات إيران! إذن يمكننا القول بأن مبدأ القانونية و احترام الحقوق الدستورية قد فرض نفسه على خطاب السلطة وإن حاولت السلطة اللجوء إليه في بعض الأحيان للتحايل على القانون.
إذن يمكن القول أن تسيس القضاء من ناحية وفرض طابع قضائي judiciarisation على النزاع السياسي من ناحية أخرى كان له تأثير لا يمكن تجاهله على قواعد ومحتوى اللعبة السياسية في إيران. وبعيداً عن التوهم بأن أجهزة الدولة بإيران تخضع أخيراً وتدريجياً لواقع التحول الديموقراطي، يتبين لنا من الخطاب الذي تتبناه السلطة بما فيها عناصرها الأكثر محافظة أن ثمة مفردات وحجج تكتسب شرعية وتفرض نفسها حتى على إجراءات الفئة الحاكمة لقمع معارضيها، فتلجأ لمراوغات مستندة على قراءات حرفية للقانون أو تلجأ لخطاب ذو مفردات ديموقراطية دون المساس بالمؤسسات السلطوية وآلياتها، الأمر الذي يوقعها في شباك تناقضاتها.
وحتى إذا كان التحول الذي طرأ على سياسة الدولة خطابي بحت وغير مؤسسي، فانه يستمد أهميته مما يشير له من تغير جذري في مصدر شرعية الحكم في إيران وتحوله من دور المقاومة للعدو الخارجي وللإمبريالية وخدمة مصلحة النظام الإسلامي إلى دور الصائن لحقوق المواطنين وللديموقراطية ولحرية الفكر والتعبير. ويتحول الخطاب السياسي من الدعوة للاتحاد من أجل مقاومة الشر الخارجي إلى خطاب يفترض أن مصدر العلل داخلي وأن على المواطنين المشاركة في صياغة السياسات. وبناءً عليه يزداد الحديث عن الحقوق والمواطنة ويتراجع خطاب واجبات الرعايا. وبالتوازي تتحول المعارضة عن الخطاب الثوري إلى الإصلاحي. وتنضم حجج الإصلاحيين لمبدأ كانط بأن التشريع يجب أن يخضع لسيادة الشعب وما يملي عليه عقله، و أن المرجعية النهائية للتشريع ما هي إلا الإجماع العام public consensus. كما ينطوي خطابهم على إعلاء حقوق الإنسان وتجاوزه اتهامات الاغتراب والإمبريالية. وبرغم العثرات التي يواجهها المجتمع المدني في إيران في ظل رفض خضوع السلطة للقانون، يمكن الجزم بأن الخطاب الحقوقي ومبدأ سيادة القانون اكتسبا الشرعية اللازمة لوضع قواعد ومعايير جديدة للعبة السياسية هي – بالتعريف - في صالح الإصلاحيين.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:17.

انتفاضة القضاة و معركة التغيير

زياد العليمي

تابعت الحركة الديمقراطية بشغف وباحتفاء تحركات القضاة في السنة الأخيرة والتي كانت ترمي إلى تحقيق بعض المطالب مثل استقلال القضاء والإشراف الكامل على الانتخابات. يفسر زياد العليمي هذه التحركات بالإيديولوجية الحاكمة للقضاة والتي تعود للعصر الليبرالي، كما يدفع بأن دور القضاة في التحول الديمقراطي يحده مصالحهم النقابية كفئة اجتماعية.

لا يمكننا فهم دوافع و أفق تحرك قضاة مصر إلا من خلال استعراض التاريخ الذي كون الأيديولوجيا الحاكمة لتحركات القضاة المصريين عبر تاريخهم و كذا تحركهم الأخير أو "انتفاضة القضاة".
ارتبط ظهور القضاء المصري المعاصر في مصر بمشروع محمد على لبناء الدولة المدنية الحديثة. فأنشأ محمد على مجالس قضائية متعددة بجانب المحاكم الشرعية، كما أنشأ مجلسين للقضاء التجاري في المركزين التجاريين الرئيسيين، القاهرة و الإسكندرية، و اعتبرت هذه المجالس بداية القضاء المصري الحديث, ثم أتى الخديوي إسماعيل ليوسع هذا النظام القضائي بتكوين مجالس هرمية لكيانات إدارية في المحافظات والأقاليم فاختصت هذه المجالس المحلية بالفصل في القضايا البسيطة فقط اعتماداً على اللوائح التي تصدرها الحكومة المركزية .
واستمر الحال كذلك حتى بداية القرن العشرين الذي شهد تزايد التواجد الأوروبي، وبالتالي بدأت النماذج القضائية الأوروبية تحل محل النماذج العثمانية التي كانت سائدة من قبل، ومع زيادة التواجد الاقتصادي الأوروبي و ظهور الامتيازات الأجنبية بدأت الدعوة لإنشاء قضاء مختلط يختص بقضايا الأجانب، إلى أن بدأت المحاكم المختلطة عملها عام 876 ، و مع اعتماد التقنين المنظم لهذه المحاكم ظهر التواجد الأوروبي بجلاء ليس في التشكيل فقط ، و لكن في مسألة الفصل بين الحكومة كسلطة تنفيذية وجهاز القضاء، فقد وافقت الحكومة المصرية على الامتثال ذاتياً للأحكام الصادرة ضدها كما وافقت على الأخذ بنظام النيابة العامة المعمول به حتى الآن .
وبعد إنشاء المحاكم المختلطة دعا عدد كبير من الزعماء المصريين لإنشاء محاكم وطنية للفصل في القضايا خوفاً من زيادة التدخل الأجنبي في شئون المصريين، و بذلوا جهوداً كبيرة لإنشاء هذه المحاكم وطالبوا بأن تختص بالنظر في الجرائم التي تقع من الموظفين الحكوميين والرقابة على أعمال الإدارة إلى أن كللت جهودهم بالنجاح بصدور مرسوم إنشاء المحاكم الأهلية قي 1883 . وبتطور الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال عن بريطانيا و إنهاء الامتيازات في العشرينات، نجحت هذه الحركة في تحقيق بعض الانجازات على صعيد الاستقلال القضائي، كما تعهدت بريطانيا من خلال معاهدة 1936 بأن تعمل على إنهاء الامتيازات الأجنبية بمصر وأن تجعل المحاكم المختلطة تتولى عمل المحاكم القنصلية لفترة تكون الحكومة المصرية في نهايتها حرة في الاستغناء عن المحاكم المختلطة ، إلى أن اختفت المحاكم المختلطة تماماً بعد اتفاق مونترو عام 1937.
وهذا التأثير الأوروبي على القانونيين المصريين و خاصة القضاة جعلهم يؤمنون بأفكار الشرعية الليبرالية التي ترى القاعدة القانونية باعتبارها الضمان الوحيد الذي يمكن أن يتمسك به الأفراد في مواجهة السلطة التنفيذية ، و كذا ترى النظام القانوني باعتباره المقيد الرئيسي لسلطة الحكام المستبدين و دوره هو جعلهم يحكمون الناس بمقتضى العقد الاجتماعي المتفق عليه. وعلى طريق القضاة لإتمام نظام قانوني ليبرالي يضمن لهم الاستقلال استطاعوا أن يحصلوا على عدد من المكاسب كان أهمها قانون السلطة القضائية الصادر عام 1943، والذي كرس استقلال المؤسسة القضائية بتدعيم مجلس القضاء الأعلى وزيادة عدد القضاة به، مما صعب عملية عزل القضاة. وبالتوازي مع ذلك تأسس مجلس الدولة عام 1946 لدعم التوجه القانوني الليبرالي في رقابة القضاء على الجهات الإدارية، فكان لها العديد من الأحكام التي حجمت السلطة التنفيذية ورغبتها في الاستئثار بالسلطة.

سلطة جديدة ومعركة جديدة :
ويعد وصول ضباط يوليو لسدة الحكم بمصر إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في العلاقة بين السلطة التنفيذية و قضاة مصر، فقد كان الحكم في الحقبة الناصرية شمولياً. و لكن الصدام بين هذه السلطة الشمولية والقضاة الذين يستعصمون باستقلالهم تأخر بعض الشيء. فأمضت السلطة الجديدة سنواتها الأولى في إدخال تغيير جذري على البنية القانونية لتتواكب مع توجهها الجديد. و في هذا الإطار وضعت العديد من التشريعات التي تكفل لها التدخل المركزي في كل شئون الإدارة، كما أطلقت حالة الطوارئ لتنال من معارضيها وتحافظ على "الثورة" الوليدة ، فبدا الأمر وكأن هناك اتفاق غير معلن بين السلطة الجديدة و الجهاز القضائي .فأصرت الدولة الناصرية في البداية على حفظ استقلال القضاء وعدم إقحام القضاة في شئون السياسة وفي المحاكمات السياسية الصورية لمعارضي النظام. وهو ما التقى برغبة القضاة، فأنشأت السلطة الناصرية محاكمها الاستثنائية من عسكريين بالأساس وكان لهذه المحاكم دوراً سياسياً وليس قضائياً و هو محاكمة مناهضي النظام و خصومه. وفي المقابل ساد توجه داخل صفوف القضاة بأن واجبهم في هذه الفترة هو تطبيق القانون كما هو، أي كما تضعه السلطة الحاكمة. و لكن هذا الحال لم يدم طويلاً، فمع منتصف الستينيات بدأ عدد من القانونيين المصريين يطالبون بمراجعة الثقافة القانونية المصرية لتتواكب مع المتغيرات السياسية، فهاجموا فكرة الفصل بين السلطات واستقلال السلطة القضائية باعتبارها تراث رأسمالي ينتمي للشرعية الليبرالية التي يجب استبدالها بالشرعية الاشتراكية، و إدماج القضاة في الاتحاد الاشتراكي العربي ليرتبط قضاة مصر بالقاعدة الشعبية. و أثناء انعقاد الجمعية العمومية لنادي القضاة في مارس 1968 أصدرت الجمعية العمومية بياناً يرد على هذه الدعاوى ويعلن رفض القضاة لإدماجهم في أي تنظيم سياسي، و دعوا فيه لإنهاء المحاكم الاستثنائية واحترام الدستور وسيادة القانون. فقسم هذا البيان القضاة إلى قسمين، تعاطف فريق منهم مع الانضمام للتنظيم الواحد. و كما يذكر "ناثان براون"، وهو أحد أهم الذين أرخوا للسلطة القضائية المصرية،" فإن بعضهم كان قد انضم بالفعل للتنظيم الطليعي"، أما الغالبية العظمى من القضاة فقد تبنوا مطالب بيان جمعيتهم العمومية، وهو ما قاد إلى الصدام بين القضاة والحكومة خاصة بعد انتصار مجموعة البيان في انتخابات نادي القضاة 1969، و هو ما ردت السلطة عليه بإحالة ما يزيد على مائتي قاض للتقاعد فيما عرف "بمذبحة القضاء".

السادات ومبارك: تفعيل القضاء للحد من السياسة:
أما في مصر السبعينيات و مع تصاعد الحركة الوطنية و اليسارية خشيت الدولة المصرية من تسييس الشارع المصري، ولم تجد هذه الدولة أن إطلاق العنان للقوى السلفية و فتح المنابر المختلفة لها كافياً وحده بالقضاء على الشعبية المنتظرة لتيارات المعارضة، خاصة بعد تراجع سلطة السادات عن الأيديولوجيا الوطنية الشعبوية التي تميز بها نظام سلفه وعدم امتلاكه لما يسد الفراغ الذي خلفه زوال "الخطاب الناصري" .
لم يكن أمام هذه السلطة سوى إعادة الاعتبار للسلطة القضائية وإعطاء وضعاً خاصاً للقضاة في المجتمع المصري لاعتماد اللجوء للقضاء بديلاً عن اللجوء للتنظيمات السياسية، فكان لابد وأن تقدم السلطة بعض التنازلات للقضاة للحفاظ على "الهيبة القضائية" حتى تولد الأمل في اللجوء إليها ، فاعتذر السادات عن "مذبحة القضاء"، وداعبت سلطتا السادات ومبارك أحلام القضاة بالشرعية الليبرالية عن طريق إعادة التشكيل القضائي للمجلس الأعلى للقضاء، ورد حق القضاة في انتخاب مجلس إدارة ناديهم، وإعادة الاعتبار للقضاء الإداري، وإنشاء المحكمة الدستورية العليا، ومد قواعد عدم القابلية للعزل لأعضاء النيابة العامة. و رغم ذلك احتفظت للسلطة التنفيذية بالحق في تعيين النائب العام وأوجبت عرض أعضاء هيئة التفتيش القضائي على وزير العدل لتتملك مقاليد الأمور.
وعلى الجانب الآخر بدأت السلطة تسعى لزيادة المخصصات المالية الممنوحة للقضاة فزادت رواتبهم حتى بدا وأن الجهاز القضائي هو الفئة المفضلة لدى الدولة، و ساد إحساس بين عدد من القضاة بأن هذه المزايا التي تمنح لهم يجب أن ترد في شكل مهادنة النظام والتخلي ولو في بعض الأحيان عن دورهم كسلطة ثالثة عليها أن تقيد السلطة التنفيذية في بعض صلاحياتها، فزاد إحساسهم بضرورة تقنين استقلالهم وحماية مصالحهم حتى يتمكنوا من القيام بدورهم دون أن تجد السلطة القضائية نفسها في موقف المستجدي من السلطتين الأخريين على حد تعبير القضاة.

مطالب نقابية و ليست سياسية :
تمحور النزاع بين القضاة وسلطة مبارك في العام الأخير حول مشروع قانون تعديل السلطة القضائية الذي يكفل استقلالية أكبر للقضاء. و بدأ النزاع حول هذا المشروع حين اتخذت الجمعية العمومية لنادي القضاة المنعقدة في 22 نوفمبر 1990 قراراً بضرورة وضع مشروع لتعديل قانون السلطة القضائية بما يحقق استقلال القضاء، وحددت الجمعية العمومية المبادئ الأساسية التي يجب أن يراعيها القانون و شكلت لجنة للعمل على صياغته. ثم أقرت الجمعية العمومية لنادي القضاة المنعقدة في 18 يناير 1991 مشروع القانون المقترح، إلا أن رئيس الجمهورية رفض المشروع آنذاك، فظل حبيساً أكثر من 13 عاماً حتى تم تحديثه و إصدار نسخة كاملة منه بتاريخ 18 ديسمبر 2004.
تضمن المشروع في نسخته المصدرة عدداً من الأحكام المستحدثة التي يرى القضاة أنها تدعم استقلالهم كان من أهمها:
- استقلال السلطة القضائية بكافة شئونها المالية و نقل الأمور المتعلقة بميزانية القضاء لمجلس القضاء الأعلى.
- دعم مجلس القضاء الأعلى من حيث التشكيل بأن يضم من يتولون مناصب القمة في القضاء بالإضافة إلى عضوين من محكمة النقض وآخرين من محكمة استئناف القاهرة باعتبارها " كبرى محاكم الاستئناف و محط رحال قضاتها " ـ على حد تعبير القضاة ـ ويكون اختيار الأعضاء عن كل من المحكمتين المذكورتين عن طريق انتخاب جمعيتها العمومية، حيث أن أعضاء المجلس القضاء الأعلى يعينون بقرار من رئيس الجمهورية حتى الآن وهو ما يضمن سيطرة السلطة التنفيذية عليه فهي التي تشكله وهي التي بيدها تغيير بعض أعضاؤه، أما بخصوص دعم المجلس من حيث الاختصاص فقد رأى المشروع إلحاق إدارة التفتيش القضائي بالمجلس حتى تعينه في مهامه المتعلقة بتعيين رجال القضاء و ترقيتهم و نقلهم و غيرها من الأمور الوظيفية .
- إلغاء الندب لغير وظائف السلطة القضائية و تحديد مدد الندب و الإعارة بأربع سنوات حتى لا تنتقص من المستوى الفني للقاضي عند استطالتها.
- جعل المشروع للجمعية العمومية لمحكمة النقض السلطة في اختيار أعضائها من بين المرشحين للعمل بها بعد أن كان تعيينهم بقرار من وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى كما جعل لها الحق في انتخاب رئيسها و نائب رئيسها.
- جعل التقاضي في شئون القضاة على درجتين حتى تكون الأحكام محل مراجعة لخطورتها في التأثير على المستقبل المهني للقاضي، كما أعطي القانون الحق للقاضي في الاستعانة بقاض آخر من محكمة النقض أو محام متخصص للدفاع عنه.
-تسوية معاش القاضي بحيث لا ينخفض انخفاضاً شديداً عن رواتبهم التي كانوا يتقاضونها.
- تعديل وضع نادي القضاة من جمعية خاصة مشهرة وفقاً لقانون الجمعيات تشرف عليه وزارة الشئون الاجتماعية إلى اعتباره جمعية مهنية خاصة بالقضاة وتخضع لإشراف جمعيتها العمومية.
ويلاحظ أن مطالب القضاة الخاصة بالإشراف الكامل على الانتخابات لم تكن مدرجة على جدول أعمال القضاة أثناء مناقشة استقلال السلطة القضائية حتى عام 2000، ففي 8 يوليو 2000 صدر حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن الدستوري رقم 11 لسنة 13 والذي قضى بضرورة إشراف القضاة على الانتخابات تطبيقاً لنص المادة 88 من الدستور المصري، وعلى أثر ذلك بدأ إجراء انتخابات مجلس الشعب عام 2000 على ثلاث مراحل ليتمكن القضاة من الإشراف على الانتخابات .
ولكن سلطة الحزب الوطني أصرت على عدم إجراء انتخابات نزيهة خاصة بعد الهزيمة النسبية التي مني بها مرشحوها في المرحلة الأولى من الانتخابات، فدفع مرشحو الحزب الوطني برجال الشرطة لمنع المواطنين المؤيدين لمنافسيهم من الدخول لمقار الانتخاب، و في العديد من المناطق أشرف القضاة على اللجان الرئيسية فقط دون اللجان الفرعية لعدم كفاية عددهم، كما اقتصر إشراف القضاة على عملية الاقتراع فقط دون أن يكون لهم أي حق في التدخل في الإجراءات المنظمة له أو التدخل في أي انتهاكات تحدث خارج مقر اللجنة من شأنها التأثير على العملية الانتخابية. وهو ما جعل نتيجة انتخابات مجلس الشعب الأخيرة تصدر تحت دعاوى حكومية بنزاهتها لأنها كانت تحت إشراف قضائي و في ذات الوقت تصدر العديد من الأحكام القضائية التي تثبت حدوث تزوير في هذه النتيجة، كما قضت بإعادة الانتخابات في بعض الدوائر كما حدث في انتخابات دائرة الرمل بالإسكندرية. وشعر القضاة على أثر ذلك بأن هذه النتيجة قد تنال من هيبتهم و الشك حول حقيقة استقلالهم ، فطالبوا بالإشراف الكامل على الانتخابات .
ورغم أن قضية الإشراف على الانتخابات كانت قضية منفصلة إلا أن القضاة رأوا ربطها بمطالبهم النقابية ليضمنوا استقلالهم، فخلال الجمعية لنادي القضاة المنعقدة في 13 مايو 2005 ـ و قبل انتخابات رئاسة الجمهورية و مجلس الشعب بشهور قليلة ـ اختار القضاة استخدام ورقة الإشراف على الانتخابات لتصعيد الضغوط على الحكومة المصرية للحصول على قانون السلطة القضائية الذي يكفل لهم الاستقلال.
وبعد الاستفتاء على تعديل المادة 76 من الدستور صدر تقرير نادي القضاة عن الاستفتاء و الذي اعتبر تصعيداً للصدام مع السلطة التنفيذية حين أورد عدداً من الانتهاكات التي تمت خلال التصويت على التعديل المقترح فخرجت نتيجة الاستفتاء غير معبرة عن إرادة الناخبين. وبصدور التقرير على هذا النحو نجح نادي القضاة في كسب تأييد الشارع المصري له ـ و خاصة النخب السياسية ـ و في نفس الوقت قدم دليلاً لسلطة مبارك على جديته في تنفيذ تهديداته بعدم الإشراف على الانتخابات الرئاسية.
ولكن رد الإدارة المصرية على تهديد القضاة جاء بذات الحدة والجدية التي تعامل بها نادي القضاة، ففي 30 أغسطس الماضي و ـ قبل ثلاثة أيام فقط من اجتماع الجمعية العمومية لنادي القضاة التي ستقرر موقفهم من الانتخابات ـ قررت اللجنة المشرفة على الانتخابات الرئاسية استبعاد 1700 قاض من المشاركين في التحركات الأخيرة من الإشراف على الانتخابات الرئاسية، وهو ما اعتبر رسالة من سلطة مبارك باستعدادها للإطاحة بكل من يحاول إحراجها خلال الانتخابات الرئاسية.
ثم خرج اجتماع الجمعية العمومية لنادي القضاة المنعقد في الثاني من سبتمبر بقرار بالموافقة على الإشراف على الانتخابات الرئاسية بشرط عودة القضاة المستبعدين وإقرار إشراف منظمات المجتمع المدني على العملية الانتخابية وعدم اعتبار رجال النيابة العامة وهيئة قضايا الدولة من القضاة وتنقية الجداول الانتخابية، ورغم عدم تلبية أي من هذه المطالب ـ أو الشروط كما سماها قضاة مصر ـ أشرف القضاة على الانتخابات الرئاسية .
ويبين من تحركات القضاة عبر تاريخهم أن القضاة لا يتحركون إلا للحفاظ على مصالحهم المهنية و في مقدمتها الحفاظ على استقلالهم و الحفاظ على الدور الذي يرونه للسلطة القضائية، و يميز تحركهم الأخير عدد من السمات الرئيسية أهمها هو قيادة قضاة محكمة النقض الذين رسخت لديهم أفكار الاستقلال القضائي أكثر من غيرهم خلال سنوات عملهم الطويلة بالسلك القضائي باعتبارهم على قمته، ويظل قبول نادي القضاة الإشراف على الاستفتاء حول التعديل الدستوري ـ على الرغم من كل التجاوزات التي حدثت خلاله ، رغم عدم حصولهم حتى على تعهد ببحث مطالبهم ـ و بعده إشرافهم على الانتخابات الرئاسية رغم عدم تلبية "شروطهم" تأكيداً على أن سلاح المراقبة على الانتخابات يستخدم كورقة ضغط إعلامية على سلطة مبارك لضمان حصول القضاة على مطالبهم، وليس نزوعاً حقيقياً للمشاركة في المعركة السياسية الطامحة للتغيير الديمقراطي.
كما يتضح أن قيادة تحرك القضاة الأخير واعية تماماً لعدم استعداد شباب القضاة ـ الذين لم يشهدوا فترات استقل فيها الجهاز القضائي عن السلطة التنفيذية ـ للدخول في صدام مع السلطة، وما يؤكد ذلك توقيع عدد غير قليل منهم على تعهد بمراقبة الانتخابات وتغاضي قيادة التحرك عن ذلك وعدم رفضه من حيث المبدأ بل و قبول الإشراف على الانتخابات الرئاسية. ولهذا فإن رموز حركة القضاة يؤكدون دائماً أن قضاة مصر لا علاقة لهم بالسياسة ورفضوا إشراك أية قوى سياسية أو منظمات غير حكومية في معركتهم حتى لا يكون ذلك إعلاناً لخصومة مع النظام الحاكم، و ليظل الباب مفتوحاً لأية حلول وسط تؤدي لحصولهم على مطالبهم النقابية .
ولكن لا بد أيضاً من ملاحظة أن مطالب القضاة بالاستقلال يمكن أن تدعم القوى الوطنية المصرية في معركتها من أجل التغيير الديمقراطي، فمصر لم تعرف خلال النصف قرن المنصرم سلطة قضائية مستقلة و لكنها شهدت قضاة مستقلين، و نجاح هؤلاء القضاة في تجذير مواقفهم من أجل سلطة قضائية مستقلة سيؤدي بالطبع لأن تقيد السلطة القضائية بعض الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية، كما أن دعم القضاة و مساعدتهم في التمسك بالإشراف الكامل على كل المراحل الانتخابية في كافة الانتخابات القادمة سيمكن المعارضة المصرية من إحراز تمثيل برلماني أعلى يمكنهم من التحرك بخطوات ثابتة للحصول على مكاسب أخرى على طريق التغيير الديمقراطي في مصر.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:04.