موسيقي

فقر الفن أم عجزنا عن الرغبة؟

فيروز كراوية

إلى أي مدى يمكن اعتبار الفيديو كليب مجالا ديموقراطيا؟ وكيف استقبلنا "أخاصمك آه"؟ وكيف أصبحت الأغنية الآن بمثابة لا وعى نرمى فيه هواجسنا؟ تتساءل فيروز كراوية فى هذا المقال عن أثر الفيديو كليب على صناعة وتلقى الأغنية، وعن علاقتنا بالقدرة على البهجة والتعامل مع مشاعرنا.

كانت الأغنية واستمرت أحد أسهل القوالب الفنية تداولا وأكثرها مصاحبة للناس فى حوادث يومهم. ورغم وجودها القوي خلال تاريخنا المعاصر، فان ذلك لم يسهم فى تطورها بما يتناسب واحتياجنا لها كما حدث فى أنحاء كثيرة من العالم المتقدم والنامى. لقد لعبت الأغنية والفرق والأنواع الموسيقية الواسعة أدوارا فاعلة فى التحريض وتعميق الشعور بالذات والكون فى العديد من التجارب التى جعلت من الفن الغنائى بحق لسان حال شعوب الأمريكيتين وأفريقيا - باستثناء منطقتنا العربية - وأوروبا. ولازال ظهور واستكشاف أنواع موسيقية وشعرية جديدة وتطوير أنواع قديمة يطرح بدائل لانهائية لاستمرار هذا الفن الاجتماعى مؤثرا ومطلوبا. أحد الإمكانيات التى طرحها عصر الصورة بل واضطرت لها الأغنية كان الفيديو كليب. هذا الميدان الديمقراطى من حيث إتاحته للفرصة الغير مشروطة للعرض والتكلفة الإنتاجية المرنة واستعصاؤه على احتكار النجوم. بجدارة أتاح الفيديو كليب إمكانية صناعة أغنية ذات أبعاد مرئية بما يحوى ذلك من تقنيات حركية وخيالية وسينمائية.

تسلية ذات أنياب..."أخاصمك آه"؟!
غيرت هذه النقلة بالضرورة من طبيعة متلقى الأغنية ونوعيته. فانضم لجمهور الموسيقى شريحة واسعة من مشاهدى الفضائيات المتوفرة والذين لم يكونوا بالضرورة من المهتمين بالأغنية بشكل خاص. وانتقل تعاطى الأغنية من جمهور كان لابد له أن يسعى نحوها -بشراء الأشرطة أو بحضور الحفلات- لجمهور تسعى الأغنية نحوه وتتهافت لكسب عينيه بالدرجة الأولى. حتى تلك اللحظة كان هذا الأسلوب الفنى الجديد محتفظا بفرصته الذهبية فى توسيع نطاق حرية الأغنية بل واكتساب أرضيات جديدة يطرح عليها رؤيته ورأيه. ولكن الجمهور الجديد كان فيما يبدو مستعدا بدرجة أكبر لاعتبار الأغنية المصورة فنا للتسلية فقط. ولكنه أيضا لم يكن مستعدا أبدا -أو متوقعا- أن تكون هذه التسلية خارج حدود بعينها اعتاد أن يتسلى فيها. وعند هذه اللحظة بالذات قدم الفيديو كليب نفسه لأول مرة كتسلية لها أنياب.."أخاصمك آه". ذات صباح اصطدمنا جميعا بأول أغنية تستخدم الإيحاء الجنسى بجرأة واضحة وبراعة إخراجية تفاعلت فى العمق مع كل ما نحمله من ميول ومشكلات وانطباعات عن الجنس والفراق البين -فى نظرنا- بين ممارسته المستورة وتناوله العلنى. حملت نادين لبكى أغنية شديدة التقليدية كلاما ولحنا وغنجا إلى قلب قضايانا المؤرقة.
دون تردد كتبت الصحف وتحدثت البرامج وباع الجميع وكسب ولكن لم يتوقف أحد أبدا عن مشاهدة الكليب الظاهرة. استدعى المجتمع من سلته الخلفية تناقضه المتكرر فى معالجة مشكلة الجنس، لم يقدم جديدا عما قاله من قبل فى كل الأفلام السينمائية التى أثارت ضجة مشابهة. الغريب أنه باع واشترى بنفس النجاح ودون أن يعانى كساد البضاعة القديمة!! نعم ..قفز الجميع ليستفيد من الأغنية الحدث بداية من برامج التوك شو وحتى الصحف والبرلمان وصولا للدعاة الجدد. نتيجة لرد الفعل الساخن -المفتعل كالعادة- قفزت أسهم الأغانى المصورة اقتصاديا قفزة هائلة غيرت من طبيعة العرض والطلب عليها تماما. تحولت السلعة الفنية بفضل هذا الاستقبال لسلعة تروج لا على أساس تنافسيتها الفنية -نجمها أو موسيقاها أو كلماتها أو تصويرها- بل على جذبها بالدرجة الأولى لجمهور "شريط المحادثة السفلى" وأحدث رنات الموبايل. وهنا بالتحديد استوى الجميع، أشهر النجوم وصانعو الكليبات المفرقعة، فى تطور نوعى هام لم يعد يؤثر فى جريان الشريط السفلى من يغنى أو أى أغنية. المغنى يكسب أجره ويزيده مسبقا حتى قبل أن يعرف درجة نجاح أغنياته لأن المنتج والقنوات لم تعد تكسب منه إلا بوصفه علامة تجارية تجاورها أموال شركات الموبايل والإعلانات على صورته وصوته.

بعيدا عن الذات...مرة اخرى!
وإذا قرأنا من زاوية أخرى أسباب رد الفعل هذا الذى ذهب بنا بعيدا جدا عن الفرصة المتاحة، نجد أن" أخاصمك آه "فى حد ذاتها قدمت بديلا لم نرد التعاطى معه بجدية. فبينما ذكرت نادين لبكى بصراحة وعلى صفحات المجلات أنها قصدت الإشارة بوضوح لديناميكيات العلاقات بين رجال وامرأة فى وسط شعبى عربى جاءت التعليقات كلها بلا استثناء تتعامل مع فن مبتذل أو على أفضل الأحوال مع وسيلة سهلة للترويج لأغنية. كانت نادين -سواء صدقت أم لا- تشرح لنا أسلوبها الإخراجى الذى اعتمد على المحاكاة المستفزة لواقع معاش. لا يريد وعينا التورط فى رسالة الصورة التى اشتبكت معها تلك الأغنية: أننا كرجال نرى السيدات حولنا هكذا فعلا أو أننا هكذا نؤثر فى الرجال كنساء. كل القراءات رفضت مناقشة ذلك واختارت أن تحمِّل الأغنية كل ذنوب المجتمع بدءا من إفساد الأجيال الشابة وحتى الدعوة للكفر والعياذ باللـه. عندما اقتربت أغنية نانسى عجرم منا ومن حيل تواصلنا اللعينة ثرنا عن بكرة أبينا ورفضنا مناقشة الأمر إلا بصلف من يحمى انهيار مؤسسته الأخلاقية المستعدة للانهيار بجدارة. يبدو أن هذا الشكل المكرر من التفاعل مع الأشكال الفنية التى تقذف برسالة صادمة قد كون صيغة تواطأ الجميع على استعمالها عندما يعجز عن تقديم تفسير متماسك، لنفسه إذا كان من الجمهور العادى، أو للناس إن كان ناقدا أو رمزا للسلطة السياسية/ الدينية/ الإعلامية.
ولكن ثمة وقفة مهمة واجبة قبل أن نبالغ فى احترام "القيم الثورية العظمى" لأغنية "أخاصمك آه". هذه الوقفة تخص المبدأ الأولى الذى يفترض فى المبدعة -وهى هنا نادين لبكى- أنها قصدت حتى لو لم تعرف ذلك أن تعرض صراعا داخليا يهمها حول قضية ما. ما حدث بعد ذلك أن تدخلت أطراف عدة لتحرمنا من استغلال ديمقراطية الفيديو كليب لصالح عرض صراعات مختلفة تهمنا أو تحركنا واستغلت أخاصمك آه فى إطار مختلف. فالمنتجون تنفسوا الصعداء لأن شجاعة نانسى عجرم فى تقديم الإثارة وفرت عليهم عناء ولعنات البداية الأولى، فانطلقوا فى تقديم الجنس يوميا وكل ساعة حتى حولوا شاشات الفيديو كليب لخلفية عارية بائسة لا يكترث لعريها الناس كثيرا. والفنانون الذين يصنعون الأغانى رأوا أن المهمة الثقيلة أصبحت تقع على عاتق الصورة -أو أن دورهم لم يعد يغير الكثير- فرموا حمولهم الثقيلة على المخرج واكتفوا بصناعة كلمات هزيلة وألحان باهتة لعدد لا نهائى من البشر مهمتهم أن يظهروا فى الصورة بشكل جيد. والمجتمع بدوره تخلص من كابوس جديد كاد يظهر ليحرك من جديد أسئلة كان قد عرف سيناريو الرد عليها ورسم لها حدودا لا يريد أن تتجاوزها. لا يهم أن ترينا الأغانى-بصفتها الجديدة كأفلام قصيرة- كيف نعيش. لا يلزمنا أن يفتح هؤلاء الصغار النار علينا من ميدان آخر. لن نجتهد فى الحصول على متعة فنية تحرك ما نام واستقر فى سلة خلفية نسيناها فى مؤخرة رؤوسنا. إنه قرار نكسب منه اقتصاديا وسياسيا ونضمن أن تسير الأحوال –دائما- على ما هى عليه.
ولكن الخسارة الاجتماعية والإنسانية المستمرة تتم وفق آلية شرسة فى الدفاع عن وجودها بكل طريقة. هذه الآلية التى نجيدها جيدا من إزاحة آلامنا وهواجسنا إلى لا وعى بعيد وإحلال ردود جاهزة وحلول صارمة محلها فى المقدمة. كيف فقدنا متلقى الأغنية القديم والجديد وحولناها -منتجون ومستهلكون- لسلعة رخيصة هربا من احتمالية تحريرها التى تخيفنا. مم نخاف وأى حياة نريد أن نحيا؟ فإن كنا حولنا الأغانى المصورة بجدارة لميدان مفرغ من كل جدل مع حياتنا وجعلنا الغناء والموسيقى نسخا رديئة من أحاسيس فاترة فقد يدلنا هذا على أن هروبنا المستمر لهذه الآلية المنفصمة له دلالة أعمق: أنه إشارة صارخة على ضحالة مشاعرنا ذاتها أو هروبنا من النفاذ إلى أعماقها حتى لو عبر عملية فنية تخييلية تحرضنا على الطريق لقلوبنا. بمعنى آخر: إذا عجزت أطراف الصناعة الفنية من منتج وفنان ومتلقى عن الاشتراك فى خلق مُنتَج نلجأ له لنمرح أو لنعرف أو لنتفتح –وهو الضرورة الوحيدة للفن- فإننا إزاء حاجز حقيقى يفصلنا عن رؤية ما نريد، ولو رؤية غامضة. فى ذهنى الآن، بالمقارنة، كيف جاءت أغنية جورج مايكل التى رسمت كاريكاتورا لبوش وبلير فى وقت مثل الوقت الذى تعيشه مصر الآن. فى حالتنا هذه يصبح غياب أعمال فنية جذابة وافتقاد الجمهور لفن يثير اهتماما أكثر من اهتمامه بكيس لب سوبر مرتبطا طبيعيا بشرط اجتماعى لا يعرف طريقا للبهجة الصادقة ولا لوضع يد على أوجاعه التى أماتت جسده حتى سكت عن الصراخ.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:22.

رسالة إلي الجمهور المصري

صديقاتي .. اصدقائي
في هذه اللحظة الكونية، المكنوزة بحريات المعرف، وانتقالها، والتى تجعل من المبدع، المثقف أكثر حرية واستقلالاً في الرأي والمشاركة، سيكون عليه في هذه اللحظة بالذات أن يكون أكثر تمسكاً بالتزامه الحر، وأكثر وعياً بدوره الحضاري في تقدم البشرية، فبالرغم مما تذهب إليه غطرسة الدول، وتخبط القوى السياسية وانهيارات المجموعات المؤسسية، ونطل للأفراد المبدعين والمثقفين أدوارهم البالغة الفعالية. الأمر الذي يجعل القنوات الأصدق والأقرب مع آلام البشرية واحلامهم.
فليس من الحكمة أن يتخلى المبدع عن أحلامه، ففي ذلك الخسارة الفادحة للناس. خصوصاً أولئلك الذين يخسرون يوماً بعد يوم حقوقهم ومتطلبات عيشهم الكريم والحر.
أننى أعتقد دائماً بأن الإبداع حد إنهاك مستمر وعميق في حركة الحياة، وربما قد لا يجد المبدعون فضاء أكثر رحابة، لبذر إبداعهم من قلوب الناس، تلك القلوب التى يصدر عنها الابداع فيما يذهب إليها.
ومن دون التوقف كثيراً أمام الصعوبات المتوقعة في ظروفنا العامة، تلك الملابسات التى سوف تسعي دوماً لمخاطرة الإبداع الإإنساني الحقيقي والحد من إمكانيات تحققه وفعاليه دوره الإجتماعي، خصوصاً فيما يتعلق بالمفاهيم الغامض، لشوطالسوق والتسليع الفاجر للفنون، لابد لنا أن ندرك وسائل عملنا في هذه اللحظة الكونية البالغة التسارع والتحولات.
فهذه الأمور لا يجب أن تكون عائقاً يحول دون تقدم المبدعين والمثقفين نحو أحلامهم، متمسكين بدورهم الإنساني، مؤمنين بأن ثمة أجنحة كثيرة توشك على ال يتوجب علينا مساعدتها على التحليق. وليس مثل الثقافة والابداع يمكن أن يصقل موهبة الطيران لدى أكثر الكائنات مقدرة على الحلم.
في هذا الخندق الأخير – خندق الثقافة- سنحاول أن نربط مع قليلين مدافعين عن تلك القيم، وأن نحاول أيضاًلا الصمود في وجه جرافة الانحطاط.
والانحطاط الذين نتعرض له ليس ناتجاً عن قصور ذاتي في الأشخاص، بوصفهم أفرداً تنقصهم المعرفة والموهية، وكلنه نتاج موضوعي للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي تحميه المؤسسات والسلطات وتقوم عليه. فحرمان المجتمع من البوح الحر سوف يؤدي عبر الوقت إلى صداء الحساسية الثقافية.
أسئلة بسيطة، ويجري تفاديها : العدالة، الحرية، الاحتلال، المقاومة ، الاخلاق، الطائفية، المذهبية، القيم المهدورة، الاختلاف، الفوارق المادية الفاضحة، حيث مقابل الفني الفاحش فقر فادح.
هل يتحمل واقعنا مثل هذه الاسئلة دون ن يتعرض السائل لقائمة الاتهام والخلل الحاصل بالسلطة، وبحقوق المدني وقواه الحية.
ضجيج بصم الأذان، ضجيج يبتعد يبتعد عن المعني الجوهري للعدالة الاجتماعية والفساد وتبديد الثروات الوطنية والحرية والديمقراطية والخبز والورد والجمال والحياة. فلنصرخ عالياً لنتحرر من سلطة النظام والعشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والمؤسسات الدينية.
ولنتحاور بصدق وبعمق عن عجز الحكام وتسلط الحكام وتكاذب الحكام، والهدر الكبير لطاقات الناس "المنومة" والمخصة القدرات الذهبية والعلماية. وربما يقودهنا هذا الحوار الصريح إلى إكتشاف طرقنا السليمة إلى الحرية والديمقراطية، فنصل إليها بمبادرة ذاتية ونقطع على المحتلين سجل الادعاء بانهم قادمون لهدايتنا وايصالنا إلى الطريق الصحيح بواسطة الصواريخ والمدافع والعمق والقتل والتشرد والتدمير المقصود لثقافتنا وتراثنا وذاكرتنا وأرضنا.
الحرب على الشعب العراقي غير مبررة وجائرة، والحرب المستمرة وعلى مدار الساعة، حرب إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية على فلسطين.
كأننا نسينا، كأن أحداً لم يعد يذكر كم من الفلسطينيين يسقطون كل يوم، وكذلك عشرات الجرحى والمعتقلين والمعاقين.

صديقاتي ..أصدقائي
لقد يئسنا من الهزائم المبثوثة في مشاريع الشعارات وبشكرات القمع، يئسنا من سلطة لا أمل فيها. ليس في البال سوى فعل الهدم الجميل الذي انتظره الوقت والمكان منذ طفولة الأشياء. ولم يبق لنا سوى البوح العميق لندافع عن أنفسنا.

صديقاتي.. أصدقائي
إن القيم الإنسانية الكبرى لا تشيخ وإن شاخت أدواتها، فلن تكون الحرية والعدالة والكرامة أشياء بالية كما يبشرنا النظام العالمي الجديد، الموغل في القدم، والذى حولنا إلى جموع خائرة، مستنفذة ذليلة. تتمرغ باليائس أو تفاهات التلفزيونات الملونة والاستهلاك الرخيص.
إن حريتنا الأخيرة هي أن نتمسك بقناعتنا بعد مصادرة كل شئ بلا استنثاء لنصون شعلة المبدئ ولنأمل بصباح جديد لربيع لا ييئاس ولنسأل باستمرار عن خصتنا من الحرية والسلام.
أعود بالذاكرة إلى تلك الطفولة البعيدة عندما احضرت كرسي الخيرزان وربطت عليها خيوط النايلون وثبتها على المقام الكبير ولعبت الحانأً بأصابع عشرة. وهكذا اكتشفت قيثارتي الأولى. تلك الكرسى العتيقة التى تحولت من راحة للابدان إلى راحة الأرواح. وكان المتبقي من كرسي الخيرزان منسي على "العلبة" في طرف أحد الزوايا. وما أن صادفتها ذات مساء موحش حتى انساب النغم ، كرسي الخيرزان المهمل له كل هذا الشجن.
كان عيداً حقيقياً يوم دخول العود الأول إلى بيتنا ، عندما استغنيت عن كل آلاتي الموسيقية المنزلية من طناجر وعلب حليب فارغة وملاعق وصحون وكبايات، لم يستفرد بي العود المجنون وانما فتك بي وافناني من شدة الولع.
ذلك الوتر الناعم الملمس كجسد المرأة الطالعة من لهفة الحب تفترسها بشفيرة الريشة المسنونة المتحكمة بالقاء الاوتار والاصابع ، تتوغل بالريشة نحو الأعمق. اوتار من قصب وحرير تغور في الاعماق، تعر على وتر النوى، فيمتد الصوت ويتبعه الصدى والعود على رهافة وسطوة يتقدم.
من عيون ريتا وخبز امي ابحث عن جواز سفر حيث لا الصورة ولا الايقاع ولا الجملة ولا القصيدة ولا الادوات ولا المفاهيم ذاتها.
لم تكن لدي رغبة في معرفة المستقبل بالوضوح الحديدي الذي تسلح به الآخرون. إنه وضوح ويضاهي قيداً لا يرحم وكأن من حق الآخرين "المحافظين" أن يسمو ذلك خراباً، وقد حلى لي ذلك.
ليست لدينا معجزات، لدينا مخيلة، واحلام مكبوتة.
( في دار الاوبرا وساقية الصاوي) اسئنفت معكم ذلك الرحيل الشاق نحو البحث عن نقطة ضوء كبداية تتجدد.
لارتماء طفولي على حضن الذاكرة.
لاحتجاج على فساد أشياء العالم.
لغضب عاصف على أثام الحرب.
ولتورط صاخب في الحب.
لا نبد
أ من صفر ، بل نواصل البدايات من خلاصة التراكم ، تراكم التجارب والتضحيات . ومنذ 30 عاماً ونحن نقلب المدن صفحة صفحة، من اجل الوطن العربي الكبير الذي ينهال على القلب متعب.
نحمله ونعلن انشاده رغم رغم الوجع الذي يشتد والقهر الذي يلتف حبلاً على العنف ليطوي رقاب الناس مهانة.
المهمة صعبة، ولكننا سنطلق الموسيقى التى ستضئ قليلاً رغم استحالة الأشياء وصوبتها في زمن ابيحت فيه المذلة وابيح فيه القتل والارهاب والجوع.
إلى أين ستأخذنا هذه الأمسيات المفتوحة على البدايات؟
إلى أجمل حب!..
صديقاتي .. أصدقائي
نواصل معكم صياغة حياتنا بأعمال متجددة، وأليس في هذا التبادل ما يزودنا بالحب.
الحب تلك الوردة السرية الجميلة المخبأة في دواخلنا، تمدنا بالقدوة والحرية وتفسد على الحياة استسلامها.
صديقاتي .. اصدقائي
لا ادري ما يشدني هكذا أليكم، إلى بلدكم ، إلى مدينتكم. ربما تكون الرغبة الثقافية المتأججة في اشعال شمعة ولعن الظلام في آن واحد لنستعيد ثقتنا مع الروح، تلك الثقة التى ارهقتها الانهيارات الشاملة والهزائم المستمرة
سنجرب قول الأشياء بلغة غير الكلام ، سنقولها بالموسيثى والصمت، ففي الموسيقى غربة وحنين إلى الماضي وإلى المستقبل المجهول.
مع كل الحب

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:43.