دين

دين الضمير لا دين الدولة : نحو تجديد الإصلاح الدينى

شريف يونس

إذا كان هذا المشروع ممكنا، سيكون هناك بالفعل إسلام ديمقراطى غير ملفق، وسيتوقف الدعاة من نوع صاحب مقولة "اللحم المكشوف" عن الشعور بالإهانة لمجرد أن ضمير الآخرين لا يطابق ضميره، أو لأن وجدانهم يختلف عن وجدانه، أو الشعور بأنه "مقهور" لأنهم، هؤلاء "الأوغاد"، يعتدون على حقه "الطبيعى" فى أن يكون سيدا على كل أرض وكل إنسان، ويمنعونه من القيام "بواجبه" فى "تعبيد" هذه الأراضى وهؤلاء البشر لربهم كما يراه هو.

 

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:18.

من "الدين للـه والوطن للجميع" إلى "الدين للـه والدولة للجميع"

الحركة الديمقراطية في مواجهة المسألة الطائفية

سامر سليمان

يتطلب تأسيس "توافق وطني" حول إنجاز مهام التحول الديمقراطي في مصر، من ضمن ما يتطلب، التوصل إلى تسوية للقضية الطائفية، أي إعادة صياغة ما يسمى "بالوحدة الوطنية" بين المسلمين والمسيحيين، التي أرستها ثورة 1919 والتي تجاوزتها الظروف والأحداث فيما بعد. يحاول سامر سليمان طرح الأرضية التي يمكن عليها بناء هذه التسوية.

هناك مؤشرات لا يمكن أن تخطئها عين المراقب المنصف، مؤشرات تؤكد أن العلاقات الطائفية في مصر وصلت في السنوات الأخيرة إلى أقصى درجات التردي، ذلك التردي الذي بدأ منذ الثلاثينات، وظهر على السطح منذ السبعينات، ولا يزال يتفاقم حتى هذه اللحظة. فمن صدامات مباشرة سقط ضحيتها المئات من القتلى والجرحى، ومن حروب كلامية طائفية ساعد على ظهورها نهاية احتكار الدولة لوسائل الإعلام، وتشكل وسائط اتصال جديدة، مثل شرائط الكاسيت، ثم الفضائيات ومواقع الانترنت، كان لها أن تخرج المكبوت الطائفي الذي يحاول النظام والخطابات القومية أن يخفيه بمقولات جوفاء عن صلابة "الوحدة الوطنية" التي ستصمد أمام كل محاولات بث الفرقة المدسوسة من قوى خارجية تحاول من خلالها زعزعة وحدة الأمة.
وللمتشكك في مدى هذا التردي في العلاقات الطائفية أن يراجع تقارير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عن المسألة، أو أن يتجول على شبكة الانترنت، في المواقع الإسلامية والمسيحية لكي يلمس بنفسه مستوى عنف الخطاب الطائفي. والنزاع الطائفي في مصر لا يقتصر فقط على "مطالب قبطية" يطرحها بعض النشطين "الأقباط" تدور حول حقوق مهضومة للأقلية المسيحية، لكي يتلقفها نشطون إسلاميون ويرفضونها جملة وتفصيلا باعتبار أن المسيحيين هنا يتمتعون بحقوق لا يحصل عليها المسلمون، ولكن الأمر يصل إلى حرب مستعرة حول قراءة تاريخ البلاد، بين من يرى أن الاستقلال الوطني لم يتحقق بعد لأن مصر لا زالت تعاني من "استعمار عربي إسلامي" بدأ في القرن السابع الميلادي، وبين من يرى أن تاريخ مصر بدأ فقط بدخول العرب المسلمين إليها وأن جماعة الأقباط ظلوا منذ ذلك التاريخ مجموعة من الخونة يشكلون شوكة في ظهر المسلمين. هذه الصياغات الأشد راديكالية وتطرفا لا تحظى بقبول قطاعات واسعة على الجانب المسلم والمسيحي، لكن يظل التعرف عليها مهما، لأنها استطاعت بالفعل أن تخترق الوعي الطائفي العام، حتى أن أصدائها تتردد في الخطاب الطائفي الأقل تطرفا.
المناخ الطائفي في مصر ملوث، لا شك في هذا. ولكن هذا التلوث لم يمنع قوى سياسية تنشط حاليا من أجل التغيير السياسي، أن تحاول إعطاء انطباع ما بأنها قادرة على تجاوز الانقسامات والاحتقانات الطائفية. والأمثلة كثيرة: حينما قررت حركة كفاية اختيار شخصيتين كواجهة لها أمام الإعلام، كان جورج إسحاق، العضو السابق في حزب العمل، هو إحدي هاتين الشخصيتين، وذلك حين قدمته الحركة كمنسق عام لها. وحينما تأسس حزب الغد، تقرر أن تشغل منى مكرم عبيد منصب نائب رئيس الحزب، وهي تنتمي إلى أسرة مسيحية قدمت الكثير من الكوادر السياسية المهمة، يأتي على رأسها بالطبع مكرم عبيد. ولم يتخلف الإخوان المسلمون عن الركب، فحينما أسسوا، في يونيو الماضي، التحالف الوطني للإصلاح والتغيير تحت قيادتهم، كان أحد أهم الوجوه التي قاموا بإبرازها ابن الرئيس الراحل للطائفة الإنجيلية الكاتب رفيق حبيب، الذي يعمل بنشاط في صفوف التيار الإسلامي منذ حوالي عشر سنوات. أما الحملة الشعبية للتغيير وحركة شباب من أجل التغيير، والتي يعمل من خلالها اليسار، فبالرغم من أنها لم تقم بإبراز أية وجوه "قبطية" (وهي على أية لم تقم حتى الآن بتقديم قيادات ذات حضور إعلامي)، تكشف حركتها في الشهور الماضية عن تقاطع ما مع المسألة الطائفية. فبعد أن شاركت الحملة في تنظيم مظاهرة "كنس السيدة" أمام مسجد السيدة زينب، ذهبت في المرة التي تلتها إلى حي الزيتون ذو الثقل السكاني المسيحي ونظمت مظاهرة أمام كنيسة العذراء، كان من الشعارات التي رُفعت فيها "محاكمة مجرمي الكشح"، أي محاكمة رجال الشرطة الذين قاموا بتعذيب مئات من سكان قرية الكشح التي تقطنها أغلبية مسيحية، ومحاكمة السكان الذين ارتكبوا جرائم اعتداء على مسيحيين في هذه القرية في الأحداث الطائفية الشهيرة التي نشبت هناك، وهو المطلب الذي رفعته مظاهرات المسيحيين في السنوات الأخيرة.
يبدو أن الحركات السياسية التي تنشط الآن في التعبئة السياسية تدرك، أو على الأقل تشعر بالفطرة، أن بناء توافق وطني حول مطالب التغيير السياسي يتطلب العديد من الأشياء، من أهمها تقديم إجابة ما على المسألة الطائفية. فقوى التغيير لن تستقيم في مصر إلا إذا استطاعت جذب أفراد وجماعات من الأقلية المسيحية. ليس هذا بالأمر الغريب أو الجديد. أنظر إلى ثورة 1919 وكيف صاغت التوافق حول مطالب الاستقلال الوطني. المجتمع المصري كان منقسما في تلك الفترة إلى فئات وجماعات اجتماعية عديدة، من ملاك زراعيين كبار وفلاحين فقراء، من أرستقراطية مدينية وأفندية، من رأسماليين وعمال، من متعلمين وأميين، من رجال ونساء، الخ. لم تؤسس ثورة 1919 التوافق الوطني على الاتحاد بين الفئات الاجتماعية السالفة الذكر, ولكنها صاغته فقط على الانقسام الطائفي بين مسلمين ومسيحيين. هكذا أصبح أهم شعارات الثورة "يحيا الهلال مع الصليب" و"الدين للـه والوطن للجميع". وهو الأمر الذي يحتاج لتفسير، لأن المسيحيين في مصر لا يشكلوا إلا حوالي 10% من السكان. فلماذا تكون مشاركتهم في "الإجماع الوطني" لها كل هذه الأهمية؟ الإجابة الأقرب للمنطق هي أن ثورة 1919 قامت على مجتمع طائفي، كان لا يزال يُعرِّف المواطن في السياسة وفي الشأن العام عموما تبعا لانتماءاته الطائفية. ووصف مجتمع ما بأنه مجتمع طائفي لا يعني بالضرورة أن طوائفه تصارع بعضها البعض، لأن الطائفية قد تقوم على التسامح والتعاون بين الطوائف. المقصود بالطائفية هنا هو أن تكون الهوية الدينية/ الطائفية هي مدخل أساسي لمشاركة الناس في الشأن العام، وأن يكون لانتماء الفرد إلى طائفة ما علاقة مباشرة بسلوكه السياسي أو برؤية المجتمع لدوره في الحياة العامة.
تميزت السنوات التي سبقت ثورة 1919 بدرجة مرتفعة من المشاحنات الطائفية، وصلت إلى أوجها بانعقاد "المؤتمر القبطي الأول" سنة 1911 والذي تلاه انعقاد "المؤتمر المصري" الذي دعا إليه بعض المسلمين للرد على مطالب "الأقباط". كانت شكاوى الحركة "القبطية" في تلك المرحلة تدور حول حرمان المسيحيين من حقوق أساسية أهمها الآتي: حرمان المسيحيين من تولي المناصب الكبرى في الدولة مثل حكام المديريات (المحافظين)، تلك المناصب التي كانوا يتولونها قبل الاحتلال البريطاني، وعدم إنفاق الدولة على مؤسساتهم الدينية، بينما تنفق على المؤسسات الإسلامية. والحقيقة أن الحركة التي رفعت مطالب "الأقباط" كان يشوبها توتر وانقسام بين تيار يريد تكريس الطائفية السياسية، بمجموعة من السياسات مثل توزيع المناصب في الدولة على الطوائف تبعا لنسبتها في السكان، وتيار آخر يريد تجاوز الطائفية بتوزيع وظائف ومناصب الدولة تبعا لمعيار الكفاءة، ليس إلا.
وقد تراوحت ردود الفعل "الإسلامية" في المؤتمر المصري على هذه المطالب بين الحدة تارة واللين تارة أخرى. ولكن كان هناك إجماع على رفض مطالب المؤتمر القبطي. وكان من ضمن الأطروحات أن المسيحيين في مصر يحصلون على أكثر من حقوقهم، فنسبتهم في شغل الوظائف العامة تفوق نسبتهم بين السكان، كما أن نصيبهم من ثروة البلاد يفوق أيضا نسبتهم العددية. ولكن كان من ضمن الأطروحات أيضا أنه لا يجوز الكلام عن توزيع طائفى للمناصب. هكذا ضم هذا المؤتمر بدوره من يريد تكريس الطائفية ومن يريد تجاوزها.

الطائفية وتأسيس الدولة الحديثة على يد محمد على
كانت هذه الاحتكاكات الطائفية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين النتيجة الطبيعية للتطور الاقتصادي والسياسي الذي شهدته مصر منذ تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد على باشا. لقد بدأ محمد على في تمصير مؤسسات الدولة. وكان حصول المصريين لأول مرة منذ آلاف السنين على حق دخول الجيش علامة بارزة في عملية التمصير تلك. والحقيقة أن محمد على لم يكن له أي مخطط لتمصير الدولة، لقد فعل ذلك لأسباب براجماتية بحتة. هو كان يريد فقط تمصير الدولة في مصر بقدر ما سوف توفر له الأداة الأساسية لتشكيل إمبراطورية في المنطقة. وقد قام بذلك برغم احتقاره للمصريين باعتبارهم شعبا من الفلاحين، مثله مثل كل النخب العسكرية المحاربة التي حكمت مصر منذ الغزو الإغريقي. فالتراتبية التي تتبناها النخب العسكرية لسكان البلاد التي يحكمونها تقوم على تمجيد القتال باعتباره مقترنا بالقوة والشجاعة بل قل بالرجولة، كما تقوم على تحقير الفلاحة باعتبارها مقترنة بالضعف والخنوع، بل قل بالأنوثة.
وبتطور عملية تمصير الدولة بدأ المصريون، أبناء الفلاحين، في التسلل إلى مراكز وسطى فيها، وأصبحوا يتطلعون إلى مراكز أعلى وأعلى. وكان على أسرة محمد على أن تدفع ثمن قرارها بتمصير الدولة، فتمصير الدولة أدى تدريجيا إلى تمصير النظام. لنا أن تخيل كيف كان الخديوي توفيق يتفاعل نفسيا مع فكرة أن ابن الفلاح أحمد عرابي قد جرؤ على التمرد أمام حكم نخبته التركية/الشركسية. كان هذا الحدث فارقا في تاريخ مصر: أنظر إلى صورة عرابي التي رسمها الفنانون المصريون من خيالهم، وهو يعتلي حصانا كبيرا أمام الخديوي توفيق الذي يبدو مسحوقا أمامه، وكأنها طبعة جديدة من رسم أجدادهم لصورة القديس المصري ماري جرجس وهو يسحق التنين (رمز الشر) من على حصانه، ولكن مع تغيير الشخوص.
وكان من ضمن المصريين الذين تسربوا إلى الدولة، بفعل عملية التمصير، مسيحيون. والحقيقة أن المسيحيين لم ينقطعوا عن العمل بالدولة حتى في ظل حكم الإمبراطوريات التي دانت بالإسلام، والتي مالت في بعض الأحيان إلى النزول بهم إلى أقل مراتب السلم الاجتماعي عن طريق إجراءات تمييزية تصل إلى حد إجبارهم على عدم ارتداء ملابس كملابس المسلمين وحرمانهم من ركوب الخيول. بالرغم من ذلك استعانت الإمبراطوريات المتعاقبة بهم لأنها كانت تحتاج لمصريين من أجل إدارة الجهاز البيروقراطي الذي يشتغل كوسيط بينها وبين سكان البلاد. وظل المسيحيون يلعبون دورا أساسيا في هذا الجهاز البيروقراطي، خاصة في مجال جباية الضرائب والمكوس. فأحد الصور الشعبية الرائجة عن المسيحي هو أنه جامع الضرائب. وجامع الضرائب مكروه في كل العصور وفي كل البلاد. لماذا قررت النخب الإسلامية/ العربية التي حكمت مصر الاستعانة بالمسيحيين بكثافة في جباية الضرائب. ما علاقة المسيحية بجباية الضرائب؟ لا يعرف كاتب هذه السطور الإجابة، ربما يكون باحثونا في التاريخ قد أجابوا على هذا السؤال.
عندما بدأت أسرة محمد على عملية تمصير الدولة كان عليها أن تواجه اتهامات من بعض الطوائف بأنها تفضل طوائف على طوائف أخرى. فطائفة المسلمين المصريين كانت محرومة لعدة ألاف من السنين من الوصول إلى المناصب القيادية في الدولة أو من الالتحاق بالمؤسسة المحورية الحاكمة وهي الجيش. وقد فتحت لها عملية التمصير الباب لكي تصعد في جهاز الدولة، ولكنها كانت تواجه العديد من النخب والطوائف الأخرى التي كانت تسود، من خبراء أجانب أوروبيين ومن نخب تركية وشركسية ومن أقليات شامية، كما كانت تواجه الأقلية المسيحية المصرية التي فتحت لها علمية التمصر الباب لكي تلتحق هي أيضا بالدولة. هكذا ظهرت اتهامات من المسلمين المصريين للسلطة بأنها تحابي الطوائف الأخرى، كأن تحابي "النصارى"، حتى أطلق البعض على محمد على بأنه باشا النصارى.
المشكلة كلها تكمن في أن فئة "النصارى" هي فئة قادمة من الدين ولا تتطابق مع التقسيمات الواقعية للأمور، فما الذي يجمع بين الفرنسي كلوت بك، والمصري المسيحي المعلم جرجس؟ لا شيء تقريبا. وعلى الجانب الأخر، كان قطاع من المسيحيين يصر على أن المؤسسات والمناصب التي فتحت أبوابها للمصريين قد فضلت المسلمين منهم، وواربت الأبواب أمام المسيحيين. وكانوا هنا ينظرون إلى الجيش بالذات وإلى المناصب القيادية في الدولة. وهنا كانوا ينظرون للسلطة باعتبارها مسلمة، لأن من يقوم بإدارتها مسلمون. ولكن شأنها شأن فئة "النصارى" كانت فئة "المسلمين" في مصر إشكالية، لأنها تضع المسلمون المصريون أبناء الفلاحين مع النخب التركية الشركسية الحاكمة في نفس الخانة. ولكن في الحقيقة لا الباشا كان باشا النصارى، ولا السلطة كانت مسلمة. فالنخبة الأجنبية الحاكمة كانت تنظر للمصريين المسلمين من أعلى باعتبارهم طائفة خاضعة، شأنهم شأن المصريين المسيحيين، وهي تتعامل مع هذه الطوائف غالبا بمعايير احتياجات السلطة في الاستقرار والتجدد. فديانة الحاكم فى مصر لا تحدد طريقة إدارته للعلاقات الطائفية إلا جزئيا. وأحد أهم الدلائل على ذلك هو سلوك المحتل البريطاني نفسه الذي فضل إقصاء المسيحيين من بعض المناصب كانوا يتولونها من قبل مثل حكام المديريات. وقد برر اللورد كرومر ذلك بأن حاكم المديرية سينفذ مهامه بنجاح إذا كان ينتمي لديانة الأغلبية.

الطائفية البيروقراطية: فتش عن الوظيفة الميري:
عندما بدأت المطالب "المسيحية" في التبلور ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، مالت إلى التركيز على فتح المجال أمام المسيحيين لشغل وظائف الدولة. وهو الأمر الذي يمكن تفهمه إذا تذكرنا أن المصريين المسلمين كانوا هم أيضا يخوضون معارك ضروس من أجل تولي الوظائف القيادية في بعض المؤسسات، خاصة الجيش، في مواجهة نخبة تركية شركسية تدعي التفوق العنصري على المصريين. الكل كان يتصارع على الالتحاق بالدولة. وإذا كان ذلك كذلك فلأن تجربة محمد على في التحديث قامت على التحديث من أعلى: جهاز دولة بيروقراطي متطور يقوم بإصلاح وتنمية مجتمع متخلف. الكل كان ينظر للدولة و"يتمرغ في ترابها". هكذا تمحورت المطالب الطائفية في مصر حول عدد الوظائف التي تحصل عليها كل طائفة.
هذه المحورية تجلت في المشاحنات الطائفية في مصر في أوائل القرن العشرين، ولا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة. والمنطق المستخدم لا يزال هو نفس المنطق: مسيحيون يشتكون من ضعف نسبتهم العددية في مناصب الدولة، ومسلمون يردون عليهم بأنهم يحصلون على أكثر من حقوقهم، والدليل على ذلك هو سيطرتهم على نصيب من الثروة القومية يفوق نسبتهم العددية، فليتركوا الدولة إذن للمسلمين الأقل حظا في الثروة. والحقيقة أن الإشارة لقضية توزيع الثروة هنا ليست إلا حجة في النقاش. فالمنطق الطائفي ذاته يعوق طرح قضية توزيع الثروة بشكل يفضي إلى أية تسوية لها. فالحقيقة الساطعة للعيان هي أن الأغنياء يتوزعون بين المسلمين والمسيحيين، حتى ولو افترضنا جدلا (ليس هناك إحصائيات) أن نسبة المسيحيين في الأغنياء تفوق نسبتهم العددية، كما أن الفقراء في مصر يتوزعون بين المسلمين والمسيحيين، حتى ولو افترضنا جدلا أن نسبة المسلمين في الفقراء أكبر من نسبتهم العددية. والحقيقة التي يجب على "المناضلين" الطائفيين في كلا الجانبين أن يدركوها هي أنه لا قضية توزيع الدخل في مصر، ولا النقاش حول العدالة الاجتماعية سيقفان على أرضية طائفية، وأن كل ما يهمهم هو الحصول على وظائف كبرى في الدولة.
تظل الوظائف التي توفرها الدولة المصرية هي المحور الأساسي للصراع الطائفي في مصر. لا يسير عكس ذلك الميل إلا نمو الرأسمالية ونمو الطبقات الوسطى الحديثة المستقلة عن الدولة والتي لا تريد العمل بها لأنها تفضل العمل الحر. هذه الطبقات مشكلتها مع الدولة مختلفة، هي تنتظر من الدولة خدمات ووظائف على أساسها تحدد موقفها من هذه الدولة، معها أم ضدها. هكذا يتسرب مبدأ الكفاءة في النقاش الطائفي الدائر حول مناصب الدولة. فديانة الشخص ليس من المفترض أن تكون لها أية علاقة بتولى المناصب العامة. هذا ما دفع به مسلمون ومسيحيون عندما استعر الجدل الطائفي قبل ثورة 1919. ولكن الثورة ارتفعت بفكرة المواطنة إلى السماء بفعل الزخم الوطني ضد الاحتلال، وبفضل الخدمة الجليلة التي أداها اللورد كرومر إلى الحركة الوطنية، دون أن يدري، حين أجهض أحلام طالبي الوظائف من المسيحيين في أن تلعب ديانة المحتل المسيحية دورا في فتح الطرق أمامهم لتولي المناصب. هكذا خمدت أصواتهم والتحق معظم المسيحيين بالحركة الوطنية الديمقراطية وشاركوا في بناء حزب الوفد.
لكن حزب الوفد لم يستطع حل المشكلة الطائفية حلا جذريا. فالشعارات التي قامت عليها "الوحدة الوطنية" كانت غامضة. فشعار "الدين للـه والوطن للجميع" لم يحدد ما هو المقصود بهذا الوطن، هل هو الأرض، أم الزرع، أم الوظائف في الدولة، أم حق المصري في الشعور بالكرامة بغض النظر عن الديانة. كان الشعار جميلا وملهما، ولكن لم تكن وراءه مذكرات تفسيرية تقوم بتعريف هذا الوطن. لماذا؟ ربما لأن مهام تعريف الوطن ستثير البلبلة، لأنها ستثير مسألة عدالة توزيع الثروة والحقوق في هذا البلد الذي ابتليت أغلبية شعبه بأقصى صنوف الاستغلال طوال آلاف السنين. لأن إثارة مسألة توزيع الثروة بين المسلمين والمسيحيين بغرض حلها ستؤدي حتما إلى الاصطدام بالحقيقة التي يتهرب منها زعماء الطوائف وهي أن عنصري الأمة منقسمين داخلهم إلى فئات وطبقات وجماعات، وأن مصالحهم ليست متحدة، وأنه لكي يحقق هؤلاء مصالحهم يجب أن يخرجوا من الوعي الطائفي الضيق الذي يحول دون تكوين رؤية واضحة لمصالحهم وللفئات التي يمكن أن يتحالفوا معها. كان في إثارة هذه المسائل هدم شامل "للوحدة الوطنية" التي قامت على فكرة "عنصري الأمة".
لقد فشلت ثورة 1919 في تأسيس وحدة وطنية على أسس اجتماعية، ونجحت فقط في إرساء دعائم وحدة وطنية دينية، قامت على فكرة انقسام الشعب إلى عنصرين: المسلمون والأقباط. وهذين العنصرين يجب أن يعيشا في تسامح وإخاء. ولكن ما لبثت هذه الوحدة أن تهاوت في الثلاثينات. وبدأت قوى سياسية في الظهور والنمو تلعب على الأوتار الطائفية من أجل التعبئة السياسية. تراجعت الليبرالية أمام زحف الإخوان المسلمين ومصر الفتاة اللذان أمسكا بالمعاول لهدم هذه "الوحدة الوطنية" التي أقامها حزب الوفد، لأن طريقتهما في التجنيد السياسي تقوم ليس فقط على المشاعر الطائفية ولكن على تأجيج هذه المشاعر. وبخروج مكرم عبيد ومن ورائه العديد من المسيحيين من حزب الوفد، أصبحت طاقات المسيحيين السياسية موجهة في اتجاهات أكثر راديكالية، سواء في اليمين الديني (جماعة الأمة القبطية)، أو أقصى اليسار في التنظيمات الشيوعية. وكلاهما هزم أمام الضباط الأحرار فيما بعد.
لم تستطع جماعة الأمة القبطية إنجاز أي شيء بحكم راديكاليتها الطائفية، كما لم تستطع الأحزاب الشيوعية أن تتجاوز الحل الوفدي للمسألة الطائفية والذي صاغه شعار "الدين للـه والوطن للجميع". فالشيوعيون لجأوا إلى حل عملي بحت للمشكلة الطائفية، هو عدم الاعتراف بوجودها على الإطلاق وتجاوزها إلي الشعور بالانتماء الحر لما يمسى بالإنسانية، وبالمساواة التامة بين الرفاق في التنظيمات بغض النظر عن ديانتهم. هكذا اغترفت الحركة الشيوعية المصرية من الأقليات اليهودية والمسيحية التي كانت تعاني من أفول الوحدة الوطنية الوفدية وصعود التيارات الأصولية والفاشية، وفتحت لهم الطريق للمساهمة في بناء المشروع السياسي الاشتراكي.
ولكن هذا الحل العملي بدأ في التصدع بعد تأسيس دولة إسرائيل التي أجبرت الأحزاب الشيوعية على الخضوع لابتزاز الحركات الأصولية والقومية التي رجمتها بالحجارة لأن الكثير من قياداتها كانت تدين باليهودية. وقد تخلى العديد من اليهود الشيوعيين عن مناصبهم القيادية عن طيب خاطر، وتخلى البعض الأخر عن ديانته لكي يظل يعمل بنشاط في الحركة، ولكن هذا لم ينقذ الأحزاب الشيوعية من تهمة العمالة التي رفعتها في مواجهتهم التيارات القومية/ الإسلامية. لكن بالرغم من ذلك، يظل أن الحركة اليسارية نجحت في تجاوز الطائفية في داخلها إلى حد كبير، لكنها لم تقدم للمجتمع أي برنامج سياسي واضح يتجاوز الحل الذي صاغته ثورة 1919 للمشكلة الطائفية. فالانتماء الإنساني الحر الذي تجاوزت به الانقسامات الطائفية بين أعضاءها لم تستطع أن تصدره للمجتمع.

الناصرية تكرس الطائفية
وصل الضباط الأحرار إلى السلطة عام 1952 ووجدوا في انتظارهم ملفا طائفيا حساسا ًينتظر الحل. ولكن، وكما هو معروف، لم يصل هؤلاء الضباط إلى السلطة بأي برنامج سياسي. وهكذا قام هؤلاء الضباط بإدارة المسألة الطائفية في حدود قدراتهم، وغلب على هذه الإدارة الطابع العملي الأمني المحض. لقد نبذ نظام يوليو تدريجيا شعار "الدين للـه والوطن للجميع" بحكم لجوئه المتزايد للدين الإسلامي لتدعيم شرعيته، ولم يقدم أية صياغة تتجاوز الطرح الوفدي. ولكنه كان مضطرا إلى مواجهة مشكلة حادة تتمثل في كونه نظاما قادما من الجيش، ذلك الجيش التي كانت كل قياداته من غير المسيحيين. وبما أن الجيش المصري كان يشكل العمود الفقري للنخبة الحاكمة، فقد شعر معظم المسيحيون أنه قد تم إقصائهم من النظام السياسي. ولحل تلك المعضلة لجأ عبد الناصر إلى تعيين عشرة من أعضاء مجلس الأمة، كان يختارهم من بين المسيحيين، كما لجأ إلى تعيين بعض المسئولين من التكنوقراط المسيحيين في الوظائف الكبيرة، بالإضافة إلى تحديد نسبة للمسيحيين في الكليات العسكرية وفي كلية الشرطة. وبهذا يكون النظام الناصري قد أرسي دعائم الطائفية السياسية غير الدستورية التي لا نزال نعيش فيها حتى الآن والتي تصل عبثيتها في توزيع المناصب على الطوائف إلى درجة تخصيص بعض الوزارات للمسيحيين مثل وزارة الهجرة أو وزارة البيئة.
أرسى عبد الناصر دعائم الدولة الطائفية من حيث لا يدري. فحزب الوفد كان يصوغ الوحدة الوطنية من خلال تشكيلات الحزب القاعدية والقيادية، أما نظام عبد الناصر، فهو لم يمتلك أي حزب حقيقي يستطيع أن ينجز به هذه المهمة، لذلك كان يلجأ إلى التعيين الفوقي لمسيحيين في بعض المناصب القيادية غير السيادية. وكان هذا الاختيار يتم عادة بقبول ومباركة ما من الكنيسة. وبهذا قوى النظام من شوكة تلك المؤسسة، خاصة أنه كان قد أحال إلى التقاعد النخب الليبرالية المسيحية التي كانت توازن نفوذ الكنيسة فى أوساط الأقباط في النصف الأول من القرن العشرين.
تعامل نظام يوليو مع المسيحيين كطائفة، نظرا لأنه كان ولا زال يتعامل مع الفئات الاجتماعية عموما بوصفها طوائف يجب ضمان تأييدها بإعطاء "ممثليها" مناصب كبرى في الدولة. إنه نظام للطوائف أو كوربوراتي بتعبير العلوم السياسية. هذا النظام الكوربوراتي يقوم على توحيد كل جماعة اجتماعية في منظمة واحدة "تمثلها" وتكون خاضعة لسيطرة الدولة. فالعمال يجب أن ينضووا في الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، والمهندسين في نقابة المهندسين، والأطباء في نقابة الأطباء، الخ. وفي مقابل انضواءهم في هذه النقابات التي تسيطر عليها الدولة بدرجة أو بأخرى، يعطي النظام لبعضهم مناصب في الدولة: فللعمال وزارة العمل، وللمهندسين وزارة الإسكان، وللأطباء وزارة الصحة، الخ. وهكذا فمن الطبيعي أن يكون للمسيحيين مناصب محددة. الدولة الطائفية هي إذن أحد أوجه الدولة الكوربوراتية الناصرية.
يمكن القول بكل أمانة وإنصاف أن الصيغة التي طرحتها ثورة يوليو "للوحدة الوطنية" لم تنجح أبدا في الوصول بالعلاقات الطائفية في مصر لذلك المستوى المبهر من التسامح الذي وصلت إليه في ثورة 1919 وما بعدها. لقد استمر التسامح الطائفي فترة في العهد الناصري بقوة الدفع التي أطلقتها ثورة 1919 وتجربة حزب الوفد. ولكن ما لبثت تلك الذكريات أن توارت وتركت الساحة لطائفية متوحشة وبغيضة لا زالت تنهش في عظام المجتمع المصري، طائفية زادت في عهد السادات ومبارك. ولم يأخذ نظاما هذين الرئيسين أية إجراءات عملية من أجل القضاء عليها أو على الأقل احتوائها، ناهيك عن قيام السلطة باستخدامها في بعض الأحيان، خاصة نظام الرئيس السادات، الذي وصل به الأمر إلى محاولة كسب بعض الشعبية المفقودة بتأكيده على أنه "رئيس مسلم لدولة مسلمة"، وهو بذلك قد أعلن بكل وضوح أنه ليس رئيسا لكل المصريين. ولا غرابة إذن في أن أغلبية المسيحيين في مصر لم تنظر أبدا لرؤساء نظام يوليو باعتبارهم زعماء للأمة أو زعماء لهم، وهي الزعامة التي أعطوها بإخلاص وحب لقادة الحركة الوطنية سعد زغلول ومصطفي النحاس.

ما العمل؟ "الدين للـه والدولة للجميع"
ما أشبه اليوم بالأمس. الحالة الطائفية المحتقنة في مصر اليوم تشبه إلى حد كبير تلك الحالة التي سادت في أوائل القرن العشرين، قبل اندلاع ثورة 1919. والمطالب "القبطية" الآن هي تقريبا نفس المطالب المرفوعة قبل 1919. ماذا يحمل الغد؟ هل تأتي ثورة ديمقراطية على الحكم الاستبدادي لكي تجتذب جموعا من المسيحيين؟ وكيف لها أن تنجز هذه المهمة؟ وكيف لها أن تتجاوز الحل العملي غير الشامل الذي أتت به ثورة 1919؟
مصر تشهد اليوم البوادر الأولي لتيار ديمقراطي يريد إنجاز عملية بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، تلك العملية التي انطلقت في 1919 ولكنها لم تكتمل حتى الآن. فلنفترض جدلا أن هذه الحركة نمت ووصلت إلى الزخم الذي وصلت إليه الحركة الوطنية ضد الاستعمار، كيف ستحل تلك الحركة موضوع مشاركة المسيحيين بها؟ لم يعد شعار "الدين للـه والوطن للجميع" صالحا لذلك. فبالرغم من أن هذا الشعار يثير الحنين لماض جميل سادت فيه قيم التسامح والحب بين أصحاب الديانات المختلفة، فإنه لا يمكن أن يقيم أية "وحدة وطنية" لأن هذا الشعار قد تمت تجربته بالفعل في 1919 ولم يثبت صلاحية تتجاوز سنوات محدودة. لقد كان موضوع الخلاف الطائفي المسيحي/ الإسلامي قبل 1919 يتعلق بالدولة المصرية، مدى تمثيلها لكل المصريين ومدى علاقتها بالدين الإسلامي. ولكن الحركة الوطنية وفرت على نفسها مخاطر الشقاق والفرقة بأن أجلت حسم مسألة الدولة الوطنية الديمقراطية لأجيال مقبلة، وها نحن نتلقفها من جديد. ولكي ننجز ما تهربوا هم من إنجازه علينا بادئ ذي بدء أن نتكلم عن الدولة وليس عن "الوطن". فالحديث عن الوطن يساوي التهرب من مواجهة المشكلة الطائفية وتركها لأجيال مقبلة لكي تكتوى بنارها، كما اكتوينا نحن بها.
الدولة المصرية تعاني من تناقض مرير، فدستورها يقول أن الدولة تدين بالإسلام، ولكنه في نفس الوقت يؤكد أنها دولة كل المصريين. كيف لغير المسلمين أن يشعروا أن هذه الدولة دولتهم في الوقت الذي ترفع فيه هذه الدولة ديانة مغايرة لديانتهم، بل قل منافسة لها في تصور البعض؟ مستحيل. الحل الوحيد لتلطيف هذا التناقض، هو أن تعطي هذه الدولة الإسلامية لغير المسلمين تمثيلاُ ما بها يقنعهم بأن إسلامية الدولة لا تعني أن أبوابها مغلقة أمامهم. هذا ما أدركه العديد من المثقفين والسياسيين العلمانيين مثل محمود عزمي وتوفيق دوس الذين اشتركوا في المناقشات التي مهدت لدستور 1923. فالتمثيل الطائفي هو الوجه الأخر لعملة الدولة الطائفية. وبالرغم من إيمانهما المطلق بالدولة العلمانية غير الطائفية، فقد انتهى عزمي ودوس إلى الدفاع عن مبدأ التمثيل الطائفي. فقال عزمي مثلا أنه "لابد من تمثيل الأقليات ما دام الدستور لا يهدم العتيق من المبادئ الاجتماعية التي تبقي الهوة بين الطوائف [يقصد النص على ديانة للدولة]، ولا قول بأكثرية وأقليات إذا قامت الوحدة على أساس من التشريع المدني، وإلى أن يقوم الأساس، يجب احترام الواقع، وحذار من إهمال اعتباراته." ما الذى كان يحذر عزمي؟ من خطر الصدامات الطائفية التي وصلت إلى ذبح مصريين لإخوانهم في عز النهار بداية من السبعينات؟ هذه البصيرة التي امتلكها محمود عزمي تجبرنا على الاستماع إليه حينما يؤكد أنه لا يمكن قبول إسلامية الدولة المصرية بدون إعطاء تمثيل ما للأقليات. إما أن نقبل بتجرع الطائفية حتى نهايتها، إما أن نقيم دولة مدنية من الألف للياء، لا تدعي الحكم باسم الدين، ولكن تستمد شرعيتها من رضاء الناس عنها. لقد اختار عزمي تجرع الطائفية حتى الثمالة بسبب خيبة أمله في النخبة المصرية، التي انتقدها بقوله: "الواقع المصري هو أن جماعة من خير مفكري البلد لم يستطع أحدهم أن يعارض في لجنة الدستور اقتراح النص على دين رسمي للدولة، برغم أنهم لا يطمئنون إلى هذا الاقتراح" (البشري، ص 215).
وإذا كان عزمي قد اختار تحمل النتائج الطبيعية المريرة للطائفية والأصولية التي لم يشارك هو في تأسيسها، فإننا اليوم وبعد أن اكتوينا طوال العقود الماضية بنتائج عدم حسم النخبة المصرية لفصل الدين عن الدولة، ليس بوسعنا إلا أن نحسم أمرنا بكل وضوح: مع الدولة المدنية حتى النهاية. إما ذلك وإما قبول تمثيل الطوائف والأقليات كما انتهى محمود عزمي وتوفيق دوس. والحقيقة أنه فيما يخص المسألة الطائفية الخيارات هي كالأتي:
1) دولة طائفية تدين بالإسلام، لا تنص وثائقها على الاعتراف بتمثيل للأقليات، ولكنها تمارس ذلك عمليا، وهي الدولة القائمة بالفعل.
2) دولة طائفية تدين بالإسلام، تنص وثائقها على الاضطهاد المنظم للأقليات، يصل إلى حد فرض الجزية عليهم وإقصائهم من الجيش ومن المناصب العامة.
3) دولة طائفية تدين بالإسلام، تعطي حقوق طائفية للأقليات.
4) دولة مدنية تتعامل مع المواطنين بغض النظر عن ديانتهم، لذلك فهي ليست مضطرة إلي إعطاء أية امتيازات لأبناء دين معين، أغلبية كانوا أم أقلية.
نحن في الدولة رقم 1، تلك الدولة المحتقنة والتي زكمت رائحتها الطائفية الأنوف، وبالرغم من ذلك هناك من لا يزال يتمسك بها، من الجانب المسلم والمسيحي. هناك قوى تريد الدفع بالدولة رقم 2، وهي الجماعات الإسلامية الراديكالية وبدرجة أقل الإخوان المسلمين. لكن تظل فرصة هذا الخيار ضئيلة، وقد بدأ حاملوه بالفعل في القيام بمراجعات له، بعد أن مالوا إلى الواقعية بسبب الهزائم التي تعرضوا لها في مواجهة الدولة، وبسبب المواجهة الشديدة التي يلاقونها من جانب مثقفين وسياسيين عندما يتقدمون بأطروحات تدفع في قيام دولة الاضطهاد المنظم. أنظر إلى رد الفعل القوي ضد تصريحات المرشد العام السابق للإخوان المسلمين بوجوب إقصاء المسيحيين من الجيش. إذا كان للتيار الإسلامي أن يتطور، فلابد وأن يصل إلى تبني نموذج 3 للدولة الأصولية، وهو النموذج السائد في إيران، الذي يعطي تمثيلا سياسيا للأقليات. وهناك بعض المؤشرات تقول أنه يميل إلى التفكير الجدي في ذلك، منها تأكيد الإخوان على حق المسيحيين في تكوين أحزاب خاصة بهم. تلك التحية التي تلقفها وكيل حزب مسيحي تحت التأسيس، ممدوح نخلة، لكي يرد بأحسن منها ويوافق هو الأخر على حق الإخوان المسلمين في تشكيل حزب سياسي.
النموذج رقم 4 للدولة المدنية هو ذلك الذي تدافع عنه القوى الديمقراطية، اليسارية والليبرالية، وهو النموذج الوحيد الذي يقدم حلا شاملا وجذريا للقضية الطائفية. ليس بوسع هذه القوى إلا مناهضة النماذج المتنوعة للدولة الطائفية، الموجود منها بالفعل، أو النماذج المطورة والمحسنة منها والتي ستصوغها بعض القوى السياسية. ومن المرجح أن يكون النموذج الثالث هو التحدي الأكبر الذي يواجه الطرح الديمقراطي للدولة المدنية. فالنموذج الأول السائد حاليا لا يحظى بأي تأييد إيجابي، هو فقط يحصل على توافق ما من العديد من القوى لأن النظام الحاكم قد أجبرها على هذا الخيار باستخدامه فزاعة الوقوع تحت نظام أكثر وطأة. فالنظام يدفع التيارات المسيحية الطائفية إلى القبول بالأمر الواقع بدعوى أن البديل هو نموذج الدولة الإسلامية التي سوف تمارس الاضطهاد المنظم عليهم. وهو يدفع التيارات الإسلامية إلى القبول بالأمر الواقع بدعوى أن أي تعرض لعلاقة الدين بالدولة سيؤدي إلى ضغوط خارجية، يلعب "أقباط المهجر" فيها دور مخلب القط، ستحاول المساس بالمادة الثانية من الدستور والتي تنص على الديانة الإسلامية للدولة.
الكل يخالف من الكل، وبهذا تصبح الفكرة "المبدعة" التي تستطيع بها تيارات أصولية أن تقيم تحالفا بين الفرقاء تناهض به النظام القائم ونموذجه في الدولة، هو إعطاء كل ذي حق حقه: للإسلاميين حق توثيق الروابط بين الدين والمؤسسات الدينية من جانب والدولة من جانب أخر، وللمسيحيين حق التمثيل النسبي في الدولة الإسلامية وحق إدارة شئونهم بدون تدخل من الدولة. وبهذا تكتمل دعائم الدولة الطائفية "المتوازنة" التي سيدعي البعض أنها ستحقق قدرا ما من الانفراج في العلاقات الطائفية المتردية. ولا شك أن تكريس الطائفية في الدولة لن يؤدي إلا إلى تكريس الطائفية في المجتمع. وإذا استطاع زخم الحركة الديمقراطية التي نحلم بها أن يلطف من المشاعر الطائفية العدائية، وأن يقيم نوعا من "الوحدة الوطنية" فإن التربة ستكون صالحة لانفجار المشكلة من جديد، لأن الطائفية المتسامحة والمسالمة، يمكن لها أن تتحول في مرحلة مقبلة إلى طائفية عدوانية شرسة. وهذا ما حدث في مصر وفي لبنان. بالإضافة إلي أن هذا النموذج لا يؤدي إلى أي نوع من التحرر، لأن من سيتحرر من سيطرة وقهر الطوائف الأخرى سيقع تحت سيطرة أمراء طائفته هو، الذين سيكون موكولا لهم تمثيل طوائفهم، ناهيك عن الصراعات الداخلية التي ستنشب داخل كل طائفة من أجل الفوز بحق تمثيلها أمام الدولة.
سيناريو الدولة الطائفية لابد وأن يؤخذ بجدية. لقد نجحت الحركة الوطنية المصرية في العشرينات في الانتصار على مطالب تمثيل الأقليات سياسيا، على الرغم من هزيمتها أمام مطالب التأكيد على ديانة رسمية للدولة. ولكن الظروف الموضوعية الآن أكثر ملاءمة لطرح التمثيل الطائفي. فالتيار الإسلامي هو أكثر التيارات حضورا في النخبة السياسية المصرية، وهو منظم في جماعات وتنظيمات من أهمها جماعة الإخوان المسلمين، بخلاف الوضع سنة 1919 وما بعدها حينما كانت الليبرالية تيارا جارفا في الساحة السياسية. والظرف الآن يشير إلى تبلور التيارات الأصولية/ الطائفية المسيحية، فأصبح لها تنظيم جيد وحضور نشط في وسائل الإعلام الموازية مثل بعض القنوات الفضائية ومواقع على شبكة الانترنت.
معركتنا اليوم ضد تكريس الطائفية بإعطاء الأقليات حق التمثيل السياسي ستكون أقسى وأشد من تلك التي خاضها أجدادنا في العشرينات من القرن الماضي. لأن فشل الحركة الوطنية الليبرالية في تأسيسي نظام سياسي مناهض للطائفية لابد وأن يقوي حجج أولئك الذين سيحاولون الادعاء بأن حقوق الأقليات يحفظها ويحميها التمثيل الطائفي السياسي لهم، وأنهم لن يلدغوا من نفس الجحر مرتين. لقد راهن العديد من كوادر الحركة الوطنية على تطور المجتمع من أجل تجاوز الطائفية. أنظر إلى ما قاله عبد الحميد بدوي سنة 1922 في معرض نقده للتمثيل السياسي الطائفي: "إن الناس تحيا بالتفاهم والتسامح، وكان الخلاف دائما موقفا استثنائيا. وإذا كانت الأقلية تذكر أحداث الماضي البعيد، فقد عانت الأكثرية من حكومة الاستبداد فيه بقدر ما عانت الأقلية. والفارق الديني يضعف في مصر الآن، ولن يطول الزمن حتى يمحى من علاقاتنا الاجتماعية وتعفي تماما جميع آثاره" (البشري، ص 210).
لقد راهنت الحركة الوطنية على المجتمع لكي يهزم الطائفية، ولكن تطور الأمور في مصر منذ الثلاثينات عاد بالمجتمع خطوات إلى الوراء. والدرس الذي نخرج به من هذه التجربة هو أن الفكر الحداثي الذي يراهن على التطور التلقائي للمجتمع بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية هو فكر مغرق في التفاؤل غير المبرر. فالرأسمالية التي تميل إلى تحطيم الأطر القبلية والطائفية الضيقة من أجل تسييد مبدأ التراكم الرأسمالي والربح، تنزع في الكثير من الأحيان إلى التواؤم مع الطائفية والأصولية بل وقد تقوم بتأجيجها، والحالة المصرية خير شاهد على ذلك: هل ننسى أن هناك قوى اقتصادية تؤسس تنافسيتها في الأسواق على استخدام الرموز والمشاعر الدينية؟ هل ننسى تجربة البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال الإسلامية؟
وإذا كان تطور المجتمع وظهور فئات اجتماعية جديدة غير ميالة للطائفية بحكم موقعها لا يضمن خروج المجتمع من الطائفية، فإنه على الأقل يوفر التربة الصالحة لتأسيس مشروع سياسي تحرري ديمقراطي. قلنا فيما سبق أن أحد العوامل التي أدت إلى تكريس الطائفية في مصر كانت قضاء النظام الناصري على النخبة الليبرالية، بما فيها من مسيحيين، الأمر الذي رفع نفوذ الكنيسة إلى السماء، وأجلس البابا شنودة الثالث على عرش زعامة الطائفة المسيحية باعتباره "الممثل الشرعي والوحيد للمسيحيين". لذلك فإن أفول نظام ثورة يوليو وتداعي سيطرة الدولة على المجتمع، ومن ثم بزوغ فئات جديدة من الطبقات الوسطى والعاملة متحررة من سيطرة النظام لابد وأن تعطي النخب المسيحية الجديدة التربة الصالحة لكي توازن نفوذ الكنيسة التي مارست سيطرة شبه مطلقة على "الطائفة المسيحية" منذ الستينات، تلك السيطرة التي شجعها النظام إلى أقصى مدى، باعتباره نظاما كوربوراتيا طائفيا لا تستقيم سيطرته على المجتمع إلا من خلال مؤسسات قوية تؤطر وتحتوي الطوائف. والمؤشرات عديدة اليوم على أنه مثلما تتداعي قدرة المنظمات الكوربوراتية (كمنظمات الأعمال) على احتواء الفئات الاجتماعية المنضوية فيها، فإن قدرة الكنيسة على احتواء المسيحيين سياسيا بدأت في التراخي. فتعلو أصوات ترفض قرار الكنيسة الأرثوذكسية بتأييد ترشح حسني مبارك لفترة رئاسية جديدة، وأصوات أخرى ترفض بكل وضوح الاعتراف بتمثيل الكنيسة للأقباط سياسيا سواء في المسائل الداخلية أو في السياسة الخارجية، مثل الموقف من العلاقات مع إسرائيل. والحق يقال أن النظام ليس الطرف الوحيد الذي يريد منح الكنيسة حق التمثيل السياسي للمسيحيين، بل هناك قوى سياسية أيضا (خاصة التيار القومي بل وحتى بعض اليساريين!) تتعامل مع الموضوع بشكل ذرائعي، فهي تقبل بتمثيل الكنيسة للمسيحيين سياسيا إذا اتفق موقفها مع ما تنادى به، مثلما هو الحال في قضية التطبيع مع إسرائيل.
نحن الآن في مفترق طرق، لم يطرح النظام السياسي الحالي أي تصور أو أي مشروع لتجاوز الطائفية التي تنخر عظام الدولة والمجتمع في مصر، بل هو لا يعترف أساسا بوجود المشكلة، ويؤكد أن الحوادث الطائفية عارضة ودخيلة على المجتمع المصري، بل وربما تكون من فعل أيادٍ خارجية تريد شق صف الأمة. والساحة بذلك مفتوحة تماما أمام مشروعات سياسية جديدة للتعامل مع الطائفية، أما بالاعتراف بها من أجل تكريسها من خلال دستور وقوانين ومؤسسات، أو الاعتراف بها من أجل تجاوزها أيضا من خلال دستور وقوانين ومؤسسات. لذلك فمن مهام الحركة الديمقراطية الآن صياغة تصور عام لدولة مدنية ديمقراطية تكون أحد بنوده معالجة المسألة الطائفية. والمعضلة الأساسية أمام هذا الطرح ستكون: كيف يمكن تأسيس دولة ديمقراطية غير طائفية في مجتمع طائفي؟ فأي طرح ديمقراطي يتجاهل بخفة الطائفية الضاربة في المجتمع المصري لن يكون أكثر من طرح طوباوي لن يقبله حتى الأكثر تضررا من الطائفية السائدة.
الطرح المدني الديمقراطي للدولة في مصر يجب أن يقوم على الاعتراف بتغلغل الطائفية المتسامحة أو العدوانية في المجتمع، وبأن هذا التغلغل يفرض على القوى الديمقراطية خوض معركة داخل المجتمع والدولة ضد الطائفية. وهذه المعركة تتطلب كسب حلفاء من المعسكر الطائفي ذاته. وهنا قد يكون من المهم التفرقة بين الطائفية العدوانية والطائفية "المتسامحة". النوع الأول يحتاج من الحركة الوطنية الديمقراطية إلى أن تنازلها وأن تنتصر عليها، في كل الساحات والفعاليات. النوع الثاني يحتاج من الحركة إلى حوار ونقد مستمر (لا يصل إلى القطيعة) لبيان حدود قدراته في حل ما ينجم من مشاكل ومصائب من جراء الطائفية. حينما نتحدث عن نوعين من الطائفية، لا نقصد أشخاص بعينهم، فذوي النزعات الطائفية يميلون أحيانا إلى التسامح وأحيانا أخرى للعدوانية تبعا للمزاج الطائفي العام في المجتمع، وتبعا لتطورهم الشخصي. نحن نتحدث عن مواجهة ميول: للميل العدواني النزال وللميل المتسامح الحوار النقدي. المهم في كل الأحوال ألا يكون تعامل الحركة الديمقراطية مع المسألة الطائفية تطهريا، بمعنى أن تنأى بنفسها عن الطائفية وعن تلوث أياديها القادمة من العالم الحديث غير الطائفي بالانعزال عن المجتمع الطائفي، أي عن معظم المجتمع، خوفا من الخسارة. فالقوى التي ستخوض معارك ضد الطائفية ستخسر في بعض الأحيان معارك، بل وستخسر كوادر ستقوم الطائفية بشفطها من الحركة. لا مشكلة في هذا، المشكلة تظهر حينما تخسر القوى الديمقراطية كل أو جل المعارك، أو تخسر كوادر كثيرة تلتحق بالطائفية. المهم أن تخوض الحركة الديمقراطية المعركة تلو الأخرى، ولا تؤجلها إلى مستقبل وردي سيقوم فيه الشعب لكي يدوس بأقدامه على القيود، ومنها الطائفية.

خاتمة
هناك علاقة جدلية بين تطور الحركة الديمقراطية وحل المشكلة الطائفية. فكل تجاوز للطائفية يدفع بالحركة الديمقراطية للأمام، وكل مكسب تقتنصه القوى الديمقراطية يساعد في التخفيف من وطأة الطائفية. فلا ديمقراطية بدون مشاركة أقليات، ولا انعتاق للأقليات إلا بالاشتراك في المعركة الديمقراطية لكل المجتمع.
علنا نشرع فورا في نقاش سياسي حول موقف الحركة الديمقراطية من المسألة الطائفية. ربما ينتهي ذلك النقاش إلى كتيب يتوافق عليه المئات وربما الآلاف من الديمقراطيين، كتيب يشرح مثالب الطائفية، يدافع عن الدولة الديمقراطية المدنية، ويبين جدواها لكل المجتمع، بكل أفراده سواء انتموا دينيا للإسلام، أو للمسيحية، أو للتشيع، أو لليهودية أو لأي شيء. ثم ينتقل هذا الكتيب إلى طرح تصور دستوري يترجم برنامج الحركة الديمقراطية في المسألة الطائفية. وبهذا الكتيب نستطيع الدخول في نقاش جدي مع القوى الطائفية، ونستطيع أن نواجه المجتمع بهذا البرنامج المتكامل. ربما يتسنى لنا إقناع بعضهم أن تجاوز الطائفية السياسية والمجتمعية سيفتح للمصريين أفاقا غير محدودة من التطور الإنساني. وسيتمثل التجسيد العملي لذلك البرنامج في الجماعة الديمقراطية نفسها، بتسامحها وبإنسانيتها وباحترامها لكل إنسان بعض النظر عن عقيدته. فلنتعاهد على أن نصيب المجتمع "بعدوى" انتمائنا الإنساني الواسع الذي يفتح لنا أفاقا غير محدودة من التطور الشخصي ومن التلاقح الإنساني. ولنتعاهد على أن نقاتل بلا هوادة كل من يريد الفرقة بين المصريين بسبب الجنس أو الدين أو اللون أو الانتماء الإقليمي، أو أي شيء ليس للإنسان حيلة فيه.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:08.

إسلام البورجوازية وبورجوازية الإسلام

حوار مع باتريك هيني، باحث سويسري، باحث في العلوم الاجتماعية، متخصص في الظاهرة الإسلامية، أمضى حوالي عشر سنوات بمصر ومؤلف كتابي "عالم الفتوات" و"إسلام السوق، الثورة المحافظة الأخرى"، ويعد الآن كتاباً جديداً عن تحولات الحركة الإسلامية في مصر. في دراساتكم الأخيرة لاحظتم نمو ميل نيوليبرالي لدى الإسلاميين. ما هي مؤشرات هذا الاتجاه؟ هناك متغيران يجتاحان الظاهرة الإسلامية منذ عشر سنوات، وهما بصدد إعادة صياغة حركة الأسلمة في مصر والعالم: البرجزة والخروج من الإسلام السياسي التقليدي. نقول برجزة لأنه بفعل دعاة مثل عمرو خالد في العالم العربي، وفتح اللـه جولن في تركيا، وعبد الله جمنستيار في إندونيسيا، اخترقت عملية الأسلمة أوساط اجتماعية ميسورة ومتصلة بالعولمة كانت فيما سبق بمنأى عن الحركة الإسلامية: الجيل الثاني من الانفتاحيين في مصر، نمور الأناضول في تركيا، وطبقة التجار في إندونيسيا. هذه البورجوازيات راكمت أموالها بشكل مستقل (خارج الشبكات الزبونية للدولة) وهي مرتبطة بعلاقات اقتصادية مع الخارج. المتغير الثاني هو تجاوز الإسلام السياسي: كثير من النشطاء ( 30-40 سنة) ينتقدون أكثر فأكثر الدوجما (الفكر المنغلق) الإسلامية وأعمدته الأساسية أي السياسة (الدولة الإسلامية) والهوية (الهوس بالابتعاد عن الغرب). الإسلام السياسي هو تعبير عن طبقات متوسطة وغنية لا تدين للدولة بثرائها. وهم يريدون بالفعل تهميش الدولة. أما المثل والقيم الكبرى، مثل قيمة العدالة الاجتماعية، فهم لا يؤمنون بها. الزمن الآن هو زمان تحقيق الثروة، وتعظيم قيمتها، وينطبق ذلك الآن حتى على السلفيين. هكذا ففي الوقت الذي ربط فيه الإسلاميون التقليديون مصيرهم بمصير الدولة/ الأمة، صنيعة القرن التاسع عشر، والتي تتعرض للتشكيك، فإن الإسلاميين البورجوازيين والبورجوازيين الإسلاميين يراهنون على تجاوز الدولة. ومثلهم الأعلى هو سياسة أخلاقية وتصرفات تضع الدين في قلب الفضاء العام المنقسم إلى طوائف بعيداً عن الدولة التدخلية اليعقوبية. إنه نموذج الثورة الأمريكية: دولة قليلة التدخل، معالجة التفاوتات الاجتماعية بعيداً عن الدولة (الصدقات)، ومقاومة شديدة لتنوع أنماط الحياة. هل نحن بصدد أسلمة للبورجوازية أم برجزة للإسلاميين؟ بعبارة أخرى هل علينا البحث عن جذور الظاهرة في آليات نمو الإسلام السياسي، أم في آليات تبلور طبقة تبحث عن إيديولوجيا؟ أعتقد أن المسألة تتطور من كلا الاتجاهين. نحن أمام ما يمكن تسميته "التوافق الورع". فمن ناحية هناك نمو للوسطية والاعتدال لدي الإخوان الشباب المرتبطين عادة بالتجارة والأعمال، وهناك أيضاً العودة للدين في أوساط البورجوازية المرتبطة بالعولمة، الكل يتجه نحو مجتمع تطهري، لكن مفتوح على العالم، مع تركيز على آليات إسلامية لإعادة توزيع الثروة، مثل الوقف، والزكاة، تماماً مثل نمط "مبادرة الإيمان" التي دعى إليها جورج بوش، التي تهدف إلى تفويض بعض وظائف الدولة "للوسطاء الدينيين": فحزب الرفاه التركي، لا يرغب في أي شيء أخر، والمشروع السياسي لحزب الوسط المصري يسير في نفس الاتجاه، ورجال الأعمال المؤثرين في الحزب الوطني يعملون بالتعاون مع ضغوط المؤسسات المالية الدولية، التي وجدت في ذلك التيار الديني الجديد دعامة ثمينة لمشروعها الكبير في تقليص دور الدولة في العالم. رصدتم تحول عمرو خالد للحديث عن مسألة التنمية بعد أن كان يتحدث عن الأخلاق فقط. هل هي بداية تسيس تيار ديني ظل بعيداً عن السياسة؟ عندما نتكلم عن تسيس الإسلام نفكر فوراً في الإسلام السياسي بشكله التقليدي. ولكن في الواقع يمكن للإسلام أن يتسيس ولكن بطريقة غير تقليدية. يقدم عمرو خالد نموذجا لذلك حين يطرح نفسه كمصلح اجتماعي وليس كداعية. بعد مرحلة أولية قام فيها بإعادة تعريف التدين بعيداً عن الدوجما السلفية، وبعد أن قدم شكلاً للتدين متكيفا مع احتياجات البورجوازية الجديدة المشتاقة للدين، ولكن غير الراغبة في الخضوع للسلفية المتقشفة، ينخرط الآن في معركته الحقيقية: زيادة تنافسية الأمة الإسلامية بين الأمم، والقضاء على الطابع القدري للتدين التقليدي. وباستلهام النظريات الأمريكية في الإدارة، وفي تحقيق الذات، قدم عمرو خالد في برنامج "صناع الحياة" البديل الرئيسي للإسلام السياسي ذو الطبعة الإخوانية. في الحقيقة "صناع الحياة" كان أكثر من برنامج، إنه حركة اجتماعية ذات طبيعة حداثية: فهو ينتقل من الواقع المعاش، إلى المجال الإعلامي إلى الانترنت، وهو يقدم أشكالاً جديدة من الحركية تندرج تحت ما يسميه بولتانسكي وشيابللو، "الروح الجديدة للرأسمالية": فبدلاً من الحركة بواسطة التنظيم الكبير يطرح عمرو خالد الشبكة والشركات الصغيرة والتي تدافع عنها أدبيات الإدارة الجديدة. وكل ذلك يقوم على مشروع للتنمية الروحية، فلم يعد الاستيلاء على الدولة هو الهدف. فالرسالة الأساسية لعمرو خالد للقادة العرب ليست أسلمة السياسية، ولكن تحرير التنمية من سيطرة الدولة. كيف يؤثر صعود الإسلاميون الجدد على الإخوان المسلمين؟ بسبب تغلغل النظريات الإدارية في أوساط الإسلاميين الجدد، يصبح هؤلاء في تناقض ما مع الإخوان المسلمين. وتدريجياً يبدأ انقسام في الظهور داخل الأخوان، ليس بين "معتدلين" و"راديكاليين"، ولكن بين رجال التنظيم ومثقفين مهمومين بتقليص أهمية التنظيم في الحركية الإسلامية. الشباب يتساءل أكثر فأكثر، عن ضرورة التنظيم في الحركية الإسلامية. يقدم لهم عمر خالد ذلك، يقدم لهم شكلاً من الالتزام "الخفيف" الذي لا يفرض عليهم أن يهبوا كل كينونتهم لرسالة التنظيم، كما يطلب النموذج التقليدي للجهاد الإسلامي. هناك مفكرين مثل فتحي ياكين، أو إبراهيم غريبة، على سبيل المثال، يطالبون بإصلاح العمل الإسلامي، بالانتقال من شكل التنظيم الهرمي إلى الشبكة، بالكف عن تصور حلول شاملة وكلية والنظر إلى الحلول الجزئية المتخصصة. وهم يريدون أشكالاً تنظيمية صغيرة سواء فيما يخص الدولة، أو فيما يخص التنظيم الإسلامي. لذلك فإن انتقادات الإسلاميين الجدد للتيار الإسلامي التقليدي لا تكشف عن ميل ديمقراطي، بقدر ما تكشف عن حركة "مشروعات صغيرة". هل يمكن اعتبار جمهور الإسلاميين الجدد جيش احتياطي للإخوان المسلمين؟ إسلام السوق الذي أدرسه هو مفهوم تحليلي، يكشف عن ميول ما، وليس عن تيار متبلور. ونحن نجده لدى البورجوازية المتدينة القريبة من الحزب الوطني الديمقراطي، كما نجده لدى الإخوان. عمرو خالد مختلف تماماً عن الإسلاميين التقليديين: ففي الوقت الذي يفكر هؤلاء في السياسة وفي الدولة، يقوم هو بمحورة الظاهرة الدينية حول قيم الشركات الصغيرة. وفي الوقت الذي لا يزال فيه الإسلاميون يعيشون في ظلال التنظيمات الكبيرة على شاكلة الأحزاب الشيوعية الأوروبية للخمسينات، انتقل عمرو خالد بالفعل إلى الحركة من خلال الشبكات. وفي مواجهة ثقافة الخضوع التنظيمي للإخوان يطرح هو علاقة مع قواعده وأتباعه تقوم على التعليم والتفاعل. يبدو أن الثقافة الإدارية تدفع الإسلام خارج معادلة الإسلاميين. سؤال الهوية لا يشغل منظري إسلام السوق كثيراً، هذا بالإضافة إلى أن الميل العولمي لهذا الإسلام يدفعه إلى الظهور بمظهر الغربي، مثل حزب الرفاه التركي، أو الحزب الإسلامي المغربي، اللذان يحلمان بالانخراط في أوروبا. وأخيراً يجب القول أن الخضوع التنظيمي هو عامل منفر للإسلاميين الجدد، فبحكم ثقافة السوق التي يحملونها والتي تدفعهم للطموح والنجاح ليس من السهل أن يسلموا أنفسهم لتنظيمات كبيرة. إسلام السوق يري الإسلام السياسي التقليدي باعتباره حاملا لكل الصفات التي ترفضها "الروح الجديدة للرأسمالية"، مثل عدم التكيف، التسلط، الجمود، وضعف التسامح. وفي مقابل ذلك نجد لدى إسلام السوق الثلاث قيم الأساسية التي تؤسس للثقافة الإدارية الجديدة: العداء للتسلط وتمجيد المرونة والتفاعل وتحقيق الذات. قمتم في دراساتكم ببيان التشابه بين إسلام السوق والتيار المحافظ الأمريكي، كيف يتعايش ذلك مع عداء الإسلاميين اليوم للولايات المتحدة؟ بينما يدخل الإسلام السلفي الجهادي في صراع مع الولايات المتحدة، إسلام السوق يقف مع النموذج الأمريكي في صراعه العالمي ضد النموذج الأوروبي القديم، فهو لا يتبنى القيم الجماعية الأوروبية، ويؤمن بسياسة تقوم على الخطاب الأخلاقي، وهو بذلك يشارك، دون أن يدري، في حرب صليبية عالمية تهدف إلى إعادة تعريف الحداثة، بعيداً عن الميراث العلماني للتنوير الفرنسي المتمحور حول الدولة. بهذا المعنى ليس هناك أي تناقض بين الميل المحافظ الإسلامي والانفتاح على العالم، بل والعولمة؟ نعم. ليس هناك أي تناقض بين الأسلمة والعولمة. فالعالم الذي ينفتح عليه الفرد ليس بالضرورة عالم فولتير وروسو، فالمرء يمكن أن ينفتح أيضاً على الاتجاه البروتستانتي المحافظ. والانفتاح على العالم مع الرغبة والالتزام بالدين نجده في النجاح الساحق الذي حققه المغني البريطاني الأذربيجاني الأصل، سامي يوسف: فهو شاب، وسيم، غني، ويغني للإسلام، وبالانجليزية. هو يمثل الإسلام الجديد الميال للمتعة، والذي يمجد القيم البورجوازية للنجاح الفردي.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:03.

تدين الطبقة الوسطى الجديدة : تدين بلا توبة.. وايمان بلا تجربة

أكرم اسماعيل الطمأنينة دليل على سوء طوية النفس اكثر ما يدهشني و يشد انتباهي في هذه الطبقة الواعدة، سكان المدينة الجدد،هو تعبيرهم الدؤوب عن النفوذ والطمأنينة والثقة ، الكتمان و طمس المأزق هو سرهم ،و تضرعهم إلى الله ينقصه الخشوع. هذا ما يشعر به أكرم إسماعيل. منذ ظهور عمرو خالد ورفاقه الدعاة الجدد، انتبه المحللون إليه والى أصوله الاجتماعية، إلى صوته وطريقته في الأداء، إلي حرفيته في الانتقاء من الشريعة والسنة والتراث الإسلامي، هذه الانتقائية التى يغزل بها خطابه وإيقاعه وتوجهه، ولكن لم ينتبه هؤلاء المحللون انه قد تم إنتاج هذه الظاهرة ذات الطابع الديني وهذا الخطاب فى عمليه اجتماعية طويلة. تم فيها أيضا إنتاج الفيديو كليب، والسينما النظيفة، وفضائيات تسليع الخبر والقضايا.وبالتالي عمرو خالد هو أحد أبطال الطبقة الطامعة فى الحقبة. فدعوة عمرو خالد ، مفردات خطابة، مغزى انتقائه لاطروحاته وطريقة برهنته عليها، كل ما حوله هو دعوة دينيه مفصلة لتناسب البرجوازية المدينية الجديدة أصدقاء المالتى ناشونال والبنوك وصناعة الخدمات والقطاعات الحكومية الحيوية الناجحة المندمجون نسبيا فى الاقتصاد العالمي وثقافته المرئية. هذه الدعوة التي تستطيع بسهوله من خلالها قراءة كيف تعي هذه الشريحة الاجتماعية مصالحها وكيف تتصور طرق حماية هذه المصالح، وكيف تدفعها مصالحها إلى قراءة أيدلوجية خاصة للواقع الاجتماعي المصري. و هنا قد أكون قد وصلت لإجابة السؤال الذي لم أساله قط، هل تبنى هذه الشريحة الاجتماعية لهذا النموذج من التدين هو استعانة بالمرجعية الدينية في سؤال الهوية، في ظل هذا الاجتياح من حضارة السوق غربية الطابع ، أم أن هذا التدين نفسه هو تسويق إسلامي لليبرالية الجديدة، يمرر قيمها وثقافتها في وعى الطبقات الواعدة. يعطى هذا الخطاب شرعية دينية لكل ما تقوم به هذه الشريحة اجتماعيا وثقافيا بالفعل، فمثلا حضور منتجات أدبيات النجاح الغربي- الأمريكي في توجه ولغة هؤلاء الدعاة مثيرة للدهشة فانهم يقتبسون الأمثلة بل والبناء بشكل مخل من هذا الأدب، الذي يوجه كل طاقته إلى إقناع مريديه باستحقاق فن الإدارة في أن يصبح دينا، بان السعادة والخلاص يمكن ان يضمنها لك إدارة علمية وحكيمة. فمن خلال تقديس المهارات الإدارية (القدرة على التفاوض-تكنيك وضع الأولويات- التعامل مع العلاقات الإنسانية على أنها مادة يمكن تحويلها إلى أرقام ومؤشرات، يمكن توصيفها في جداول ورسوم بيانية حتى يمكن تقييمها وتقييم جدواها ) يتحقق الإنسان. وقد يكون كتاب ستيفن كوفيس ( 7 habits to be highly effective person) سبع عادات لتصبح إنسانا فعالا ومؤثرا، هو خير معين في قراءة البناء المعرفي لهذه الأدبيات، وهنا أود أن استحضر بعض أمثلة عمرو خالد لتوضح الانسجام. يرى عمرو خالد مثلا أن النجاح = إرادة + إخلاص +دعاء + تخطيط سليم، يرى أن متر الأرض في المعادى، اقتنائه أغلى و اصعب من الحصول على متر في الجنة الذي يمكن أن تتملكه بغضة بصر أو ركعتين على حد قوله، وبالتالي عليك أن تغض البصر لأنه خيار أجدى وأرخص. يجب عليك أن تقوم بالتسبيح والدعاء وأنت في طريقك للعمل لأنه وقت فراغ يمكن استثماره بشكل مربح للغاية. هذه الشريحة الاجتماعية التي تعمل في المالتى ناشونال والبنوك ، جزء من تطوير مهارات أفرادها المهني هو تحسين قدراتهم الإدارية و قدراتهم في ترتيب الأولويات وتقييم جدوى الأمور، وبالتالي تصبح أدبيات النجاح مألوفة ومفهومة منطقية ومقنعة بل مبهرة وهى تتناول القضايا الروحية والإنسانية. فإلى أي مدى مريح ومناسب أن يتحول وجودك وعلاقتك بالله إلى مشروع يمكن أن تتلقى دروس في إدارته. وهنا قد يظهر أن وعى هذه الشريحة من الطبقة الوسطى بمصالحها وخيارتها وصراع أفرادها للحفاظ على الوضع الاجتماعي قد دفعها لانتاج نموذج فكرى مرجعيته مبادئ الإدارة الحديثة، وان هذه الشريحة الاجتماعية تدرك حتى التجارب الوجودية والروحية من خلال هذا النموذج. ولكن قد يتجاوز الموضوع هذا الحد ويصبح نجاحك المهني وحفاظك على وضعك الطبقي هو في حد ذاته تقرب إلى الله.ومن هنا يبدو منطقيا دأب هؤلاء الدعاة لتحويل النجاح في حد ذاته إلى فضيلة. ولان النجاح لا يمكن أن يصبح فضيلة إلا من خلال بعض الفرضيات، فقد قام هؤلاء الدعاة بإثبات صحة هذه الفرضيات. وهنا أود أن استعرض بعض هذه الفرضيات، أولا: النجاح لا يمكن أن يصبح فضيلة إلا في وعى يقرأ الواقع الاجتماعي على انه واقع منسجم ... فصورة مجتمع يحتقن بالتناقضات والتفاوتات الاجتماعية الصارخة وملايين من المهمشين صورة غير مناسبة ، يجب تبريرها بشكل لائق: الفقراء خص لهم الله رزقا ضيقا لحكمة ما وبالتالي الفقر ليس سؤالا أخلاقيا او اجتماعيا ولكنه شأن إلهي وراءه حكمه، وربما انهم فاشلون لا يديرون مشروعهم جيدا وهذا قدر الفاشلين ، ومن هنا على الفقراء أن يجتهدوا في العمل وفى التقرب من الله كسبيل للنجاة من اللعنة الإلهية، أما علينا نحن الناجحون هو مساعدتهم بالدعاء والزكاة التي تبدو هنا طقس لإدارة مشروع آخر ناجح مع الفقراء (نحن نصبح اكثر صلاحا ...نجاحا وهم يستفيدون من نجاحنا) وهنا تتحول الزكاة من كونها ممارسة:الغرض منها التضامن إلى ممارسه: الهدف منها الحفاظ على المركز الاجتماعي وترسيخ صورة المجتمع المنسجم. ثانيا: قد تستدعى فضيلة النجاح بالضرورة كتمان بعض الأفكار الناجحة عن الزملاء (سر المهنة) والتستر على الحيل الذى يستعين بها الفرد لتكليل النجاح . وقد تستدعى متطلبات صورة الصلاح أن يبدو الفرد دائما مطمئنا واثقا ناجحا ،وأن يدارى المعاناة والمرارة مما أدى إلى تراجع ثقافة الشكوى والمواساة غيرالمجدية لمشروع الفرد في الصعود على السلم الاجتماعي والتي قد تضر بمظاهر النجاح. ثالثا: على الفرد الناجح أن يتخلى عن كل شيء قد يعوقه ولايمكن أن أجد مثلا اكثر دلالة من العلاقات العاطفية، فهدا الخطاب الديني يدين بشكل حاد ومنهجي العلاقات العاطفية فقد يتخللها بعض المعاناة التى لا جدوى منها وضياع للوقت ، ولأنها مهددة بالضرورة لمظاهر الورع والصلاح الاجتماعي وبالتالى فهى دينيا مكروهة بل ومحرمة. فيصبح الزواج الفاخر المبكر هو الوسيلة الآمنة الضامنة لرضا الطبقة والله. ولا يمكن أن أنسى مقولة عمرو خالد أن الارتباط العاطفي قد يدمر الأسرة المسلمة فإن ارتباط عاطفي فاشل قد يلقى بظلاله على العلاقات الزوجية التقليدية الحميدة عندما لا يستطيع أحد طرفي الزواج نسيان هذه العلاقة العاطفية وتجاوزها. رابعا: لا يحتمل هؤلاء المؤمنون الجدد(الملتزمون) الشك ،هم جادون في ألا يتساءلوا،ألا يشكوا،ألا يطرحوا أو يتحمسوا للاسئلة الكبرى إنسانية كانت أو وطنية أو قومية ومادام مشروعهم ناجحا صالحا محققا الرضا الاجتماعي الذي يعكس رضا إلهي فإنه لا داعي للشك الكافر. مؤشرات التحلي بالفضيلة وبعد مروري على الأمور التي تجعل تحول النجاح الى فضيلة ممكنا نظريا. علينا أن نفهم أن للنجاح مؤشرات وان الإنسان المتحلي بفضيلة النجاح عليه أن يجنى ثماره وان يحدث بنعمة ربه فعليه ان يظهر أمارات النجاح التي لا يمكن إلا أن تكون عربة فاخرة وملابس ثمينة وأثاث مبهر وشاليه في مصيف يليق...فيصبح معدل الاستهلاك هو معدل جنى ثمار النجاح والتحلي بالفضيلة .وعلينا هنا ان نتذكر عمرو خالد وهو يمدح المؤمن( الشيك) الوسيم الجدير بان يصبح القدوة الحسنة للآخرين( وهنا أود أن استحضر كيف كانت الطرق الصوفية تفترض النقيض ، فالقدوة لديهم هى الزاهدة المضحية ببريق الدنيا وترفها) .وفى هذا السياق يمكن تفسير اهتمام الطبقات الوسطى الأفقر بمختلف شرائحها بعمرو خالد.فانهم معنيون بأمره ليس فقط لأنه داعية إسلامي مجدد ولكن لأن خطابة يغوى تطلعهم الاجتماعي وشوقهم لهذه الحياة وهذه المعدلات من الاستهلاك والترف. لا تنازل عن الفردية يفترض تدين هذه الجماعة بالضرورة أن التجربة الإيمانية هي تجربة فردية بل أنها في مواجهة مع الآخر وقد يغنيني عن الشرح المستفيض مقارنة سريعة مع الطرق الصوفية( تدين الحرافيش ) وهو نمط تدين تبنتة طوائف الحرفيين التي ظهرت فى مصر فى اوائل القرن التاسع عشر ،فقد انتمت هدة الطوائف للطرق الصوفيةالتى صبغت المزاج الدينى فى مصرفى تلك الفترة .هذا التدين الذي عبر عن قدر هائل من التضامن ، يعكس مقدار التكافل الاجتماعي الذي كفلتة طوائف الحرفيين لأبنائها، ففي ظل ذلك النظام الاقتصادي البدائي نسبيا، كان وعى الأفراد بمصالحهم الاجتماعية هو وعى جماعي فان نجاح الطائفة هو أمان للفرد والتكافل الاجتماعي هو جزء لا يتجزأ من حماية المصالح الفردية . فكانت التجربة الإيمانية لهذه الجماعات تجربة جماعية فالحضرة والمولد هي طقوس دينية لا يمكن إتمامها إلا مع الجماعة، صحيح أن الفرد سوف يلقى ربه وحيدا ولكن تدينه لا يكتمل إلا من خلال الجماعة.أما الملتزمون الجدد فانهم لا يتضامنوا مع الآخر بل انهم قد يديروا معه مشروع مجدي ناجح ، وهنا اذكر شعار إحدى الجمعيات الخيرية ( ساعد الفقراء واحجز مكانك في الجنة). إننا هنا أمام تدين يعلى من القيم الفردية، يقدس النجاح المهني، يحرض على التنافس ، يعمق ثقافة الاستهلاك، يدرس جدوى كل ممارسة دينية ولا يتناول قضايا الإنسان الكبرى ، هو بوضوح تسويق إسلامي لاقتصاد السوق. موت السياسة يزداد نفوذ هذه الشريحة وتتبلور مصالحها الاجتماعية و تفرض مزاجها الاستهلاكي والثقافي على المدن يوما بعد يوم ، تعبر عن مصالحها من خلال علاقتها بل قرابتها للقيادات البيروقراطية والأمن ، ولكنهم بطبيعة حال القوى الاجتماعية في مصر لايعبرون عن مصالحهم سياسيا ، وقد يكون هذا هو المأزق الذي يحله عمرو خالد ورفاقه ، فبينما تواجه الدولة المصرية ضغط دولي لاستكمال برنامج الخصخصة وإعادة الهيكلة وتطبيق بنود معاهدات التجارة الدولية ،تندمج هذه الطبقة تدريجيا مع الاقتصاد العالمي وتتبلور مصالحها بدون اى تعبير سياسي عن هذه المصالح مما قد يجعل هذا الخطاب الديني هو سبيل أيدولوجى للتعايش مع الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق في ظل غياب التمثيل السياسي . ولكن المشكلة هنا أن هذا الخطاب لا يمكن أن يغنى عن السياسة فهو قد يساعد على تسويق أيدولوجيا الليبرالية الجديدة ولكن يظل وعى هذة الشريحة بمصالحها الاجتماعية مشوها وغير مكتمل بدون تمثيل سياسي يفرض بعض المعايير ويحرضها على تبنى خيارات واقعية تعزز مواقعها وتحميها. ومن هنا تتبنى هذه الشريحة الاجتماعية في أحيان كثيرة ادعاءات الأمن المفترضة مثل تهديد الفقراء وسكان العشوائيات لأمنهم ومصالحهم ومن خلال هذا تنجح الدولة في لعب دور الشرطي المسؤول عن تامين مصالحهم فى مواجهة جمع الفقراء الخطرين مقابل التنازل عن التمثيل أو حتى المطالب السياسية. وبالتالي يتربع خوف مفترض من جماهير الفقراء في تصور هذ الشريحة عما يهدد مصالحها ،مما يشكك في تبنيها لأي مشاريع تنموية حقيقية،بل يقطع هذا التصور الأمني الطريق على تبنىهذه الشريحة الاجتماعية أي مشروع اجتماعي يتبنى تحسين الأحوال المعيشية لجمع الفقراء حتى يمكن أن نأمن جانبهم .وتظل تسلك طريقتين في التعامل مع جموع المهمشين اما من خلال العمل الخيري او من خلال النظرية الأمنية . ويبدو أن المشروع الذي ابتدعه عمرو خالد وتبناه مريدوه له مغزى ، هذا المشروع التنموي القائم على قدرة الفرد على التغيير ، كيف يمكن أن تواجه مشكلة البطالة والفقر وتلوث البيئة وأزمة المرور والأمية و تحسين الخدمة الصحية وأزمة السكن ...الخ من خلال مجهودات فردية خيرية ، نتوسط من خلال علاقتنا بالقيادات لتوفير فرصة عمل لشخص ما ونقوم بجمع التبرعات لتحسين أحوال الفقراء و نتبرع لبناء جامع يكون دار عبادة ودار لفصول التقوية الدراسية وعيادات طبية ، و نقوم بزراعة الحي ونتوسط لإيجاد مأوى لأسرة مشردة ....وكيف يمكن من خلال الوساطة لاجهزة الدولة تحسين الوضع . يعكس هذا المشروع بوضوح كيف تقرأ هذه الشريحة الاجتماعية الواقع الاجتماعي المصري وكيف تحاول تناوله والاشتباك معه بدون التطرق للسياسة وكيف تخلق آليات للقيام بهذا المشروع الخيري التي تختبر فيه نوعا ما نفوذها، مستخدمة وسائلها.... القرابة للبيروقراطية و(الواسطة).ولكن هل يمكن أن تكون حماية المصالح والتعبير عن النفوذ فقط من خلال الواسطة؟ وأخيرا يتضح لي أن هذه الشريحة الاجتماعية المدللة من الدولة والمهيمنة على أنماط الاستهلاك والمجال الثقافي والمتدينة تدينها الخاص المتصالح و المتحيز لمصالحها، المندمجة في الاقتصاد العالمي والطامحة في اندماج أوسع، المنفصلة عن الواقع الاجتماعي لجموع المصريين ، المفطومة من كل الهواجس القومية والوطنية هل يمكن أن تكون قوى اجتماعية ديمقراطية ، هل قادرة على أن تصبح وقودا لانتاج المعايير وتحسين معدلات النمو، أم أنها بنت الدولة المدللة ، غير قادرة إلا على التلويح بالامتعاض ، تهوى المسكنات ذات الطابع الديني المناسب ،غير المحرض ،متبنية نظريات الامن حول الفقراء، المحافظة على معدلات استهلاك عالية من دخل صناعة الخدمات التى تضمنها لهم الدولة من خلال صفقات سياسية اقتصادية، فتظل الصفقة بين الدولة وبينهم أنها هي الضامنة لأمنهم وولائهم، تظل الدولة هي الأم الحارسة وتترك لهم ظنهم بأنهم صناع الحياة.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:00.

أولاد حارتنا: حكايات شعب وشعب الحكايات

"حارتنا حارة الحكايات"، هكذا جرى قلم محفوظ على لسان راوى "أولاد حارتنا" وعلى لسان بعض شخصياتها، لأن الحكاية نفسها هى البطل الرئيسى. أبطال الحكايات معروفون لنا تماما، لأننا جميعا، حتى الأميين منا، نستطيع أن نضع أمام كل شخصية تقريبا معادلها فى قصص أديان المنطقة الحالية: قصص العهد القديم والقرآن: الجبلاوى: اللـه؛ أدهم: آدم؛ إدريس: إبليس؛ همام: هابيل؛ قدرى: قابيل. أما الأنبياء، فجبل هو موسى؛ ورفاعة هو يسوع أو عيسى؛ وقاسم هو محمد. أما آخر الأبطال وأكثرهم إثارة للجدل فهو عرفة الساحر، رمز العلم الحديث.

الحكايات والحارة
ولكن البطل ليس أيا منهم، وإنما هو الحكايات نفسها، فكل فصل منها يتحول فى الفصول التالية إلى مروية، حكاية تحمل العبر، يغنيها شعراء الربابة فى المقاهى والغُرز، ليلتف الناس حولهم يسمعون (على نمط ملاحم أبو زيد الهلالى وعنترة القديمة)، فيتأثرون أو يأسوا لحالهم أو يسخطون. ولكنها دائما تشكل وعيهم بعمق، لأنها ملحمتهم هم وحكايات "حارتهم". إنها تتكلم عن أصلهم وعن كفاح أبطالهم، وتشكل بذلك قيمهم وأحلامهم وآمالهم.
فوق ذلك تشكل الحكايات بنفسها دوافع الأبطال (الأنبياء) وتمنحهم أهدافهم. فكل بطل تبدأ قصته بأن يسمع حكايات الحارة حين يعود إليها، أو يتأمل فيها فى لحظة ما، ويتبنى هدفها. واتصال أى منهم بالجبلاوى يعنى مباشرة، له وللجميع، أن ثمة فصلا جديدا سيضاف إلى حكايات حارتنا.
رواية "أولاد حارتنا"، وفقا لمقدمة محفوظ لها، تدوين لتراث شفهى متداول على الربابة، وبذلك فإنها تمثل لحظة تحول الحكايات الشفاهية إلى تراث مكتوب، أو تحول مختلف أديان المنطقة إلى رواية جامعة عن وعيها.. رواية تتجاوز خلافات واختلافات الأديان، لتدمجها فى مروية عن ثقافتنا. وباختصار، تصبح بذلك تراثا لجماعة بلغت الرشد وأصبحت واعية بماضيها بوصفه تراثا، بينما كانت قبل ذلك غارقة فيه بوصفه جانبا متجددا قابلا للتحوير من حياة "الحارة".
حارة الجبلاوى هى البطل الثانى للحكايات، فحكايات "أولاد حارتنا الأبرار"، أى الأنبياء وعرفة، تدور فى حارة كبيرة قرب صحراء المقطم، كان "الجبلاوى" أول من بنى فيها بيتا، وهو أصل كل ذرية الحارة. ما المقصود بتلك الحارة؟ الحارة ليست رمزا للبشرية(). فالجبلاوى ليس فى الرواية أول الموجودات. وهناك أيضا حارات أخرى بخلاف حارة الجبلاوى.
الحارة مقسمة إلى ثلاثة أحياء، فضلا عن بيت الجبلاوى وبيت ناظر الوقف (الحاكم ومغتصب حقوق الحارة فى الوقف) وأمامه بيت كبير فتواته (جيشه وشرطته). تنتهى الأحياء الثلاثة إلى تمثيل الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام. فيُسقط محفوظ حكايات عشرات الأنبياء الآخرين ليختار رموزا تمثل وعينا نحن. ما المقصود بـ"نحن"؟ نحن هذه قطاع ما من البشرية، فهناك بشر آخرون، لا يشاركون فى هذا التراث ولا فى الإيمان بالأديان الرسالية (أى التى تتميز بقيام أديانها على فكرة ورود رسالات من الخالق عبر رُسُل) وأبطالها (هناك مثلا عوالم جنوب شرق آسيا، أو الهند، ووجودها سابق تاريخيا على ظهور أبطال الأديان الذين يتناولهم محفوظ). "الجبلاوى" إذن فى وعينا أصل العالم كله، ولكن "الحارات" الأخرى لا تعرف آدم، ولا تحكى أديانها قصة الهبوط من الجنة أصلا (لأن لها ثقافة مختلفة وأديان مختلفة نوعيا مثل الكونفوشيوسية أو البوذية أو الطاوية أو الشنتوية أو الهندوسية).
بل يبدو أن "نحن" هذه لا تشمل كل الشعوب التى تأثرت بالأديان الرسالية، وربما تقتصر فعليا على الشعوب العربية. ولذلك نجد حارة محفوظ خالية من التنوير الأوربى ومجمل ملحمة الثقافة الأوربية الحديثة. ولكن "أولاد حارتنا" ليست رواية عن تاريخ وعينا الدينى/ الأخلاقى، بل عن وعينا الحالى.. فالفراعنة أو الفينيقيين أو السومريين أو البابليين أو الرومان أو البطالمة ليسوا ممثلين فى رواية محفوظ. وحتى لو كانت الحارة هى مصر، فإنها مصر هبة الأديان الرسالية التى تحكم وجداننا المعاش، والتى يلعب فيها "الجبلاوى" الدور الرئيسى، فهو الخالق والأصل، الذى خلق آدم على صورته. وباختصار، يقدم محفوظ فى هذا النص رؤية عميقة لثقافتنا السائدة التى يعرفها رجل الشارع، حتى الأُمى، من الجامع والكنيسة والكتاب والمدرسة والإعلام، ومن حوارات الشوارع نفسها.. فهى قصة وعينا نحن بقصة معينة للخلق من خلال أديان معينة تحكم واقعنا المعاش.

شعب اللـه المختار المعذب
ولكن كيف تصيغ "أولاد حارتنا" تراث الحكايات وكيف تقدمه؟ تخبرنا الرواية أننا، وحدنا، نحن حملة تراث الأديان الرسالية، شعب مختار فى نظر أنفسنا. صحيح أن الإسلام والمسيحية دينين عالميين تبشيريين، ولكن الانتماء لأيهما يمنح المنتمى فى نظر جماعته فى بلادنا (وليس فى أوربا مثلا) وضع الانتماء إلى فئة مميزة من البشر، يحق لها، بل من واجبها فى رأيها الخاص، أن ترث ملك اللـه العريض فى الأرض وتحكم العالم. نحن أيضا، كما تُجمع الأديان الثلاثة، أتينا من عالم آخر، فأبونا ليس من هذه الحارة التى نعيش فيها، بل من رأسها، من ملكوت السماء، هبط إلى الأرض بسبب عصيان إرادة "الجبلاوى"، ونعيش نحن جميعا هنا بسبب هذا الخطأ الأصلى القديم.
وهكذا فنحن نعانى، بسبب إيماننا بهذه الرؤية، من شعور مركب عميق: شعور بالفخر، أو الانتماء لشعب مختار، وشعور بالبؤس، لأننا ببساطة خارج الجنة التى عاش فيها أبونا الأول، والتى نهفو للعودة إليها. نحن إذن بشكل ما فى المكان الخطأ، فى "دار الفناء" بمصطلحات رجال الدين الإسلاميين، فى رحلة تجد معناها النهائى فى "دار البقاء". وفى "منفانا" هذا نسمع قصص الأنبياء التى تحدد معنى وجودنا على هذه الأرض، ومواعظ الأديان التى تؤكد جميعا ضمنا أننا نعيش فى المكان الخطأ، ولكنها تؤكد أيضا حقوقنا المقدسة فى "الوقف" (خيرات الأرض) وفى العدل والسلام والكرامة.
اختار الجبلاوى أدهم من بين كل أبنائه (=مخلوقاته) لينوب عنه فى إدارة "الوقف"، الأمر الذى يثير حقد "أخيه" إدريس (= إبليس) كما هو مشهور، لأنه فى نظر نفسه أفضل، فأدهم ابن الجارية التى تزوجها أبيه، بينما هو وأخوته الآخرين أبناء الهانم (= فى الأديان خُلق من طين، بينما خُلق الآخرون من نار أو نور، وهما فى العرف العام أفضل وأرقى). فضلا عن أنه أقل منهم قوة، ولا فضل له إلا أنه يعرف الكتابة والحساب، وهما بمعايير البيت أدنى من القوة بكثير.
أدهم نفسه يشعر بالدونية برغم اختيار أبيه له فى إدارة الوقف. بل هو فى نظر الجبلاوى نفسه أدنى من أخوته: "انصعت إلى خيانة من فضلك على من هم خير منك". الإنسان فى "أولاد حارتنا" هو الكائن الأدنى منزلة، نال مكانة بين الكائنات بغير استحقاق ولا فضل، بل هبة من الواهب الأقوى لغرض لا يعلمه إلا هو. وفوق ذلك قُدٍّر عليه، بلا رغبة أو اختيار منه، أن يعانى من حقد ودسائس إبليس القوى، وأخيرا أثبت أنه لا يستحق مكانته فى البيت الكبير بسبب طمعه. وحتى فى سقوطه من الجنة سقط بشكل أكثر مهانة من سقوط إدريس (الذى تحدى أبيه)، ولم تعد له من فضيلة سوى حبه للجبلاوى وتعلقه بالبيت الكبير بعد طرده منه. فضيلة أدهم الولاء والطاعة.
البيت الكبير يخرج منه إذن كل من يخرق قانونه: الطاعة المطلقة، سواء بسبب التكبر أو الطمع، وسواء بالتحدى أو التحايل. ولكن يخرج منه أيضا كل قادر على الإنجاب: الشيطان وآدم، ومن ذريتهما (لا ذرية آدم وحده) تتكون الحارة. فأخوة أدهم الآخرون كما جاء فى الحكايات، لا يعيش لهم ولد أو عقيمون. فكأن الإنجاب هو قانون حياة "حارتنا"، حياة المنفى، بينما الخلود مع العقم هو قانون البيت الكبير.
ومع ذلك فالفارق بينهما كبير. فأدهم إرادة ضعيفة وضمير يقظ، وولاؤه للجبلاوى مطلق، بينما إدريس إرادة قوية وضمير منعدم، وبلا قدرة على البناء، وهو ما سينعكس فورا على خياراتهما خارج "البيت الكبير" فى مواجهة الظروف الصعبة: العمل أو النهب.
كان أدهم فى حياته فى البيت الكبير، قبل وبعد تكليفه بتحصيل إيجارات الوقف، يقضى معظم وقته فى الحديقة (=الجنة)، ينصت لأصوات الطيور ويعزف على الناى. وبعد الخروج، ظل أمله الوحيد العودة إلى البيت الكبير ، ولكنه قبل موته ينال، وفقا للعقيدة الإسلامية هنا، عفوا من "الجبلاوى"، ولكن دون عودة، فقط أعطاه "الوقف"، له ولذريته من بعده. ولكن هل أرضاه هذا؟ لا يبدو.. فأدهم منذ طرُد عرف "لعنة العمل"، والعمل عنده كان هو الانحطاط إلى مرتبة الحيوان:
العمل من أجل القوت لعنة اللعنات. كنت فى الحديقة أعيش، لا عمل لى إلا أن أنظر إلى السماء أو أنفخ فى الناى. أما اليوم، فلست إلا حيوانا أدفع العربة [التى يبيع عليها الخيار] أمامى ليل نهار فى سبيل شىء حقير نأكله مساء ليلفظه جسمى صباحا... الحياة الحقة فى البيت الكبير حيث لا عمل للقوت وحيث المرح والجمال والغناء.
التأمل فقط هو الذى يشبه حياة "البيت الكبير": "فى وحدتى أرتد سيدا أو شبه سيد، أتأمل السماء وأتذكر الأيام الخالية".. أى ببساطة أفكر فى المطلق، فى معنى الحياة، وفى الآخرة والنعيم.. فى خلود لا ينتهى.. أى فى كل أشواق أصحاب هذا التراث وهذه الثقافة.
على مدى الرواية، إلى أن يأتى عرفة، سيظل حلم الغناء فى الحديقة والتأمل هو "الحياة الحقة" التى تدور المعارك ويظهر الأنبياء من أجل إقامتها. ولكن إقامة حياة فاضلة على الأرض تحتاج إلى فكرة أخرى لا تقتصر على الحلم بالعودة إلى البيت الكبير. أميمة (حواء)، هى صاحبة هذه الفكرة.
المرأة هنا عند محفوظ هى الأرض والواقع. منذ البداية لم تكن حياتها فى البيت الكبير حياة الحديقة والناى والطيور والسماء، ولكنها حياة ترتبط بما يقال فى البيت الكبير وشئون الحياة. وحين حملت للمرة الأولى ساعدت إدريس فى إغواء أدهم ليحاول الإطلاع على حجة الوقف، حتى تطمئن على نصيب أبنائها المقبلين فى الميراث الضخم. ولكنها لا تتحمل المسئولية عن الخطيئة وحدها.. فأدهم برغم لومه لها على إغوائه كان يعرف أن "المرأة تعرب عما فى نفسه، وهذا ما يثير حنقه". أميمة صاحبة قضية ولها هدف، ذات إرادة جعلتها تحرض أدهم، أما أدهم فهو المنفذ المتردد الذى لا يحمل سوى عقدة الشعور بالذنب (لأنها فى الواقع أعربت عما فى نفسه) والوضاعة.
ولهذا كله، حين تخرج مطرودة مع أدهم، تطمح إلى أن تجعل من الكوخ الحقير "بيتا شبيها بالبيت الذى طردنا منه، لن تنقصه الحديقة ولا البلابل".. إنها تريد الجنة على الأرض، وحلمها واقعى تماما، فإذا كان أدهم يقول أن العمل لعنة، فإجابتها هى: "ربما، ولكنها لعنة لا تزول إلا بالعمل". أدهم إذن هو القيم على الوفاء للبيت الكبير، هو حامل القيم، وامرأته هى الواقعية والحسية والإغواء. فإذا لم تكن هذه ثقافتنا، التقليدية، فماذا تكون؟
يقدم إدريس (إبليس المؤنسن) الحل الثالث: أن يكون المرء بلطجيا ويعيش على حساب الآخرين. كان إدريس أول من طُرد، ومن بين صفات الأب، يتميز هو بصفة القوة والجبروت، فأخذ يجوب الحارات مُعاركا وسارقا. وهو ذو كبرياء، فعلى خلاف أدهم الذى لا يطمع سوى فى العفو والعودة، يبصق إدريس على البيت الكبير، ولا تربطه به سوى فكرة الانتقام، معتبرا نفسه صاحب حق مسلوب. ولكن إدريس القوى لا يستطيع أن يقيم نظاما كما فعل الأب، ولا يتمتع بالهيبة ولا الأخلاق. منذ البداية إذن يطرح محفوظ الشر فى بعده الاجتماعى والدينى متلازمان: الشر هو الاستيلاء على جهد الآخرين، مقترنا بالجبروت والتكبر والعصيان للبيت الكبير. ولكن إدريس يطرح منطقه واضحا قويا.. فحين يستنكر أدهم اعتماده على البلطجة، يرد:
إذا كان العمل لعنة والبلطجة قذارة فكيف يعيش الإنسان؟.... لعلك تريد رزقا بلا عمل؟ ولكن ذلك سيكون حتما على حساب الآخرين!... أم لعلك تريد رزقا بلا عمل دون أن يضار به أحد؟! هذه فزورة يا ابن الجارية!
قصة الخلق إذن عند محفوظ هى قصة فكرتنا عن الحياة ومعنى العالم: الحياة الحقة تكون فى الحديقة مع الناى والطيور (وهى حياة الثراء والفراغ من ناحية، وحياة التأمل والتمتع بالجمال من جهة أخرى، وهى الجنة)، مقابل لعنة العمل؛ خيار البلطجة أو انتظار عفو الجبلاوى؛ بناء الجنة على الأرض أو الأمل فى جنة لاحقة؛ فكرتنا فى هذه المنطقة من العالم عن أنفسنا باعتبارنا منحدرين من مكان آخر، فخورين بنسبنا بوصفنا شعبا مختارا (أو أصحاب عقيدة مختارة)، والتعساء أيضا بسبب هذا المصير. المرتبطين فى كل الأحوال بـ"البيت الكبير"، دون أن نراه، لأنه مختبئ خلف جدرانه العالية، ولا نرى من باب أولى ساكنه. فحكايتنا كلها، مصيرنا ووجودنا، منبثقان منه، ولذا تدور مشاعرنا وأفكارنا وحياتنا كلها حوله. وهكذا يقول همام (هابيل ابن آدم) "سنظل نتطلع إلى هذا البيت الذى لا عزة لنا إلا به ولا تعاسة إلا بسبب منه".

عهد الرسالات: إقامة العدل على الأرض
بدءا من هذه النقطة يغيب الجبلاوى داخل البيت الكبير، فلا يظهر بنفسه أبدا فى الحكايات، ولكن تبقى رسائله التى يرسلها لجبل ثم رفاعة ثم قاسم، القادة المصلحين الذين تنجبهم الحارة، فيضفى باتصاله بهم المشروعية على أهدافهم. وتدور أهدافهم فى مجملها حول العدل، العدل فى توزيع الوقف (خيرات الأرض).. والهدف الأعلى هو "حياة الحديقة". ومن هنا فإن موافقة الجبلاوى تضفى المشروعية على عملهم لأنه هو صاحب الوقف. أما الوقف نفسه فيئول إلى نظار (حكام) يديرونه ويحتكرون ثروته، يساعدهم فتوات منظمون يقهرون