محمد البعلي
أثار الإعلام المصري في الأسابيع السابقة –بشكل ديماجوجي على الأغلب- موضوع خصخصة عمر أفندي، وتقدم البيروقراطي العتيد "يحيي حسين عبد الهادي" , رئيس شركة بنزايون صفوف مهاجمي الصفقة حتى أصبح بطل إبطالها، وحاز (البطل من ورق) على إعجاب العديدين، وانتهت الموقعة بتراجع مخزي للحكومة بعد أن فشلت في المواجهة (الإعلامية بالأساس)، وانتقدها حتى مؤيدوا الخصخصة بسبب فشلها الذريع في مواجهة الهجوم والرد بأي كلام يقنع الرأي العام.
والحقيقة أن غبار هذه الموقعة لم يكن هو الدافع لي حتى أكتب هذا التعليق على قضية عمر أفندي فقد ثار وهدأن قبل أن افكر في تخريك أصابعي على الكيبورد بهذا الشأن، ولكن ما أثارني هو مداخلة قرأتها على الإنترنت للصديق عمرو عزت بعنوان (عمر أفندي: تساؤلات غير بريئىة وشهادة غير منشورة) وقد حفزتني لسبب بسيط أنني اكتشفت أن كراهية البعض لأكاذيب ونفاق البيروقراطية يدفعهم لكراهية القطاع العام بحد ذاته والمطالبة بالتخلص منهما معا على اعتبار أنهما متلازمان، وهو ما لا أعتقده..
بالنسبة لموضوع عمر أفندي، أولا: الدولة مجروحة بالفساد ( ومجروحة مصطلح يستخدم في علم الحديث النبوي الإسلامي للإشارة على المصادر محل الشك) لذلك فطرحه في أي قضية تتعلق بها أمر طبيعي، ولكنني لا أعترض على بيع عمر أفندي لشبهة الفاسد.
أنا هابتدي في هذا الموضوع من الآخر.... أنا ضد الخصخصة وضد بيع القطاع العام ..سواء فيها فساد أو فيها شفافية....
ممكن البعض يستغرب (إزاي يسار ديمقراطي يبقى ضد الخصخصة ومع الكلام القديم بتاع القطاع العام ده)، أيوه أنا ضد بيع القطاع العام، معتقد إن منطقي بسيط، أنا مع دور تدخلي للدولة بطريقة مباشرة (القطاع العام) أو غير مباشرة (الضرائب وسياسات البنك المركزي) في تطوير معدلات المساواة الاجتماعية، وتخفيف وطأة التقلبات الاقتصادية على الفئات الأشد فقرا.
وأوضح أيضا أنني ضمن هذا المنطق ضد أي كلام عن استقلال البنك المركزي بعيدا عن مؤسسات صنع القرار والرقابة السياسية، ولكن هذه نقطة أعود إليها بعد قليل..
موضوع القطاع العام لما بيتفتح دايما بياخدنا الكلام لمتاهات من نوع الكفاءة الاقتصادية ومصالح المستهلكين، وكل ده كلام يتنوع بين الفاضي والمغلوط، وما باطنه الرحمة وظاهره العذاب..
فالقضية تتمحور حول دور الدولة، فهل نحن نناقش القضية ونحن مع دور للدولة (هو بالظبط ما يدفع باتجاهه "جمال مبارك ورجاله" وينفذ التحول له نظيف وزمرته) يقترب بها من نقطة بين المنظم والمتفرج، ويترك الملعب بالأساس لقوى العرض والطلب، ويترك الفئات الأكثر فقرا والطبقات العاملة والفلاحين الفقراء في مهب قوى السوق العالمية، تكتفي الدولة في هذا الدور بتقديم حد أدنى من الخدمات (السيئة لدرجة تقولك اشترى من برة أحسن لك) مع توفير أفضل الظروف لنمو بديل سلعي (تلعب عوامل السوق الدور الوحيد في تسعيره) لها..
أم مع دولة تلعب دورا تدخليا واضحا لصالح تقليل معدلات التفاوت الاجتماعي، ودعم فرص الفئات الفقيرة في الحصول على خدمات مناسبة تتيح لهم تطوير قدراتهم ومهاراتهم والحياة في مستويات إنسانية، إذا كنا مع الخيار الثاني ( وأنا معه تماما) فوجود أذرع اقتصادية فعالة لهذه الدولة التدخلية أمر مهم، ومن أهم هذه الأذرع مؤسسات القطاع العام، فهي القادرة على تقديم منتجات وخدمات للجمهور ( وأقول الجمهور وليس المستهلكين، لأن اللفظة الثانية تركز على من يستطيع دفع مقابل ما يدفع)، وبالتالي يكون لدى الدولة جهاز يضم أدوات إنتاج تستطيع البعد ولو قليلا عن هدف تعظيم الأرباح، فمثلا ( تستطيع وتقول الدولة حاليا أنها تحاول توفير اللحوم عبر أسعار معقولة عبر المجمعات الاستهلاكية، وعبر توفير الدقيق ومواد الوقود المدعومة توفر الخبز الرخيص)، ومثل هذه التدخلات كان من الممكن أن تكون فعالة أيضا لو استخدمت الدولة شركات الأسمنت والحديد لضبط أسعار سوق مواد البناء، وبالطبع هي ضرورية في قطاعات أثر حيوية مثل الأدوية، كما أن استخدام مؤسسات التوزيع مثل باتا ( وأتذكر أنني ومعظم زملائي في المدرسة كنا عملاء لها) وعمر أفندي، يمكن أن يكون فعالا لتوفير بديل سلعي أرخص لا تحكمه بالكامل أهداف تعظيم الربحية.
سر الأداة وسحر الأداء
أحب هنا أن أورد ملاحظة أشار إلي بها صديقي "عمرو عبد الرحمن" بعد أن قرأ المسودة الثانية لهذا الموضوع، فحسبما أوضح (لا توجد دولة تتحرك في الفراغ، ولكن حركتها وتقنيات عملها و حضورها يتحدد داخل التوزيع الاستراتيجي لعلاقات القوى في المجتمع.
وبالتالي لا يوجد أي إجراء تدخلي يمكن أن تتخذه الدولة إلا ويرد إلى مصالح بعينها قد صاغت وجهته وطريقة تنفيذه).
وهو ما أوافقه عليه إجمالا، ولكنني أرى أن أذرع الدولة أدوات يمكن استخدامها بطرق مختلفة في ظل توزيعات مختلفة للقوى في المجتمع، لذلك فالحفاظ على بعض الأدوات يمكننا في ظل توازن قوى مجتمعي مختلف من استخدامها بشكل مختلف، فسر الأداة هنا يختلف بحسب قدرة اللاعبين في المجتمع على إسماع أصواتهم، كما أن عملية تحول التغير في توازن القوى بالمجتمع أمر يتم بشكل تدريجي، وأعتقد أن الحصول على تغيير في طريقة السيطرة على وتوجيه القطاع العام، بحيث يلعب دورا في ضبط الأسواق أمر هام.
أيضا في موضوعة القطاع العام، تثار دائما قضيتا الفساد وضعف الكفاءة، والنقطة الثانية تحديداً أصبحت مثل سيف سحري يشهر في وجه المدافعين عن القطاع العام، ولكني أراهما غير ذي صلة هنا، لماذا؟؟؟؟؟؟؟؟ أولا لأن الفساد في أي مؤسسة لا يلغي الحاجة إليها، ولكن يظهر الحاجة لمحاربة الفساد، فكثيرون يعلمون أن كبار المسئولين في الجيوش وأعلى المؤسسات نفوذا في كافة دول المنطقة ومعظم دول العالم الثالث يحصلون على عمولات لتسهيل صفقات السلاح، فهل يعني هذا أن محاربة هذا النوع من الفساد يتم بتسريح الجيش!!!!!!!، كما أن الكثير من عمليات إسناد مشروعات الخدمات العامة التي يتولى تنفيذها مقاولوا القطاع الخاص تتسم بالفساد الشديد، فهل يعني هذا وقف مشروعات الخدمات بالمرة، أم العودة فإسناده للقطاع العام فقط، شخصيا أميل للحل الثاني، ولكن هل الأول قابل للتنفيذ، إن موضوعة الفساد تتعلق بمجموعة من العوامل لكنها لا تقود في طريق احد، بل عدة طرق بعدة حلول، ولكني أوضح مجددا أن قضية الفساد ليست الأمر المركزي بالنسبة لي في مسألة القطاع العام.
أما قضية ضعف الكفاءة، أو سحر الأداء كما أحب أن أسميه، فمشكلة تحتاج أولا لوضوح الرؤية حول معنى الكفاءة، فهل نقيس أداء مؤسسات القطاع العام، بالأرباح، فإذا كانت مؤسسة ما رابحة ولو على عن طريق العصف بحقوق العاملين، نطلق عليها مؤسسة كفؤة؟؟ إن قضية الكفاءة يجب ألا تبنى على مركزية الربح، ولكن على موازنة الأهداف ، وبالتالي فنحن حين نتكلم عن رفع كفاءة القطاع العام لصالح المجتمع كلل نحتاج لحلول تبني على إعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام، وفقا لموازنة الأهداف الشاملة وليس الأرباح؟؟، فهل نوجه هذه المؤسسات لاستيعاب البطالة في المجتمع، أم لتطوير حزم بديلة من المنتجات والخدمات للفئات الأكثر فقرا، عموما أنا لست خبيرا في تطوير كفاءة المؤسسات، ولكنني سأشير إلى تجربة في الخليج حيث أرى في مدينة صغيرة مثل دبي مؤسسات وشركات حكومية (لا يطلقون عليها قطاع عام) نمت لتصبح عملاقة، في معظم المجالات من العقار وإدارة الموانئ إلى الطيران والخدمات السياحية، وهي بالمناسبة ناجحة بمنطق الأرباح أولا وكذلك بموازنة الأهداف حيث تلعب دورا في استيعاب العمالة الوطنية.
سأمر هنا سريعا على موضوع استقلال البنك المركزي والذي أصبح إيقونة في الاصلاح الاقتصادي (لعلاقته الوثيقة بمسالة تدخل الدولة في الاقتصاد)، فأوضح سبب رفضي الشديد له، فالبنك المركزي مؤسسة مؤثرة بشدة في حياة الناس، معنى استقلالها عن القرار السياسي، هو وضع سلطة اتخاذ قرارات تؤثر في الحياة اليومية للملايين بعيدا عن أي رقابة من أي هيئة منتخبة، وتغل يد جمهور الناخبين عن تغيير أي سياسات يتخذها المركزي.
مثلا إذا أرادت حكومة منتخبة أن تخفض مستويات التضخم لتقليل وطأة التقلبات الاقتصادية على الفئات الأكثر فقرا، وأراد مجلس محافظي المركزي رفعها لتحفيز النمو الاقتصادي، أي الرأيين سينفذ!!!!!!! رأي حكومة متأثرة بآراء الجمهور والناخبين (بافتراض أننا نتحدث عن نظام ديمقراطي) أم رأي مجموعة من الخبراء ذوي الارتباطات بالعالم الأكاديمي وعالم رجال الأعمال!!!!!!.
إن أي خطوة في اتجاه استقلال البنك المركزي عن الحكومة في مصر أو أي دولة، هو خطوة للوراء فيما يتعلق بربط التطور الديمقراطي بالتطور الاقتصادي.
عودة إلى الأفندي
أولا: أحب أن أوضح أن مسألة شبهة الفساد في الصفقة ليست هي النقطة المركزية هنا، على عكس ما ارتأت وسائل الإعلام الديماجوجية، فأنا لا أختزلها إلى فساد يمكن إصلاحه كما اشر إلى صديقي شريف يونس في ملاحظة على مسودة المقال، كما أنني مقتنع عكس ما يظن شريف أن الدفاع عن القطاع العام لا يتساوى مع الولاء السياسي للدولة التي تملكه، فالولاء السياسي لهذه الدولة يعني الموافقة على مجمل مواقفها ، وهو ما لا أظنه موقفي، حتى بالنسبة لطريقة إدارتها للقطاع العام.
ثانيا: أؤكد أنني مما سبق ضد بيع عمر أفندي سواء تمت الصفقة وفق ما أرادت الحكومة أم لا، ولكني سأضع بعض الملاحظات على الصفقة وفق ما أرادت الحكومة، فالتقييم الحكومي الذي جاء أقل من قيمة الأصول بحجة المحافظة على النشاط، يغفل أن المالك الجديد يمكنه بدون أن يغير النشاط، أن يتخلص من بعض أو كثير من الأصول بحجة أنها أصول غير منتجة أو يفعل كما اقترح رئيس عمر أفندي في مكاشفته مع عمرو عزت "ينقل بعض المنشآت إلى أصول رخيصة ويبيع المرتفعة الثمن"، فيحقق ربحا رأسمالياً فورياً بدون تغيير النشاط، ويمكن أيضا أن يبيع أي فرع ويؤجر مكانه آخر وهو ما يعطيه ليس فقط ربحا استثماريا فوريا، ولكن أيضا فرصة لقليل الأصول بما يساعده في المستقبل في أي محاولة لبيع الشركة لمالك جديد، حيث أن كبر حجم أصول أي شركة سلاح ذو حدين في البيع.
كما أنني سأشير إلى أن النائب العام وإن كان قد حفظ التحقيق في بلاغ رئيس بنزايون فقد أهاب بالشركة القابضة في بيان ألقاه عقب انتهاء التحقيقات في البلاغ المقدم ضد الصفقة بالحصول على الضمانات الكفيلة باستمرارية نشاط الشركة بعد بيعها مع الحفاظ على حقوق العمال، بما يعطي إشارة ما على أن الضمانات التي أعلنت الحكومة أنها أخذتها على المشتري الجديد ليس كافية تماما.
كما أحب أن أوضح أن الحكومة بالنسبة لحقوق العاملين، أخذت ضمانات بعدم تسريح العمالة، أي الفصل التعسفي، وهو أصلا أمر غير مسموح به بحكم القانون، أي أنها عبارة في العقد للاستهلاك الإعلامي، وأضيف هنا أنني ممن واقع معايشتي البسيطة لبعض المشكلات العمالية، أعرف تماما أن أي ضمانات قانونية أو حكومية، لا تساوي أي شيء للرأسمالي في مصر إذا أحس أن العمالة أصبحت تمثل عبئا عليه.
أخيرا إنني أرى أن انتفاضة يحيي حسين عبد الهادي , رئيس شركة بنزايون على صفقة عمر أفندي إنما تمثل حركة من بيروقراطي واعي لمصالح الفئة التي ينتمي إليها، ويجيد اللعب على أوتار الرأي العام، وبما يكون أيضا مدفوع ببعض القضايا الشخصية، ولكنه يظل ممثلا متميزا للبيروقراطيين الذين يتضررون بشدة من بيع القطاع العام.
وكوني معتاد على تذكر الآية القرآنية ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا)، فإنني لا أتخذ ضد هجوم يحيي حسين على بيع القطاع العام موقفا مسبقا لكونه بيروقراطيا عتيدا، ولكنني أرى ما يقول ثم أقول ما أرى.
وأوضح المسألة بصيغة أخرى هل لأننا نرفض هيمنة البيروقراطية على المجتمع ننزلق إلى تأييد تصفية القطاع العام، لا أرى ذلك، وأعلنها مجددا أرفض الخصخصة..
نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:35.
في الأسابيع القلية الماضية انقسم المثقفون في المنطقة الممتدة من حدود الصين والهند شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا بين موقفين من قضية ثقافية كانت إشكالية وأضحت مشكلة كبرى، وانحازت الأغلبية العظمى من هؤلاء المثقفين (والمقصود بالمثقفين هنا هم المتعلمون وقادة الرأي) إلى شعارات من نوع "خسئت الدنمارك... وخسئت الجبنة الدنماركية" فيما أصيب قطاع يمكن أن نقول أنه أقلية كبيرة بالذهول والصمت..
وفيما كنت في البداية ضمن المصابين بالذهول، فإني أعترف لجميع المنذهلين أن سيريالية الأحداث يمكن أن تصيب أقوى العقول بالذهول، فقد أصبح واضحا الآن أن من أثار الموضوع وثابر على إثارته هو الشيخ "أحمد بن أبو الغيط" (حفظه الله) وزير خارجية جمهورية مصر العربية وموظفيه المباشرين وغير المباشرين، وليس الشيخ أسامة بن لادن وأتباعه.
كما أن بعض أقوى التهديدات ضد الدنماركيين "الملاعيين" تمت في فلسطين التي تحصل على دعم مالي من الاتحاد الأوروبي (و بالمناسبة ..الدنمارك عضو في هذا الاتحاد الشيطاني) كما أن قضيتها تحظى بتأييد واسع في الطبقة و الشارع السياسي الدنماركي، ولاستكمال الملهاة جاءت التهديدات الفلسطينية من أنصار حركة فتح (التي توصف بالعلمانية) وليس من أنصار حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وجاءت أعنف الهجمات على الإطلاق (العنف بمعناه المباشر والفيزيقي) من مناصري حكومة الرفيق بشار الأسد في سوريا ولبنان، وهي حكومة قومية علمانية عدوة للإسلاميين على الأقل في سوريا.
وللأسف ليس هذه سوى بعض عناصر الصورة، فللحقيقية فقد حظي موقف "خسئت الجبنة الدنماركية" بشعبية واسعة في الدول العربية وباكستان وأفغانستان، والجاليات المسلمة في الغرب، وانتشرت رسائل المحمول التي تدعو للصيام والدعاء على الدنمارك حتى ينزل الله عليها انتقامه ويجعلها "قاعاًََ صفصفاً"(إنه التحقق الأقصى لأفكار مابعد الحداثة.. نداءات القرن السابع مندمجة في تكنولوجيا القرن الـ21)، كما تسابق كل شيوخ دول الخليج النفطية وملالي الهايبر ماركت وعلى رأسهم الملا ((كارفور)) "حفظه الله" على إعلان البراءة ليس فقط من الجبنة ولكن أيضا من الزبدة الدنماركية (بئست وبئست البقرة التي جاءت منها)، وهو للأمانة الموقف الذي لاقى إعجابا واسعا في منطقة الخليج على الأقل حيث أعيش.
و بصفتي ذو خلفية ماركسية فقد حاولت في البداية أن أنظر للقضية انطلاقا من العوامل الاقتصادية الاجتماعية، فوجدت (سمك..لبن..تمر هندي)، ورأيت أنني لو وضعت كل العوامل في خلاط المادية الجدلية وخفقته جيداً فلن أخرج بعصارة المعرفة كما كنت معتاداً في شرخ الشباب، ولكن على الأغلب بشربة زلط لا تسمن ولا تغني من جوع، لذلك قررت أن أقارب الموضوع بطريقة أخرى.
مقاربة أولية
والمقاربة الأولى تجهد أن تعرف ما الذي مهد الأرض لمواقف كل من الشيخ "أحمد بن أبو الغيط" و الملا ((كارفور)) لتحظى بهذه الشعبية..هل يمكن أن نقول أنها "الهوية الإسلامية"..أنا أميل لذلك، فقد أصبح واضحا اليوم أن عشرات الملايين حول العالم أصبحوا يشعرون و يعرفون بأنفسهم كمسلمين قبل أي شيء آخر..
أن ذلك بالطبع نتيجة لمليارات السعودية و شيوخ النفط التي ضخت في الإعلام و في المساجد و في مطبوعات عديدة وجيوب الجماعات مباشرة و كذلك فيما أصبح يعرف بالقطاع المالي الإسلامي، ونتيجة أيضا لحركية الإسلاميين و نشاطهم القوي الذي لم يخلف مجالا من مقارعة أمريكا إلى منع متفوقي الأقباط من التعيين في الجامعات المصرية (والفعلان على اختلافهما يعززان الإحساس بوجود من هم مسلمين ومن هم غيرهم)، و كذلك نتيجة لتراجع دور الدولة الوطنية وفي بعض البلاد مثل مصر وباكستان انهيار الإحساس بالكرامة الوطنية بفعل حكومات (تخاف ولا تختشيش) على رأي المثل المصري ،وطبعا هي لا تخاف على شعور شعوبها.
ولكن قضية الهوية هذه أيضا رد فعل لهجوم الغرب (الذي ينظر إليه هنا على أنه "مسيحي") على دول المنطقة وحركاتها الأكثر كفاحية، وهو هجوم واضح لكل ذي عقل (و متوسط التعليم والذكاء) أنه ليس هجوما على الإسلام أو الإسلاميين، فالهجوم على حكومتي العراق و سوريا البعثيتان والعدوتان للإسلاميين ليس من الممكن أن يندرج ضمن الهجوم على الإسلام، والصداقة الدائمة بين قادة الغرب (المسيحي) وقادة السعودية وباكستان وهي أقدم الدول التي تعرف نفسها بالربط مع الإسلام نفي آخر للمؤامرة، كما أنه الهجوم الذي تندرج فيه كوريا الشمالية الشيوعية وإيران الإسلامية ضمن محور واحد (الشر من وجهة نظر بوش).
وبوش هذا أحد عوامل تعزيز الهوية الإسلامية أيضا، فالرجل الأقل ذكاء في قائمة الرؤساء الأمريكيين المعاصرين يصنف نفسه على أنه "مسيحي مهتدي"، وهو كان من الغباء لدرجة أنه استخدم مصطلح "حرب صليبية" عندما أراد أن يصف المعركة التي تدور بين حكومته وبين الإسلاميين من أتباع أسامة بن لادن، ورغم أن بوش ومن حوله قالوا لاحقا أن المعنى المقصود لم يكن هو المتعارف عليه في الشرق، إلا أن المصطلح وصل واستقر في أذهان أهل الشرق.
كما أن صداقة بوش بـ "رجل السلام" شارون ( وهو مجرم حرب يحظى بكراهية استثنائية في المنطقة) و دفاع الحكومة الأمريكية الدائم والشامل عن إسرائيل جعل الموقف يبدو وكأن أمريكا المسيحية تقود الغرب "المسيحي الصهيوني" في هجوم على العالم الإسلامي.
قبل أن انتقل من نقطة "الهوية" أحب أن أكرر الإشارة إلى انتقائية العقول ووسائل الإعلام العربية و المتأسلمة، فالتهديدات و الحرب الكلامية التي تلتهب أحيانا ضد حكومات كوريا الشمالية وفنزويلا ومن قبلهم كوبا دائما ما تنشر كأخبار منعزلة أو كأخبار طريفة أو يتم تجاهلها ببساطة، و بذاءات رجال بوش التي استمرت فترة طويلة ضد فرنسا و رئيسها أخذت حيزا أصغر بكثير من التي حظي بها قانون الحجاب في الدولة نفسها.
عموما من الطبيعي أن تقدم الصحافة المكتوبة والناطقة بالعربية تغطيات أوسع عن المنطقة، ولكن يصعب أن تكون هذه الصحافة بريئة بالكامل من عملية بناء الاستقطاب الغربي العربي، وتعزيز "الهوية الإسلامية".
عود على بدء
لنعد للقصة الأصلية..فما بين قيام صحيفة "ييلاندز-بوستن" الدنماركية بنشر الرسوم في نهاية سبتمبر 2005 وقيام أول الاحتجاجات ضدها في نهاية يناير 2006 أربعة شهور كاملة، بذلت فيهم الخارجية المصرية ومعها وسائل الإعلام المقربة منها والجامعة العربية التي ينظر إليها على نطاق واسع على أنها فرع للخارجية المصرية كل جهدها لتأجيج المسألة.
وبدأت قصة الرسوم (التي توصف دوما على أنها الرسوم المسيئة للرسول مع أنها ليست كلها كذلك) حين اشتكى الكاتب الدنماركي كار بلوتغين من عدم تمكنه من العثور على من يرسم صورا لكتاب عن النبي محمد لأن أحدا لم يتجرأ على تخطي الحظر الإسلامي المعروف على رسم الرسول، على إثر ذلك طلب المحرر الثقافي لـ"ييلاندز – بوستين" ( ويشير عدد من المعلقين على رأسهم "جهاد الخازن" إلى أنه يميني ذو ارتباطات بالمحافظين الجدد في الولايات المتحدة) من الرسامين "رسم الرسول كما يرونه" كتأكيد على حرية التعبير وكرفض لضغوط المسلمين الذين طالبوا باحترام حساسيتهم إزاء الموضوع.. المهم.. نشرت الصور وبينها رسم يبدو أنه ينتقد بلوتغين لاستغلال الموضوع لترويج لكتابه.
ونشرت الصحيفة الدنماركية صورة للنبي واقفا بين عدد من الأشخاص الذين يرتدون عمامة أيضا في صف مشتبه بهم لدى الشرطة، فيما يقول شاهد للشرطة: "لست أدري أيهم هو" وجعلت الصحيفة من هذه الصورة الرسم المركزي يوم نشرت الرسوم، ويستمد الرسم فكاهته من أن صف المشتبه بهم فيه أيضا يسوع المسيح والسياسي الدنماركي اليميني المتطرف بيا كيارسغارد، بالإضافة إلى بلوتغين نفسه.
كما أن عددا من الرسوم الأخرى لا تحتوي بالضرورة على انتقاد للإسلام، وتظهر في أحد الرسوم صورة للرسول يتجول في الصحراء فيما تغرب الشمس وراءه. وفي رسم آخر يندمج وجهه بنجمة وهلال.
وكان أكثر الرسوم إثارة للجدل هو الذي تظهر فيه عمامة الرسول على شكل قنبلة يشتعل فتيلها، ويبدو في رسم آخر يحمل سيفا وهو مستعد لمعركة. ولا تظهر عيناه، فيما تقف إلى جانبه امرأتان بالبرقع، لا تظهر سوى عيونهما.
وبعد نشر الرسوم بفترة قصيرة تحديدا في بداية أكتوبر 2005 (وجه السيد / أحمد أبو الغيط وزير الخارجية سفيرة مصر في كوبنهاجن بطلب عقد اجتماع عاجل لسفراء الدول الإسلامية المعتمدين لدى الدنمارك لبحث الموضوع) هكذا تقول وزارة الخارجية المصرية بالنص، وتمخض الاجتماع عن بيان ورسالة لرئيس وزراء الدنمارك رد عليه الرجل برده الذي لم يتغير بعده وحتى الآن ( وهو الرد المتوافق تماما مع النظام السياسي الدنماركي الذي لا تسيطر فيه الحكومة على الإعلام ولا تلعب دورا أبوياَ تجاه المجتمع)، وهو أن بلاده تحترم حرية الصحافة ولا تستطيع التدخل فيما تنشره، وفي خلال ما بقي من أكتوبر قامت وزارة الخارجية المصرية باستدعاء سفير الدنمارك (وهو إجراء دبلوماسي قاسي للغاية) وأرسلت لطوب الأرض مذكرات حول الموضوع بما في ذلك عمرو موسى و الجامعة العربية وكوفي عنان و الأمم المتحدة وعدد من منظماتها كل على حدة وخافيير سولانا و الاتحاد الأوروبي و منظمة الأمن والتعاون الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، باختصار وكما يقول المثل المصري الحكومة المصرية (حطت "الموضوع" على راسها وزعقت)، ولأنني لا أعرف تاريخا أو أحداثا تربط وزارة الخارجية والوزير أحمد أبو الغيط بالأصولية أو بالواجب الدعوي، فلا أميل لإرجاع ما حدث إلى الحماسة الدينية الشديدة التي تولدت لديهم فجأة، فما هي القضية إذا...
يجادل البعض بأن تصعيد الحملة ضد الدنمارك ( وهي دولة صغيرة وبنت حلال لاتؤثر في مجريات السياسة الدولية) ناتج عن قرار حكومى من الدول الكبرى الثلاث التي تقاسمت الهيمنة على الشرق العربي منذ الستينات وهي مصر والسعودية وسوريا، والدول الثلاث تتعرض لضغوط أمريكية متفاوتة، وبادرت مصر التي تعاني من الضغوط و صعود الإخوان المسلمين لاستخدام هذه الورقة الإسلامية أولا إظهار نفسها محليا بصورة حامي الإسلام و بالتالي هي أحق من الإخوان بحمل المصحف والسيف، ومن جهة أخرى في الصراع مع الضغوط الأمريكية والأوربية عليها بافتعال قضايا ثانوية يضيع في ثنايا الحديث عنها أي كلام عن الديمقراطية والإصلاح، وقد نجحت في الجزء الثاني نجاحاً لا بأس به.
وحكومة السعودية التي حركت آلتها الإعلامية الجبارة خلف الموضوع(يملك السعوديون غالبية القنوات الفضائية التي توصف باللبنانية وغالبية المطبوعات والمحطات التي تتمركز في دبي، وهي كثيرة) تعاني من ضغوط الإصلاح الأمريكية ذاتها، ومن ضغوط داخلية من المحافظين ورجال الدين تنتقد توجه الحكومة نحو الإصلاح.
أما سوريا فقد هدفت بالأساس إلى تخويف الغرب من أن البديل لنظام البعث هو الخراب، وإعطاء إشارة إلى أنها مازلت قادة على تحريك بيدق هنا أو هناك في لبنان، وتلقى الجميع الإشارة.
ولسخرية الأحداث فإن أقوى الأحداث وأعنفها تمت في ليبيا وباكستان وأفغانستان ونيجيريا، وهي دول ليست فقط بعيدة عن "لعبة الأمم" الإقليمية للشرق العربي (ليبيا يمكن اعتبارها مفعول به في اللعبة ليس أكثر) ولكنها أيضا لم تكن المبادرة في تحريك الأزمة و صب الزيت على النار فيها.
وكان الغريب هو موقف الإسلاميين فأسامة بن لادن لم يترك قيادة هذه الغزوة للشيخ أحمد أبو الغيط فقط بل أنه وكبار قادته مروا على الموضوع بسرعة، أما الحركات الأكبر والأكثر تأثيرا في محيطها الوطني فإن حماس في فلسطين وحزب الله اللبناني لم ينظموا أي تحركات خلال الأزمة (طبعا كان كل منهما مشغول بأحداثه الخاصة من ضغوط نزع السلاح والاستحقاقات السياسية الداخلية) أما الإخوان في مصر فقد دخلوا الساحة متأخرين ،فتحركت فروعهم الطلابية بعد اتحادات الطلاب التي تسيطر عليها الحكومة والتي شارك فيها رؤساء جامعات مثل رئيس جامعة القاهرة (العضو في الحزب الوطني)، وتحركوا في الشارع ليس فقط متأخرين وإنما بعد أن ملأت صور قادة حزب العمل نشرات الأخبار وهم يقودون المظاهرات (إنها المنافسة مرة أخرى)، لقد كان الإسلاميون بين ضغوط العقل والشارع، فهم يعلمون أن الدنمارك ليست إحدى الدول العدوانية، وهم يأملون أن يمدوا حبال الود مع الاتحاد الأوروبي طالما أن أمريكا لن تقبلهم قبل فترة، وهم قبل ذلك وبعده أصبحوا أكثر سياسة عن ذي قبل، ومع نوابهم الكثر في البرلمانات أصبحت الاستحقاقات المحلية أكثر أهمية لهم.
مع التيار
وبعد هدوء اقوى موجات تسونامي الرسوم، بدأ بعض المتنورين العرب في رفع رؤوسهم وتقديم مقاربات مختلفة حول الموضوع سواء في مواقع الإنترنت ومن بينها المواقع اليسارية (وأهمها في رأيي الحوار المتمدن) أو غيرها أظهرت نقدا هادئا في البداية لحالة الهياج الجماعي التي أصابت المنطقة حول الموضوع، تحول مع الوقت إلى سخرية حادة ونقد عنيف لانعدام العقل في معظم تناولات الموضوع، وتجدر الإشارة إلى قيام عدد من المتنورين إلى استخدام بعض وسائل الإعلام السعودية التمويل كمنبر لهم ضد حالة الهياج الجماعي (لم تكن مواقفهم بالطبع بوضوح مع حرية التعبير المطلقة وضد الهجوم على الدنمارك، ولكنهم قدموا مقاربات مرتكزة على ضرورة وقف حالة الهياج الجماعي وتناول الموضوع بتعقل)، أما العجب العجاب فظهر في مواقف اليسار العربي المتنظم (سأتناول مواقفه في مصر) فالكل أجمع على إدانة نشر الصور (وأنا كشخص "عبيط" كنت فاكر أن حرية نقد الأديان أمر متفق عليه لدى اليسار) فتسابق "حزب التجمع" و"مركز الدراسات الاشتراكية" على إدانة نشر الرسوم، واستخدم "التجمع" كلاما عجيبا عن الكيل بمكيالين مع الربط بين السماح بنشر الرسوم ومنع النشر في التشكيك بالهولوكوست، وهو كلام عجيب للغاية لأن التشكيك بالهولوكوست أمر لا علاقة له بالأديان وإنما بتاريخ أوروبا الحديث، وتجريمه تم ليس في سياق حماية "اليهود" من النقد، وإنما في سياق تطورات سياسية أوروبية تسعى لمحو أثر الحقبة النازية من التاريخ الأوروبي والتكفير عن أخطائها، وقطع الطريق على من يحاولون استعادتها أو تجميل وجهها البشع، بينما نقد الأديان عمود رئيسي ضمن أعمدة التنوير الأوروبي( وطرح الكيل بمكيالين عموما طرح ديماجوجي يذكرني بأحد نجوم البرامج الحوارية الذي تثير أمامه مسألة من مسائل الأقباط في مصر فيقول لك "وكنت فين لما اليهود ضربوا كنيسة البشارة"!!!!!!!!!!!!).
أما بالنسبة لموقف "مركز الدراسات الاشتراكية" فقد ركز على نقد ما أسماه العنصرية والنفاق، العنصرية من قبل الغرب، والنفاق من قبل الحكومات والتجار العرب، حيث استعانوا في الإدانة الأولى بكلام معقول وإن كان في غير موضعه، فالغرب به عنصرية، ولكن العنصرية لم تكن موجودة هنا، فقد شرحنا من قبل أن الرسوم التي أثارت الضجة ظهر بها نبيا الإسلام والمسيحية، صحيح أن بعض الرسوم عمدت إلى الربط بين نبي الإسلام والإرهاب، (وهنا يجب إدانة محاولة تقديم صورة نمطية للمسلم كإرهابي) ولكن هذا لا يعني أن نشر الرسوم كان "حملة عنصرية تشنها الصحافة الأوروبية" فالحملة في هذه القضية نظمتها الدول العربية على الدنمارك، كما أن التضامن مع الأقليات إذا كان أمرا مفهوما، فإن حالة الهياج في المنطقة أصابت الأغلبية (فهل يتضامنون مع "الأغلبية" المحافظة هنا وضد من!!!)، وأصيب جراءها مسيحيون في نيجيريا وكنائس وممتلكات مسيحية في العراق ولبنان، ونحن هنا لا ننكر معاناة المسلمين في آوروبا، نعم هناك عداء للمسلمين في أوروبا ولكنه ليس مسيطراً على المجتمع هناك، و هو وإن كان زاد في السنوات الأخيرة فإنه مازال يقتصر على بعض الأوساط.
وهذا العداء للمسلمين في بعض الأحيان يمتزج بالعنصرية، وذلك حين يتم تصوير المسلم بشكل نمطي كشخص غير أبيض (أسمر) في حين أن المسلمين ينتشرون في كل الأعراق، البيض والصفر والسود والسمر.
ولكن المسألة التي تفجرت على خلفية الرسوم ليست هي معاناة المسلمين من العنصرية ، ولكنها أزمة شعور أعداد كبيرة من المسلمين في مناطق يمثلون فيها أغلبيات أحيانا وأقليات أحيانا أخرى أنهم في معركة دائمة مع الآخر، وبالتالي فإن كل ما يقوم به هذا الآخر إما أن يكون جزءا من مؤامرة أو حملة أو هجمة وضع خلف هذه الكلمات الثلاث ما تشاء.
وبالعودة إلى أصدقائنا في اليسار المتنظم فإنني أرى أن ما قاموا به كان أقرب إلى السباحة في موجة الأغلبية (مع الحرص على وضع "البرنيطة" طبعا عبر استخدام مصطلحات العنصرية والاستعمار الجديد) وليس تقديم موقف يدعم قيم اليسار، ولا أتذكر ممن سبحوا مع هذه الموجة الآن سوى الكاتب الراحل "عادل حسين" (رحمه الله)
نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:28.
|
أحدث التعليقات
منذ 17 أسبوعا 11 ساعة
منذ 21 أسبوعا 3 أيام
منذ 23 أسبوعا 3 أيام
منذ 23 أسبوعا 5 أيام
منذ 24 أسبوعا يوم واحد
منذ 24 أسبوعا يومين
منذ 24 أسبوعا 4 أيام
منذ 24 أسبوعا 5 أيام
منذ 26 أسبوعا 3 أيام
منذ 27 أسبوعا 3 ساعات