أكرم ألفي

حماس .. متى تحسم ترددها لصالح الفلسطينيين؟

فوز حركة "حماس" الساحق جعلها تنفرد بالمشهد السياسي الفلسطيني بعد أكثر من 40 عاما من سيطرة حركة "فتح". ولكن وفقا لرؤية المشهد من بعيد تجعل الواقع الفلسطيني الجديد هو بمثابة تحول كيفي طبيعي لتغيرات كمية تراكمت عبر نحو 12 سنة من ابرام اتفاقات أوسلو. ويمكنني وصفه بشروق شمس جديدة طال انتظارها للبعض ولكن الشمس ان لم تكن رفيقة فإنها تعمي الابصار وتحرق النبت الصغير وتجفف المياه القليلة في البئر.
تباينت ردود افعال بشأن فوز "حماس" في الانتخابات الفلسطينية بين المرحبين بشدة ومعبتبرنها فوز للمقاومة واخرى متشائمة ترى فيها انتصار للديماجوجية السياسية وللصوت العالي في السياسة العربية غير كونها بداية لعملية استلام الاسلاميين للسلطة في المنطقة. فالبعض وصل إلى إلى اعلان وفاة "السلام" و "الأمل" في الشرق الأوسط وبين المروجين لجنة جديدة في شرق نهر الأردن بقيادة "حماس". ولتجاوز هذه الرؤى الانفعالية علينا ان نضع انتصار "حماس" في سياقه الداخلي والاقليمي ، وكذلك ان نضع استراتيجية وخطاب ونخبة الحركة تحت عدسة مجهر التوازنات وقياس العلاقة الجدلية بين الخطاب والامكانيات والممارسة، وصولا لوضع الحدث في إطاره الواقعي.
بداية ؛ فإن سيطرة "حماس" على الساحة السياسية الفلسطينية تأتي على ضوء متغيرين اساسيين: الأول هو غياب شارون عن الساحة الإسرائيلية وطرح ايهود اولمرت الجزء الثاني من خطة فك الارتباط ووضع خريطة نهائية لإسرائيل قبل 4 اعوام مما يعني تسابق الفلسطينيين على الارض مع الزمن للحيلولة دون انهاء قضية الحدود نهائيا بدون مشاركتهم، والثاني انتقال حركة ''حماس'' ذاتها نحو مزيد من البراجماتية والاعتدال منها استعدادهم للتوصل إلى هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل تقوم على انسحاب هذه الأخيرة إلى حدود 1967 ، والأكثر من ذلك لم تستبعد ''حماس'' إمكانية التفاوض مع إسرائيل أو تعديل ميثاقها الذي مازال يدعو إلى القضاء على الدولة العبرية، وهو ما عبر عنه وزيرالخارجية محمود الزهار في حوار اخير مع الجزيرة بالتأكيد على عدم رفض وجود وسطاء دوليين للتفاوض مع إسرائيل، وهو ما لا ينفي في الوقت ذاته استمرار الجناح المتشدد "بالخارج" متمثلاً في خالد مشعل الذي يعلنها صراحة برفض التفاوض ووصل به الأمر لاتهام "فتح" بالخيانة" مما تسبب في صراع داخلي "دموي" داخل غزة .
في الوقت نفسه، فقد طرح صعود "حماس" اسئلة صعبة مثل الصراع بين الحكومة ومؤسسة الرئاسة، وتغير توجهات السياسة الخارجية للحكومة من قبلة مصر إلى البحث عن قبلة جديدة في دمشق وطهران. إلى جانبالزمات المالية الخانقة ومنع المساعدات عن الفلسطينيين.
إلا أن المهم لنا التأكيد على أن "حماس" ليست هي البديل الذي يقبله اليسار الديمقراطي بدون نقد، فهو نموذج للحركات الاسلامية ذات الخطاب القومي الديماجوجي، ولكن في الوقت نفسه يجب علينا التعاطي ايجابيا على تغيراتها السياسية ومشاهدة اثر تحولها إلى سلطة في الخطاب والممارسة لخدمة الشعب الفلسطيني بالفعل وليس الخطاب الايديولوجي الجامد.
فالتغير يأتي عبر الصراع ، وبالتالي فإن التحولات في "حماس" لن تصل المحطة مثل قطار على قضيب، بل ستشهد تموجات يمينا ويسارا قد تجعلها تفقد في النهاية المحطة لتترك المكان لبديل اخر اكثر عقلانية ولاصحاب مشروع الدولة الفلسطينية العلمانية الديمقراطية، ولكن هذه امانينا التى لا يجب ان نسقط في خطأ فرضها على الواقع السياسي.

لماذا انتصرت "حماس"؟

"من له أذنان فليسمع .. من له عينان فليري".
هل يمكن لعاقل ان يجد في فوز "حماس" بالانتخابات الفلسطينية انقلاباً في الحياة السياسة الفلسطينية فكافة الدلائل في الشارع الفلسطيني خلال السنتين الاخيرتيين تتدلل على هيمنة "حماس" على الشارع الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة بشكل شبه مطلق، في المقابل فإن "فتح" منقسمة بشدة، وتطالها اتهامات بالفساد وقصور قيادتها شاهد على "موتها الاكلنيكي" وسط بيوت وعشش الفلسطينين الذي يزرح نحو 60% منهم تحت خط الفقر، فكيف للناخب ان يصوت لصالح اثرياء (النضال والسلام) ، وحلم التسوية لم يأت إلا كوابيس، والانفلات الأمني وهز الاستقرار تباشره بنادق مناضليهم الصغار المنفلتين والغاضبين. في المقابل فإن اليسار الفلسطيني يحتفظ باحلامه بأن تحمله الجماهير على الاعناق في لحظة سرمدية غير منظورة سوى في كتاب (10 ايام هزت العالم)، والبدائل الاخرى تحتفظ ببدلها النظيفة ورابطات العنق الجميلة في تصور واهم ان الخطاب العقلاني يقنع جمهور يبحث عن رغيف خبز ويعيش يومه بيومه بين بنادق الاحتلال وضغط الفقر القاتل.
قد يروج البعض هنا لوصفة "التصويت الاحتجاجي" الشهيرة التى نقلها المحللين العرب من كتب وتحليات الديمقراطية الغربية ليشددوا على ان الجمهور الذي انتخب "حماس" لم يصوت للحركة الإسلامكية بل احتجاجا على فساد "فتح" . ولكنى اطال هؤلاء العباقرة من المحللين بتكملة قراءة التحليلات الغربية عن التصويت الاحتجاجي وان يكفوا عن قراءة النظريات بطريقة (لا تقربوا الصلاة) العربية الشهيرة. فالتصويت الاحتجاجي يعبر عن نفسه بالتصويت لخيار غير منافس على السلطة بمعني انه قريب من وضع ورقة الانتخاب بيضاء او ابطالها احتجاجا على المتنافسين الكبار. ولكن عندما يكون هناك حزبان كبار يتنافسان ولم يصعد طرف ثالث في النتائج فهذا يبطل تماما وجود تصويت احتجاجي.
هكذا كان المنطقي ان تفوز حماس فالقارئ المتوسط يعرف ان هذه الحركة هى الأكثر شعبية اليوم بين الفلسطينيين فهذه معلومة عامة لا تحتاج لتفسيرها عبر التبرير والتوزير (العقلي) بالقول ان الجمهور أكثر عقلانية من اختيار التيار "الحماسوي" ولكنه فقط غاضب وسيعود لرشده، وكأن العقلانية الوحيدة ان يصوت الناخبين لمن يرغب فيه القابضين على "جمرة" الإعلام العربي.
هكذا كان من الطبيعي والمنطقي ان تفوز "حماس" في انتخابات حرة تحسب لمحمود عباس (ابو مازن) الذي يحاسب للاسف على أخطاء سلفه ياسر عرفات. ولكن هذا الفوز طعمه في حلق قيادت "حماس" مثل العلقم ، فطعمه مر حتى لو حاوله وضع قطع سكر ولكنها تذوب سريعا لتبقي المرارة.
"حماس" اخطأت مرتين ، المرة الأولي أنها لم تعلن موقفها من اوسلو صراحة قبل الانتخابات في الوقت التى رسخت فيه فعليا شرعية "اوسلو" بدخولها الانتخابات، والمرة الثانية انها "تجملت" وهي تقول انها ضد السلام، فيما جعلتها الانتخابات العمود الاقوي الذي ترتكز عليه التسوية منذ وفاة عرفات بتحويلها إلي الحاكم الفعلي للسلطة الفلسطينية.
فواقعيا لقد كسبت التسوية "حماس" وخسر"ت الحركة" كل عاطفية خطابها عن التحرير الكامل ولاءات "الخرطوم" الشهيرة (القمة العربية في أغسطس 1967 التى اكدت على رفض التفاوض مع إسرائيل).
لقد اصبحت "حماس" رضت ام ابت ليس فقط جزء من عملية التسوية (المعطلة مؤقتاً) بل لاعب رئيسي فيها، فقيادتها للسلطة يلزمها على التعاطي مع استحقاقات اوسلو وباريس وشرم الشيخ لتستطيع ادارة شؤون الفلسطينيين اليومية بدءاً من نقل مريض لمستشفي في القدس مرورا بعبور العمالة لبناء مستوطنات جديدة ودخول المواد الغذائية... الخ.
كانت حماس تحلم ان تمنحها الانتخابات وزارات خدمية في حكومة تقودها "فتح" فتزيد قدراتها على توفير الخدمات من شعبيتها وفي نفس الوقت تغسل يديها من مصافحة الإسرائيليين والعملية السلمية، ولكن الانتخابات جاءت بما لا تشهي السفينة فاوصلتها للشاطئ مبكرا عن موعد الوصول واصح على القطبان ان يرسو بها والا ثار الركاب عليه.
وهكذا وجدت "حماس" نفسها مطالبة بمنع "كوادرها على الاقل" من ضرب المستوطنات الإسرائيلية بالصواريخ ، ومنع مظاهر التسلح للحفاظ على الاستقرار الذي هو قاعدة اي إمكانية لتوفير الوظائف لمئات الالوف من العاطلين الذين ينتظرون عملا توفره السلطة الجديدة.
وواقعيا، هناك تقف ثلاث معضلات اساسية يجب على "حماس" حلها لتجاوز الهوة بين ما تدافع عنه ايديولوجيا وما ستقوم به علي الارض لترسو بالسفينة وهي ميثاقها المتشدد ونخبتها المترددة وقواعدها المتحمسة.
فلا يمكن ان تقود "حماس" السفينة الفلسطينية في عام 2006 وحتى 2010 وهي تحمل ميثاقا يري ضرورة القضاء على إسرائيل هدفاً استراتيجيا. فان أراضت أن تبقي فعليها ان تقوم مثل "فتح" بتغير ميثاقها وهي الوضعية التى ظهرت بوادرها في تصريح قبل 4 اشهر لمحمد نزال عضو المكتب السياسي لحماس والتى اكد فيه ان الميثاق ليس قرآناً ويمكن تغيره. ولكن فزع القيادة من الضغوط جعلها تتراجع عنه بل وتنتقده بعد اقل من 24 ساعة في مهرجان جماهيري في رام الله. ثم جاءت خلال الشهرين الاخيرين التصريحاتالمتناقضة بين الميل للتشدد القادم من دمشق مقر خالد مشعل، والميل للتهدئة وللواقعية على لسان رئيس الوزراء اسماعيل هنية ووزير خارجيته محمود الزهار.
صحيح انه ليس هناك بعد تبلور للمواقف المتباينة داخل "حماس" ولكن هذا لا ينفي ان كافة الدلائل والمؤشرات تقود إلي وجود معسكرين في التعاطي مع الواقع الجديد وعل دائما الأكثر تشددا هو الاكثر بعدا عن الحياة اليومية للفلسطينيين الذي يدرك اي معايش للوضع ان العلاقة مع الإسرائيليين حيوية للمواطن العادي وان حاول تجنب هذه الحقيقة فسيتذكرها عندما يشتري مآكله بالشيكل الإسرائيلي!.
في المقابل ، هناك القاعدة المتحمسة والمندفعة والتى تضغط دائما (بفعل طبيعة التنظيمات السياسية الراديكالية) نحو التشدد والمواجهة، وهي القاعدة الشبابية التى لا توزن الامور بميزان السياسة بل بقوة العاطفة والحماسة ، وهنا يطرح هل تتمكن قيادة حماس التى فقدت باغتيال الرنتيسي، وهو عقلها الأكثر حنكة، أن تتجاوز هذه المعضلات ام انها ستدخل في ازمة "المراوحة " التى قد تشل ( ولو مؤقتاً) ليس فقد الحركة ولكن أيضاً المجتمع الفلسطينية.
وهنا فإن على القوى العقلانية والديمقراطية ان تستعد للحظة "الشلل" القادمة وللكن الا تساهم في الاسراع بقدومها، حيث ان المطلوب ان تنضج تجربة "حماس" وتسقط مثل التفاحة بعد ان تنضج تماما على الشجرة، فاسقاطها عنوة سيقويها ويعلى من الخطاب الراديكالي "الفرغ" الذي يهدد مستقبل القضية الفلسطينية بمجملها. وهنا انتهي بقول ايهود اولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي لصحيفة "جيروزاليم بوست" أن فوز "حماس" لا يمثل اي قيد على خطة ترسيم الحدود الإسرائيلية، وهو ما يعني أن على الجميع ان يحول دون استثمار تل ابيب فوز "حماس" لتنهي القضية بمفردها وهو ما سيدفع ثمنه ليس فقط الفلسطينيين بل المنطقة كلها.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:31.

إعادة الاعتبار للفرد في بناء التنظيم

النظام الداخلي لحركة اليسار الديموقراطي في لبنان

تقديم :أكرم ألفي

"الفرد ليس رقماً داخل الجماعة بل هو عنصر غنى ومتميز ومبدع داخل الجماعة" هذه الجملة تمثل جوهر مشروع النظام الداخلي لحركة اليسار الديمقراطي في لبنان. فهذه الحركة التى تنطلق من رحب اليسار الديمقراطي الواسع والمتجدد تعيد في نظامها الداخلي الاعتبار للفرد بصفته مبدع وصاحب خصوصية يجب احترامها واستغلالها من اجل اغناء العمل الجماعي.
فعلي النقيض من الحركات الشمولية اليسارية والقومية والاسلامية في العالم العربي التى ترى في الفرد مجرد عامل في نجاح المجموع والمشروع السياسي، بمعني ان العمل الجماعي يحقق نفسه من خلال الافراد. ينطلق اليسار الديمقراطي الجديد في العالم العربي من مفهوم مغاير يرى ان الفرد يحقق ذاته من خلال العمل الجماعي، وان العلاقة الجدلية الايجابية بين المجموع والفرد هي القادرة على الحفاظ على تجدد فكر وممارسة هذا التيار السياسي الذي يعيدي ولادته في العالم العربي اليوم.
وفي إطار اهتمام "البوصلة" في التفاعل مع تيارات اليسار الديمقراطي في العالم العربي، وبعد ان قدمنا الوثيقة الاساسية لليسار الديمقراطي في لبنان، نعود في هذا العدد لنعرض مشروع النظام الداخلي لهذه الحركة، في محاولة للاستفادة "النقدية" من تجارب الآخرين.
إن عملية التنظيم تمثل مسرح للجدل بين كافة التيارات السياسية في العالم ، فاي فعل سياسي واجتماعي هو في جوهره عمل جماعي وبالتالي يحتاج لتنظيم العلاقة بين افراده، وينطلق مشروع النظام الداخلي لليسار الديمقراطي اللبناني من رؤية ان التنظيمية لها أهمية بالغة في تسهيل أو تعقيد تطور المجموعات البشرية في حركتها. وهي رؤية صحيحة بالطبع فقد رأينا كيف ان البنية التنظيمية للاحزاب الشيوعية التقليدية اعاقت تطورتها وجمدت فكرها وممارسها عند حدود تجربة الثورة البلشفية في 1917 ورؤي لينين "القاصرة" وذات الطابع الديكتاتوري.
فالتنظيم ليس فقط تحديد للعلاقة بين الفرد والجماعة بل الاهم هو انعكاس للمشروع السياسي ، فالمشروع السياسي لاسامة بن لادن والزرقاوي يعكس نفسه في تنظيم
"القاعدة" القائم على الطاعة العمياء للقيادة على اساس انها ممثلة الله على الأرض، واساسه هو الخلايا العنقودية التى لا تناقش المشروع بل تنفذ التعليمات بدقة وبدون ارتباط بين اعضاء التنيظم لعدم كشفه ولتنفيذ عمليات ارهابية فردية لنشر الرعب. ففكرة بن لادن هنا ان دور الفرد وتنظيم "القاعدة" هو تحقيق اكبر قدر من العنف وليس تطوير جماعي للفرد ، فالفرد هنا هو شهيد وليس اداة لتطوير الحركة والمجتمع. وهي الصيغة التى ترى بشكل "اقل حدة" في التنظيمات الاسلامية التى تنطلق من فكرة الحاكمية لله وبالتالي فالفرد ينضم للتنظيم لتحقيق ارداة الله ممثلة في قيادات التنظيم ، فعل اداة وليس شريك ، فالتنظيم الاسلامي الراديكالي هو باب الجنة ومن يرغب في الجنة عليه بالطاعة.
أما في التنظيمات اليسارية الراديكالية في العالم العربي فالعضو في التنظم هو شخص افاق من غيبوبته الفكرية وتم تطهيره ومنحه الفكر الثوري "المتعالي" ليتحول من فرد في المجتمع إلى طليعة بحكم انتمائه لاصحاب نظرية الثورة. وبما انه لا جدال في الثورة فالجدل يكتفي به في تفاصيل كيف اداء العمل والمهام اليومية في إطار "المركزية الديمقراطية" التى تقيد الفكر ولكن ترضي افرادها بحرية "مقيدة" في مناقشة التفاصيل، ومنكون الثورة هي في ادمغة القادة فالمعارضة الداخلية هي اما انتهازية او خيانة او انحراف (يميني أو يساري).
في المقابل يرى اليسار الديمقراطي ان عملية التغيير هي عملية تجميع لمبادرات ومساهمات ورؤي تجمعات فرعية وفردية، فاليسار الديمقراطي لا يرى أن هناك خطة موضوعة مسبقا مثل الإسلاميين والشيوعيين للتغيير ، ومن هنا يرتفع دور الفرد في التنظيم.
ويبلور المشروع التنظيمي لليسار اللبناني هذه الفكرة بالتأكيد على أن "مسار التطور الديموقراطي للمجتمعات والاوطان والمؤسسات الى اهمية التوازن بين الفرد والجماعة، وكلما كانت العلاقة بين الطرفين متسامحة ورحبة، كلما كانت امكانات التطور متاحة. الفرد ليس رقما داخل الجماعة بل هو عنصر غني ومتميز ومبدع داخل الجماعة. من هذا المنطلق لا يجوز الغاء علاماته الفارقة، وتميزاته، لانها هي مصدر الابداع والطوعية لديه، وبقدر ما تفسح التشكيلات الجماعية للفرد في ان يتطور ويغتني ويمارس طوعية انتمائه، بقدر ما تكون قادرة على الاستجابة لمتطلبات الادراك الموضوعي لعملية التغيير المستمر. وبقدر ما تنغلق هذه التشكيلات وتلغي مميزات الافراد وتمارس التعسف الجماعي على افرادها، بقدر ما تساهم في افقار طوعية الافراد وفي مقدرتهم على الاغناء والعطاء، وهذا ينعكس تخلفا على المؤسسة ودورها الفعلي مهما علا صراخ المزاعم. ومن يعتقد ان مثل هذا الفهم يمكن ان ينتج الفوضى، فهو زعم مغرض او واهم، لان الفهم المقترح يحل الالتزام الطوعي في القوانين بديلا لكل انواع الطاعة والرضوخ. ان مثل هذا الفهم لابد ان يترك بصماته على مفهوم الوحدة الحزبية، وعلى مفهوم الاكثرية والاقلية وعلى مفهوم القناعة والتنفيذ".
وتنعكس هذه الرؤية في تصور الوحدة الحزبية كذلك :"فعلى نقيض التنظيمات المركزية التى تتعامل بعنف مع مبدأ الاختلاف، وتسعى الى جعل التنظيم بنيانا متراصا متماثلا، يذيب الفرد في الجماعة، ويلغي كل الصفات المميزة للافراد. الفرد في الكل، والكل هو محصلة محو الافراد. الكل ليس محصلة تفاعل الميزات المتنوعة للافراد، وانما هو كائن جديد يغتذي بسلب الافراد ميزاتهم الخاصة الغنية بتنوعها ومفارقاتها. يغادر الفرد في التنظيمات المركزية آخر فعل طوعي ملتزم يوم يعلن انتماؤه، تحل الطاعة مكان الطوعية والالتزام، ويبدأ التبشير بقيم التنازل عن الانا وعن الذات وعن الفردية، وبقدر ما يمحى الفارق بين الفرد والجماعة بقدر ما تتعزز الشكلانية الثورية لدى الطرفين. ان مثل هذه الوحدة ليس فقط لن تقيم وزنا للاختلاف، ولا للرأي ولا للتنوع، ولا للتيارات، بل ستسعى رغم المناداة بالديموقراطية وحرية الرأي، ستسعى الى التطهر من كل مظاهر احترام الفرد، وكل مظاهر التشكل على اساس القناعة، بالاضافة حكما الى عدم الاعتراف بمبدأ الاكثرية والاقلية، وتعميم مفهوم الالتزام على مستوى التنفيذ والقناعة. الأكثرية المركزية تلغي الاقلية عبر الزامها بقناعة الاكثرية بالاضافة طبعا الى تعميم التنفيذ القسري لارادتها، رغم ان الاقلية في الفهم الديموقراطي، تنفذ قرار الاكثرية طوعا انطلاقا من معيار ترجيحي لقيمة الاكثرية، ولمشروعية مصالحها، وقناعة منها ان الاكثرية هي دائما اكثرية مؤقتة قابلة للتغيير.
إن هذه الرؤية تعد رؤية مغايرة لما تعارف عليها السياسيون المصريون الذين يرون في الالتزام القسري بتنفيذ التعليمات ثم مناقشتها فيما بعد هي جوهر التنظيم وتبحث عن تماثل وهمي وغير عقلاني بحكم انها قابضة على جمرة الحقيقة. إن هذا الغرور الذي تنطلق منه الرؤي التنظيمية في التيارات الاسلامية والقومية والشيوعية ينكسر على واقع قيامه على افراد لهم بحكم تكوينهم رغبة كامنة في الاختلاف. فما لا تدركه هذه الرؤي ان الفرد ينتمي للتنظيم "في بعده السيكولوجي" بحثاً عن الاختلاف والتمرد، فتقوم هذه الاشكال التنظيمية بقتل روح الاختلال والتمرد داخله بوصف المعترضين بالخيانة وتحريم تعدد الأراء، وهنا لا تقوم هذه التنظيمات بجريمة تجاه القادم الجديد بل بحق المجتمع الذي تحول هذه التنظيمات دون استفادته من طاقة الاختلاف والتمرد في قسم مهم من افراده عبر قتلها داخل الهياكل التنظيمية الحديدية.
وعودة لمشروع اللائحة نجد أنه يؤكد على أن "التماثل لن يحصل الا في حالة الموت، ولحماية الوحدة التنظيمية ، ستعمد القيادة دوما لسلب الافراد والمجموعات داخل الحزب حقوقها في الاقناع والتعبير والاختلاف معرضة اياهم دوما لاختيار جائر بين التخلي عن آرائهم في قضايا محددة مختلفة عن قناعة القيادة او الاكثرية، اما هذا، او التخلي الكلي عن العلاقة بالتنظيم. ومثل هذا الخيار الجائر لن يكون دائما سهلا ومتوفرا لدى الغالبية من اعضاء التنظيم، وغالبا ما تحصل المساومة المؤلمة، عبر التخلي عن الرأي، سواء بالنسبة للفرد او للجماعة. وبهذا يخسر التنظيم احد اهم مصادر غناه، أي الاجتهاد، وأحد اهم مبررات وجوده، أي الالتزام الطوعي الحر او القناعة الملتزمة، ويبدأ تدريجيا في الخروج من نبض الحياة الاجتماعية، ليتحول الى عصبة متعصبة منغلقة على تقديس جملة افكار مثالية بالمعنى الفلسفي، ومنفصلة عن تطورالواقع. وتبقى الحقيقة الصارمة ماثلة في كون هذا النموذج التنظيمي يسلب افضل المواطنين حقوقهم، أولئك الذين يحاولون الالتزام لتغيير الواقع، فاذا بالتزامهم في هذا التنظيم يعرضهم لسلب جزء من حقوقهم كمواطنين، بدل ان يسهم ذلك في تفتح شخصيتهم، واغتنائهم كأفراد وكمواطنين".
إن الرؤية التى تطرحا حركة اليسار الديمقراطي في لبنان في مشروع نظامها الداخلي جديرة بالبحث والنقش، في سياق تعزيز والتأكيد على مركزية "الفرد" في مقابل مركزية "القيادة" التى قامت عليها غالبية محاولات البناء التنظيمي في السياسة العربية خلال الخمسين عاماً الماضية. وربما كان من الهام جدا تعميق هذه الرؤية بنقد كافة التصورات التنظيمية المطروحة اليوم على الساحة السياسية، وهذا ليس دور المشروع الذي نقدمه للقارئ في هذا العدد بل دور المثقفين من اليسار الديمقراطي والليبراليين.
ولعل هناك تحية واجبة لزملائنا في اليسار الديمقراطي اللبناني على هذا المشروع ، ولا ينتقص من هذه التحية الالتفات إلى توغل المشروع التنظيمي في أكثر من ثلثية في بنود تنظيمية تجعله اسير مدرسة التفاصيل التنظيمية الشيوعية. ورغم حرص القائمين على كتابة المشروع في عدم تناقض المواد التنظيمية مع الفكرة الجوهرية القائم عليها المشروع إلا أن كثر التفاصيل قد تغيب الفكرة الاساسية في كثير من الاحيان. مثل الاسهاب في بنود العقوبات وكيفية اسقاط العضوية ومحاسبة الاعضاء.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:22.