سامح عبود

العاملون بأجر فى القطاع الخاص والتغيير

سامح سعيد عبود

تاريخيا، يشكل عمال الصناعة بطبيعتهم قوة ديمقراطية. فى هذا المقال يحاول سامح سعيد عبود أن يستكشف إمكانيات مساهمة عمال القطاع الصناعى الخاص المتنامى فى النضال الديمقراطى، من خلال دراسة عامة لأوضاعهم ومشكلاتهم وتصوراتهم.

التحولات العامة فى نظم العمالة
بلغ إجمالي قوة العمل فى مصر في أول يناير من العام الحالي ما يزيد عن‏20‏ مليونا‏,‏ وبلغ عدد المشتغلين في القطاع الحكومي نحو ‏5 ‏ ملايين، ونسبتهم من إجمالى عدد العاملين بأجر غير معرضة للزيادة فى ضوء سياسة تقليص التعيينات بالحكومة. أما عدد المشتغلين في قطاع الأعمال العام فيقرب من نصف مليون فرد، وهم يتقلصون باستمرار مع عمليات الخصخصة. وفي القطاع الخاص داخل المنشئات‏ يبلغ عدد العاملين المؤمن عليهم نحو‏5‏ ملايين وفق الإحصائيات الرسمية، ونسبتهم تتزايد مع تصاعد كل من عمليات الخصخصة والاستثمار الخاص. والحقيقة أن الكثير من العمالة المنظمة فى القطاع الخاص غير مؤمن عليها، ومن ثم لا يتضح حجمها الحقيقى من الإحصائيات الرسمية. أما عدد العاملين بالقطاع الخاص خارج المنشئات، أى العمالة غير المنظمة، فقد بلغوا نحو ‏7‏ ملايين وفق الإحصائيات الرسمية، ولكن يمكن أن يكون العدد أكبر بكثير فى ضوء انتشار عمالة الأطفال، واتساع حجم الاقتصاد غير الرسمى. وينقسم العاملون بأجر حسب القطاعات التى يعملون بها إلى 50% يعملون فى التجارة والخدمات، و19% يعملون قى الصناعة، و31% يعملون فى الزراعة‏.
هذه الإحصائيات يمكن فهمها فى سياق تطور تكوين الطبقة العاملة فى مصر والعالم، حيث تشهد المرحلة الحالية من التطور الرأسمالى عالميا ومحليا تزايد البطالة والتهميش عموما الذى يصل إلى معدلات عالية جدا، كما تشهد تقلص كل من العمالة المستقرة والعمالة المنظمة بالنسبة للحجم الإجمالى للعاملين بأجر، وفى نفس الوقت اتساع حجم كل من العمالة غير المستقرة وغير المنظمة. وإذا كانت الفترة السابقة فى التطور الرأسمالى شهدت سيادة وحدات عمل كثيفة العمالة فإن التطورات الحديثة تشهد سيادة وحدات عمل قليلة العمالة.
وقد ترتب على ذلك أن أصبح عدد العمال فى معظم الوحدات أقل من خمسين عاملا درءا لوجود تنظيمات نقابية. أما بقية الأعمال المساعدة للإنتاج كالخدمات الإدارية، والتسويقية، والحراسة، والنقل فيتم اللجوء إلى نظام "المهمة" لتوفيرها عبر شركات أو مقاولين. وتشهد نفس المرحلة تصاعد نسبة من يعملون من منازلهم. وإذا كانت الفترة السابقة قد شهدت تضخم حجم العمالة الصناعية، فإن الفترة الحالية تشهد تقلصها لصالح تضخم العمالة فى الخدمات والتجارة، مع ثبات نسبى فى عمال الزراعة. ففى مصر عام 86 كانت نسبة عمال كل من الصناعة والزراعة تبلغ 30%، بينما بلغت نسبة عمال التجارة والخدمات 40% من العمالة الكلية. كل هذه الظروف الموضوعية أضرت بقدرة الطبقة العاملة عامة على تنظيم نفسها فى إطار النضال الاقتصادى، وأضعفت تأثيرها السياسى.

أوضاع العمالة فى القطاع الخاص الصناعى
سنحاول هنا أن نركز على العمالة المنظمة فى القطاع الخاص الصناعى، وذلك لأنهم غالبا أكثر تعليما من العاملين بالقطاع غير المنظم، بسبب حاجة قطاع الصناعة المنظم إلى عمالة أكثر مهارة بالمقارنة بالقطاع غير المنظم فى الزراعة والخدمات. ويلاحظ من الإحصائيات نشوء جيل جديد من العمال فى هذا القطاع فى المدن الجديدة (يقدر البعض عددهم بما يقرب من ربع مليون عامل)، أقرب إلى العمال ذوى الياقات البيضاء. فهم غالبا من المهندسين، وخريجي الكليات والمعاهد التكنولوجية العالية والمتوسطة، وهم أيضا أكثر شبابا فى الغالب من العاملين بقطاع الأعمال العام والحكومة، حيث توقفت بهما التعيينات أو تقلصت إلى حد كبير. والأهم من ذلك أنهم أكثر بلترة من عمال الحكومة وعمال قطاع الأعمال العام، لأنهم مجردين أكثر من الملكية الخاصة الصغيرة، وترجع أصول معظمهم إلى المدينة ولأسر عمالية. بينما تتسم العمالة القديمة فى القطاع العام بكثرة ذوى الأصول الريفية المرتبطين بأنماط التملك البرجوازى الصغير فى الريف والمدن، وبعائلاتهم الريفية الممتدة. كما أن العاملين بأجر فى القطاع الخاص يخضعون لعقود عمل يمكن أن تخضع شروطها للمساومة الجماعية مع أصحاب العمل، على عكس عمال قطاع الأعمال العام والحكومة الخاضعين لقواعد قانونية فى علاقات العمل التى تمنع المساومة الجماعية بين الدولة والعاملين لديها.
هذه هى الجوانب الايجابية التى يتميزون بها عن العاملين بالحكومة وقطاع الأعمال العام. أما الجانب السلبى فيتجلى فى خبراتهم النضالية المحدودة. فهم فى الغالب الأعم غير مؤطرين نقابيا وسياسيا. يقول محمد عبد العظيم قائد نقابى من مصنع السامولى بالمحلة الكبرى: "لا توجد لجنة نقابية لأى مصنع قطاع خاص بالمحلة سوى فى مصنع واحد فقط هو مصنع السامولى، فى حين أن عدد عمال القطاع الخاص أكثر من 225 ألف عامل، بينما لا يتجاوز عدد العاملين فى قطاع الأعمال العام فى المحلة 27 ألفا".
وفى ضوء البطالة المستشرية يخضع العاملون فى القطاع الخاص لظروف عمل قاسية. فالمرتبات منخفضة غالبا إلا فى بعض القطاعات والوحدات القليلة، كفروع الشركات متعدية الجنسية. إلا أنهم فى كل الأحوال يعملون غالبا أكثر من عشر ساعات يوميا. يقول محمد مصطفى، وهو عامل بأحد مصانع الغزل بالمحلة: "إننا نعمل من 8 صباحا حتى 6 مساء ونحصل على راتب يومى 8 جنية". أما محمد على منصور بتريكو الصياد بالمحلة فيعمل: "من 8 صباحا إلى 6 مساء وأجره الشهرى 140 جنيها، والراتب الأساسى الذى ورد بالعقد 87 جنيها"، وهو يشير إلى أن هناك مصانع أخرى تعمل من 7 صباحا إلى 7 مساء". ويشير محمد عبد العظيم أيضا إلى أن "معظم العمال فى المحلة خارج مظلة التأمينات، وحتى المؤمن عليهم أجورهم الفعلية أضعاف ما هو مثبت فى التأمينات".
هناك بعض التشكيلات العمالية تحاول صياغة موقف سياسى للتغيير من وجهة نظر العمال مثل "اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية"، التى أصدر مؤتمرها الثانى (العمال والتغيير) فى 27/5/2005 بيانا بشأن رؤية العمال للتغيير السياسى فى مصر. كان هذا البيان الأكثر جذرية بين البيانات التى صدرت فى مصر بهذا الشأن، حيث تضمن برنامجه مطالب الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما طرح مطالب على جدول الإصلاح السياسى تتجاوز كثيرا مطالب حركات التغيير الأخرى مثل "كفاية" و"الحملة الشعبية" و"التحالف الوطنى". وقد جاء فيه:
يرى العمال أن الديموقراطية لن تكون سوى ثرثرات فارغة في أروقة البرلمان، أو أداة لتسوية الخلافات بين أجنحة الطبقة الحاكمة، ما لم تقترن بتوسيع حدودها، بالنضال من أجل المطالب الاجتماعية للعمال والكادحين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة من الشعب.
ولكن بعيدا عن الطابع الطليعى للبيان الذى يعبر عن عمال مؤدلجين سياسيا، فإن كل التحركات الاحتجاجية فى وحدات العمل لا علاقة لها بالسياسة بالمعنى المباشر، وإنما لها علاقة بالأجر وتكاليف المعيشة وتعامل الإدارة المهين وظروف العمل العبودية. كما أن فكرة التضامن العمالى بين عمال الوحدات المختلفة مازلت ضعيفة وجنينية بسبب عدم وجود نقابات فى معظم المصانع. كما لا يوجد وعى نقابى كاف عند الكثير من العمال.
ولكن حتى تكتمل الصورة، يجدر بنا أن نشير أن بعض المناطق العمالية شهدت بؤر احتجاج عمالى وتجارب نضالية تؤدى لاستنتاج مختلف عما سبق، مثل تجربة عمال مصنع الاسبستوس الذين نجحوا أخيرا فى الحصول على تعويضات عن إصاباتهم وتوقف المصنع، وأجورهم المتأخرة، وكذلك تجربة الإدارة الذاتية فى مصنع المصابيح الكهربائية بالعاشر من رمضان (حيث تولوا إدارة المصنع جماعيا وتسويق منتجاته بعد توقفه). وقد يعد هذا التباين مؤشرا على اختلاف أوضاع العمال بين منطقة عمالية قديمة كالمحلة، ومنطقة جديدة كمدينة العاشر من رمضان. ولعله مما يلفت نظر المراقب للحالة العمالية فى مصر هى أن هناك دائما تصورا سائدا إعلاميا أن سائقى الميكروباصات مجموعة من "الصيع" والحشاشين، ولكن كفاح رابطة سائقى الميكروباص بالإسكندرية دليل كبير على تطور فى وعى ونوعية سائقى الميكروباصات بوضعهم كمجموعة ذات مصالح موحدة.

موقف عمال القطاع الخاص من التغيير السياسى
وهناك 3 استنتاجات أساسية مبنية على استطلاع آراء العديد من العاملين بأجر غير المؤدلجين سياسيا: فأولا، اتضح لنا أن العامل العادى غير مهتم بالنظام القائم إلا فى إطار قدرة هذا النظام على توفير احتياجاته الأولية، وهو لا يهتم كثيرا بطبيعة ملكية المؤسسة التى يعمل بها سواء أكانت عامة أم خاصة، ربما لأن لديه وعى طبقى فطرى بأنه فى الحالتين مستغَل، ومن هنا فإن ما يهمه بالفعل هو تحسين شروط الاستغلال ما دام لا يستطيع القضاء عليه. فالعامل الذى لم تلوث عقله أفكار دولة الرعاية الأبوية، يهتم بأوضاعه المعيشية وأوضاع العمل والمكاسب التى يمكن أن تتحقق فى أى نظام، وهو ما أكده مثلا سيد عبد الرحيم الذى يعمل حاليا بمصنع قطاع خاص فى السادس من أكتوبر بعد أن ترك شركة الكراكات، وهى إحدى شركات قطاع الأعمال العام: "إنه يفضل العمل فى القطاع العام بسبب الامتيازات التى كان يحصل عليها من خلاله، لا تفضيلا لشكل الملكية".
الاستنتاج الثانى أن العاملين بأجر كأى طبقة اجتماعية أخرى تتفاوت فيما بين أفرادها درجات الفهم والثقافة، كما تتباين نوعيات الاهتمام. فالقليل منهم يهتم بالسياسة بالمعنى المباشر، شأنهم شأن سائر طبقات المجتمع. ونسبة أقل من هؤلاء على استعداد لتحويل اهتمامها لممارسة سياسية عمليا. والسياسة تأتى عموما فى المرتبة الثانية بعد الاهتمام بمستوى الدخل عند معظمهم، وهم موضوعيا لا يمكن أن يتحركوا من أجل مجرد تغيرات محدودة فى إطار الديمقراطية السياسية، إلا إذا ضمنت لهم تلك الديمقراطية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن الحريات النقابية، وعلى رأسها حق الإضراب والمساومة الجماعية على شروط العمل، لارتباط ذلك لديهم بتحسن مستوى المعيشة.
ليس هذا مجرد كلام نظرى، فالعاملين بأجر فى إطار صراعهم الطبقى العفوى يمارسون الإضراب ويشكلون النقابات عفويا بصرف النظر عن الشرعية، وبصرف النظر عن وعيهم السياسى واهتمامهم بالسياسة، أو تبنيهم لأيديولوجيات مختلفة، كما أنهم بالطبع مع عقود عمل تصاغ وفق المساومة الجماعية بينهم وبين أصحاب العمل لا عقود الإذعان الحالية. ومن ثم فاحتياجهم للاعتراف بتلك الحقوق قد يدفعهم للتحرك السياسى.
الاستنتاج الثالث أن العاملين بأجر مع الديمقراطية السياسية بشكل عام، وهو ما عبر عنه معظم المستطلع رأيهم. فقد تبين لنا أنهم مع الحريات والحقوق الإنسانية كاملة، ومع انتخاب رئيس الجمهورية. وقد اقترح أحدهم، وهو محمود الدسوقى (عامل فنى بخدمات الساتلايت) "أن تكون فترة الرئاسة لمدة واحدة ولأقل فترة ممكنة". كما قال محمد منصور (عامل نسيج) "أن الحاكم لا يجب أن يكون من الجيش لأنه سيحكم بالحديد والنار بل يجب أن يكون من عامة الشعب ليشعر بمشاعر الناس العاديين والشقيانين".
ولنا فى النهاية ملاحظة ذات صلة، هى أنه برغم أن الخبز يشكل محور الاهتمام الجوهرى لدى العمال، باعتبارهم مجردين أساسا من الثروة، وخصوصا فى ضوء عدم توفره، إلا أن الحرية والكرامة الإنسانية أيضا لها أهميتها لديهم حتى ولو اضطروا اضطرارا لقبول إهدارها. فالكثير من الاحتجاجات العمالية تتم بسبب سوء معاملة الإدارة للعمال. وهذا يشى فى النهاية بأن فكرة المستبد العادل أخذت تتلاشى فى وعى الأجيال الشابة من العاملين بأجر، وأننا ربما كنا مقبلون على حقبة جديدة من تشكل حركة عمالية مستقلة تعتمد على وعى طبقى أكثر وضوحا.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 11:54.

الإنتاج التعاوني كبديل للاقتصاد الرأسمالي و لاقتصاد الدولة

عندما درست التعاون فى السنة الأولى فى كلية الحقوق جذبتنى الفكرة وتبنيت فكرة مجتمع يمارس أفراده كل أنشطتهم عبر التعاونيات بحيث لا يبقى للدولة من وظائف تؤديها إلا مهامها السيادية التقليدية فى الأمن الداخلى والدفاع والتمثيل الخارجى والعدل والمالية العامة، و لكن هذا الانجذاب ظل مكبوتا لسنوات طويلة، وذلك لثلاث أسباب هى : الأول سوء الفهم السائد حول فكرة التعاون، و الثانى التطبيق المشوه للتعاون ، والثالث النفوذ الفكرى لاشتراكية الدولة سواء فى جناحها الشيوعى أو فى جناحها الاشتراكى الديمقراطى.

عدت مجددا لدراسة التعاونيات، بالتخلص من تأثير تلك الأسباب، و أكتشفت أنها الأداة الوحيدة الممكنة لتحقيق حلم الحرية والمساواة والتقدم ، ولكن بشرطين الأول استقلالها عن الدولة والرأسمالية، و الثانى تخلصها من التشوهات البيروقراطية والرأسمالية التى قد تشوب تطبيقاتها أحيانا، وهما شرطان لايتناقضان مطلقا مع المبادىء الرئيسية للتعاون بل يتطابقان مع جوهر تلك المبادىء ،والحقيقة أن الحركة التعاونية تتنازعها ثلاث ميول، ميل سلطوى يميل لتحويل التعاونيات إلى جهاز من أجهزة الدولة فى إطار خططها للتنمية، وميل رأسمالى يعتبر التعاونيات مؤسسات رأسمالية يجب أن تهدف للربح ، وميل ثالث لا سلطوى و لا رأسمالى يحرص على أن تكون التعاونيات منظمات مدنية وديمقراطية وشعبية مستقلة تماما عن الدولة والرأسمالية.

تأثرت التعاونيات دائما بتدخل البيروقراطية الحكومية فى شئونها مما أفقدها طابعها الطوعى والديمقراطى والمدنى فى كثير من الأحيان، و قد حول هذا التدخل بعضها فى النهاية إلى مؤسسات بيروقراطية شبه حكومية كما فى مصر وشبيهاتها من الدول، مما ساعد على أن ينخر فيها الفساد و على أن تفقد شعبيتها، ومن هنا ترفض التعاونيات السويدية على سبيل المثال أى تدخل حكومى فى شئونها، فى حين أن التدخل التشريعى لتنظيم التعاونيات فى مصر يساعد على افساد التعاونيات تلقائيا حيث يحدد جزءا لا يتجاوز 10% من العائد لصالح أعضاء مجالس الإدارة ، برغم إن الإدارة فى التعاونيات لابد وأن تكون بلا امتيازات حرصا على عدم فسادها،و من هنا يفضل أن تدار التعاونيات بالنظام الذى يقترحه مايكل ألبرت المسمى "حزمة الوظائف المتوازنة" الذى يتيح لجميع الأعضاء المشاركة فى الأعمال الإدارية. والجدير بالذكر أن القانون المصرى يسمح بتعين موظفى الحكومة فى التعاونيات لإداراتها وانتدابهم للعمل فيها على غير رغبة أعضاء التعاونيات أصحاب السلطة الوحيدة فى أى تعاونية.

تتأثر التعاونيات بالعلاقات الرأسمالية السائدة فى المجتمع سواء من حيث استخدام التعاونيات أحيانا للعمل المأجور أو من حيث تأثرها بالسوق الرأسمالى وما يحكمه من قواعد المنافسة، و برغم من أن التعاونيات يجب أن لا تهدف مبدئيا للربح فإن منطق الإنتاج من أجل الربح الرأسمالى السائد جعل من التعاونيات فى بعض الأحيان مؤسسات شبه رأسمالية.

نقاء التعاونيات من تشوهها بيروقراطيا أو رأسماليا و اعتبارها علاقة إنتاج مستقلة ومتميزة عن العلاقتين البيروقراطية والرأسمالية مرهون بتحررها من كل من سيطرة البيروقراطية والرأسمالية على السواء، وهذا أمر يمكن تصور حدوثه فى المستقبل عندما تتحول هذا العلاقة من وضع الهامشية الحالى لوضع السيادة فى المجتمع.وهى عملية تحتاج لنضال اقتصادى وسياسى واجتماعى وثقافى دؤوب و طويل الأمد.

جوهر الرأسمالية هو عبودية العمل المأجور وهو ما خلقته الرأسمالية وتبقى عليه، و مما لاشك فيه أن أى حركة تحرر ترغب جديا فى تجاوز الرأسمالية لابد وأن يكون جوهرها هو تحرير البشر من عبودية العمل المأجور، وكل أنواع العبودية الأخرى، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا فى نمطين من أنماط الإنتاج هما الإنتاج الفردى لصغار الفلاحيين والمهنيين والحرفيين و الإنتاج التعاونى.

انغمست الحركة العمالية بجناحيها الثورى والإصلاحى، لقرن من الزمان فى تجربتى اشتراكية الدولة المختلفتين، الشيوعية المهزومة والإشتراكية الديمقراطية المأزومة، وبرغم ما تحقق على أيديهما من مكاسب هائلة لاتنكر للطبقة العاملة وكوارث مروعة لا تنسى وقعت على الطبقة العاملة أيضا، فإنهما برغم ذلك لم يحققا للعمال المأجورين التحرر من عبوديتهم المأجورة، ذلك أن هذين اللونين من الاشتراكية أنحرفا عن جوهر التحرر من العبودية المأجورة، واقتصرا على إشباع احتياجات العمال المأجورين المادية الذى سهل بعد ذلك حرمانهم منها فى السنوات الماضية، كما أنهما سلبا أحيانا تلك الحرية النسبية المتمثلة فى القدرة على التفاوض على شروط العمل والحياة التى وفرتها الرأسمالية لعبيدها ، فتدهوروا من وضع أكثر حرية لأوضاع الأقنان لدى الدولة، وهو وضع أسوء حتى و لو كانوا حققوا بتلك الاشتراكية درجة أكثر من الاشباع المادى.

يقوم التعاون على عدد من المبادىء التى أقرها الحلف التعاونى الدولى وهى أولا عضوية الجمعية طوعية ومفتوحة، بغضّ النظر عن الجنس أو العرق أو الآراء السياسية أو الدين أو الوضع الاجتماعي وثانيا ديمقراطية الإدارة، فلكل عضو صوت واحد مهما بلغت أسهمه ، ثالثا الاستقلالية عن كل من الدولة و رأسالمال باعتبارها منظمات مستقلّة تساعد نفسها بنفسها، ويديرها أعضاؤها بأنفسهم، رابعا مشاركة العضو اقتصادياً بشرط أن تكون الفائدة محدودة على رأسالمال المساهم به، وأن يوزع العائد إما على معدلات الإنتاج فى التعاونيات الإنتاجية، وإما على معدلات الاستهلاك فى التعاونيات الاستهلاكية، خامسا التعاون بين التعاونيات ، سادسا التعليم والتدريب المستمرين للأعضاء وحرية الحصول على المعلومات، سابعا الاهتمام بتنمية المجتمعات المحلية.

القواعد التعاونية ليست مقدسة بحيث لا يمكن تطويرها أو تغيرها، فقد كانت القواعد السابقة للحلف التعاونى الدولى لا تتضمن مبدأى تعاون التعاونيات والاستقلال عن الدولة ورأسالمال، ولما كان هذا الحلف ليس له مرجعية مقدسة أساسا، فالحركة التعاونية يمكن أن تتحول إلى حركة تحرر ذاتى من عبودية الأجر لا مجرد حركة تنمية اقتصادية أو كحل للأزمات التى تسببها الرأسمالية كما تريد لها الحكومات، بل يمكن تحويلها لحركة مناهضة لكل من الرأسمالية والبيروقراطية تحارب من أجل الانتصار الكامل عليهما تدريجيا كما وسبق للرأسمالية أن انتصرت على الإقطاع تدريجيا، وعبر إثبات التفوق الاقتصادى للتعاونيات على المؤسسات الرأسمالية، وهذا يعنى تطوير هذه المبادىء نفسها ودعمها بمبادىء أخرى تضمن هذا التوجه اللاسلطوى واللارأسمالى للتعاونيات.

يقال أن التعاون لايصلح إلا فى مجالات الإنتاج والخدمات التى تعتمد على وحدات صغيرة ومحلية، وهذا ليس صحيحا لأن من أهم مبادىء التعاون الجديدة أن تتعاون وتتكامل التعاونيات فيما بينها وتتحد من أعلى لأسفل لكي يمكنها تغطية كل الأنشطة البشرية، ومن هنا فإن بعض المرافق العامة والصناعات الكبيرة فى الكثير من البلاد تدار وفق نظام الريجى التعاونى، وهى منظمات تعاونية بين التعاونيات لا الأفراد . استطاعت أن تشق طريقها فى أعمال البنوك،وفى توريد المياه، و فى النقل، وفى إنتاج الكهرباء وتوريدها، وفى إدارة الموانى و السياحة و تكرير البترول و صناعة السكر..الخ. وقد حققت فى ذلك نجاحا لم تحققه غيرها من المنظمات، فالتاريخ يشهد أن واحدا منها لم يتعثر أو يقع فى هوة الإفلاس وحتى فى أوقات الشدة والأزمات استطاعت أن توازن ميزانيتها وأن تؤدى خدماتها على أكمل وجه.
يتهم البعض التعاونيات أنها مؤسسات رأسمالية لأنها تحافظ على حقوق الملكية الخاصة المتمثلة فى مبدأ الفائدة المحدودة على رأسالمال، وهو مبدأ لا تأخذ به التعاونيات فى ألمانيا وبلجيكا والسويد على سبيل المثال، فالمساهمة فى هذه الحالة مساهمة تبرعية من طالب العضوية لتأسيس التعاونية ودعمها وكمقابل للعضوية، إلا أن من يأخذون بمبدأ الفائدة المحدودة على رأسالمال ، يدافعون عن رأيهم بأن الرأسمال يؤدى دور خادم لنشاط التعاونية، وليس بهدف الاستثمار فيها، حيث أن العائد فى معظمه يوزع على أساس المعاملات، فضلا عن أنه مبدأ مفيد لتشجيع تجميع المدخرات والملكيات الفردية الصغيرة وتحويلها لملكية تعاونية، و من ثم توسيع رأسمال التعاونية ودعم نشاطها، كما أن جزءا كبيرا آخر من العائد يكون احتياطى الجمعية وهو لا يقل عن 20% وفق القانون المصرى ، و يكون نتيجة تراكمه رأسالمال الاجتماعى للتعاونية و هو غير القابل للتجزئة، فهو ملك للجمعية و لايصح أن يوزع على الأعضاء. فضلا عن أنه عند انسحاب العضو من الجمعية فأنه يحصل على قيمة أسهمه فقط، ومن ناحية أخرى يمكن اعتبار أن الفائدة على رأسالمال فى هذه الحالة نوع من التعويض عن انخفاض سعر العملة بسبب التضخم ، وهذه الفائدة لا تتجاوز 6% من القيمة الأسمية للسهم وفقا للقانون المصرى ، كما لا يجوز أن يتجاوز نصيب فوائد الأسهم 15% من إجمالى العائد وفقا للقانون المصرى، و فى النهاية لايجوز توزيع أى أرباح على الأسهم إلا فى حالة تحقيق أرباح للجمعية، و من ثم يمكن القبول مؤقتا بهذا المبدأ كخيار واقعى فى المراحل الأولى للتعاونيات باعتبارها نمط هامشى يجب دعمه، بحيث يمكن التخلى عنه فى المستقبل عندما تتوفر الشروط الموضوعية المناسبة التى تجعلها نمط سائد.

يعيب البعض على التعاونيات التى تنتج الخدمة أو السلعة، أنها يمكن أن تحقق أرباحا من تشغيل عمال مأجوريين من غير أعضاء التعاونية فتتحول بذلك لمشروعات رأسمالية، وهو ما يجيزه قانون التعاون المصرى فى سياق تشويهه للفكرة التعاونية وابتذالها،وهذا وضع غير صحيح مبدئيا حيث تتميز الجمعيات التعاونية بأن كل عضو فيها يعتبر عاملا وشريكا فى الوقت نفسه، فإذا فقدت الجمعيات إحدى هاتين الصفتين فلا تعتبر جمعية تعاونية، وهذه الخصيصة مستفادة من الغاية التى تهدف إليها هذه الجمعيات، فهى تهدف إلى تحرير العمال ليكونوا جميعا شركاء يمارسون وظيفة المنظم فى المشروع الرأسمالى، و يمكن مقاومة هذا الميل بترسيخ مبدأ تعاونى جديد هو مبدأ عدم تشغيل العمل المأجور، و بدلا من ذلك تسهيل شراء الأسهم و من ثم العضوية للراغبين فى العمل فى التعاونيات، و هذا يساعد فى توسيع رأسمال التعاونية وتمويلها و دعم نشاطها.

يعيب البعض على الجمعيات التى تبيع الخدمة أو السلعة أنها تحقق أرباحا أيضا عندما تبيع الخدمة أو السلعة لغير الأعضاء، وهذا العيب يمكن تلافيه بالالتزام بمبدأ تعاونى جديد هو عدم بيع الخدمة أو السلعة لغير الأعضاء فى التعاونيات التى تبيع السلع والخدمات، و الالتزام بهذا المبدأ سوف يشجع كل من يرغب فى الاستفادة من انخفاض أسعار خدمات التعاونيات وسلعها فى أن يكون عضوا بها بالمساهمة فى رأسمالها، و هذا يساعد فى توسيع رأسمال التعاونية وتمويلها و دعم نشاطها، إلا أنه من الجدير بالذكر إن جزءا من عائد التعاونية لا يقل عن 20% وفق القانون المصرى يعود على المستهلكين من غير الأعضاء وفقا للمبدأ التعاونى الخاص بالاهتمام بتنمية المجتمع المحلى الذى يضم غالبا هؤلاء المستهلكين الذين حققوا ربحا للتعاونية بالتعامل معها، و بهذا المبدأ يعاد للمستهلكين جزء من الأرباح التى تسببوا بها.

التعاونيات مثلها مثل الإنتاج الفردى نمط إنتاج هامشى ضعيف بالطبع فى مواجهة كل من بلطجة بيروقراطية الدولة و استغلال الرأسماليين، وهو يتأثر بهما بشدة، مما يجعل من مسألة استمراره نقيا بلا تشويه بل ونجاحه فى الإلتزام بمبادئه أمر فى غاية الصعوبة، ولكن من قال إن الأمر سهلا، وهل كان سهلا أن يستولى الشيوعيون على السلطة بالقوة، أو أن ينتزع الاشتراكيون الديمقراطيون السلطة عبر البرلمانات فى غرب أوروبا. مقابل ذلك فالميزة فى التعاونيات أنها يمكن أن تحرر فورا قطاعات يمكن أن تتزايد تدريجيا من العمال وصغار المهنيين والفلاحيين والحرفيين دون انتظار لثورة سياسية لا يعرف أحد متى تأتى، و عندما تأتى فقد تحررهم جميعا أو تعجز عن تحريرهم.

على من يؤمنون بالفكرة التعاونية باعتبارها طريقا للتحرر والمساواة أن يطرحوا مهمة نجاحها واستمرارها كمهمة كفاحية طويلة الأمد على أنفسهم كحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد التى مازال يتبناها البعض، فهى تحتاج مثلها إلى بذل جهودا خارقة وابداعات عبقرية إلا أنها غير دموية، و ذلك لإنجاحها اقتصاديا فى مواجهة الرأسمالية، و نضالا سياسيا من أجل استقلال التعاونيات التام عن الدولة ومواجهة بيروقراطيتها، ونضالا اجتماعيا يربطها بحل مشكلات الواقع المحلى الذى تعمل فيه، ونضالا ثقافيا يطور من وعى البشر ليلائم هذا النمط، حتى يصبح دعم التعاونيات فى مواجهة الرأسمالية موقف رأى عام اجتماعى ، وحتى يستهجن الوعى السائد عبودية الأجر كما يستهجن الآن العبودية الكاملة والقنانة، و حتى يستهجن غالبية البشر الملكية الخاصة كما يستهجنوا الآن أكل لحوم البشر.

بالرغم من الصعوبات التى لا تنكر أمام نجاح التعاونيات إلا أن نقطة قوتها الأساسية فى مواجهة نقطة ضعف المشروع الرأسمالى، هو أنها يمكن أن تبيع سلعها وخدماتها بأسعار أقل كثيرا مما هو سائد فى السوق الرأسمالى، وذلك بخصم معظم ما يحصل عليه التجار والوسطاء والمقرضون من سعر السلعة أو الخدمة، والاكتفاء فى هذه الحالة بالبيع بأسعار أعلى قليلا من أسعار المنتج للسلعة أو الخدمة لتحقيق هامش بسيط للعائد يغطى المصروفات الإدارية و تكوين الاحتياطى والخدمة الاجتماعية، وذلك فى حالة التعاونيات التى تبيع السلعة أو الخدمة، ومن ناحية أخرى فى التعاونيات التى تنتج السلعة أو الخدمة، فأنه يتم بيع السلعة أو الخدمة بسعر أقل مما يبيع به الرأسمالى سلعه أو خدماته، وذلك بخصم صافى ما يحصل عليه الرأسمالى من أرباح من سعر السلعة أو الخدمة بعد تغطية التكاليف والاحتياطى، وجدير بالملاحظة أنه يمكن توفير الكثير من التكاليف غير الضرورية المحملة على سعر السلعة أو الخدمة التى يتطلبها المشروع الرأسمالى فى إطار منافسته مع المنتجين الآخريين كتكاليف الدعاية والإعلان مثلا، و كل هذا يعطى التعاونيات قدرة هائلة فى مواجهة المشروع الرأسمالى.

يبدأ طرح التعاونية كحل لمشكلات كل من العمال فى التحرر من عبوديتهم المأجورة و من الاستغلال الرأسمالى ، و المتعطلين عن العمل والمهمشين من أجل إيجاد فرص عمل حرة وكريمة بدلا من التسول من الدولة والأغنياء، و صغار المهنيين والحرفيين والفلاحيين فى التحرر من البلطجة الحكومية وغير الحكومية، ومن الاستغلال الرأسمالى على السواء ، و بالطبع يحتاج الأمر نضالا لتجميع هؤلاء وتنظيمهم و إرشادهم، ومساعدتهم من أجل تدبير الرأسمال الكافى لممارسة نشاطهم، وهى عمليات ليست بالهينه بل تحتاج لإبداعات لكنها غير مستحيلة، حيث أن أى مشروع يمكن أن يبدأ صغيرا وينمو كما قد يفشل، و عليهم والحال هكذا أن يعتبروا أن نجاحهم الاقتصادى فى مواجهة متطلبات السوق الرأسمالى والتدخل الحكومى مهمة حياة أو موت بالنسبة لهم، وفى نفس الوقت أن يدعموا السياسات التى تحقق استقلالهم و نجاحهم وتلبى مصالحهم.

يبدوا أن الحلف التعاونى الدولى تنبه إلى الصعوبات التى تواجه التعاونيات فى ظل ظروف المنافسة الرأسمالية السائدة، فأضاف مبدأ تعاونيا جديدا وهو تعاون التعاونيات، وهو يعنى الحرص على أن لا تنشأ أى منافسة بين التعاونيات، بل و أن تتعاون التعاونيات المختلفة و تتكامل فيما بينها محليا وكوكبيا، حتى يتطور الأمر بعد توسع الحركة التعاونية إلى حد كافى يتيح للتعاونيات أن تقرر ألا تتبادل سلعها وخدماتها إلا فيما بينها، فتحقق أسلوبا للتبادل التعاونى بين المنتجين والمستهلكين التعاونيين مستقلا عن السوق الرأسمالى، وفى هذه الحالة يمكنها فحسب أن تثبت تفوقها على الرأسمالية، من حيث الكفاءة فى اشباع الاحتياجات البشرية، وقد ناقش الحلف التعاونى الدولى مؤخرا بمناسبة مرور مئة وخمسين عاما على إقامة أول تعاونية فى روتشديل بانجلترا عام 1844،إمكانية إقامة اتحادات تعاونية متعدية الجنسية لتحقق هذا التكامل فيما بين التعاونيات كوكبيا، فى مواجهة المؤسسات الرأسمالية متعدية الجنسية التى تستفيد من اتساع السوق الكوكبى.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:19.