زياد العليمي

قراءة في أوراق اليسار الديمقراطي العراقي

زياد العليمى


"البديل الشعبي الديمقراطي". تحت هذا الشعار كانت القوى التقدمية رأس حربة لحركات التحرر الوطني. فمنذ ما قبل منتصف القرن العشرين وحتى نهاية سبعينياته خاضت حركات التحرر الوطني تحت قياداتها اليسارية معاركها وطرحت نفسها بديلاً عن كلا من الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، ومع بداية الثمانينيات بدأ نجم القوى اليسارية والتقدمية في الأفول مفسحاً الطريق لنوع آخر من "المقاومة"
.

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:24.

انتفاضة القضاة و معركة التغيير

زياد العليمي

تابعت الحركة الديمقراطية بشغف وباحتفاء تحركات القضاة في السنة الأخيرة والتي كانت ترمي إلى تحقيق بعض المطالب مثل استقلال القضاء والإشراف الكامل على الانتخابات. يفسر زياد العليمي هذه التحركات بالإيديولوجية الحاكمة للقضاة والتي تعود للعصر الليبرالي، كما يدفع بأن دور القضاة في التحول الديمقراطي يحده مصالحهم النقابية كفئة اجتماعية.

لا يمكننا فهم دوافع و أفق تحرك قضاة مصر إلا من خلال استعراض التاريخ الذي كون الأيديولوجيا الحاكمة لتحركات القضاة المصريين عبر تاريخهم و كذا تحركهم الأخير أو "انتفاضة القضاة".
ارتبط ظهور القضاء المصري المعاصر في مصر بمشروع محمد على لبناء الدولة المدنية الحديثة. فأنشأ محمد على مجالس قضائية متعددة بجانب المحاكم الشرعية، كما أنشأ مجلسين للقضاء التجاري في المركزين التجاريين الرئيسيين، القاهرة و الإسكندرية، و اعتبرت هذه المجالس بداية القضاء المصري الحديث, ثم أتى الخديوي إسماعيل ليوسع هذا النظام القضائي بتكوين مجالس هرمية لكيانات إدارية في المحافظات والأقاليم فاختصت هذه المجالس المحلية بالفصل في القضايا البسيطة فقط اعتماداً على اللوائح التي تصدرها الحكومة المركزية .
واستمر الحال كذلك حتى بداية القرن العشرين الذي شهد تزايد التواجد الأوروبي، وبالتالي بدأت النماذج القضائية الأوروبية تحل محل النماذج العثمانية التي كانت سائدة من قبل، ومع زيادة التواجد الاقتصادي الأوروبي و ظهور الامتيازات الأجنبية بدأت الدعوة لإنشاء قضاء مختلط يختص بقضايا الأجانب، إلى أن بدأت المحاكم المختلطة عملها عام 876 ، و مع اعتماد التقنين المنظم لهذه المحاكم ظهر التواجد الأوروبي بجلاء ليس في التشكيل فقط ، و لكن في مسألة الفصل بين الحكومة كسلطة تنفيذية وجهاز القضاء، فقد وافقت الحكومة المصرية على الامتثال ذاتياً للأحكام الصادرة ضدها كما وافقت على الأخذ بنظام النيابة العامة المعمول به حتى الآن .
وبعد إنشاء المحاكم المختلطة دعا عدد كبير من الزعماء المصريين لإنشاء محاكم وطنية للفصل في القضايا خوفاً من زيادة التدخل الأجنبي في شئون المصريين، و بذلوا جهوداً كبيرة لإنشاء هذه المحاكم وطالبوا بأن تختص بالنظر في الجرائم التي تقع من الموظفين الحكوميين والرقابة على أعمال الإدارة إلى أن كللت جهودهم بالنجاح بصدور مرسوم إنشاء المحاكم الأهلية قي 1883 . وبتطور الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال عن بريطانيا و إنهاء الامتيازات في العشرينات، نجحت هذه الحركة في تحقيق بعض الانجازات على صعيد الاستقلال القضائي، كما تعهدت بريطانيا من خلال معاهدة 1936 بأن تعمل على إنهاء الامتيازات الأجنبية بمصر وأن تجعل المحاكم المختلطة تتولى عمل المحاكم القنصلية لفترة تكون الحكومة المصرية في نهايتها حرة في الاستغناء عن المحاكم المختلطة ، إلى أن اختفت المحاكم المختلطة تماماً بعد اتفاق مونترو عام 1937.
وهذا التأثير الأوروبي على القانونيين المصريين و خاصة القضاة جعلهم يؤمنون بأفكار الشرعية الليبرالية التي ترى القاعدة القانونية باعتبارها الضمان الوحيد الذي يمكن أن يتمسك به الأفراد في مواجهة السلطة التنفيذية ، و كذا ترى النظام القانوني باعتباره المقيد الرئيسي لسلطة الحكام المستبدين و دوره هو جعلهم يحكمون الناس بمقتضى العقد الاجتماعي المتفق عليه. وعلى طريق القضاة لإتمام نظام قانوني ليبرالي يضمن لهم الاستقلال استطاعوا أن يحصلوا على عدد من المكاسب كان أهمها قانون السلطة القضائية الصادر عام 1943، والذي كرس استقلال المؤسسة القضائية بتدعيم مجلس القضاء الأعلى وزيادة عدد القضاة به، مما صعب عملية عزل القضاة. وبالتوازي مع ذلك تأسس مجلس الدولة عام 1946 لدعم التوجه القانوني الليبرالي في رقابة القضاء على الجهات الإدارية، فكان لها العديد من الأحكام التي حجمت السلطة التنفيذية ورغبتها في الاستئثار بالسلطة.

سلطة جديدة ومعركة جديدة :
ويعد وصول ضباط يوليو لسدة الحكم بمصر إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في العلاقة بين السلطة التنفيذية و قضاة مصر، فقد كان الحكم في الحقبة الناصرية شمولياً. و لكن الصدام بين هذه السلطة الشمولية والقضاة الذين يستعصمون باستقلالهم تأخر بعض الشيء. فأمضت السلطة الجديدة سنواتها الأولى في إدخال تغيير جذري على البنية القانونية لتتواكب مع توجهها الجديد. و في هذا الإطار وضعت العديد من التشريعات التي تكفل لها التدخل المركزي في كل شئون الإدارة، كما أطلقت حالة الطوارئ لتنال من معارضيها وتحافظ على "الثورة" الوليدة ، فبدا الأمر وكأن هناك اتفاق غير معلن بين السلطة الجديدة و الجهاز القضائي .فأصرت الدولة الناصرية في البداية على حفظ استقلال القضاء وعدم إقحام القضاة في شئون السياسة وفي المحاكمات السياسية الصورية لمعارضي النظام. وهو ما التقى برغبة القضاة، فأنشأت السلطة الناصرية محاكمها الاستثنائية من عسكريين بالأساس وكان لهذه المحاكم دوراً سياسياً وليس قضائياً و هو محاكمة مناهضي النظام و خصومه. وفي المقابل ساد توجه داخل صفوف القضاة بأن واجبهم في هذه الفترة هو تطبيق القانون كما هو، أي كما تضعه السلطة الحاكمة. و لكن هذا الحال لم يدم طويلاً، فمع منتصف الستينيات بدأ عدد من القانونيين المصريين يطالبون بمراجعة الثقافة القانونية المصرية لتتواكب مع المتغيرات السياسية، فهاجموا فكرة الفصل بين السلطات واستقلال السلطة القضائية باعتبارها تراث رأسمالي ينتمي للشرعية الليبرالية التي يجب استبدالها بالشرعية الاشتراكية، و إدماج القضاة في الاتحاد الاشتراكي العربي ليرتبط قضاة مصر بالقاعدة الشعبية. و أثناء انعقاد الجمعية العمومية لنادي القضاة في مارس 1968 أصدرت الجمعية العمومية بياناً يرد على هذه الدعاوى ويعلن رفض القضاة لإدماجهم في أي تنظيم سياسي، و دعوا فيه لإنهاء المحاكم الاستثنائية واحترام الدستور وسيادة القانون. فقسم هذا البيان القضاة إلى قسمين، تعاطف فريق منهم مع الانضمام للتنظيم الواحد. و كما يذكر "ناثان براون"، وهو أحد أهم الذين أرخوا للسلطة القضائية المصرية،" فإن بعضهم كان قد انضم بالفعل للتنظيم الطليعي"، أما الغالبية العظمى من القضاة فقد تبنوا مطالب بيان جمعيتهم العمومية، وهو ما قاد إلى الصدام بين القضاة والحكومة خاصة بعد انتصار مجموعة البيان في انتخابات نادي القضاة 1969، و هو ما ردت السلطة عليه بإحالة ما يزيد على مائتي قاض للتقاعد فيما عرف "بمذبحة القضاء".

السادات ومبارك: تفعيل القضاء للحد من السياسة:
أما في مصر السبعينيات و مع تصاعد الحركة الوطنية و اليسارية خشيت الدولة المصرية من تسييس الشارع المصري، ولم تجد هذه الدولة أن إطلاق العنان للقوى السلفية و فتح المنابر المختلفة لها كافياً وحده بالقضاء على الشعبية المنتظرة لتيارات المعارضة، خاصة بعد تراجع سلطة السادات عن الأيديولوجيا الوطنية الشعبوية التي تميز بها نظام سلفه وعدم امتلاكه لما يسد الفراغ الذي خلفه زوال "الخطاب الناصري" .
لم يكن أمام هذه السلطة سوى إعادة الاعتبار للسلطة القضائية وإعطاء وضعاً خاصاً للقضاة في المجتمع المصري لاعتماد اللجوء للقضاء بديلاً عن اللجوء للتنظيمات السياسية، فكان لابد وأن تقدم السلطة بعض التنازلات للقضاة للحفاظ على "الهيبة القضائية" حتى تولد الأمل في اللجوء إليها ، فاعتذر السادات عن "مذبحة القضاء"، وداعبت سلطتا السادات ومبارك أحلام القضاة بالشرعية الليبرالية عن طريق إعادة التشكيل القضائي للمجلس الأعلى للقضاء، ورد حق القضاة في انتخاب مجلس إدارة ناديهم، وإعادة الاعتبار للقضاء الإداري، وإنشاء المحكمة الدستورية العليا، ومد قواعد عدم القابلية للعزل لأعضاء النيابة العامة. و رغم ذلك احتفظت للسلطة التنفيذية بالحق في تعيين النائب العام وأوجبت عرض أعضاء هيئة التفتيش القضائي على وزير العدل لتتملك مقاليد الأمور.
وعلى الجانب الآخر بدأت السلطة تسعى لزيادة المخصصات المالية الممنوحة للقضاة فزادت رواتبهم حتى بدا وأن الجهاز القضائي هو الفئة المفضلة لدى الدولة، و ساد إحساس بين عدد من القضاة بأن هذه المزايا التي تمنح لهم يجب أن ترد في شكل مهادنة النظام والتخلي ولو في بعض الأحيان عن دورهم كسلطة ثالثة عليها أن تقيد السلطة التنفيذية في بعض صلاحياتها، فزاد إحساسهم بضرورة تقنين استقلالهم وحماية مصالحهم حتى يتمكنوا من القيام بدورهم دون أن تجد السلطة القضائية نفسها في موقف المستجدي من السلطتين الأخريين على حد تعبير القضاة.

مطالب نقابية و ليست سياسية :
تمحور النزاع بين القضاة وسلطة مبارك في العام الأخير حول مشروع قانون تعديل السلطة القضائية الذي يكفل استقلالية أكبر للقضاء. و بدأ النزاع حول هذا المشروع حين اتخذت الجمعية العمومية لنادي القضاة المنعقدة في 22 نوفمبر 1990 قراراً بضرورة وضع مشروع لتعديل قانون السلطة القضائية بما يحقق استقلال القضاء، وحددت الجمعية العمومية المبادئ الأساسية التي يجب أن يراعيها القانون و شكلت لجنة للعمل على صياغته. ثم أقرت الجمعية العمومية لنادي القضاة المنعقدة في 18 يناير 1991 مشروع القانون المقترح، إلا أن رئيس الجمهورية رفض المشروع آنذاك، فظل حبيساً أكثر من 13 عاماً حتى تم تحديثه و إصدار نسخة كاملة منه بتاريخ 18 ديسمبر 2004.
تضمن المشروع في نسخته المصدرة عدداً من الأحكام المستحدثة التي يرى القضاة أنها تدعم استقلالهم كان من أهمها:
- استقلال السلطة القضائية بكافة شئونها المالية و نقل الأمور المتعلقة بميزانية القضاء لمجلس القضاء الأعلى.
- دعم مجلس القضاء الأعلى من حيث التشكيل بأن يضم من يتولون مناصب القمة في القضاء بالإضافة إلى عضوين من محكمة النقض وآخرين من محكمة استئناف القاهرة باعتبارها " كبرى محاكم الاستئناف و محط رحال قضاتها " ـ على حد تعبير القضاة ـ ويكون اختيار الأعضاء عن كل من المحكمتين المذكورتين عن طريق انتخاب جمعيتها العمومية، حيث أن أعضاء المجلس القضاء الأعلى يعينون بقرار من رئيس الجمهورية حتى الآن وهو ما يضمن سيطرة السلطة التنفيذية عليه فهي التي تشكله وهي التي بيدها تغيير بعض أعضاؤه، أما بخصوص دعم المجلس من حيث الاختصاص فقد رأى المشروع إلحاق إدارة التفتيش القضائي بالمجلس حتى تعينه في مهامه المتعلقة بتعيين رجال القضاء و ترقيتهم و نقلهم و غيرها من الأمور الوظيفية .
- إلغاء الندب لغير وظائف السلطة القضائية و تحديد مدد الندب و الإعارة بأربع سنوات حتى لا تنتقص من المستوى الفني للقاضي عند استطالتها.
- جعل المشروع للجمعية العمومية لمحكمة النقض السلطة في اختيار أعضائها من بين المرشحين للعمل بها بعد أن كان تعيينهم بقرار من وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى كما جعل لها الحق في انتخاب رئيسها و نائب رئيسها.
- جعل التقاضي في شئون القضاة على درجتين حتى تكون الأحكام محل مراجعة لخطورتها في التأثير على المستقبل المهني للقاضي، كما أعطي القانون الحق للقاضي في الاستعانة بقاض آخر من محكمة النقض أو محام متخصص للدفاع عنه.
-تسوية معاش القاضي بحيث لا ينخفض انخفاضاً شديداً عن رواتبهم التي كانوا يتقاضونها.
- تعديل وضع نادي القضاة من جمعية خاصة مشهرة وفقاً لقانون الجمعيات تشرف عليه وزارة الشئون الاجتماعية إلى اعتباره جمعية مهنية خاصة بالقضاة وتخضع لإشراف جمعيتها العمومية.
ويلاحظ أن مطالب القضاة الخاصة بالإشراف الكامل على الانتخابات لم تكن مدرجة على جدول أعمال القضاة أثناء مناقشة استقلال السلطة القضائية حتى عام 2000، ففي 8 يوليو 2000 صدر حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن الدستوري رقم 11 لسنة 13 والذي قضى بضرورة إشراف القضاة على الانتخابات تطبيقاً لنص المادة 88 من الدستور المصري، وعلى أثر ذلك بدأ إجراء انتخابات مجلس الشعب عام 2000 على ثلاث مراحل ليتمكن القضاة من الإشراف على الانتخابات .
ولكن سلطة الحزب الوطني أصرت على عدم إجراء انتخابات نزيهة خاصة بعد الهزيمة النسبية التي مني بها مرشحوها في المرحلة الأولى من الانتخابات، فدفع مرشحو الحزب الوطني برجال الشرطة لمنع المواطنين المؤيدين لمنافسيهم من الدخول لمقار الانتخاب، و في العديد من المناطق أشرف القضاة على اللجان الرئيسية فقط دون اللجان الفرعية لعدم كفاية عددهم، كما اقتصر إشراف القضاة على عملية الاقتراع فقط دون أن يكون لهم أي حق في التدخل في الإجراءات المنظمة له أو التدخل في أي انتهاكات تحدث خارج مقر اللجنة من شأنها التأثير على العملية الانتخابية. وهو ما جعل نتيجة انتخابات مجلس الشعب الأخيرة تصدر تحت دعاوى حكومية بنزاهتها لأنها كانت تحت إشراف قضائي و في ذات الوقت تصدر العديد من الأحكام القضائية التي تثبت حدوث تزوير في هذه النتيجة، كما قضت بإعادة الانتخابات في بعض الدوائر كما حدث في انتخابات دائرة الرمل بالإسكندرية. وشعر القضاة على أثر ذلك بأن هذه النتيجة قد تنال من هيبتهم و الشك حول حقيقة استقلالهم ، فطالبوا بالإشراف الكامل على الانتخابات .
ورغم أن قضية الإشراف على الانتخابات كانت قضية منفصلة إلا أن القضاة رأوا ربطها بمطالبهم النقابية ليضمنوا استقلالهم، فخلال الجمعية لنادي القضاة المنعقدة في 13 مايو 2005 ـ و قبل انتخابات رئاسة الجمهورية و مجلس الشعب بشهور قليلة ـ اختار القضاة استخدام ورقة الإشراف على الانتخابات لتصعيد الضغوط على الحكومة المصرية للحصول على قانون السلطة القضائية الذي يكفل لهم الاستقلال.
وبعد الاستفتاء على تعديل المادة 76 من الدستور صدر تقرير نادي القضاة عن الاستفتاء و الذي اعتبر تصعيداً للصدام مع السلطة التنفيذية حين أورد عدداً من الانتهاكات التي تمت خلال التصويت على التعديل المقترح فخرجت نتيجة الاستفتاء غير معبرة عن إرادة الناخبين. وبصدور التقرير على هذا النحو نجح نادي القضاة في كسب تأييد الشارع المصري له ـ و خاصة النخب السياسية ـ و في نفس الوقت قدم دليلاً لسلطة مبارك على جديته في تنفيذ تهديداته بعدم الإشراف على الانتخابات الرئاسية.
ولكن رد الإدارة المصرية على تهديد القضاة جاء بذات الحدة والجدية التي تعامل بها نادي القضاة، ففي 30 أغسطس الماضي و ـ قبل ثلاثة أيام فقط من اجتماع الجمعية العمومية لنادي القضاة التي ستقرر موقفهم من الانتخابات ـ قررت اللجنة المشرفة على الانتخابات الرئاسية استبعاد 1700 قاض من المشاركين في التحركات الأخيرة من الإشراف على الانتخابات الرئاسية، وهو ما اعتبر رسالة من سلطة مبارك باستعدادها للإطاحة بكل من يحاول إحراجها خلال الانتخابات الرئاسية.
ثم خرج اجتماع الجمعية العمومية لنادي القضاة المنعقد في الثاني من سبتمبر بقرار بالموافقة على الإشراف على الانتخابات الرئاسية بشرط عودة القضاة المستبعدين وإقرار إشراف منظمات المجتمع المدني على العملية الانتخابية وعدم اعتبار رجال النيابة العامة وهيئة قضايا الدولة من القضاة وتنقية الجداول الانتخابية، ورغم عدم تلبية أي من هذه المطالب ـ أو الشروط كما سماها قضاة مصر ـ أشرف القضاة على الانتخابات الرئاسية .
ويبين من تحركات القضاة عبر تاريخهم أن القضاة لا يتحركون إلا للحفاظ على مصالحهم المهنية و في مقدمتها الحفاظ على استقلالهم و الحفاظ على الدور الذي يرونه للسلطة القضائية، و يميز تحركهم الأخير عدد من السمات الرئيسية أهمها هو قيادة قضاة محكمة النقض الذين رسخت لديهم أفكار الاستقلال القضائي أكثر من غيرهم خلال سنوات عملهم الطويلة بالسلك القضائي باعتبارهم على قمته، ويظل قبول نادي القضاة الإشراف على الاستفتاء حول التعديل الدستوري ـ على الرغم من كل التجاوزات التي حدثت خلاله ، رغم عدم حصولهم حتى على تعهد ببحث مطالبهم ـ و بعده إشرافهم على الانتخابات الرئاسية رغم عدم تلبية "شروطهم" تأكيداً على أن سلاح المراقبة على الانتخابات يستخدم كورقة ضغط إعلامية على سلطة مبارك لضمان حصول القضاة على مطالبهم، وليس نزوعاً حقيقياً للمشاركة في المعركة السياسية الطامحة للتغيير الديمقراطي.
كما يتضح أن قيادة تحرك القضاة الأخير واعية تماماً لعدم استعداد شباب القضاة ـ الذين لم يشهدوا فترات استقل فيها الجهاز القضائي عن السلطة التنفيذية ـ للدخول في صدام مع السلطة، وما يؤكد ذلك توقيع عدد غير قليل منهم على تعهد بمراقبة الانتخابات وتغاضي قيادة التحرك عن ذلك وعدم رفضه من حيث المبدأ بل و قبول الإشراف على الانتخابات الرئاسية. ولهذا فإن رموز حركة القضاة يؤكدون دائماً أن قضاة مصر لا علاقة لهم بالسياسة ورفضوا إشراك أية قوى سياسية أو منظمات غير حكومية في معركتهم حتى لا يكون ذلك إعلاناً لخصومة مع النظام الحاكم، و ليظل الباب مفتوحاً لأية حلول وسط تؤدي لحصولهم على مطالبهم النقابية .
ولكن لا بد أيضاً من ملاحظة أن مطالب القضاة بالاستقلال يمكن أن تدعم القوى الوطنية المصرية في معركتها من أجل التغيير الديمقراطي، فمصر لم تعرف خلال النصف قرن المنصرم سلطة قضائية مستقلة و لكنها شهدت قضاة مستقلين، و نجاح هؤلاء القضاة في تجذير مواقفهم من أجل سلطة قضائية مستقلة سيؤدي بالطبع لأن تقيد السلطة القضائية بعض الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية، كما أن دعم القضاة و مساعدتهم في التمسك بالإشراف الكامل على كل المراحل الانتخابية في كافة الانتخابات القادمة سيمكن المعارضة المصرية من إحراز تمثيل برلماني أعلى يمكنهم من التحرك بخطوات ثابتة للحصول على مكاسب أخرى على طريق التغيير الديمقراطي في مصر.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:04.

هل تتجه الطبقة الوسطي إلي تعددية المراكز

لا يمكن الحديث عن تطور ديمقراطي في المجتمع المصري أو تحديثه بدون تناول الدور الذي يمكن أن تقوم به منظمات غير حكومية تمارس نشاطاً يعلي من قيم المبادرة والعمل الجماعي، سواء كان هذا النشاط يسعى لتحمل مسئولية أكبر في إدارة شئون فئات بعينها من المجتمع كي يصبح جزء كبير من هذا المجتمع مدار ذاتياً ، أو يستهدف ممارسة الضغوط على السلطة لتحقيق مصالح بعينها لهذه الفئات. كما لا يمكن الحديث عن دور للمجتمع المدني بدون تفعيل مؤسساته الرئيسية مثل الجمعيات الأهلية والنقابات العمالية والمهنية وشركات الأعمال والغرف التجارية والصناعية، و غيرها من المؤسسات التي يجمعها الاستقلال عن الإشراف المباشر للدولة، ويميزها إلى جانب هذا الاستقلال تنظيمها التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية، والعمل التطوعي، و الإعلاء من قيم مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من هذه المؤسسات. فمنذ ما يزيد على العامين والقوى الديمقراطية واليسارية تخوض معركة التغيير الديمقراطي في مصر و هنا تزداد أهمية المجتمع المدني لما يمكن أن تقوم به مؤسساته من دور في تفعيل مشاركة عدد أكبر من المواطنين في تقرير مصائرهم والتفاعل مع السياسات التي تؤثر في معيشتهم سواء بمواجهة تلك السياسات التي تنال من حرياتهم وأوضاعهم الاجتماعية أو الدفع بسلسلة أخرى من السياسات التي يمكن أن تؤثر إيجاباً على حياتهم، وهذا التفعيل هو الضمانة الوحيدة كي لا تكون الحكومة المصرية والمؤسسات الأمنية هما الطرفان الوحيدان الفاعلان في عملية التغيير الديمقراطي وما يتبع ذلك من محاولات هذه الحكومة وتلك المؤسسات لتفريغ التغيير المنشود من محتواه . و بالنظر للدور الذي ينبغي أن تقوم به القوى التقدمية في هذا التوقيت نجد أنه صار لزاما عليها العمل من أجل تفعيل هذه المؤسسات والاهتمام بالمنظمات ذات القدرة العالية على الحشد ـ مثل النقابات المهنية والعمالية والمنظمات الفلاحية والتعاونيات واتحادات الطلاب والمنظمات الحرفية ـ والاستفادة من إمكانياتها البشرية في دعم المطالب الديمقراطية والاجتماعية لهذه الفئات كي تتحول هذه المنظمات لحركات اجتماعية ذات جذور شعبية. التنظيم الأكبر للطبقة الوسطى : هنا تظهر النقابات المهنية باعتبارها أكبر شكل تنظيمي يضم المتعلمين من أبناء الفئات الوسطى في المجتمع ، فهي تضم حوالي أربعة ملايين عضو في 23 نقابة مهنية . وأصبح المحامون المصريون هم رواد النقابات المهنية في مصر عندما أنشئوا منظمة المحامين أمام المحاكم المختلطة عام 1876 ، ثم نقابة المحامين عام 1912 ، فنقابة المحامين الشرعيين 1916 وما لبث أن تبعهم باقي المهنيين المصريين فأنشئوا نقابة الأطباء 1940 ، و تلاهم الصحفيين 1941، ونقابة المهن الهندسية عام 1946، ثم أطباء الأسنان والصيادلة والأطباء البيطريين في 1949، فالمعلمين عام 1951 . و بعد إلغاء المحاكم الشرعية ألغيت نقابة المحامين الشرعيين عام 1955 ، و في ذات العام أنشأت خمس نقابات مهنية أخرى هي نقابة المهن التمثيلية ، والمهن السينمائية، والمهن الموسيقية، ونقابة المحاسبين والمراجعين، وبعد تسع سنوات أنشأت نقابة المهن العلمية. ومع مطلع السبعينيات في عام 1973 أنشأت نقابة المهن الاجتماعية ، و نقابة المهن التطبيقية 1974، فالفنانين التشكيليين ونقابة الفنون التطبيقية و نقابة مهنة التمريض عام 1976. وفي بداية الثمانينيات و بالتحديد عام 1983 تأسست نقابة المرشدين السياحيين، ثم نقابة الرياضيون 1987. وفى التسعينيات ظهرت نقابة مستخلصي الجمارك 1993، و نقابة العلاج الطبيعي 1994. السيطرة على هذا التنظيم : و يبدوا أن السلطات المصرية وعت أهمية هذه المؤسسات التي تعتبر أكبر شكل تنظيمي لأبناء الطبقة الوسطى ، فسعت السلطة في مصر الناصرية لإعطاء النقابات المهنية بعض السلطات في مقابل دمجها في التنظيم السياسي للدولة واعتبارها أحد أجنحتها الشعبية، فاشترطت فيمن يرشح نفسه لعضوية مجالس النقابات أن يكون عضواً عاملاً في الاتحاد القومي، و من بعده الاتحاد الاشتراكي، و كان لا بد من القضاء على فكرة التعددية النقابية حتى تتمكن السلطة السياسية من الهيمنة على هذه النقابات. و في عام 1977 و مع بداية التجربة الحزبية في مصر تم إلغاء المواد التي تشترط أن يكون المرشح لمجلس إدارة النقابات المهنية عضواً بالاتحاد الاشتراكي، و لكن تم الإبقاء على القيود التي تجعل إنشاء النقابات درباً من دروب المستحيل، إلا إذا كانت برغبة حكومية حيث أبقوا على أن يتم إنشاء النقابات المهنية بقانون. و منذ هذه اللحظة والسلطات المصرية تحاول تأميم العمل النقابي وتحويل هذه النقابات إلى مؤسسات شبه حكومية تسيطر من خلالها على أبناء المهنة الواحدة، إلى أن شهدت نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات نجاح الإسلاميين في السيطرة على مجالس أكبر النقابات المهنية في مصر ومحاولة تأميمها لصالح التنظيمات الإسلامية، وخاصة الإخوان المسلمون، فكانت النقابات المهنية بالنسبة لهم الحزب الذي حرموا منه و شبكات المصالح التي يربطون بها أعضاء التنظيم ويزيدون بها عدد المتعاطفين معه، فنجحوا في أن يجعلوا النقابات المهنية بالنسبة لأعضائها مجرد مشروع علاج مخفض وعمرة ومعرض سلع معمرة و مصيف مقابل اشتراك يدفع سنوياً، وانصرفوا بالمهنيين المصريين عن تطوير المهنة والدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ، وساعدهم على ذلك رغبة المهنيين المصريين في الخلاص من سنوات طويلة من فساد ممثلي الحكومة في مجالس هذه النقابات. فما كان من السلطة المصرية إلا أن حاولت السيطرة مرة أخرى على هذه النقابات فأصدرت القانون 100 لسنة 1993، و الذي نص في مادته الثانية على ضرورة تصويت نصف عدد أعضاء الجمعية العمومية المقيدة أسماؤهم بجداول النقابة ممن لهم حق التصويت لصحة انتخاب النقيب وأعضاء المجلس ، وإذا لم يكتمل النصاب تعاد الانتخابات ويكون الحد الأدنى لصحة الانتخاب تصويت ثلث الأعضاء وإذا لم يتوافر هذا النصاب يتم تعيين لجنة لإدارة النقابة بإشراف قضائي، فكانت النتيجة المباشرة لهذا القانون تجميد الانتخابات في أكبر عشر نقابات مهنية وهي الأطباء ، المهندسين ، أطباء الأسنان ، الصيادلة ، الزراعيين ، التطبيقيين ، المعلمين ، الرياضيين ، التجاريين ، وأخيرًا المحامين الذين نجحوا في فض الحراسة عن نقابتهم العامة بينما لم يستطيعوا إنهائها في العديد من النقابات الفرعية حتى الآن. سلطة أخرى و ليست جماعة ضغط : و بالنظر للمشكلات التي تعوق عمل هذه المؤسسات نجد أن هناك أزمة هيكلية تقف صداً منيعاً بين النقابات المهنية و الدور المنوط بها القيام به ، فالقوانين المنشئة لمعظم النقابات المهنية المصرية جعلت من تنظيم أوضاع المهنة و إعطاء أعضائها رخصة لمزاولتها المهمة الرئيسية لهذه النقابات ، و بهذا تضمن السلطة أن يقف دور النقابات عند هذا الحد دون أن يمتد هذا الدور إلى الدفاع عن المطالب الاقتصادية و الاجتماعية لأعضاء النقابة ، و ما يمكن أن يقتضيه هذا من مطالب و ضغوط على الدولة في بعض الأحيان . فأصبحت النقابات المهنية في مصر تمارس دور سلطوي جعلها تعلي من شأن دورها المتعلق بتنظيم أوضاع المهنة على حساب الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية لأعضائها و الارتقاء بالأداء المهني لأعضائها ، وأصبحت هذه النقابات سلطة فوق أعضائها يتقيدون بقوانينها التي لم يضعوها بأنفسهم و تقرر الشروط الواجبة لممارسة المهنة و طرق الترقي المهني و ليست شكل تنظيمي يضم أبناء المهنة الواحدة للدفاع عن مصالحهم و العمل على تطويرها بالشكل الذي يرونه. كما أن الربط بين عضوية معظم النقابات المهنية و مزاولة المهنة جعل انضمام أعضاء النقابة لها انضماماً قسرياً ، فجميع خريجي كلية الحقوق مطالبون بالانضمام لنقابة المحامين ليصبحوا محامين و كذلك جميع خريجي كلية الطب يجب عليهم الانضمام لنقابة الأطباء ليصرح لهم بممارسة مهنة الطب و غيرها من النقابات التي تربط بين العضوية و مزاولة المهنة ، و هذا الانضمام القسري جعل أعضاء النقابة يرون عضويتهم بالنقابة الضمانة الوحيدة لممارستهم العمل ، فلم يعد هناك من يرى أن انضمامه للنقابة يعني الانضمام لجماعة مهنية تدافع عن مصالحه و تضغط من أجلها ، و بالتالي فدوره يقتصر على الانضمام لهذه النقابة دون أن يكون له أي يد قي صياغة برامجها و تغييرها و العمل من أجل أن تكون منبراً يعبر عنه و عن أبناء مهنته الذين يمارسون الضغوط سوياً من أجل الحصول على مكاسب اقتصادية و اجتماعية لهم . مصالح متناقضة : يضاف إلى ذلك أن كون النقابات المهنية هي التي ترخص لممارسة المهنة يجعل منها المنظمة التي تجمع جميع أبناء هذه المهنة حيث يكون عليها صياغة برنامج موحد لهذي المصالح المتعارضة ، فمصالح مرتضى منصور المحامي تتعارض مع مصالح صغار المحامين الذين يعملون بمكتبه و مصالح المهندس أحمد محرم تتعارض مع مصالح صغار المهندسين الذين يعملون بشركة محرم و باخوم كما أن مصالح الدكتور حسام بدراوي تتعارض مع مصالح صغار الأطباء و كذا بالنسبة لمصالح حازم حسن و المحاسبين العاملين بمؤسسته ، و يقاس على ذلك وضع باقي المهنيين . هذا الوضع جعل من صياغة برنامج اقتصادي و اجتماعي مطلبي لأعضاء أي نقابة درب من دروب المستحيل ، و أصبح على من يحاول التصدي لبرنامج اقتصادي و اجتماعي نقابي أن يختار بين الضحايا ، فإما أن يطالب برفع أجور صغار المهنيين و يضحي بمصالح كبارهم و إما أن يطالب بدعم المؤسسات المهنية الكبيرة فيكسب أصحابها و يضحي بأبناء المهنة العاملين فيها . كل هذا جعل الدور الذي يجب أن تقوم به النقابات المهنية باعتبارها جماعة ضغط تدافع عن مصالح أعضائها يتآكل لصالح بعض الأدوار الخدمية مثل مشروع العلاج و المصيف المدعم و غيرها من المشاريع الخدمية التي لا يكون من شأنها إثارة الكثير من التناقضات بين المصالح المختلفة ، و جعل النقابيين المصريين إما أن يبعدوا عن أي اهتمام بالجانب الاقتصادي و الاجتماعي حتى و لو كان خدمي في الأساس مثل زيادة الدمغات لصالح زيادة المعاش أو أن يتبنوا خطابات ديماجوجية مستحيلة التحقيق لأنها ببساطة تتصدى للدفاع عن مصالح متعارضة . كل هذا جعل النقابات المهنية مقيدة و عاجزة ، لا تستطيع أن تعبر عن مصالح كافة أعضائها لأنها في الأساس مصالح متعارضة كما أنها لا تستطيع أن تُفعِّل الأداء المهني لأعضائها و تدعمه لأنها مطالبة بإعطاء الاهتمام الأكبر لتنظيم أوضاع المهنة . الطريق للتعددية النقابية : كل هذه العوائق الموضوعة في طريق تنمية و حفز طاقات النقابات المهنية جعلنا نؤمن بأن أى برنامج ديمقراطى يفترض أن ينطلق من مطلب تعدد المراكز النقابية كحل للخروج من أزمة النقابات المهنية في مصر ، و كطريق وحيد لتفعيل عضوية هذه النقابات و حشدها في دعم المطالب الديمقراطية والاجتماعية لهذه الفئات ، فتصبح النقابات المهنية المصرية معبر حقيقي عن مصالح اجتماعية لأعضائها و تتحول من منظمات شبه حكومية تنظم أوضاع بعض المهنيين و تشرف على تنفيذ القانون ـ الذي وضعته الحكومة لتنظيم هذه المهنة ـ إلى منظمات ( أو حركات ) اجتماعية ذات جذور شعبية لها مطالب معينة و تمارس ضغوطها بأشكال مختلفة لتحقيق هذه المطالب . و يدعم فكرة التعددية النقابية أنه مادام هناك مصالح متضاربة لأبناء المهنة الواحده فلا بد من وجود أكثر من شكل تنظيمي يعبر عن هذه المصالح ، و من ثم يمكن أن تنشأ نقابة للمحاميين أصحاب الشركات القانونية الدولية تدافع عن مصالحهم في منع شركات المحاماة الأجنبية في العمل داخل مصر و لا تهتم بأوضاع المحاميين العاملين بها و أخرى لشباب المحامين تدافع عن مصالحهم في أن يكون هناك حد أدنى للأجور و يكون همها الأول وضع عقود عمل نموذجية و الضغط على أصحاب العمل ليلتزموا بهذه العقود ، و كذا نقابة للمهندسين أصحاب المكاتب الاستشارية الكبرى التي تحاول الضغط على الحكومة لكي تقصر مناقصاتها على المكاتب الاستشارية المصرية ، و أخرى لشباب المهندسين تعمل من أجل تنميتهم مهنياً و دعم إقامة مشاريع تعاونية يتم توظيفهم فيها ، و بذلك يمكن أن يصبح الدور الرئيسي للنقابات المهنية هو الدفاع عن مصالح أعضائها ، و يصبح من حق كل مهني أن يختار النقابة التي تدافع عن مصالحه لينضم إليها . كما أنه يجب استلهام الخبرات الموجودة في أنحاء العالم فيما يتعلق بالفصل بين هذا الدور الذي يجب أن تقوم به النقابات و بين تنظيم أوضاع المهنة و الترخيص بمزاولتها ، فيمكن أن تشترك كل النقابات العاملة في مهنة واحدة في صياغة الشروط العامة الواجب توافرها فيمن يمارس هذه المهنة و يتم تضمين هذه الشروط في اللائحة المنظمة لكل نقابة تضم من يعملون بهذه المهنة ، كما يتم تنظيم أوضاع المهنة الواحدة بإنشاء هيكل يضم مندوبين عن كل نقابة للاتفاق على ميثاق شرف لهذه المهنة ينظم أوضاعها . و لتصبح الدعوة لفكرة التعددية النقابية ممكنة داخل النقابات المهنية المصرية يجب على القوى التقدمية استكمال الدور المطلوب منها داخل النقابات المهنية الحالية ، فعلى هذه القوى أن تسعى للتنسيق بين النقابات المهنية المختلفة و ممارسة الضغوط من أجل تحرير هذا القطاع من قطاعات المجتمع المدنى ، والتصدى على الأخص لمنطق وفكرة "إنشاء النقابات بموجب قانون "، حيث يكتفى لتنظيم هذه النقابات باللوائح التى يضعها أعضاء النقابة بأنفسهم ، والذين يكون بوسعهم تغييرها أو تعديلها كلما دعت الحاجة إلى ذلك ، لينتقل المهنيون المصريون من موقع المفعول به الذي يخضع لقواعد تنظيم مهنته دون أن يكون طرفاً فى مناقشة هذه القواعد وتطويرها .. إلى موقع الفاعل الذي يشارك فى تطوير مهنته و يستطيع الدفاع عن مصالحه من خلال الأدوات التنظيمية الملائمة. كما يمكن للقوى الديمقراطية أن تسعى لبناء وتطوير أشكال حركية وأدوات تنظيمية مختلفة داخل النقابات المهنية ، تتبنى برامج اقتصادية و اجتماعية مختلفة وفقاً لمصالح الشرائح والفئات الاجتماعية التى تعبر عنها ، حيث يمكن لهذه البؤر التنظيمية المتعددة أن تعمل بمثابة جماعات ضغط ، وجماعات المصالح المتمايزة داخل النقابة الواحدة. ربما يكون فى ذلك سبيلاً لتفجير الطاقات المختلفة وتطويرها .. وهو إلى ذلك أيضاً يمكن أن يساهم فى جذب أعداد أوسع من المهنيين إلى ساحة العمل النقابى ، ودفع الحيوية فى شرايين هذه النقابات على النحو الذى يساهم فى انتزاعها درجة أعلى من الاستقلالية ، والديمقراطية. إن تطوير النقابات المهنية وحفزها من أجل أن تصبح حركات اجتماعية شعبية مستقلة وضاغطة من شأنه أن يدعم حركة المجتمع المصري من أجل تحقيق الديمقراطية ، على الأخص وأننا نتحدث عن أربعة مليون مهنى مصرى من حقهم أن يجدوا المساحة الكافية للتعبير عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ، بعيداً عن السيطرة ، والمنطق الشمولى.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:03.