سامر سليمان

من "تحرير المرأة" إلى "تحرير المرأة مع الرجل" : الحركة الديمقراطية في مواجهة المسألة النسوية

    سامر سليمان

المعارضة التقدمية والديمقراطية تحتاج لإعادة النظر في موقفها من قضية المرأة ومن العلاقات بين الجنسين، لكي تستوعب مطالب واحتياجات النساء والرجال معاً. التيارات المحافظة المسيطرة على المجال السياسي المصري ليس لديها أية إجابة شافية في مجال العلاقات بين الجنسين. هذه الإجابة الشافية لن تأتي إلا من المعارضة التقدمية إذا امتلكت الجرأة والدأب في إعادة تأسيس قضية المرأة على أرضية جديدة. هذا المقال يحاول البحث في أسس إعادة طرح قضية المرأة.

 

 

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 14:55.

هل انتشار غطاء الرأس دليل على تدهور وضع المرأة

سامر سليمان

 

إن انتشار غطاء الرأس كما النار في الهشيم خلال العقود الأخيرة هو تعبير عن هيمنة التيارات المحافظة على المجال الديني والسياسي في مصر. وكما كانت جسارة المرأة في خلع غطاء الرأس في ثورة 1919 مرتبطة بصعود اللبرالية المصرية، فإن انحسار غطاء الرأس والثورة عليه مرة أخرى لن يحدث على الأرجح إلا إذا اعتلت الساحة السياسية والمجال العام تيارات تقدمية.

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 14:54.

تحرير المرأة يمر عبر الجسد! .. قراءة في فيلم "دنيا"

سامر سليمان

في فيلمها الأخير "دنيا" اقتحمت المخرجة اللبنانية جوسلين صعب منطقة شديدة الوعورة: جسد المرأة المصرية. يا للهول!! كيف تجرؤ على ذلك وهي غير مصرية، لا بل لبنانية متفرنسة؟ هكذا اكتنفت كافة مراحل صناعة وعرض الفيلم صعوبات جمة بسبب البيئة المعادية لطرح هذا الموضوع أو لطرحه بالشكل الذي تناولته جوسلين: فمن تعنت للرقابة، وصل إلى حد تسريب السيناريو إلى وسائل الإعلام لفضحه، ومن إحجام عديد من الممثلين عن قبول أدوار في الفيلم، ومرورا بممارسة بعض الممثلين المشاركين في الفيلم الرقابة عليه، تجلت في رفضهم النطق ببعض عبارات السيناريو الأصلي، إلى هجوم شديد تعرضت له حنان ترك (بطلة الفيلم) بعد عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي سنة 2005، الأمر الذي أوصلها إلى البكاء.

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:58.

من "الدين للـه والوطن للجميع" إلى "الدين للـه والدولة للجميع"

الحركة الديمقراطية في مواجهة المسألة الطائفية

سامر سليمان

يتطلب تأسيس "توافق وطني" حول إنجاز مهام التحول الديمقراطي في مصر، من ضمن ما يتطلب، التوصل إلى تسوية للقضية الطائفية، أي إعادة صياغة ما يسمى "بالوحدة الوطنية" بين المسلمين والمسيحيين، التي أرستها ثورة 1919 والتي تجاوزتها الظروف والأحداث فيما بعد. يحاول سامر سليمان طرح الأرضية التي يمكن عليها بناء هذه التسوية.

هناك مؤشرات لا يمكن أن تخطئها عين المراقب المنصف، مؤشرات تؤكد أن العلاقات الطائفية في مصر وصلت في السنوات الأخيرة إلى أقصى درجات التردي، ذلك التردي الذي بدأ منذ الثلاثينات، وظهر على السطح منذ السبعينات، ولا يزال يتفاقم حتى هذه اللحظة. فمن صدامات مباشرة سقط ضحيتها المئات من القتلى والجرحى، ومن حروب كلامية طائفية ساعد على ظهورها نهاية احتكار الدولة لوسائل الإعلام، وتشكل وسائط اتصال جديدة، مثل شرائط الكاسيت، ثم الفضائيات ومواقع الانترنت، كان لها أن تخرج المكبوت الطائفي الذي يحاول النظام والخطابات القومية أن يخفيه بمقولات جوفاء عن صلابة "الوحدة الوطنية" التي ستصمد أمام كل محاولات بث الفرقة المدسوسة من قوى خارجية تحاول من خلالها زعزعة وحدة الأمة.
وللمتشكك في مدى هذا التردي في العلاقات الطائفية أن يراجع تقارير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عن المسألة، أو أن يتجول على شبكة الانترنت، في المواقع الإسلامية والمسيحية لكي يلمس بنفسه مستوى عنف الخطاب الطائفي. والنزاع الطائفي في مصر لا يقتصر فقط على "مطالب قبطية" يطرحها بعض النشطين "الأقباط" تدور حول حقوق مهضومة للأقلية المسيحية، لكي يتلقفها نشطون إسلاميون ويرفضونها جملة وتفصيلا باعتبار أن المسيحيين هنا يتمتعون بحقوق لا يحصل عليها المسلمون، ولكن الأمر يصل إلى حرب مستعرة حول قراءة تاريخ البلاد، بين من يرى أن الاستقلال الوطني لم يتحقق بعد لأن مصر لا زالت تعاني من "استعمار عربي إسلامي" بدأ في القرن السابع الميلادي، وبين من يرى أن تاريخ مصر بدأ فقط بدخول العرب المسلمين إليها وأن جماعة الأقباط ظلوا منذ ذلك التاريخ مجموعة من الخونة يشكلون شوكة في ظهر المسلمين. هذه الصياغات الأشد راديكالية وتطرفا لا تحظى بقبول قطاعات واسعة على الجانب المسلم والمسيحي، لكن يظل التعرف عليها مهما، لأنها استطاعت بالفعل أن تخترق الوعي الطائفي العام، حتى أن أصدائها تتردد في الخطاب الطائفي الأقل تطرفا.
المناخ الطائفي في مصر ملوث، لا شك في هذا. ولكن هذا التلوث لم يمنع قوى سياسية تنشط حاليا من أجل التغيير السياسي، أن تحاول إعطاء انطباع ما بأنها قادرة على تجاوز الانقسامات والاحتقانات الطائفية. والأمثلة كثيرة: حينما قررت حركة كفاية اختيار شخصيتين كواجهة لها أمام الإعلام، كان جورج إسحاق، العضو السابق في حزب العمل، هو إحدي هاتين الشخصيتين، وذلك حين قدمته الحركة كمنسق عام لها. وحينما تأسس حزب الغد، تقرر أن تشغل منى مكرم عبيد منصب نائب رئيس الحزب، وهي تنتمي إلى أسرة مسيحية قدمت الكثير من الكوادر السياسية المهمة، يأتي على رأسها بالطبع مكرم عبيد. ولم يتخلف الإخوان المسلمون عن الركب، فحينما أسسوا، في يونيو الماضي، التحالف الوطني للإصلاح والتغيير تحت قيادتهم، كان أحد أهم الوجوه التي قاموا بإبرازها ابن الرئيس الراحل للطائفة الإنجيلية الكاتب رفيق حبيب، الذي يعمل بنشاط في صفوف التيار الإسلامي منذ حوالي عشر سنوات. أما الحملة الشعبية للتغيير وحركة شباب من أجل التغيير، والتي يعمل من خلالها اليسار، فبالرغم من أنها لم تقم بإبراز أية وجوه "قبطية" (وهي على أية لم تقم حتى الآن بتقديم قيادات ذات حضور إعلامي)، تكشف حركتها في الشهور الماضية عن تقاطع ما مع المسألة الطائفية. فبعد أن شاركت الحملة في تنظيم مظاهرة "كنس السيدة" أمام مسجد السيدة زينب، ذهبت في المرة التي تلتها إلى حي الزيتون ذو الثقل السكاني المسيحي ونظمت مظاهرة أمام كنيسة العذراء، كان من الشعارات التي رُفعت فيها "محاكمة مجرمي الكشح"، أي محاكمة رجال الشرطة الذين قاموا بتعذيب مئات من سكان قرية الكشح التي تقطنها أغلبية مسيحية، ومحاكمة السكان الذين ارتكبوا جرائم اعتداء على مسيحيين في هذه القرية في الأحداث الطائفية الشهيرة التي نشبت هناك، وهو المطلب الذي رفعته مظاهرات المسيحيين في السنوات الأخيرة.
يبدو أن الحركات السياسية التي تنشط الآن في التعبئة السياسية تدرك، أو على الأقل تشعر بالفطرة، أن بناء توافق وطني حول مطالب التغيير السياسي يتطلب العديد من الأشياء، من أهمها تقديم إجابة ما على المسألة الطائفية. فقوى التغيير لن تستقيم في مصر إلا إذا استطاعت جذب أفراد وجماعات من الأقلية المسيحية. ليس هذا بالأمر الغريب أو الجديد. أنظر إلى ثورة 1919 وكيف صاغت التوافق حول مطالب الاستقلال الوطني. المجتمع المصري كان منقسما في تلك الفترة إلى فئات وجماعات اجتماعية عديدة، من ملاك زراعيين كبار وفلاحين فقراء، من أرستقراطية مدينية وأفندية، من رأسماليين وعمال، من متعلمين وأميين، من رجال ونساء، الخ. لم تؤسس ثورة 1919 التوافق الوطني على الاتحاد بين الفئات الاجتماعية السالفة الذكر, ولكنها صاغته فقط على الانقسام الطائفي بين مسلمين ومسيحيين. هكذا أصبح أهم شعارات الثورة "يحيا الهلال مع الصليب" و"الدين للـه والوطن للجميع". وهو الأمر الذي يحتاج لتفسير، لأن المسيحيين في مصر لا يشكلوا إلا حوالي 10% من السكان. فلماذا تكون مشاركتهم في "الإجماع الوطني" لها كل هذه الأهمية؟ الإجابة الأقرب للمنطق هي أن ثورة 1919 قامت على مجتمع طائفي، كان لا يزال يُعرِّف المواطن في السياسة وفي الشأن العام عموما تبعا لانتماءاته الطائفية. ووصف مجتمع ما بأنه مجتمع طائفي لا يعني بالضرورة أن طوائفه تصارع بعضها البعض، لأن الطائفية قد تقوم على التسامح والتعاون بين الطوائف. المقصود بالطائفية هنا هو أن تكون الهوية الدينية/ الطائفية هي مدخل أساسي لمشاركة الناس في الشأن العام، وأن يكون لانتماء الفرد إلى طائفة ما علاقة مباشرة بسلوكه السياسي أو برؤية المجتمع لدوره في الحياة العامة.
تميزت السنوات التي سبقت ثورة 1919 بدرجة مرتفعة من المشاحنات الطائفية، وصلت إلى أوجها بانعقاد "المؤتمر القبطي الأول" سنة 1911 والذي تلاه انعقاد "المؤتمر المصري" الذي دعا إليه بعض المسلمين للرد على مطالب "الأقباط". كانت شكاوى الحركة "القبطية" في تلك المرحلة تدور حول حرمان المسيحيين من حقوق أساسية أهمها الآتي: حرمان المسيحيين من تولي المناصب الكبرى في الدولة مثل حكام المديريات (المحافظين)، تلك المناصب التي كانوا يتولونها قبل الاحتلال البريطاني، وعدم إنفاق الدولة على مؤسساتهم الدينية، بينما تنفق على المؤسسات الإسلامية. والحقيقة أن الحركة التي رفعت مطالب "الأقباط" كان يشوبها توتر وانقسام بين تيار يريد تكريس الطائفية السياسية، بمجموعة من السياسات مثل توزيع المناصب في الدولة على الطوائف تبعا لنسبتها في السكان، وتيار آخر يريد تجاوز الطائفية بتوزيع وظائف ومناصب الدولة تبعا لمعيار الكفاءة، ليس إلا.
وقد تراوحت ردود الفعل "الإسلامية" في المؤتمر المصري على هذه المطالب بين الحدة تارة واللين تارة أخرى. ولكن كان هناك إجماع على رفض مطالب المؤتمر القبطي. وكان من ضمن الأطروحات أن المسيحيين في مصر يحصلون على أكثر من حقوقهم، فنسبتهم في شغل الوظائف العامة تفوق نسبتهم بين السكان، كما أن نصيبهم من ثروة البلاد يفوق أيضا نسبتهم العددية. ولكن كان من ضمن الأطروحات أيضا أنه لا يجوز الكلام عن توزيع طائفى للمناصب. هكذا ضم هذا المؤتمر بدوره من يريد تكريس الطائفية ومن يريد تجاوزها.

الطائفية وتأسيس الدولة الحديثة على يد محمد على
كانت هذه الاحتكاكات الطائفية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين النتيجة الطبيعية للتطور الاقتصادي والسياسي الذي شهدته مصر منذ تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد على باشا. لقد بدأ محمد على في تمصير مؤسسات الدولة. وكان حصول المصريين لأول مرة منذ آلاف السنين على حق دخول الجيش علامة بارزة في عملية التمصير تلك. والحقيقة أن محمد على لم يكن له أي مخطط لتمصير الدولة، لقد فعل ذلك لأسباب براجماتية بحتة. هو كان يريد فقط تمصير الدولة في مصر بقدر ما سوف توفر له الأداة الأساسية لتشكيل إمبراطورية في المنطقة. وقد قام بذلك برغم احتقاره للمصريين باعتبارهم شعبا من الفلاحين، مثله مثل كل النخب العسكرية المحاربة التي حكمت مصر منذ الغزو الإغريقي. فالتراتبية التي تتبناها النخب العسكرية لسكان البلاد التي يحكمونها تقوم على تمجيد القتال باعتباره مقترنا بالقوة والشجاعة بل قل بالرجولة، كما تقوم على تحقير الفلاحة باعتبارها مقترنة بالضعف والخنوع، بل قل بالأنوثة.
وبتطور عملية تمصير الدولة بدأ المصريون، أبناء الفلاحين، في التسلل إلى مراكز وسطى فيها، وأصبحوا يتطلعون إلى مراكز أعلى وأعلى. وكان على أسرة محمد على أن تدفع ثمن قرارها بتمصير الدولة، فتمصير الدولة أدى تدريجيا إلى تمصير النظام. لنا أن تخيل كيف كان الخديوي توفيق يتفاعل نفسيا مع فكرة أن ابن الفلاح أحمد عرابي قد جرؤ على التمرد أمام حكم نخبته التركية/الشركسية. كان هذا الحدث فارقا في تاريخ مصر: أنظر إلى صورة عرابي التي رسمها الفنانون المصريون من خيالهم، وهو يعتلي حصانا كبيرا أمام الخديوي توفيق الذي يبدو مسحوقا أمامه، وكأنها طبعة جديدة من رسم أجدادهم لصورة القديس المصري ماري جرجس وهو يسحق التنين (رمز الشر) من على حصانه، ولكن مع تغيير الشخوص.
وكان من ضمن المصريين الذين تسربوا إلى الدولة، بفعل عملية التمصير، مسيحيون. والحقيقة أن المسيحيين لم ينقطعوا عن العمل بالدولة حتى في ظل حكم الإمبراطوريات التي دانت بالإسلام، والتي مالت في بعض الأحيان إلى النزول بهم إلى أقل مراتب السلم الاجتماعي عن طريق إجراءات تمييزية تصل إلى حد إجبارهم على عدم ارتداء ملابس كملابس المسلمين وحرمانهم من ركوب الخيول. بالرغم من ذلك استعانت الإمبراطوريات المتعاقبة بهم لأنها كانت تحتاج لمصريين من أجل إدارة الجهاز البيروقراطي الذي يشتغل كوسيط بينها وبين سكان البلاد. وظل المسيحيون يلعبون دورا أساسيا في هذا الجهاز البيروقراطي، خاصة في مجال جباية الضرائب والمكوس. فأحد الصور الشعبية الرائجة عن المسيحي هو أنه جامع الضرائب. وجامع الضرائب مكروه في كل العصور وفي كل البلاد. لماذا قررت النخب الإسلامية/ العربية التي حكمت مصر الاستعانة بالمسيحيين بكثافة في جباية الضرائب. ما علاقة المسيحية بجباية الضرائب؟ لا يعرف كاتب هذه السطور الإجابة، ربما يكون باحثونا في التاريخ قد أجابوا على هذا السؤال.
عندما بدأت أسرة محمد على عملية تمصير الدولة كان عليها أن تواجه اتهامات من بعض الطوائف بأنها تفضل طوائف على طوائف أخرى. فطائفة المسلمين المصريين كانت محرومة لعدة ألاف من السنين من الوصول إلى المناصب القيادية في الدولة أو من الالتحاق بالمؤسسة المحورية الحاكمة وهي الجيش. وقد فتحت لها عملية التمصير الباب لكي تصعد في جهاز الدولة، ولكنها كانت تواجه العديد من النخب والطوائف الأخرى التي كانت تسود، من خبراء أجانب أوروبيين ومن نخب تركية وشركسية ومن أقليات شامية، كما كانت تواجه الأقلية المسيحية المصرية التي فتحت لها علمية التمصر الباب لكي تلتحق هي أيضا بالدولة. هكذا ظهرت اتهامات من المسلمين المصريين للسلطة بأنها تحابي الطوائف الأخرى، كأن تحابي "النصارى"، حتى أطلق البعض على محمد على بأنه باشا النصارى.
المشكلة كلها تكمن في أن فئة "النصارى" هي فئة قادمة من الدين ولا تتطابق مع التقسيمات الواقعية للأمور، فما الذي يجمع بين الفرنسي كلوت بك، والمصري المسيحي المعلم جرجس؟ لا شيء تقريبا. وعلى الجانب الأخر، كان قطاع من المسيحيين يصر على أن المؤسسات والمناصب التي فتحت أبوابها للمصريين قد فضلت المسلمين منهم، وواربت الأبواب أمام المسيحيين. وكانوا هنا ينظرون إلى الجيش بالذات وإلى المناصب القيادية في الدولة. وهنا كانوا ينظرون للسلطة باعتبارها مسلمة، لأن من يقوم بإدارتها مسلمون. ولكن شأنها شأن فئة "النصارى" كانت فئة "المسلمين" في مصر إشكالية، لأنها تضع المسلمون المصريون أبناء الفلاحين مع النخب التركية الشركسية الحاكمة في نفس الخانة. ولكن في الحقيقة لا الباشا كان باشا النصارى، ولا السلطة كانت مسلمة. فالنخبة الأجنبية الحاكمة كانت تنظر للمصريين المسلمين من أعلى باعتبارهم طائفة خاضعة، شأنهم شأن المصريين المسيحيين، وهي تتعامل مع هذه الطوائف غالبا بمعايير احتياجات السلطة في الاستقرار والتجدد. فديانة الحاكم فى مصر لا تحدد طريقة إدارته للعلاقات الطائفية إلا جزئيا. وأحد أهم الدلائل على ذلك هو سلوك المحتل البريطاني نفسه الذي فضل إقصاء المسيحيين من بعض المناصب كانوا يتولونها من قبل مثل حكام المديريات. وقد برر اللورد كرومر ذلك بأن حاكم المديرية سينفذ مهامه بنجاح إذا كان ينتمي لديانة الأغلبية.

الطائفية البيروقراطية: فتش عن الوظيفة الميري:
عندما بدأت المطالب "المسيحية" في التبلور ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، مالت إلى التركيز على فتح المجال أمام المسيحيين لشغل وظائف الدولة. وهو الأمر الذي يمكن تفهمه إذا تذكرنا أن المصريين المسلمين كانوا هم أيضا يخوضون معارك ضروس من أجل تولي الوظائف القيادية في بعض المؤسسات، خاصة الجيش، في مواجهة نخبة تركية شركسية تدعي التفوق العنصري على المصريين. الكل كان يتصارع على الالتحاق بالدولة. وإذا كان ذلك كذلك فلأن تجربة محمد على في التحديث قامت على التحديث من أعلى: جهاز دولة بيروقراطي متطور يقوم بإصلاح وتنمية مجتمع متخلف. الكل كان ينظر للدولة و"يتمرغ في ترابها". هكذا تمحورت المطالب الطائفية في مصر حول عدد الوظائف التي تحصل عليها كل طائفة.
هذه المحورية تجلت في المشاحنات الطائفية في مصر في أوائل القرن العشرين، ولا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة. والمنطق المستخدم لا يزال هو نفس المنطق: مسيحيون يشتكون من ضعف نسبتهم العددية في مناصب الدولة، ومسلمون يردون عليهم بأنهم يحصلون على أكثر من حقوقهم، والدليل على ذلك هو سيطرتهم على نصيب من الثروة القومية يفوق نسبتهم العددية، فليتركوا الدولة إذن للمسلمين الأقل حظا في الثروة. والحقيقة أن الإشارة لقضية توزيع الثروة هنا ليست إلا حجة في النقاش. فالمنطق الطائفي ذاته يعوق طرح قضية توزيع الثروة بشكل يفضي إلى أية تسوية لها. فالحقيقة الساطعة للعيان هي أن الأغنياء يتوزعون بين المسلمين والمسيحيين، حتى ولو افترضنا جدلا (ليس هناك إحصائيات) أن نسبة المسيحيين في الأغنياء تفوق نسبتهم العددية، كما أن الفقراء في مصر يتوزعون بين المسلمين والمسيحيين، حتى ولو افترضنا جدلا أن نسبة المسلمين في الفقراء أكبر من نسبتهم العددية. والحقيقة التي يجب على "المناضلين" الطائفيين في كلا الجانبين أن يدركوها هي أنه لا قضية توزيع الدخل في مصر، ولا النقاش حول العدالة الاجتماعية سيقفان على أرضية طائفية، وأن كل ما يهمهم هو الحصول على وظائف كبرى في الدولة.
تظل الوظائف التي توفرها الدولة المصرية هي المحور الأساسي للصراع الطائفي في مصر. لا يسير عكس ذلك الميل إلا نمو الرأسمالية ونمو الطبقات الوسطى الحديثة المستقلة عن الدولة والتي لا تريد العمل بها لأنها تفضل العمل الحر. هذه الطبقات مشكلتها مع الدولة مختلفة، هي تنتظر من الدولة خدمات ووظائف على أساسها تحدد موقفها من هذه الدولة، معها أم ضدها. هكذا يتسرب مبدأ الكفاءة في النقاش الطائفي الدائر حول مناصب الدولة. فديانة الشخص ليس من المفترض أن تكون لها أية علاقة بتولى المناصب العامة. هذا ما دفع به مسلمون ومسيحيون عندما استعر الجدل الطائفي قبل ثورة 1919. ولكن الثورة ارتفعت بفكرة المواطنة إلى السماء بفعل الزخم الوطني ضد الاحتلال، وبفضل الخدمة الجليلة التي أداها اللورد كرومر إلى الحركة الوطنية، دون أن يدري، حين أجهض أحلام طالبي الوظائف من المسيحيين في أن تلعب ديانة المحتل المسيحية دورا في فتح الطرق أمامهم لتولي المناصب. هكذا خمدت أصواتهم والتحق معظم المسيحيين بالحركة الوطنية الديمقراطية وشاركوا في بناء حزب الوفد.
لكن حزب الوفد لم يستطع حل المشكلة الطائفية حلا جذريا. فالشعارات التي قامت عليها "الوحدة الوطنية" كانت غامضة. فشعار "الدين للـه والوطن للجميع" لم يحدد ما هو المقصود بهذا الوطن، هل هو الأرض، أم الزرع، أم الوظائف في الدولة، أم حق المصري في الشعور بالكرامة بغض النظر عن الديانة. كان الشعار جميلا وملهما، ولكن لم تكن وراءه مذكرات تفسيرية تقوم بتعريف هذا الوطن. لماذا؟ ربما لأن مهام تعريف الوطن ستثير البلبلة، لأنها ستثير مسألة عدالة توزيع الثروة والحقوق في هذا البلد الذي ابتليت أغلبية شعبه بأقصى صنوف الاستغلال طوال آلاف السنين. لأن إثارة مسألة توزيع الثروة بين المسلمين والمسيحيين بغرض حلها ستؤدي حتما إلى الاصطدام بالحقيقة التي يتهرب منها زعماء الطوائف وهي أن عنصري الأمة منقسمين داخلهم إلى فئات وطبقات وجماعات، وأن مصالحهم ليست متحدة، وأنه لكي يحقق هؤلاء مصالحهم يجب أن يخرجوا من الوعي الطائفي الضيق الذي يحول دون تكوين رؤية واضحة لمصالحهم وللفئات التي يمكن أن يتحالفوا معها. كان في إثارة هذه المسائل هدم شامل "للوحدة الوطنية" التي قامت على فكرة "عنصري الأمة".
لقد فشلت ثورة 1919 في تأسيس وحدة وطنية على أسس اجتماعية، ونجحت فقط في إرساء دعائم وحدة وطنية دينية، قامت على فكرة انقسام الشعب إلى عنصرين: المسلمون والأقباط. وهذين العنصرين يجب أن يعيشا في تسامح وإخاء. ولكن ما لبثت هذه الوحدة أن تهاوت في الثلاثينات. وبدأت قوى سياسية في الظهور والنمو تلعب على الأوتار الطائفية من أجل التعبئة السياسية. تراجعت الليبرالية أمام زحف الإخوان المسلمين ومصر الفتاة اللذان أمسكا بالمعاول لهدم هذه "الوحدة الوطنية" التي أقامها حزب الوفد، لأن طريقتهما في التجنيد السياسي تقوم ليس فقط على المشاعر الطائفية ولكن على تأجيج هذه المشاعر. وبخروج مكرم عبيد ومن ورائه العديد من المسيحيين من حزب الوفد، أصبحت طاقات المسيحيين السياسية موجهة في اتجاهات أكثر راديكالية، سواء في اليمين الديني (جماعة الأمة القبطية)، أو أقصى اليسار في التنظيمات الشيوعية. وكلاهما هزم أمام الضباط الأحرار فيما بعد.
لم تستطع جماعة الأمة القبطية إنجاز أي شيء بحكم راديكاليتها الطائفية، كما لم تستطع الأحزاب الشيوعية أن تتجاوز الحل الوفدي للمسألة الطائفية والذي صاغه شعار "الدين للـه والوطن للجميع". فالشيوعيون لجأوا إلى حل عملي بحت للمشكلة الطائفية، هو عدم الاعتراف بوجودها على الإطلاق وتجاوزها إلي الشعور بالانتماء الحر لما يمسى بالإنسانية، وبالمساواة التامة بين الرفاق في التنظيمات بغض النظر عن ديانتهم. هكذا اغترفت الحركة الشيوعية المصرية من الأقليات اليهودية والمسيحية التي كانت تعاني من أفول الوحدة الوطنية الوفدية وصعود التيارات الأصولية والفاشية، وفتحت لهم الطريق للمساهمة في بناء المشروع السياسي الاشتراكي.
ولكن هذا الحل العملي بدأ في التصدع بعد تأسيس دولة إسرائيل التي أجبرت الأحزاب الشيوعية على الخضوع لابتزاز الحركات الأصولية والقومية التي رجمتها بالحجارة لأن الكثير من قياداتها كانت تدين باليهودية. وقد تخلى العديد من اليهود الشيوعيين عن مناصبهم القيادية عن طيب خاطر، وتخلى البعض الأخر عن ديانته لكي يظل يعمل بنشاط في الحركة، ولكن هذا لم ينقذ الأحزاب الشيوعية من تهمة العمالة التي رفعتها في مواجهتهم التيارات القومية/ الإسلامية. لكن بالرغم من ذلك، يظل أن الحركة اليسارية نجحت في تجاوز الطائفية في داخلها إلى حد كبير، لكنها لم تقدم للمجتمع أي برنامج سياسي واضح يتجاوز الحل الذي صاغته ثورة 1919 للمشكلة الطائفية. فالانتماء الإنساني الحر الذي تجاوزت به الانقسامات الطائفية بين أعضاءها لم تستطع أن تصدره للمجتمع.

الناصرية تكرس الطائفية
وصل الضباط الأحرار إلى السلطة عام 1952 ووجدوا في انتظارهم ملفا طائفيا حساسا ًينتظر الحل. ولكن، وكما هو معروف، لم يصل هؤلاء الضباط إلى السلطة بأي برنامج سياسي. وهكذا قام هؤلاء الضباط بإدارة المسألة الطائفية في حدود قدراتهم، وغلب على هذه الإدارة الطابع العملي الأمني المحض. لقد نبذ نظام يوليو تدريجيا شعار "الدين للـه والوطن للجميع" بحكم لجوئه المتزايد للدين الإسلامي لتدعيم شرعيته، ولم يقدم أية صياغة تتجاوز الطرح الوفدي. ولكنه كان مضطرا إلى مواجهة مشكلة حادة تتمثل في كونه نظاما قادما من الجيش، ذلك الجيش التي كانت كل قياداته من غير المسيحيين. وبما أن الجيش المصري كان يشكل العمود الفقري للنخبة الحاكمة، فقد شعر معظم المسيحيون أنه قد تم إقصائهم من النظام السياسي. ولحل تلك المعضلة لجأ عبد الناصر إلى تعيين عشرة من أعضاء مجلس الأمة، كان يختارهم من بين المسيحيين، كما لجأ إلى تعيين بعض المسئولين من التكنوقراط المسيحيين في الوظائف الكبيرة، بالإضافة إلى تحديد نسبة للمسيحيين في الكليات العسكرية وفي كلية الشرطة. وبهذا يكون النظام الناصري قد أرسي دعائم الطائفية السياسية غير الدستورية التي لا نزال نعيش فيها حتى الآن والتي تصل عبثيتها في توزيع المناصب على الطوائف إلى درجة تخصيص بعض الوزارات للمسيحيين مثل وزارة الهجرة أو وزارة البيئة.
أرسى عبد الناصر دعائم الدولة الطائفية من حيث لا يدري. فحزب الوفد كان يصوغ الوحدة الوطنية من خلال تشكيلات الحزب القاعدية والقيادية، أما نظام عبد الناصر، فهو لم يمتلك أي حزب حقيقي يستطيع أن ينجز به هذه المهمة، لذلك كان يلجأ إلى التعيين الفوقي لمسيحيين في بعض المناصب القيادية غير السيادية. وكان هذا الاختيار يتم عادة بقبول ومباركة ما من الكنيسة. وبهذا قوى النظام من شوكة تلك المؤسسة، خاصة أنه كان قد أحال إلى التقاعد النخب الليبرالية المسيحية التي كانت توازن نفوذ الكنيسة فى أوساط الأقباط في النصف الأول من القرن العشرين.
تعامل نظام يوليو مع المسيحيين كطائفة، نظرا لأنه كان ولا زال يتعامل مع الفئات الاجتماعية عموما بوصفها طوائف يجب ضمان تأييدها بإعطاء "ممثليها" مناصب كبرى في الدولة. إنه نظام للطوائف أو كوربوراتي بتعبير العلوم السياسية. هذا النظام الكوربوراتي يقوم على توحيد كل جماعة اجتماعية في منظمة واحدة "تمثلها" وتكون خاضعة لسيطرة الدولة. فالعمال يجب أن ينضووا في الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، والمهندسين في نقابة المهندسين، والأطباء في نقابة الأطباء، الخ. وفي مقابل انضواءهم في هذه النقابات التي تسيطر عليها الدولة بدرجة أو بأخرى، يعطي النظام لبعضهم مناصب في الدولة: فللعمال وزارة العمل، وللمهندسين وزارة الإسكان، وللأطباء وزارة الصحة، الخ. وهكذا فمن الطبيعي أن يكون للمسيحيين مناصب محددة. الدولة الطائفية هي إذن أحد أوجه الدولة الكوربوراتية الناصرية.
يمكن القول بكل أمانة وإنصاف أن الصيغة التي طرحتها ثورة يوليو "للوحدة الوطنية" لم تنجح أبدا في الوصول بالعلاقات الطائفية في مصر لذلك المستوى المبهر من التسامح الذي وصلت إليه في ثورة 1919 وما بعدها. لقد استمر التسامح الطائفي فترة في العهد الناصري بقوة الدفع التي أطلقتها ثورة 1919 وتجربة حزب الوفد. ولكن ما لبثت تلك الذكريات أن توارت وتركت الساحة لطائفية متوحشة وبغيضة لا زالت تنهش في عظام المجتمع المصري، طائفية زادت في عهد السادات ومبارك. ولم يأخذ نظاما هذين الرئيسين أية إجراءات عملية من أجل القضاء عليها أو على الأقل احتوائها، ناهيك عن قيام السلطة باستخدامها في بعض الأحيان، خاصة نظام الرئيس السادات، الذي وصل به الأمر إلى محاولة كسب بعض الشعبية المفقودة بتأكيده على أنه "رئيس مسلم لدولة مسلمة"، وهو بذلك قد أعلن بكل وضوح أنه ليس رئيسا لكل المصريين. ولا غرابة إذن في أن أغلبية المسيحيين في مصر لم تنظر أبدا لرؤساء نظام يوليو باعتبارهم زعماء للأمة أو زعماء لهم، وهي الزعامة التي أعطوها بإخلاص وحب لقادة الحركة الوطنية سعد زغلول ومصطفي النحاس.

ما العمل؟ "الدين للـه والدولة للجميع"
ما أشبه اليوم بالأمس. الحالة الطائفية المحتقنة في مصر اليوم تشبه إلى حد كبير تلك الحالة التي سادت في أوائل القرن العشرين، قبل اندلاع ثورة 1919. والمطالب "القبطية" الآن هي تقريبا نفس المطالب المرفوعة قبل 1919. ماذا يحمل الغد؟ هل تأتي ثورة ديمقراطية على الحكم الاستبدادي لكي تجتذب جموعا من المسيحيين؟ وكيف لها أن تنجز هذه المهمة؟ وكيف لها أن تتجاوز الحل العملي غير الشامل الذي أتت به ثورة 1919؟
مصر تشهد اليوم البوادر الأولي لتيار ديمقراطي يريد إنجاز عملية بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، تلك العملية التي انطلقت في 1919 ولكنها لم تكتمل حتى الآن. فلنفترض جدلا أن هذه الحركة نمت ووصلت إلى الزخم الذي وصلت إليه الحركة الوطنية ضد الاستعمار، كيف ستحل تلك الحركة موضوع مشاركة المسيحيين بها؟ لم يعد شعار "الدين للـه والوطن للجميع" صالحا لذلك. فبالرغم من أن هذا الشعار يثير الحنين لماض جميل سادت فيه قيم التسامح والحب بين أصحاب الديانات المختلفة، فإنه لا يمكن أن يقيم أية "وحدة وطنية" لأن هذا الشعار قد تمت تجربته بالفعل في 1919 ولم يثبت صلاحية تتجاوز سنوات محدودة. لقد كان موضوع الخلاف الطائفي المسيحي/ الإسلامي قبل 1919 يتعلق بالدولة المصرية، مدى تمثيلها لكل المصريين ومدى علاقتها بالدين الإسلامي. ولكن الحركة الوطنية وفرت على نفسها مخاطر الشقاق والفرقة بأن أجلت حسم مسألة الدولة الوطنية الديمقراطية لأجيال مقبلة، وها نحن نتلقفها من جديد. ولكي ننجز ما تهربوا هم من إنجازه علينا بادئ ذي بدء أن نتكلم عن الدولة وليس عن "الوطن". فالحديث عن الوطن يساوي التهرب من مواجهة المشكلة الطائفية وتركها لأجيال مقبلة لكي تكتوى بنارها، كما اكتوينا نحن بها.
الدولة المصرية تعاني من تناقض مرير، فدستورها يقول أن الدولة تدين بالإسلام، ولكنه في نفس الوقت يؤكد أنها دولة كل المصريين. كيف لغير المسلمين أن يشعروا أن هذه الدولة دولتهم في الوقت الذي ترفع فيه هذه الدولة ديانة مغايرة لديانتهم، بل قل منافسة لها في تصور البعض؟ مستحيل. الحل الوحيد لتلطيف هذا التناقض، هو أن تعطي هذه الدولة الإسلامية لغير المسلمين تمثيلاُ ما بها يقنعهم بأن إسلامية الدولة لا تعني أن أبوابها مغلقة أمامهم. هذا ما أدركه العديد من المثقفين والسياسيين العلمانيين مثل محمود عزمي وتوفيق دوس الذين اشتركوا في المناقشات التي مهدت لدستور 1923. فالتمثيل الطائفي هو الوجه الأخر لعملة الدولة الطائفية. وبالرغم من إيمانهما المطلق بالدولة العلمانية غير الطائفية، فقد انتهى عزمي ودوس إلى الدفاع عن مبدأ التمثيل الطائفي. فقال عزمي مثلا أنه "لابد من تمثيل الأقليات ما دام الدستور لا يهدم العتيق من المبادئ الاجتماعية التي تبقي الهوة بين الطوائف [يقصد النص على ديانة للدولة]، ولا قول بأكثرية وأقليات إذا قامت الوحدة على أساس من التشريع المدني، وإلى أن يقوم الأساس، يجب احترام الواقع، وحذار من إهمال اعتباراته." ما الذى كان يحذر عزمي؟ من خطر الصدامات الطائفية التي وصلت إلى ذبح مصريين لإخوانهم في عز النهار بداية من السبعينات؟ هذه البصيرة التي امتلكها محمود عزمي تجبرنا على الاستماع إليه حينما يؤكد أنه لا يمكن قبول إسلامية الدولة المصرية بدون إعطاء تمثيل ما للأقليات. إما أن نقبل بتجرع الطائفية حتى نهايتها، إما أن نقيم دولة مدنية من الألف للياء، لا تدعي الحكم باسم الدين، ولكن تستمد شرعيتها من رضاء الناس عنها. لقد اختار عزمي تجرع الطائفية حتى الثمالة بسبب خيبة أمله في النخبة المصرية، التي انتقدها بقوله: "الواقع المصري هو أن جماعة من خير مفكري البلد لم يستطع أحدهم أن يعارض في لجنة الدستور اقتراح النص على دين رسمي للدولة، برغم أنهم لا يطمئنون إلى هذا الاقتراح" (البشري، ص 215).
وإذا كان عزمي قد اختار تحمل النتائج الطبيعية المريرة للطائفية والأصولية التي لم يشارك هو في تأسيسها، فإننا اليوم وبعد أن اكتوينا طوال العقود الماضية بنتائج عدم حسم النخبة المصرية لفصل الدين عن الدولة، ليس بوسعنا إلا أن نحسم أمرنا بكل وضوح: مع الدولة المدنية حتى النهاية. إما ذلك وإما قبول تمثيل الطوائف والأقليات كما انتهى محمود عزمي وتوفيق دوس. والحقيقة أنه فيما يخص المسألة الطائفية الخيارات هي كالأتي:
1) دولة طائفية تدين بالإسلام، لا تنص وثائقها على الاعتراف بتمثيل للأقليات، ولكنها تمارس ذلك عمليا، وهي الدولة القائمة بالفعل.
2) دولة طائفية تدين بالإسلام، تنص وثائقها على الاضطهاد المنظم للأقليات، يصل إلى حد فرض الجزية عليهم وإقصائهم من الجيش ومن المناصب العامة.
3) دولة طائفية تدين بالإسلام، تعطي حقوق طائفية للأقليات.
4) دولة مدنية تتعامل مع المواطنين بغض النظر عن ديانتهم، لذلك فهي ليست مضطرة إلي إعطاء أية امتيازات لأبناء دين معين، أغلبية كانوا أم أقلية.
نحن في الدولة رقم 1، تلك الدولة المحتقنة والتي زكمت رائحتها الطائفية الأنوف، وبالرغم من ذلك هناك من لا يزال يتمسك بها، من الجانب المسلم والمسيحي. هناك قوى تريد الدفع بالدولة رقم 2، وهي الجماعات الإسلامية الراديكالية وبدرجة أقل الإخوان المسلمين. لكن تظل فرصة هذا الخيار ضئيلة، وقد بدأ حاملوه بالفعل في القيام بمراجعات له، بعد أن مالوا إلى الواقعية بسبب الهزائم التي تعرضوا لها في مواجهة الدولة، وبسبب المواجهة الشديدة التي يلاقونها من جانب مثقفين وسياسيين عندما يتقدمون بأطروحات تدفع في قيام دولة الاضطهاد المنظم. أنظر إلى رد الفعل القوي ضد تصريحات المرشد العام السابق للإخوان المسلمين بوجوب إقصاء المسيحيين من الجيش. إذا كان للتيار الإسلامي أن يتطور، فلابد وأن يصل إلى تبني نموذج 3 للدولة الأصولية، وهو النموذج السائد في إيران، الذي يعطي تمثيلا سياسيا للأقليات. وهناك بعض المؤشرات تقول أنه يميل إلى التفكير الجدي في ذلك، منها تأكيد الإخوان على حق المسيحيين في تكوين أحزاب خاصة بهم. تلك التحية التي تلقفها وكيل حزب مسيحي تحت التأسيس، ممدوح نخلة، لكي يرد بأحسن منها ويوافق هو الأخر على حق الإخوان المسلمين في تشكيل حزب سياسي.
النموذج رقم 4 للدولة المدنية هو ذلك الذي تدافع عنه القوى الديمقراطية، اليسارية والليبرالية، وهو النموذج الوحيد الذي يقدم حلا شاملا وجذريا للقضية الطائفية. ليس بوسع هذه القوى إلا مناهضة النماذج المتنوعة للدولة الطائفية، الموجود منها بالفعل، أو النماذج المطورة والمحسنة منها والتي ستصوغها بعض القوى السياسية. ومن المرجح أن يكون النموذج الثالث هو التحدي الأكبر الذي يواجه الطرح الديمقراطي للدولة المدنية. فالنموذج الأول السائد حاليا لا يحظى بأي تأييد إيجابي، هو فقط يحصل على توافق ما من العديد من القوى لأن النظام الحاكم قد أجبرها على هذا الخيار باستخدامه فزاعة الوقوع تحت نظام أكثر وطأة. فالنظام يدفع التيارات المسيحية الطائفية إلى القبول بالأمر الواقع بدعوى أن البديل هو نموذج الدولة الإسلامية التي سوف تمارس الاضطهاد المنظم عليهم. وهو يدفع التيارات الإسلامية إلى القبول بالأمر الواقع بدعوى أن أي تعرض لعلاقة الدين بالدولة سيؤدي إلى ضغوط خارجية، يلعب "أقباط المهجر" فيها دور مخلب القط، ستحاول المساس بالمادة الثانية من الدستور والتي تنص على الديانة الإسلامية للدولة.
الكل يخالف من الكل، وبهذا تصبح الفكرة "المبدعة" التي تستطيع بها تيارات أصولية أن تقيم تحالفا بين الفرقاء تناهض به النظام القائم ونموذجه في الدولة، هو إعطاء كل ذي حق حقه: للإسلاميين حق توثيق الروابط بين الدين والمؤسسات الدينية من جانب والدولة من جانب أخر، وللمسيحيين حق التمثيل النسبي في الدولة الإسلامية وحق إدارة شئونهم بدون تدخل من الدولة. وبهذا تكتمل دعائم الدولة الطائفية "المتوازنة" التي سيدعي البعض أنها ستحقق قدرا ما من الانفراج في العلاقات الطائفية المتردية. ولا شك أن تكريس الطائفية في الدولة لن يؤدي إلا إلى تكريس الطائفية في المجتمع. وإذا استطاع زخم الحركة الديمقراطية التي نحلم بها أن يلطف من المشاعر الطائفية العدائية، وأن يقيم نوعا من "الوحدة الوطنية" فإن التربة ستكون صالحة لانفجار المشكلة من جديد، لأن الطائفية المتسامحة والمسالمة، يمكن لها أن تتحول في مرحلة مقبلة إلى طائفية عدوانية شرسة. وهذا ما حدث في مصر وفي لبنان. بالإضافة إلي أن هذا النموذج لا يؤدي إلى أي نوع من التحرر، لأن من سيتحرر من سيطرة وقهر الطوائف الأخرى سيقع تحت سيطرة أمراء طائفته هو، الذين سيكون موكولا لهم تمثيل طوائفهم، ناهيك عن الصراعات الداخلية التي ستنشب داخل كل طائفة من أجل الفوز بحق تمثيلها أمام الدولة.
سيناريو الدولة الطائفية لابد وأن يؤخذ بجدية. لقد نجحت الحركة الوطنية المصرية في العشرينات في الانتصار على مطالب تمثيل الأقليات سياسيا، على الرغم من هزيمتها أمام مطالب التأكيد على ديانة رسمية للدولة. ولكن الظروف الموضوعية الآن أكثر ملاءمة لطرح التمثيل الطائفي. فالتيار الإسلامي هو أكثر التيارات حضورا في النخبة السياسية المصرية، وهو منظم في جماعات وتنظيمات من أهمها جماعة الإخوان المسلمين، بخلاف الوضع سنة 1919 وما بعدها حينما كانت الليبرالية تيارا جارفا في الساحة السياسية. والظرف الآن يشير إلى تبلور التيارات الأصولية/ الطائفية المسيحية، فأصبح لها تنظيم جيد وحضور نشط في وسائل الإعلام الموازية مثل بعض القنوات الفضائية ومواقع على شبكة الانترنت.
معركتنا اليوم ضد تكريس الطائفية بإعطاء الأقليات حق التمثيل السياسي ستكون أقسى وأشد من تلك التي خاضها أجدادنا في العشرينات من القرن الماضي. لأن فشل الحركة الوطنية الليبرالية في تأسيسي نظام سياسي مناهض للطائفية لابد وأن يقوي حجج أولئك الذين سيحاولون الادعاء بأن حقوق الأقليات يحفظها ويحميها التمثيل الطائفي السياسي لهم، وأنهم لن يلدغوا من نفس الجحر مرتين. لقد راهن العديد من كوادر الحركة الوطنية على تطور المجتمع من أجل تجاوز الطائفية. أنظر إلى ما قاله عبد الحميد بدوي سنة 1922 في معرض نقده للتمثيل السياسي الطائفي: "إن الناس تحيا بالتفاهم والتسامح، وكان الخلاف دائما موقفا استثنائيا. وإذا كانت الأقلية تذكر أحداث الماضي البعيد، فقد عانت الأكثرية من حكومة الاستبداد فيه بقدر ما عانت الأقلية. والفارق الديني يضعف في مصر الآن، ولن يطول الزمن حتى يمحى من علاقاتنا الاجتماعية وتعفي تماما جميع آثاره" (البشري، ص 210).
لقد راهنت الحركة الوطنية على المجتمع لكي يهزم الطائفية، ولكن تطور الأمور في مصر منذ الثلاثينات عاد بالمجتمع خطوات إلى الوراء. والدرس الذي نخرج به من هذه التجربة هو أن الفكر الحداثي الذي يراهن على التطور التلقائي للمجتمع بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية هو فكر مغرق في التفاؤل غير المبرر. فالرأسمالية التي تميل إلى تحطيم الأطر القبلية والطائفية الضيقة من أجل تسييد مبدأ التراكم الرأسمالي والربح، تنزع في الكثير من الأحيان إلى التواؤم مع الطائفية والأصولية بل وقد تقوم بتأجيجها، والحالة المصرية خير شاهد على ذلك: هل ننسى أن هناك قوى اقتصادية تؤسس تنافسيتها في الأسواق على استخدام الرموز والمشاعر الدينية؟ هل ننسى تجربة البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال الإسلامية؟
وإذا كان تطور المجتمع وظهور فئات اجتماعية جديدة غير ميالة للطائفية بحكم موقعها لا يضمن خروج المجتمع من الطائفية، فإنه على الأقل يوفر التربة الصالحة لتأسيس مشروع سياسي تحرري ديمقراطي. قلنا فيما سبق أن أحد العوامل التي أدت إلى تكريس الطائفية في مصر كانت قضاء النظام الناصري على النخبة الليبرالية، بما فيها من مسيحيين، الأمر الذي رفع نفوذ الكنيسة إلى السماء، وأجلس البابا شنودة الثالث على عرش زعامة الطائفة المسيحية باعتباره "الممثل الشرعي والوحيد للمسيحيين". لذلك فإن أفول نظام ثورة يوليو وتداعي سيطرة الدولة على المجتمع، ومن ثم بزوغ فئات جديدة من الطبقات الوسطى والعاملة متحررة من سيطرة النظام لابد وأن تعطي النخب المسيحية الجديدة التربة الصالحة لكي توازن نفوذ الكنيسة التي مارست سيطرة شبه مطلقة على "الطائفة المسيحية" منذ الستينات، تلك السيطرة التي شجعها النظام إلى أقصى مدى، باعتباره نظاما كوربوراتيا طائفيا لا تستقيم سيطرته على المجتمع إلا من خلال مؤسسات قوية تؤطر وتحتوي الطوائف. والمؤشرات عديدة اليوم على أنه مثلما تتداعي قدرة المنظمات الكوربوراتية (كمنظمات الأعمال) على احتواء الفئات الاجتماعية المنضوية فيها، فإن قدرة الكنيسة على احتواء المسيحيين سياسيا بدأت في التراخي. فتعلو أصوات ترفض قرار الكنيسة الأرثوذكسية بتأييد ترشح حسني مبارك لفترة رئاسية جديدة، وأصوات أخرى ترفض بكل وضوح الاعتراف بتمثيل الكنيسة للأقباط سياسيا سواء في المسائل الداخلية أو في السياسة الخارجية، مثل الموقف من العلاقات مع إسرائيل. والحق يقال أن النظام ليس الطرف الوحيد الذي يريد منح الكنيسة حق التمثيل السياسي للمسيحيين، بل هناك قوى سياسية أيضا (خاصة التيار القومي بل وحتى بعض اليساريين!) تتعامل مع الموضوع بشكل ذرائعي، فهي تقبل بتمثيل الكنيسة للمسيحيين سياسيا إذا اتفق موقفها مع ما تنادى به، مثلما هو الحال في قضية التطبيع مع إسرائيل.
نحن الآن في مفترق طرق، لم يطرح النظام السياسي الحالي أي تصور أو أي مشروع لتجاوز الطائفية التي تنخر عظام الدولة والمجتمع في مصر، بل هو لا يعترف أساسا بوجود المشكلة، ويؤكد أن الحوادث الطائفية عارضة ودخيلة على المجتمع المصري، بل وربما تكون من فعل أيادٍ خارجية تريد شق صف الأمة. والساحة بذلك مفتوحة تماما أمام مشروعات سياسية جديدة للتعامل مع الطائفية، أما بالاعتراف بها من أجل تكريسها من خلال دستور وقوانين ومؤسسات، أو الاعتراف بها من أجل تجاوزها أيضا من خلال دستور وقوانين ومؤسسات. لذلك فمن مهام الحركة الديمقراطية الآن صياغة تصور عام لدولة مدنية ديمقراطية تكون أحد بنوده معالجة المسألة الطائفية. والمعضلة الأساسية أمام هذا الطرح ستكون: كيف يمكن تأسيس دولة ديمقراطية غير طائفية في مجتمع طائفي؟ فأي طرح ديمقراطي يتجاهل بخفة الطائفية الضاربة في المجتمع المصري لن يكون أكثر من طرح طوباوي لن يقبله حتى الأكثر تضررا من الطائفية السائدة.
الطرح المدني الديمقراطي للدولة في مصر يجب أن يقوم على الاعتراف بتغلغل الطائفية المتسامحة أو العدوانية في المجتمع، وبأن هذا التغلغل يفرض على القوى الديمقراطية خوض معركة داخل المجتمع والدولة ضد الطائفية. وهذه المعركة تتطلب كسب حلفاء من المعسكر الطائفي ذاته. وهنا قد يكون من المهم التفرقة بين الطائفية العدوانية والطائفية "المتسامحة". النوع الأول يحتاج من الحركة الوطنية الديمقراطية إلى أن تنازلها وأن تنتصر عليها، في كل الساحات والفعاليات. النوع الثاني يحتاج من الحركة إلى حوار ونقد مستمر (لا يصل إلى القطيعة) لبيان حدود قدراته في حل ما ينجم من مشاكل ومصائب من جراء الطائفية. حينما نتحدث عن نوعين من الطائفية، لا نقصد أشخاص بعينهم، فذوي النزعات الطائفية يميلون أحيانا إلى التسامح وأحيانا أخرى للعدوانية تبعا للمزاج الطائفي العام في المجتمع، وتبعا لتطورهم الشخصي. نحن نتحدث عن مواجهة ميول: للميل العدواني النزال وللميل المتسامح الحوار النقدي. المهم في كل الأحوال ألا يكون تعامل الحركة الديمقراطية مع المسألة الطائفية تطهريا، بمعنى أن تنأى بنفسها عن الطائفية وعن تلوث أياديها القادمة من العالم الحديث غير الطائفي بالانعزال عن المجتمع الطائفي، أي عن معظم المجتمع، خوفا من الخسارة. فالقوى التي ستخوض معارك ضد الطائفية ستخسر في بعض الأحيان معارك، بل وستخسر كوادر ستقوم الطائفية بشفطها من الحركة. لا مشكلة في هذا، المشكلة تظهر حينما تخسر القوى الديمقراطية كل أو جل المعارك، أو تخسر كوادر كثيرة تلتحق بالطائفية. المهم أن تخوض الحركة الديمقراطية المعركة تلو الأخرى، ولا تؤجلها إلى مستقبل وردي سيقوم فيه الشعب لكي يدوس بأقدامه على القيود، ومنها الطائفية.

خاتمة
هناك علاقة جدلية بين تطور الحركة الديمقراطية وحل المشكلة الطائفية. فكل تجاوز للطائفية يدفع بالحركة الديمقراطية للأمام، وكل مكسب تقتنصه القوى الديمقراطية يساعد في التخفيف من وطأة الطائفية. فلا ديمقراطية بدون مشاركة أقليات، ولا انعتاق للأقليات إلا بالاشتراك في المعركة الديمقراطية لكل المجتمع.
علنا نشرع فورا في نقاش سياسي حول موقف الحركة الديمقراطية من المسألة الطائفية. ربما ينتهي ذلك النقاش إلى كتيب يتوافق عليه المئات وربما الآلاف من الديمقراطيين، كتيب يشرح مثالب الطائفية، يدافع عن الدولة الديمقراطية المدنية، ويبين جدواها لكل المجتمع، بكل أفراده سواء انتموا دينيا للإسلام، أو للمسيحية، أو للتشيع، أو لليهودية أو لأي شيء. ثم ينتقل هذا الكتيب إلى طرح تصور دستوري يترجم برنامج الحركة الديمقراطية في المسألة الطائفية. وبهذا الكتيب نستطيع الدخول في نقاش جدي مع القوى الطائفية، ونستطيع أن نواجه المجتمع بهذا البرنامج المتكامل. ربما يتسنى لنا إقناع بعضهم أن تجاوز الطائفية السياسية والمجتمعية سيفتح للمصريين أفاقا غير محدودة من التطور الإنساني. وسيتمثل التجسيد العملي لذلك البرنامج في الجماعة الديمقراطية نفسها، بتسامحها وبإنسانيتها وباحترامها لكل إنسان بعض النظر عن عقيدته. فلنتعاهد على أن نصيب المجتمع "بعدوى" انتمائنا الإنساني الواسع الذي يفتح لنا أفاقا غير محدودة من التطور الشخصي ومن التلاقح الإنساني. ولنتعاهد على أن نقاتل بلا هوادة كل من يريد الفرقة بين المصريين بسبب الجنس أو الدين أو اللون أو الانتماء الإقليمي، أو أي شيء ليس للإنسان حيلة فيه.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:08.

الرأسمالية المصرية.. هل هي طبقة منتجة للديمقراطية؟

سامر سليمان

هل يسهل نمو الرأسمالية المصرية وتوجهها نحو السياسية من التطور الديمقراطي في مصر؟ نعم ولا. الأمر مركب. هذا ما يحاول سامر سليمان أن يوضحه من خلال التعرض لبعض الاعتبارات منها علاقة الرأسمالية بالطبقة البيروقراطية الحاكمة, والطبقة الوسطى الحديثة.

وصل الضباط الأحرار إلى السلطة في يوليو 1952، وبوصولهم رحل النظام الليبرالي المحدود الذي كانت مصر تعيش تحت سقفه، وبعد فترة قليلة لحقت به الرأسمالية الكبيرة فرحلت هي أيضاً، وأصبحت رأسمالية الدولة هي النمط السائد في الصناعة والتجارة الكبيرة. وعادت الرأسمالية في السبعينات حين تبنى نظام السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي. ولكن الليبرالية لم تأت معها، رغم وعود السادات، ورغم تأكيدات بعض المحللين بأن الرأسمالية لابد وأن تأتي بالديمقراطية مهما طال الزمن. ولكن الزمن طال واستطال.. أكثر من 30 سنة مرت الآن على عودة الرأسمالية ولازلنا ننتظر أن تقوم الرأسمالية ب"الثورة" الديمقراطية الموعودة.
لماذا يُنتظر من الرأسمالية أن تأتي بالديمقراطية؟ أليست الرأسمالية تنتمي إلى عالم الاقتصاد، والديمقراطية تنتمي إلى عالم السياسة؟ يُنتظر ذلك لأن البعض يعتقد أن الاقتصاد يخلق السياسة. وهذه الفكرة أتت وسادت في الفكر السياسي/ الاجتماعي بواسطة الماركسيين. فعندما درس هؤلاء التطور الديمقراطي في أوروبا، أحالوا أسبابه إلى صعود البورجوازية، واعتقدوا أنه بما أن الرأسمالية قد سبقت الديمقراطية وكانت هي النمط السائد في الإنتاج يمكن القول بأن الرأسمالية خلقت الديمقراطية البرلمانية، حتى أنهم سموها في بعض الأحيان "الديمقراطية البورجوازية". اخترقت هذه القطعية في تفسير الديمقراطية بالرأسمالية تيارات ليبرالية راديكالية، فنجدها لدى ما يسمى تبسيطاً باللبرالية الجديدة، فمن يريد أن يأتي بالديمقراطية، عليه بادئ ذي بدء إرساء قواعد نظام اقتصادي رأسمالي. لماذا؟ لأن سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج تجعل منها كائنا متوحشا ومستبدا، أما الرأسمالية فهي تؤدي إلى انتشار القوة في المجتمع بعيداً عن الدولة. انتقل التفسير الاقتصادي للديمقراطية من الماركسيين إلى الليبراليين سواء بالتأثير أو بانتقال الماركسيين أنفسهم إلى النيوليبرالية. والمثال الأكثر شهرة في ذلك هو فرناندو كاردوسو، التي لا زالت كتاباته تعد من أهم ما أنتجته المكتبة الماركسية في أمريكا اللاتينية، وهو في نفس الوقت الرئيس السابق للبرازيل الذي نفذ برنامجا شديد الليبرالية.
هذه الرؤية المتطرفة في إحالة السياسة إلى الاقتصاد، تم تجاوزها بدرجات مختلفة سواء من التيارات التي مزجت ماركس بماكس فيبر لإعطاء أهمية للفكر في تشكيل المجتمعات (البروتستانتية تخلق الرأسمالية) أو من التيارات اليسارية التي أعطت للسياسة وللوعي دوراً هاماً (جورج لوكاش على سبيل المثال)، أو من التيارات التي تبنت فكرة المجالات المتعددة والمترابطة (المجال الاقتصادي، المجال السياسي، الفكري، الخ) وهو ما نجده عند بيير بورديو على سبيل المثال.
وبتجاوز فكرة أن السياسة يخلقها الاقتصاد، والاقتصاد فقط، هنا سيكون علينا أن نتحفظ كثيراً على فكرة أن الرأسمالية تأتي بالديمقراطية، فهي أحيانا تساهم فيها، لكن في أحيان أخرى توطد دعائم الاستبداد. فليست هناك طبقة ديمقراطية أو استبدادية بالطبيعة، الأمر يتوقف على سياقات كثيرة سياسية وفكرية تؤثر في تغليب خيار على آخر. والأمر شديد التعقيد كما تشير الحالة المصرية، فإضافة العوامل السياسية والإيديولوجية للصورة الاقتصادية تؤدي إلى وضع الكثير من التحفظات على مقولة أن الرأسمالية تأتي بالديمقراطية.

هل تزعزع الرأسمالية النظام الاستبدادي في مصر؟
نعم السياسية تؤثر عليها عوامل أخرى غير الاقتصاد، لكن يظل الاقتصاد مهما. فكيف تؤثر التغيرات التي تلحق بالاقتصاد المصري على إمكانيات التطور الديمقراطي في مصر؟ أهم ما يتغير في الاقتصاد المصري، هو تقلص حجم الموارد الاقتصادية الذي تسيطر عليها الدولة، ومن ثم زيادة نصيب الرأسمالية من موارد المجتمع. نحن أمام رأسمالية صاعدة، إن لم يكن بفعل قوتها الذاتية فعلى الأقل بفعل ضعف الدولة.
هل يخلخل ذلك من قوة النظام المصري؟ نعم. الفكرة بسيطة: نظام استبدادي يقيم سيطرته ليس فقط على العنف ولكن أيضاً على توزيع العطايا والمنافع لفئة تصبح هي قاعدته الاجتماعية. وبتقلص الموارد، يخسر النظام قواعد كان يضمن ولائها بالمال، وبزيادة نصيب القطاع الخاص من الموارد الاجتماعية، تنتشر القوة الاقتصادية بعيداً عن الدولة وتصعب إدارتها بالمنطق الأمني، مما يخلخل من النظام السياسي. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن هذا النظام لا يقف ساكنا يشاهد ذلك في سلبية منتظراً حتفه. كلا، هو يجاهد من أجل التكيف مع تراخي أحد أهم أدواته في السيطرة، لذلك ارتفع بمستوى العنف تجاه المجتمع، كما ترك قاعدته الاجتماعية البيروقراطية تنقض كالمماليك أو كالانكشارية على المجتمع لكي تفرض عليه الإتاوات. كل مملوك وقدراته، من أول من يبتز رجال الأعمال إلى من يبتز الباعة الجائلين.
وبهذا تصبح البيروقراطية الحاكمة في مواجهة كل فئات المجتمع، بما فيها الرأسمالية. لكن هنا أيضاً الأمر ليس بهذه البساطة. فالرأسمالية جماعات وطوائف وأفراد، وهي تتصارع مع بعضها البعض، وفي صراعها يستخدم البعض علاقاته بالنظام من أجل الحصول على موارد (النظام المصرفي) أو للحصول على مميزات لا يحصل عليها منافسوه. الكل تقريباً يحاول ممارسة ذلك، البعض ينجح تماماً والبعض ينجح أقل، والبعض الأخر يفشل فينزوي في ركن بعيد. بعبارة أخرى كثير من رجال الأعمال متورطين مع النظام ومع الدولة، حتى ولو كانوا يقضون الليل والنهار في الدعاء عليهما.
هذا بالإضافة إلى أن تفسخ وتردي الدولة، والانحطاط غير العادي للمجتمع. يضغط على الرأسمالية، التي لابد وأن تراقب بقلق زحف المهمشين والفقراء، فأصبحت القاهرة مثلاً مجرد جزر منعزلة من الغنى في محيط كبير من الفقر والحرمان، وهنا يكون دور النظام هو حماية من يملك ممن لا يملك، وبذلك يصبح الملاك أسيري البيروقراطية الحاكمة التي لو تركتهم لثورة "الرعاع" لأكلوا الأخضر واليابس. يحضرني هنا مشهد هؤلاء "الرعاع" في بغداد عندما احتلتها القوات الأمريكية فعاثت قطعان منهم في المدينة سلباً ونهباً. تسيطر البيروقراطية على الرأسمالية بفزاعة ثورة "الرعاع". وهذه الفزاعة تخفف من توتر العلاقة بين الطبقتين ولكنها لا تحلها، لأن الرأسمالية تدرك مدى التردي الذي وصلت إليه البلاد، وهذا التردي ينعكس على أشياء كثيرة منها قدرة الدولة على التواؤم مع مقتضيات النمو الرأسمالي. هذا بالإضافة إلى أن تجربة آسيا أدارت رؤوس العديد من رجال الأعمال الذين دخلوا في علاقات تبادل وشراكة مع الأسيويين ولمسوا بشكل مباشر كيف يمكن لرأسمالية متخلفة أن تنمو وتتوسع عالمياً في عقود قليلة. الحلم الأسيوي يداعب الرأسمالية المصرية حينما تتفاءل. وهذه الاعتبارات تمثل ضغوطا تدفع الرأسماليين للاهتمام بقضية السياسية والدولة. الحياة السياسية في الفترة الماضية شهدت دخول كثير من رجال الأعمال إليها.

الرأسمالية تتسيس والنظام يحتويها
اجتذبت الحركة الديمقراطية في السنة الماضية بعض الرأسماليين، ملاك لمشروعات متوسطة أو صغيرة، يعمل لديهم المئات أو العشرات. من هؤلاء محمد فريد حسانين، هاني عنان، عادل المشد. الأول انضم لكفاية ثم تركها وقرر ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، وهو ينطق بخطاب ليبرالي تصل راديكاليته في بعض الأحيان للمطالبة بإسقاط مبارك، قبل أن يتراجع أخيراً ويسلم ببقاء الرئيس. الثاني انضم لكفاية وبات أحد أبرز كوادرها، الثالث شارك في تأسيسي الحملة الشعبية من أجل التغيير التي يعمل من خلالها اليسار والتي ترفع شعار الحرية الآن. هل يسقط انخراط مثل هؤلاء الثلاثة في محاولات التغيير السياسي نظرية رأس المال الجبان، الذي لا يملك إلا أن ينحني للسلطة لأنها قابضة على روحه، وتستطيع في أي لحظة تدمير مشروعه الخاص؟
الحقيقة أن الشخصيات الثلاثة المذكورة أعلاه تظل حالات خاصة في أوساط الرأسمالية، فالثلاثة ينتمون بدرجة أو بأخرى لجيل السبعينات الذي اصطدم بالسلطة وخرج من الجامعة إلى الشارع في أوائل السبعينات في محاولة لاقتناص بعض المطالب مثل تجذير وتصعيد المعركة مع إسرائيل، وفتح الباب أمام الحريات الديمقراطية. يحمل هذا الجيل صبغة يسارية لا تخطئها عين، كما يحمل اعتزازاً بالحركة الطلابية التي أعقبت هزيمة 1967 والتي حركت الماء السياسي الآسن الذي عاشت فيه مصر طوال المرحلة الناصرية. هناك حالة "سبعينية" داخل بعض أوساط رجال الأعمال المنتمين لهذا الجيل. أنظر لنموذج نجيب ساويرس وهو الرأسمالي رقم واحد في مصر اليوم من حيث الحجم: إنه يُعرف نفسه سياسياً بأنه يساري. وهو ليس الوحيد في ذلك، لقد رآها كاتب هذه السطور أكثر من مرة في مؤتمرات تضم رجال أعمال. بغض النظر عن الجانب الفكاهي في تعريف ساويرس لنفسه بأنه يساري، لماذا يعرف رأسمالي نفسه بذلك التيار؟ ولماذا ينشط بعض رجال الأعمال في حركة التغيير؟ لابد أن نسلم بأن المصلحة المادية، برغم محوريتها الفائقة، ليست هي الحاكم الأوحد لسلوك الرأسماليين السياسي.
بخلاف أمثلة معدودة، ذكرنا بعضها أعلاه، والتي انضمت للحركات الاحتجاجية، يظل الحزب الحاكم والبرلمان هما الساحة الأساسية لنشاط الرأسماليين السياسي. يبدو أن رجال الأعمال هم الفئة التي تشهد أعلى معدل للتسييس في المجتمع المصري الآن. ففي الوقت الذي تستمر فئات اجتماعية واسعة في الانسحاب التام من السياسة، مثل العمال والفلاحين، الخ، في ذات الوقت ينشط الرأسماليون في الالتحاق بالحزب الوطني، والاستحواذ على مناصب فيه، هذا بالإضافة بالطبع إلى خوض معارك شرسة من أجل انتزاع مقاعد في البرلمان. أنظر انتخابات 2000 والتي أسفرت عن استحواذ 77 رجل أعمال على مقاعد في مجلس الشعب، مقابل 37 فقط عام 1995. وتسييس الرأسمالية لا يقتصر فقط على زيادة أعداد رجال الأعمال في مجلس الشعب، ولكن على احتلالهم ولأول مرة مناصب هامة فيه، مثل رئاسة لجان كلجنة التعليم (حسام بدراوي) ولجنة الخطة والموازنة (أحمد عز). هذا بالإضافة إلى تولي رجال أعمال مناصب وزارية، في حكومة نظيف الأخيرة.
ما الجديد في إقبال رجال الأعمال على الحزب الوطني؟ ألم يكن الحزب الحاكم دائماً مفتوحاً أمامهم؟ ألم يكن الحزب الحاكم دائماً هو الجسر الذي يعبر عليه رجل الأعمال إلى جنة العلاقات الحميمة بالسلطة، وبالتالي جنة الربح؟ الجديد في الموضوع أن بعض رجال الأعمال لا يدخلون الحزب الوطني اليوم من أجل تحقيق مصالح شخصية فحسب، إنهم يريدون التأثير على السياسات العامة بغرض تكييفها لمقتضيات نمو الرأسمالية. هذا هو الجديد.. أنظر إلى أداء عبد الوهاب قوطة، (نائب بورسعيدي)، في مجلس الشعب، وأنظر إلى أداء أحمد عز، إمبراطور الحديد. نحن أمام بوادر ظهور فصيل من الرأسماليين، حديث ومتأمرك يدخل السياسة لينمي من مصلحته الشخصية، ولكن يضيف إليها مصلحة الطبقة التي ينتمي لها. وهذا الميل إن كان يعبر عن شيء فهو يعبر عن عملية "نضج" تبدأ ملامحها في الظهور الآن بعد مرور حوالي ثلاثين سنة على عودة الرأسمالية لمصر.

الرأسمالية العائدة تتغير..
عادت الرأسمالية الكبيرة إلى مصر بعد الانفتاح، ولكنها عادت بصورة مختلفة عن تلك التي رحلت بها عن مصر. عادت وهي تحمل على ظهرها ختم الجهل والهمجية. كان هناك شبه إجماع في أوساط المثقفين على أن الرأسمالية العائدة إلى مصر في السبعينيات رثة، أو طفيلية كما سماها البعض. أين هؤلاء "الطفيليين" من الرأسماليين العظام مثل طلعت حرب؟ هكذا كان البعض ينعى. وأخيراً اتفق الكل، المحب للرأسمالية والكاره لها، على أن هذه الرأسمالية لا تشبه في شيء تلك الطبقة التي عرفتها مصر قبل انقلاب يوليو 1952. هكذا استراح البعض لهذا الحكم وانصرف إلى طريقه. لكننا ننتبه الآن إلى أن الرأسمالية في مصر تتغير، والتغير إذا لم يظهر على جيل الآباء فهو يظهر على الجيل الثاني والثالث.
أهم ما يتغير الآن علاقة التبعية والخضوع للبيروقراطية التي ميزت الرأسمالية العائدة إلى مصر في السبعينات. فجانب أساسي من رجال الأعمال أتى من صفوف بيروقراطية القطاع العام والدولة، حيث نجح أن يراكم هناك مالا استطاع به أن يبدأ العمل الخاص، وهو يحتفظ عادة بعلاقات وثيقة مع زملائه السابقين العاملين في الدولة ومن ثم نجح في "تسهيل" أعماله. ومن لم يأت من رحم البيروقراطية كان عليه أن يحتفظ بعلاقات قوية معها. فالرأسمالية العائدة في السبعينات وجدت في انتظارها دولة شديدة التضخم، تسيطر على جانب هام من الاقتصاد، لم تفلح كل شعارات السادات الليبرالية في إخفائه. وهي دولة لا يتأتى لكثير من رجال الأعمال النمو والازدهار إلا بالتجارة والعمل معها.
ولكن كما أن الرأسمالية تتغير، الدولة أيضاً تتغير، فهي لم تعد نفس الدولة التي كانت موجودة في السبعينات وأوائل الثمانينات. صحيح أنها لازالت تسيطر على قطاع كبير من الاقتصاد (غير معروف حجمه الحقيقي)، لكنها لم تعد تملك الموارد التي سيطرت عليها حتى الثمانينات، هذا في الوقت الذي نمى فيه القطاع الخاص وتوسعت نشاطاته. وصعود الرأسمالية لا يجب فقط قراءته في الحسابات القومية التي تعطى لهذه الطبقة نصيباً متزايداً من الناتج القومي، ولكن يجب أيضاً البحث عن دعائمه في الفكر الاقتصادي والسياسي المهيمن على المستوى العالمي والذي شهد منذ السبعينات وخاصة في التسعينات هيمنة غير مسبوقة للتيار اليميني ولإيديولوجيا السوق. وبعد أن كابر النظام طوال الثمانينات أمام هذه الإيديولوجية لم يجد مفراً في التسعينات من الانحناء أمامها، وأصبحت إيديولوجيا السوق هي العقيدة الاقتصادية المعتمدة للنظام الحاكم.
على أن النظام لم يكن يبدى حماسة كبيرة في تحويل خطاب السوق إلى سياسيات مطبقة. وعندما كانت المؤسسات الدولية تضغط عليه من أجل الإسراع في "التحرير" كان يماطل ويناور ويتهرب، تارة بحجة "البعد الاجتماعي" وتارة بحجة مقتضيات الأمن القومي، التي غالباً ما تعني في الحقيقة أمن النظام. وهذه المقاومة الشرسة لعملية "تحرير" الاقتصاد تنبع في الواقع من حقيقة أن برامج التحرير تلك صممها خبراء في الاقتصاد لم يراعوا تأثيرها على أمن النظم السياسية التي سوف تطبقها. فعندما تطالب نظاما استبداديا بخصخصة القطاع المصرفي دون أن تشرح له كيف يمكن له بدون ذلك أن يسيطر على مفاصل الاقتصاد، فإنك تطالبه بحفر قبره بيده. هكذا أصبحت المؤسسات المالية الدولية تستعين أكثر فأكثر بخبراء في السياسة حتى يكيفوا برامج التحرير مع احتياجات النظم الاستبدادية التي ستطبقها في البقاء والتجدد.

"الباشاوات" سيأتون ب"الأفندية"
هناك حالة من التسييس تلحق بالطبقة الرأسمالية. وهذه الرأسمالية تصل إلى السياسة مسلحة بأقوى النقابات الفئوية في مصر (منظمات الأعمال)، وبموارد مادية هائلة، وبإدراك متنام لمصالحها. هذه النزعة السياسية المتنامية للرأسمالية يتم حالياً احتوائها في مشروع رسملة الدولة والمجتمع بشكل تدريجي وبما لا يتعارض مع المصالح الكبرى للبيروقراطية العليا، وهو المشروع "الإصلاحي" الذي تصدى له جمال مبارك، وإن كان غيره قادر أيضاً على طرح نفسه كمنفذ جيد لذات المشروع. المشروع يتضمن تسوية بين البيروقراطية العليا والرأسمالية على اقتسام النفوذ والثروة، تسوية تتنازل بمقتضاها البيروقراطية عن بعض المواقع. وهي الصيغة التي أتت بحكومة نظيف التي تعد بمعنى ما، حكومة صديقة لرجال الأعمال، وهي نفس الصيغة التي دفعت مبارك للتعهد بتفعيل دور مجلس الوزراء في صياغة سياسات الدولة.
كلما مالت الرأسمالية للتسييس، كلما تطلب منها ذلك الدفع نحو إدماج قطاعات من الطبقة الوسطى الحديثة في المجال السياسي. أنظر كيف دفع جمال مبارك بعناصر وسطى حديثة لكي تدير الحملة الانتخابية لمبارك على "أساس علمي". عندما يدخل الباشوات إلى السياسة يحتاجون إلى أفندية معهم. فبدون أفندية في السياسة لن يكون هناك أية باشوات. هذه هي الصيغة التي سادت في مصر شبه الليبرالية قبل 1952. ولكن الإقبال الرأسمالي على الطبقة الوسطى الحديثة يجب أن تقاومه البيروقراطية بكل قوة حتى يظل الباشوات دون أفندية، ناهيك عن أن الطبقة الوسطى الحديثة في مصر هي أكثر ناقم على حكم هذه البيروقراطية. كيف تستطيع البيروقراطية تحقيق ذلك؟ عن طريق تنمية النزعة الإسلامية لدى الطبقة الوسطى الحديثة ومن ثم إحالة ملفها إلى الإشكالية الكبرى والفزاعة العظمى في السياسة المصرية، التيار الإسلامي الفتاك. دخول الإسلام السياسي لمعادلة التحالف بين الرأسمالية والطبقة الوسطى الحديثة يعطل هذا التحالف. فمن جهة هناك قطاعات رأسمالية كبيرة تخشى التيار الإسلامي سواء لأسباب دينية أو لتفضيلها نمطا أخر من الحياة، هذا بالإضافة إلى أن إدخال الإسلام السياسي في المعادلة يشق صف الطبقة الوسطى الحديثة. لا ننسى أن هذه الطبقة تحتوي على نسبة غير قليلة من المسيحيين، ونسبة غير قليلة أيضاً ممن لن يتقبلوا من الإسلام السياسي أكثر من الحجاب.
لكن إذا كانت إضافة التيار الإسلامي إلى المعادلة بوسعها أن تعطل من تحالف الرأسمالية مع الطبقة الوسطى، فهي لا تستطيع أن تجهضه تماماً. الرأسمالية المسيسة والطبقة الوسطى الحديثة يحتاجان لبعضهما البعض. حتى التيار الإسلامي الذي تم إدخاله في المعادلة لكي يعطبها بدأ هو نفسه في الاستجابة للضغوط الموضوعية وبدأ أولى بشائر انقسامه على أسس اجتماعية/ طبقية. هناك تيار بدأ يستجيب لمقتضيات قيام حلف رأسمالي/ طبقة وسطى حديثة ببلورة فكر إسلامي جديد متأثر بالبروتستانتية، يتبنى تماماً فكر "الحرية" الاقتصادية. وفى نفس الوقت تميل أقلية من المثقفين الإسلاميين إلى الاتجاه نحو اليسار، وغالباً ما يأتي ذلك عبر باب يسار مناهضة العولمة. بعبارة أخرى التيار الإسلامي نفسه يحتوى على بذرة انقسام بين يمين كبير وأقلية من اليسار. وإذا ما تأتى لهذه البذرة أن تنمو وإذا ما تبلور تيار إسلامي يميني متحالف مع اليمين والرأسمالية وتيار إسلامي اجتماعي يتقارب مع اليسار والطبقات الشعبية فسوف يشارك التيار الإسلامي في تدعيم الاستقطاب اليميني/ اليساري، ذلك الاستقطاب الذي أتى ذلك التيار في البداية لوأده في المهد.
والأمر لا يتوقف عند الطبقة الوسطى، فعندما تدخل الرأسمالية المجال السياسي تجر وراءها قطاعات من الطبقة العاملة، شاءت أم أبت. فالرأسمالية عندما تتبلور في مشروع سياسي، يمهد ذلك الطريق لبلورة مشروع مغاير، لمن يعملون في الطرف الأخر في العملية الإنتاجية. والمسألة بسيطة، فكما أن الإسلام السياسي يساعد على بلورة وتغذية الطائفية المسيحية، فإن تبلور الرأسمالية في قطب سياسي لابد وأن يساعد على بلورة الطبقات العاملة في قطب سياسي أخر. ناهيك عن أن كل نمو للطبقة الرأسمالية يؤدي إلى نمو مماثل في العمال لديهم.

خاتمة
يساهم تسييس الرأسمالية في حد ذاته في تسييس فئات أخرى في المجتمع، ومن ثم فهو قد يدفع التطور الديمقراطي المصري للأمام. المشكلة كلها تكمن في أن النظام يسعى لاحتواء هذا التسييس، في إطار تحالف بيروقراطي رأسمالي، وهو المشروع الذي تصدى له جمال مبارك. إذن فمشكلة الحركة الديمقراطية مع جمال مبارك لا تكمن فقط في أنه ابن رئيس نظام استبدادي يحاول وراثة موقع أبيه في الحكم. المشكلة في المشروع في حد ذاته، لأنه يقوم على تحالف بيروقراطي رأسمالي باستبعاد الفئات الاجتماعية الأخرى، أو بإعطائها بعض الفتات، ولأنه مشروع غير سياسي يقوم أساساً على إصلاح الدولة من خلال الضخ بعناصر فنية حديثة من أجل تطويرها.
وحقيقة الأمر، إنه ليس مشروعاً لإصلاح دولة، بقدر ما هو أساساً مشروع لإصلاح قطاع منها، ذلك القطاع الذي يتعامل مع الرأسماليين. أنظر إلى "الإصلاحات" التي يطبقها يوسف بطرس غالي في وزارة المالية. الوزارة تريد من الرأسماليين أن يزيدوا مدفوعاتهم للدولة (عدم التهرب من الضرائب)، وفي مقابل ذلك ستقوم بتخفيض أسعار الضرائب على رجال الأعمال، وتأسيس جهاز ضريبي جديد، حديث، كفء مخصص للتعامل مع الممولين الكبار، أي رجال الأعمال. وهذا المنهج في "الإصلاح" يطبق على نطاق واسع الآن: خلق بعض البؤر الحديثة والفعالة، وترك جهاز الدولة المتداعي يواصل سقوطه
لقد عملت الحركة الديمقراطية في الفترة الماضية على مناهضة توريث الحكم، وهو شيء جيد. ولكن الأمر الآن يتطلب أبعد من ذلك، يتطلب أن نراقب بتمعن التناقض/ التحالف البيروقراطي الرأسمالي، ألا نهول أو نهون من تناقضات ذلك المعسكر. وعندما تختلف الرأسمالية مع البيروقراطية سيكون علينا أن نقيس المسألة بتأثيرها على التطور الديمقراطي في مصر. فإذا كانت بعض قطاعات الرأسمالية تضغط على البيروقراطية من أجل حرية تنظيم نفسها في منظمات مستقلة عن النظام والدولة، فليس بوسع الحركة الديمقراطية إلا أن تؤازرها، في مقابل أن تتبنى الرأسمالية برنامجا أوسع للحريات. ولكنها إذا كانت تضغط على البيروقراطية من أجل التحلل من الحقوق النقابية أو الاجتماعية للعاملين بأجر لديها، فهنا لن يكون بوسع الحركة الديمقراطية إلا مناهضتها.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 11:51.

وداعا لينين ... هل من جديد ؟ - اليسار ومشكلة التنظيم

اليسار يمر بأزمة تنظيمية، فقد أصبح معظم أفراده يعملون بشكل فردي، أو في مجموعات صغيرة بدائية من الناحية المؤسسية مثل اللجان الشعبية. ليس هناك تنظيمات أو أحزاب يسارية قوية هذه الأيام. فكرة لينين عن حزب الطليعة القائدة للجماهير تجاوزها معظم اليسار في العالم، وهو ما يحدث في صمت بمصر. إلا أن بديل اللينينية لا يزال في مرحلة التشكل.

لكي ينتظم الناس في عمل مشترك يجب أن يتوفر لهم مجموعة من الشروط أهمها هدف أو أهداف يتوافقون على تحقيقها، موارد مالية للإنفاق على التنظيم، موارد معنوية وفكرية، تنظم العقل وتشحذ الوجدان، مجال للحركة يسمح لهم بالنشاط والعمل واجتذاب عضوية جديدة. في ضوء هذه الشروط سنناقش الأزمة التنظيمية لليسار المصري.
التنظيمات اليسارية تشتمل على حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وهو الحزب اليساري الوحيد الذي يحظى بوضع قانوني، كما تضم بعض المجموعات الأخرى شبه السرية مثل "الحزب الشيوعي المصري" (وثيق الصلة بحزب التجمع)، "الاشتراكيون الثوريون" (أنظر المقالة المرفقة) وحزب "الشعب الاشتراكي". ربما يكون هناك مجموعات أخرى لا نعرف عنها شيئاً، فبعض المجموعات اليسارية تغرق في السرية لدرجة أن لا يعلم عنها أحد إلا مكتب مكافحة الشيوعية بمباحث أمن الدولة. هذه المجموعات هي ما تبقي من الأحزاب اليسارية. فقد أتت التسعينات لكي تضع حداً لتنظيمات شبه سرية نشطت في السبعينات وتراخت في الثمانينات، مثل حزب العمال الشيوعي، و8 يناير، والتيار الثوري. لكن التنظيمات التي صمدت أمام الزمن تشهد هي أيضاً حالة من الأفول. لندرة المعلومات لا يمكننا متابعة التنظيمات شبه السرية بشكل موثق. نحن لا نعرف أحوالها الداخلية، ولكن ثمرة عمل هذه التنظيمات تشي بأنها تعاني من تراجع عنيف في حجم ونوعية العضوية.
أزمة اليسار على المستوى التنظيمي تشمل الجميع، من يمتلك رخصة قانونية ومن لا يمتلك. فحزب التجمع الذي انطلق في السبعينات بشكل قوي (150 ألف عضو) واجتذب العديد من النقابيين العمال، مثقفين وفنانين، تراجع في الثمانينات وانزوى منذ التسعينات. حجم ونوعية العضوية اللذان انهارا يشهدان على ذلك. سيطرة البيروقراطية الحزبية عليه، وحالة جريدة الأهالي المتردية والتي كانت أفضل صحيفة معارضة في السبعينات والثمانينات لا تدع مجالاً للشك. رغم ذلك يظل التجمع أكبر تنظيم يساري من حيث الحجم، ومن حيث الانتشار الجغرافي، ومن حيث التمثيل في المؤسسات النيابية. وفقاً للأستاذ عبد الغفار شكر، أحد قيادات التجمع، شارك في الانتخابات الأخيرة للتجمع حوالي 8 ألاف عضو. ولكن ليس كل هؤلاء نشطين. يقول شكر أن العضوية النشطة تبلغ حوالي 2000، وهو بالطبع رقم بالغ التواضع بالنسبة لشعب يبلغ عدد سكانه أكثر من 70 مليون نسمة.
باختصار الحالة التنظيمية في اليسار متدهورة، وهو الأمر الذي سنحاول أن نجمل أسبابه في الآتي:

أولاً: غياب مجال سياسي للحركة
الأسماك تموت لو خرجت من الماء

اليسار تيار حداثي، لذلك فهو يعمل عموماً من خلال تنظيمات حديثة لا تقوم على الأسرة أو القبيلة أو الطائفة الدينية ولكن تتأسس على روابط المصلحة أو الأفكار المشتركة (الإيديولوجيا). الأحزاب السياسية في مصر مُجرمة ومحرمة إلا ما اعتقد الأمن في لحظة ما أنه لا ضرر منها. الرخصة الوحيدة التي أعُطيت لحزب يساري كانت لحزب التجمع في السبعينات، ثم أغُلق الباب بعد ذلك. والحقيقة أن حالة الأحزاب "الشرعية" مثل التجمع لم تشكل حافزاً للمجموعات اليسارية في القطاع "غير المنظم" كي تحاول الحصول، هي أيضاً، على رخصة. لذلك استسلمت المجموعات اليسارية للعمل "السري"، وهو الأمر الذي وضع اليسار في مأزق. فهذه المجموعات تعمل في السياسة كما يعمل الباعة الجائلين في القطاع غير المنظم. تتركهم الحكومة يعرضون بضاعتهم على الأرصفة، وهم بذلك يستطيعوا جذب الزبائن ببضاعة زهيدة الثمن، وإن كانت "مضروبة" في بعض الأحيان. ولكن كما ينطلق الأمن لكي يطارد الباعة الجائلين في الشوارع من وقت لأخر، ينطلق نفس الأمن لكي يطارد اليسار غير المنظم بشكل دوري. وكما يحدث للباعة الجائلين حين يهاجمهم جراد الشرطة، فيحملون الطاولات على رؤؤسهم ويجرون بها إلى الحواري الضيقة، ويصطدمون بالمارة الذين يضعهم حظهم العاثر في طريق الباعة الفارين، فبالمثل.. عندما تهاجم ذئاب الأمن اليسار غير المنظم، يفر إلى الشوارع الضيقة وفي بعض الأحيان يصطدم بالآخرين. والحقيقة أن السبب الرئيسي لحالة السرية التي يعاني منها اليسار تكمن في قانون الأحزاب المصري الذي يُحرم قيام الأحزاب على أساس اجتماعي/طبقي، في حين أن فكرة اليسار تنطلق أساساً من وجود جماعات اجتماعية محرومة تحتاج إلى تنظيم نفسها داخل المجال السياسي. والغريب أن اليسار عمل طوال السنة الماضية وراء أهداف عامة طموحة مثل إسقاط النظام الاستبدادي، ولكنه لم يعمل لمواجهة النص الذي يشكل الأساس القانوني لطرده من المجال السياسي المنظم والشرعي. حتى "النضال القانوني"، وهو أضعف الإيمان، لم ينخرط فيه أحد لفرض شرعية قيام أحزاب على أسس اجتماعية. لم ينم إلى علمنا أن أحداً قد حاول الطعن في دستورية هذه المادة من قانون الأحزاب.
السرية هي آفة التنظيمات اليسارية. لأن السياسة مثل التجارة.. فالتجارة تحتاج للعلنية حتى يلتقي البائعين والمشترين في مكان محدد، بشروط محددة في مواعيد محددة فيخرج كل من الطرفين غانماً سالماً من عملية التبادل. أما التنظيم السري فليس له عنوان واضح يمكن الذهاب إليه، هذا بالإضافة إلى أن العلاقة معه يشوبها عدم اليقين لأن قواعد اللعبة غير واضحة. والسرية تؤدي إلى ظهور أمراض مستعصية، مثل سيطرة الثقافة الأمنية أو "الفوبيا" الأمنية على الأعضاء. فالنظام الحاكم لا يتعامل مع المجموعات شبه السرية إلا من خلال أجهزة الأمن (هو يفعل ذلك عموماً حتى مع المنظمات العلنية القانونية)، وبالتالي يصبح الهاجس الأمني هو الهم الأول للمجموعة "السرية"، الأمر الذي يكرس من حس سياسي يقوم على الشك والريبة، بل والتخوين في بعض الأحيان. كما أن السرية تحول دون الشفافية وديمقراطية المعلومات داخل التنظيم. وهي تجعل تقييم أداءه من جانب أعضائه وأصدقائه، ناهيك عن المحللين، مسألة بالغة الصعوبة، فلكي تُقيم شيئاً يجب أن تتوفر لك معلومات عنه. الأصل في السرية المؤقتة التي يضطر إليها حزب ما هو إخفاء نشاطات معينة عن الأمن. أما السرية المزمنة فهي تؤدي في بعض الأحيان إلى إخفاء عدم وجود نشاطات من الأصل.
قد تكون السرية في بعض الأحيان مطلوبة، فهناك أحزاب تضطر أن تنزل تحت الأرض لتحاشي ضربات أمنية تقوم بها أنظمة بوليسية. ولكن عندما تطول مرحلة السرية، وعندما يستسلم تيار لها باعتبارها قدراً، هنا تكون المشكلة. فالسياسة السرية مثل العادة السرية التي يمكن اللجوء إليها في بعض الأحيان لتلطيف الاحتقان والكبت الجنسي انتظاراً لظروف أفضل، ولكن التفنن فيها والاستسلام لها يؤدي في الأجل الطويل إلى العزلة الموحشة. وهو ما تعاني منه المنظمات اليسارية شبه السرية.
لقد دفعت حالة النشاط السياسي النسبي خلال السنة الماضية المنظمات السرية إلى محاولة كسر دائرة السرية كما زادت من إقبال اليساريين على العلنية. ينطبق ذلك حتى على التنظيمات شبه السرية خاصة الاشتراكيين الثوريين، الذين باتوا يعلنون عن وجودهم بشك صريح. والحقيقة أن المناقشات داخل اليسار حالياً تكشف عن ميل أكثر فأكثر إلى العمل العلني. وإذا تطورت حالة الزخم التي أصابت اليسار في السنة الماضية بسبب "الحراك السياسي" يمكنها أن تفضي في النهاية إلى العمل المشترك للوصول إلى هدف فرض شرعية قيام أحزاب يسارية علنية وقانونية.
إذا كنا نقول أن السرية هي آفة التنظيمات اليسارية، كيف لنا أن نفسر تحقيق الإخوان والجماعة الإسلامية (في الثمانينات والتسعينات) لنجاحات ضخمة في التجنيد والانتشار بينما هم يفتقدون لأحزاب قانونية. الحقيقة أن هناك فارقاً ضخماً بين التيار الإسلامي واليسار. فالمساحة التي يتحرك فيها الإسلاميون لا تقتصر على المجال السياسي، فهذا التيار ينشط سياسياً في الجوامع وفي المساحات الدينية، لأنه تيار يقوم على المزج بين الدين والسياسة. لذلك فضيق المجال السياسي لم يزعج الإخوان والجماعات الإسلامية كثيراً، بل قد يكون قد أراحهم من منافسين محتملين. لا يملك اليسار بطابعه العلماني أن يعمل بالسياسة في المساحات الدينية. لكن في الحقيقة كان لليسار أن يعمل أكثر في المجال الاجتماعي للهرب من مشكلة ضيق المجال السياسي. أعتقد أن أحد مشاكل اليسار المصري هي أنه تيار مسيس بشكل زائد عن اللزوم، في مجتمع تعرضت السياسة فيه للإخصاء منذ الخمسينات. وبهذا فإن تركيز اليسار على المجال السياسي فقط قد أصابه في النهاية بعقم الحياة السياسية المصرية.
مشكلة المجال السياسي، الماء الذي يتنفس فيه السمك، لا تقتصر على أنه مغلق دون تيارات وتنظيمات يسارية تضطر للعمل تحت الأرض. فالحزب الذي يعمل في العلن وفي ظل القانون، أي التجمع، يظل في حالة أزمة. فالمجال السياسي الرسمي في مصر ضيق جداً، والأحزاب محاصرة في مقراتها، وأجهزة الأمن تكاد تسيطر على كل شيء. إذن فأزمة حزب التجمع ترجع جزئياً إلى ضيق المجال السياسي المصري. وكما أننا لا يمكن أن ننتظر ظهور لاعبين مهرة بدون عدد كبير من الملاعب تستوعب الأطفال، فلا يمكن انتظار ظهور أحزاب قوية أو كوادر عظيمة بدون ملاعب سياسية. لقد عالجنا قضية ضيق المجال السياسي المصري في الأعداد السابقة بحيث لا نحتاج هنا للتفصيل فيها.

ثانياً: مشكلة انهيار العضوية كماً وكيفاً
أحد أهم مؤشرات تردي التنظيمات اليسارية هو الانخفاض الكمي والنوعي في العضوية. من الملحوظ اليوم، أن معظم أبناء هذا التيار هم أفراد وليسوا أعضاء في أحزاب سياسية، ومعظمهم عازف عن التورط في أية تجربة تنظيمية جديدة تعيد إنتاج المنظمات الفاشلة التي دخلوها من قبل. ومشكلة التنظيمات لا تتعلق بالكم فقط، أي بحجم عضويتها، وإنما في عجزها إلى حد كبير عن اجتذاب العناصر الجيدة. كم من القيادات العمالية النقابية تضمها التنظيمات اليسارية، بما فيه حزب التجمع؟ كم من قيادات نقابات الطبقة الوسطى ومن الكتاب والفنانين تضمها هذه التنظيمات والأحزاب. قليل جداً؟ هذا بعد أن كانت التنظيمات الشيوعية في الماضي، خاصة في الأربعينات والخمسينات تضم نخبة من قيادات العمال والكتاب والمحامين، الخ.
كانت التنظيمات اليسارية تتغذي في الماضي على التيار اليساري الواسع. يجب التفرقة بين التيار والحزب. فالتيار، أي تيار، هو أفراد ومجموعات وأدبيات مكتوبة وشرائط مسموعة وأفلام وشركات، وجمعيات اجتماعية، الخ. التيار إذن أكبر من التنظيمات التي فيه. فالتيار الإسلامي على سبيل المثال أكبر من الإخوان المسلمين،