شريف يونس
الأمن القومى والقضية الفلسطينية
شريف يونس
الفكرة المهيمنة بشأن أسس إسرائيل فى إيديولوجيات الهوية هى نظرية
المؤامرة. وقد تراوح التصور القومى- الدينى العام بين نظريتين للمؤامرة،
أولاهما أن إسرائيل جسم زرعه "الغرب" فى المنطقة لخدمة مصالحه الاستعمارية
والحيلولة دون الوحدة العربية. كانت هذه النظرية مفضلة فى الخمسينيات
والستينيات، لأنها أتاحت للنظم العسكرية العربية الموصوفة آنذاك بالتقدمية
أو الاشتراكية، فضلا عن الوطنية، أن تمنح نفسها الدور الرئيسى فى
المواجهة، وأن تطالب الضحايا الفلسطينيين بالانتظار فى مخيماتهم إلى أن
تنجح فى الانتصار على إسرائيل واستعادة أرضهم لهم.
نشره البوصلة يوم أحد, 10/18/2009 - 18:59.
شريف يونس
هل يستطيع أحد أن يدافع عن فكرة "الجماعة الوطنية"، التى تقوم على
مبدأ المساواة، على أن تقوم فى نفس الوقت على تمييز جماعة يتمتع فيها
أصحاب دين معين، أو المتحدثين والحاكمين باسمهم؟ هل تستطيع كل حيل الجمع
بين هذا التناقض أن تنشئ سلما أهليا، أو جماعة متماسكة؟ هذا ما حاول
الأستاذ طارق البشرى أن يقوم به فى مقالاته الأخيرة التى جمعها فى كتاب
"الجماعة الوطنية: العزلة والاندماج"، الصادر فى أبريل 2005 فى سلسلة كتاب
الهلال. في هذا المقال يقوم شريف يونس بعرض ونقد ما طرحه البشرى.
نشره البوصلة يوم ثلث, 05/19/2009 - 10:59.
أزمة الديمقراطية
لماذا لا نجد مرشحا أمام الرئيس؟ وما العمل إذن؟
شريف يونس
أحيانا يبدو الحال وكأن ربيع الديمقراطية فى مصر على مرمى البصر، ثم تأتى لحظة أخرى يبدو فيها أنه قد انتهى أو توقف. فى هذا المقال يحاول شريف يونس أن يقدم تحليلا لأزمة الديمقراطية فى أبعادها التاريخية والمؤسسية، فى الحزب الوطنى وقوى المعارضة. ويراهن المقال على حركة ديمقراطية جذرية طويلة المدى، تعيد إدخال قطاعات واسعة فى الفعل السياسى.
منذ عقد أو أكثر فطن البعض إلى أن قوى المعارضة تعانى من بعض أمراض الحزب الحاكم، مثل خلود الوجوه المؤسِّسة القديمة، وعجزها عن التجديد الفكرى، وغياب آليات الديمقراطية الداخلية أو ضعفها، والأهم افتقارها إلى ثقل جماهيرى معتبر، وبالتالى عدم قدرتها على ممارسة ضغط سياسى فعال على السلطة. وفوق ذلك يحمل العديد منها إيديولوجيات سلطوية بديلة، حتى وهو يطالب بالديمقراطية. فثمة من يريد الأسلمة أو إعادة الدولة "القوية" الشمولية، فى نفس الوقت الذى ينادى فيه بالديمقراطية.
أما "الحزب الوطنى"، فقد تبين منذ زمن بعيد أنه زائدة ملحقة بالجهاز الإدارى والبوليسى الذى يشكل عصب نظام الحكم. فحزب السلطة يحقق احتكاره لمعظم مقاعد التشكيلات "الشعبية" المنتخبة بخليط من التضييق على النشاط السياسى والجماهيرى عموما والقمع والتزوير، وكذلك الخدمات التى يقدمها الجهاز الإدارى للقوى المحلية على اختلافها عن طريق ممثليه فى هذه التشكيلات. ويشكل "الحزب" بذلك نوعا من وسيط مفيد ومستفيد بين السلطة و"الشعب".
والنقطة الأساسية هنا هى أن هذا النظام لم يكن ابن تيار سياسى منتصر، بل ابن مجموعة محدودة من الضباط استولت على السلطة عام 1952 واعتمد بقاؤها بالتالى على تصفية كافة القوى السياسية القائمة والمحتملة. وقد استطاع عبر خمسين عاما أن يُلحق كل الأنشطة الاجتماعية بالجهاز الإدارى، ويُخضعها لهيمنة الجهاز الأمنى، بما أتاح له التدخل، بلا رقيب من خارجه، فى كل صغيرة وكبيرة فى حياة الناس. وهى عملية لم يوقف نموها "انفتاح" ولا "رأسمالية"، ولا ارتباط بشرق أو غرب، وخلقت "تابوهات" فاعلة، محورها عقيدة "الخوف من الحكومة" الباطشة، المحصنة عمليا وواقعيا من كل حساب فعال، خاصة بالنسبة للطبقات الأدنى المسحوقة.
وهكذا كان الحل الذى قدمه النظام لمشكلة "الفراغ السياسى، الذى نشأ عن إلغاء الحياة الحزبية، هو تقليص المجال السياسى نفسه ليكون على مقاسه المحدود. وحين تقرر إقامة نظام حزبى، كاد يكون نظاما بلا أحزاب تقريبا (بمعنى مؤسسات تتمتع بقدرات تتيح لها محاولة المنافسة على الحكم).
ولم تتجاوز عقلانية السلطة فى أعلى ذراها السماح بحركة محدودة للناس تحت المراقبة، وقدر من حريات التعبير والتنظيم، خاضعة دوما للمراجعة والتعديل، لتكون بمثابة "مجسات" وبؤر لمطالب الناس ومعارضتهم، تتيح للنظام وزنها وقياسها والحد من مخاطرها فى الوقت المناسب، أو أخذ ما تفكر فيه وتعمل له بعين الاعتبار فى تقديره الخاص المنفرد للأوضاع، واتخاذ القرارات بما يحفظ ما يراه مناسبا لحياته من توازنات. وفى هذا الإطار أُجريت تجارب بدأت بهيئة التحرير وحتى الاتحاد الاشتراكى، ثم أخذت تتدهور حتى وصلت إلى الحزب الوطنى.
نشره البوصلة يوم ثلث, 05/19/2009 - 09:37.
شريف يونس
هذا المقال يحاول أن يقدم مساهمة نحو إعادة قراءة تاريخ المنطقة والبلاد، من منطلق ديمقراطى جذرى. موضوعه بالتحديد هو عهد الاستعمار، فحركة التحرر الوطنى، ثم دولة ما بعد الاستعمار وأزمتها الحالية، وظاهرة الاستعمار الجديد. وهدفه تقديم رؤية أخرى، ديمقراطية، تواجه طرح التيار القومى (والدينى) الذى يواجه الاستعمار الجديد بمنطق سلطوى، يضحى بكل رحابة صدر، وشغف، بالدولة الديمقراطية فى سبيل المواجهة التى يراها محتومة.
نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:48.
شريف يونس
إذا كان هذا المشروع ممكنا، سيكون هناك بالفعل إسلام ديمقراطى غير ملفق، وسيتوقف الدعاة من نوع صاحب مقولة "اللحم المكشوف" عن الشعور بالإهانة لمجرد أن ضمير الآخرين لا يطابق ضميره، أو لأن وجدانهم يختلف عن وجدانه، أو الشعور بأنه "مقهور" لأنهم، هؤلاء "الأوغاد"، يعتدون على حقه "الطبيعى" فى أن يكون سيدا على كل أرض وكل إنسان، ويمنعونه من القيام "بواجبه" فى "تعبيد" هذه الأراضى وهؤلاء البشر لربهم كما يراه هو.
نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:18.
شريف يونس
كان الخطاب الليبرالى لعبد المنعم سعيد الذى توالى على صفحات الأهرام فى السنوات الأخيرة ظاهرة ملفتة، ترافقت مع صعود ما سُمى الجناح الإصلاحى فى الحزب الوطنى. وعلى خلاف اتهامات التيار القومى لسعيد بانحياز أمريكى، يأخذ شريف يونس خطابه بجدية، ويحاول، أن يناقش هذا الخطاب الجديد وحدوده كخطاب ديمقراطى، وفقا لمعايير ديمقراطية جذرية، ويُرجع محدوديته إلى طبيعة رهان سعيد السياسية.
يحتل عبد المنعم سعيد منصبا رسميا مرموقا فى الأهرام، بوصفه مدير مركز الدراسات، وهو أيضا عضو لجنة السياسات الصاعدة داخل الحزب الوطنى. ولهذين السببين معا يعتبر الكثيرون كتاباته مجرد دعاية.. كما يتهمه التيار القومى بأنه مدافع عن الارتباط بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية. ولكننى بعد أن قرأت مقالاته منذ يونيه 2003 وحتى الآن اكتشفت أن المسألة أكثر تعقيدا. بالطبع يقوم سعيد بمهام "دعائية" تصل أحيانا إلى مغالطات فجة دفاعا عن "النظام"، ولكنه يقدم أيضا نموذجا لكاتب سياسى له مشروع فكرى إصلاحى فى اتجاه ليبرالى من داخل النظام، يقدمه عن اقتناع به، وينحاز لخيارات لا تتطابق بالضرورة مع ما أسفرت عنه الصراعات داخل السلطة، حتى أن اقتراحاته أُهملت أكثر من مرة. ومن هنا فإنه يستحق المناقشة العقلانية، التى لا تعفيه بالطبع من نقد، لا أظن أن أفكاره الأساسية تغيب عن سعيد نفسه.. ولكنه قدر ومأساة البحث عن حجر الفلاسفة (تلك الأسطورة التى تتكلم عن مادة تحول التراب إلى ذهب فى الخيمياء القديمة) لتحويل الكيان المسمى الحزب الوطنى إلى حزب أصلاً، فضلاً عن أن يكون حزبا ديمقراطياً، بل ويقود عملية إقامة نظام ديمقراطى.
ليبرالية ذات حدود وطنية:
وصفات الإصلاح كثيرة، بدءا من العودة للسياسات الناصرية كما يطرح الحزب الناصرى مثلا، أو المزيد من أسلمة مجتمع مؤسلم بالفعل حتى النخاع، بغزو بعض مواقع الدولة التى ما زالت محجوبة عن تيار الأسلمة. وصفة عبد المنعم سعيد بدورها لها معاييرها ومنطلقاتها؛ فهو يقرر أولا أن كل التيارات السياسية تريد أن ترى مصر دولة متقدمة تتجاوز مشكلات التخلف، ولكن رؤيته الخاصة هى القادرة على ذلك الهدف، وهى تتمثل فى الرأسمالية والديمقراطية. وهو يرفض إرجاء الإصلاح السياسى إلى ما لا نهاية حتى تحدث نهضة اقتصادية. أما منهجه كما ذكره صراحة (11/8/ 2003)، فهو دراسة أحوال الدول المتقدمة (الرأسمالية الديمقراطية)، ثم بحث خصائص التقدم الغائبة عن المجتمع المصرى والحث على تبنيها من حيث كلياتها، مع أقلمة تفاصيلها مع أحوال النظام المصرى.
واتساقا مع ذلك يلاحظ أن مصالح الدولة الأساسية مرتبطة بالرأسمال العالمى، أو، بالتعبير السياسى، بالدائرة الأوربية والأمريكية. ومن هنا فإن مقياس تقدمنا يجب ألا يكون قياس حاضرنا بماضينا (أى خطاب الإنجازات الذى تذيعه علينا الحكومات) بل قياس حاضرنا بحاضر الدول الأخرى، خصوصا المتخلفة التى حققت قفزات تنموية كبرى. وبصفة عامة يستحيل تحقيق تنمية خارج النظام الرأسمالى الغربى.
وبالتالى يرفض سعيد مذهب الخصوصية المصرية، أى القول بأن علينا أن ننشئ اقتصاداً أو رأسمالية من نوع خاص، وديمقراطية "تناسبنا"، على نحو ما كان يقال عن "اشتراكية" عهد عبد الناصر أنها نابعة من "خصوصيتنا"، أو "اشتراكية عربية". فالقائلون بالخصوصية هم فى الواقع أصوات البيروقراطية الحاكمة – أو يخدم خطابهم فى النهاية استقرار سلطتها - التى تعوق التحول الديمقراطى والرأسمالى خوفا على مصالحها، فتسعى للإبقاء على هيمنتها على السوق بالتدخل الإدارى، وبالسيطرة على البنوك وما أمكن إبقاءه من ملكية الدولة، كما تحرص على إبعاد السلطة عن تطفل الديمقراطية.
ووفقا لسعيد، تسعى البيروقراطية لإيقاف الإصلاحات المحدودة التى يجريها النظام، بحيث يكون ما أُعلن من إصلاحات نهاية للعملية، لا بداية لها. وفى كفاحها هذا الذى يرمى إلى استمرار الوضع السياسى كما هو، ترفع خطاب الخطوط الحمراء والثوابت الوطنية، وترمى مخالفيها بخيانتها. وبالتالى يكون الخطاب القومى المنادى بالثوابت، سواء من داخل السلطة أو من المعارضة القومية، هو خطاب البيروقراطية. والقوميون لديهم الكثير مما يقولونه عن الخارج بينما يقل اهتمامهم بقضايا الداخل الملحة. والحال أن خطابهم القومى الراديكالى قد أخفق بالفعل، لأنه اختار لنفسه وللبلاد مشروعا مستحيلا، لا يقل عن مواجهة الهيمنة الأمريكية على العالم. فهو خطاب أمانى بلا برنامج عمل ولا سياسات مبنية على رؤية للمستقبل. ويتمثل فشله بوضوح، كما يقول سعيد، فى لجوء أنصاره فى النهاية إلى تفجير أنفسهم فى العمليات الانتحارية.
يطرح عبد المنعم سعيد أفكاره إذن باعتبارها مشروع التطور الرأسمالى فى مواجهة البيروقراطية وخطابها القومى/ الدينى، ويعتبرها سبيل الخلاص. ولكنه يقبل مع ذلك النقطة المحورية فى الخطاب القومى، وهى فكرة العزة الوطنية، ثم يعيد تفسيرها لصالح مشروعه.. فيقول، إن مشروعه هذا سيحقق فى سنوات قليلة قفزة اقتصادية كبرى، لأنه سيحرر رأسمالا ميتا تعتقله القيود البيروقراطية وسيجتذب رأسمالا دوليا، وأنه بهذه الطريقة سيجعل مصر الدولة التاسعة التى تنضم لمجموعة الدول الثمانى العظمى (لا أدرى على أى أساس)، وسيجلب لها، بدمجها فى النظام العالمى كدولة كفؤة، مقعداً دائماً في مجلس الأمن، كما سيصحح الاختلال الرهيب فى توازن القوى بما ينهى ما يشكو منه القوميون من "مرمغة الشرف العربى فى الوحل" فى الاعتداءات الغربية والإسرائيلية.
ديمقراطية مشروطة بالنظام القائم
بدلا من فهم ما يطرحه سعيد كمبالغات متفائلة فحسب، أراها حالة واضحة من حالات وقوع الخطاب الديمقراطى الليبرالى بشكل أو بآخر فى شباك الخطاب القومى، الاستبدادى بطبيعته، ولو بمحض ادعاء أرضية وأهداف مشتركة. الخطاب الديمقراطى الليبرالى يعتبر حرية الفرد وخضوع السلطة التنفيذية للآليات الديمقراطية أهدافا فى حد ذاتها، ليس ثمة حاجة لتبريرها بأنها تخدم أهداف أخرى. قد يشير الليبراليون إلى أن المجتمع الذى يرمون لإنشائه أكثر كفاءة، ولكن المعيار الأعلى يكون هو "حقوق الإنسان والمواطن"، أى أن الناس حين لا يحكمون أنفسهم بأنفسهم، وحين لا يتوفر للأفراد الحريات الشخصية والمدنية والسياسية، يكونون قد اعتُدى عليهم، ويكون لهم حق الثورة.
ولكن من أين أتى هذا الاختلاف عن الرؤية الليبرالية الديمقراطية؟ يبدو لى أن مصدره الرهان على إصلاح ديمقراطى من داخل النظام الاستبدادى القائم (ينفى سعيد بالمناسبة أنه نظام استبدادى). ولعل القارئ قد لاحظ أنه أيضا يصف النظام الذى أقيم منذ يوليو 1952 بسيطرة البيروقراطية، وبالتالى فإنه يقسم النظام القائم من الداخل إلى قسم نصير لاستمرار هيمنة البيروقراطية، ومعه كثير من العناصر المعارضة، وقسم معاد لهذا الاستمرار، موجود أساسا داخل النظام نفسه.
بناء على ذلك فإن مشروعه ليس سوى طبعة أخرى من مشروع تحقيق "الثورة (الديمقراطية) من أعلى"، برغم نقده الصريح لمبدأ "الثورة من أعلى" فى العهد الناصرى. فهو يراهن على تطورات متوقعة داخل "الحزب الوطنى" أساساً، وعلى "برنامج جديد وحدود جديدة للعمل قد تحتاج فريقاً مختلفا يؤمن بالفعل بكل ذلك الجديد وقادر تماماً على الدفاع عنه سياسيا"، ويتمثل هذا الجديد فى خصخصة كاملة وفتح أبواب الاستثمارات الأجنبية (14/6/4). كما أن الحزب الوطنى فى رأيه باتت تجرى فيه أكثر النقاشات والتفاعلات حيوية بين الأحزاب المصرية (برغم أنه ما زال، باعترافه، عاجزاً عن تطوير السياسة)، ونخبته هى صاحبة الفضل فى الدفع فى اتجاه الإصلاح والتغيير (ولكنه والحق يقال أضاف جمعيات المجتمع المدنى وحركات التغيير المختلفة مرة).
ولا بد أن نلاحظ هنا أن سعيد يأخذ الصراع بين "جناحى" الوطنى بجدية، وهو لا يدافع عن كل ما يتخذ من قرارات ويتبع من سياسات. ففور تشكيل وزارة نظيف طالبها بإعادة هيكلة الوزارات وتقليل عددها وإصلاح نظام الإدارة المركزى والمحلى، وطالب الحكومة بالدفاع عن التحول الرأسمالى بشكل سياسى أمام المجتمع، بما يجلب تأييداً سياسياً يسمع بإجراء الإصلاح، لأنه سيكون بمثابة عملية تغيير عميقة، "جراحية" بتعبيره. كما طرح مطالب ديمقراطية مختلفة، مثل حماية الانتخابات التشريعية من التزوير والبلطجة وتحقيق عدالة الدعاية فى أجهزة الإعلام... الخ. ومع الإعلان عن تعديل المادة 76 من الدستور، رحب به مع التنويه باعتباره تعديلا جزئياً، ستتلوه تعديلات بعد الانتخابات، منتقدا القائلين فى أوساط السلطة بأنه آخر التعديلات الدستورية. وحين أُقرت المادة 76 بحالتها المعروفة نوه إلى أن هذه الصياغة تمثل انتصار أنصار "الديمقراطية العربية" التى يكون فيها للحزب الحاكم رأى فى المرشحين المنافسين وهزيمة لأنصار الأخذ من التجارب الديمقراطية العالمية (مثله)، أو بصريح عبارته جعلت المادة الحزب الوطنى "خصما وحكما" فى نفس الوقت. وأدى به ذلك إلى نقد حاد اللهجة لتصريحات صفوت الشريف بشأن ديمقراطية ذات طبيعة خاصة، تقاس فيها الأحزاب بعددها لا بكفاءتها، ويكون فيه الوزراء خصما وحكما فى الصراع مع المعارضة، ويمتلك فيها النظام الصحف القومية.. ووصل أخيرا (4/7/5) إلى نقد الحزب الوطنى من حيث عدم تحوله بما يكفى، وعدم اضطلاعه ببناء نظام ديمقراطى كامل الأركان.
ليس سعيد إذن بوقا للنظام يفتقر إلى مشروع. غير أن موقفه العام يظل ببساطة الإصلاح من خلال مناورات وانقلابات القصر الجمهورى. فتشخيصه العام، كما قلنا، هو أن النظام فى أساسه ليس استبدادياً برغم أنه ليس ديمقراطياً تماماً، مستدلاً على ذلك بمناقشات مجلس الشعب وأحكام المحكمة الدستورية العليا وعدد الأحزاب والمحطات التليفزيونية الخاصة والصحف المستقلة... الخ. ويُفهم من ذلك أن ثمة إمكانية للحركة والاختلاف داخل النظام. وبالفعل يقول أن الحزب الوطنى وحكومته الجديدة يريدان توزيع الثروة على الناس، بينما بيروقراطيتهما لا تريد ذلك، واضعاً تلك النخبة المفروضة من أعلى فى مقابل الحزب ذى العضوية المليونية وبيروقراطية الدولة. ويتلخص أمله فى أن يتحول الحزب على نمط تحولات الحزب الدستورى الحاكم فى المكسيك لتسيطر عليه جماعة من التكنوقراط غير الشعبويين بدلا من البيروقراطية.
وإذا كان سعيد يصل إلى انتقاد الحزب الوطنى كما رأينا، فإن موقفه من أحزاب المعارضة هو أنها لا تمتلك برامج حقيقية (14/6/4). كما انتقد موقفها فى معارضة الاستفتاء على تعديل المادة 76، برغم تحفظه هو نفسه على التعديل، لأن المقاطعة موقف انسحابى غير مسئول، بينما امتدح حزب الوفد لدخوله الانتخابات الرئاسية. ولكن أفقه فى تفعيل المعارضة محدود بما يطرحه الحزب الوطنى نفسه من خيارات؛ فهو يرحب بحوارها مع الحزب الوطنى (برغم أنه حوار جماعات محدودة بينما يبقى معظم الشعب خارج نطاق السياسة أصلا)، ولكنه ينتقد طلبها حشد مظاهرة فى ميدان عابدين بحجة أن "وسائل الإعلام لا تحتاج لحالة الارتباك المرورى والأمنى لنقل الوقائع ونقل الأخبار والبيانات المشتركة" (18/11/4)، بما يعنى أن على الأحزاب أن تواصل اجتماعاتها فى الغرف المغلقة وتعبر عن مواقفها بإصدار بيانات لوسائل الإعلام. وبرغم أنه استنكر ما حدث يوم الاستفتاء من اعتداءات فإنه فى الاعتداءات على مظاهرات 30 يوليو لرفض ترشيح مبارك للرئاسة، وما صحبه من اعتداء بدنى وخطف وحبس فى مكان غير قانونى وتلفيق قضايا، صرح بأن هذا الاعتداء البشع لا صلة له بأية حسابات سياسية، فـ"الأمر يتعلق بالأمن فقط، فقرار التعامل مع المتظاهرين أمنى بحت وليس سياسياً ويتوقف على رؤية رجال الأمن للموقف..." (المصرى اليوم، 1/8/5، ص4)، مبرئا النظام من أفعال الأمن، كما لو كانت قوات الأمن جهة مستقلة داخل النظام، دون حتى أن يصل إلى إدانة تلك الأفعال. وفضلا عن ذلك لم يحدث أن استنكر سعيد تلك الحشود الهائلة من قوات أمن مجندة تحيط بالمتظاهرين فى كل المظاهرات بهدف الحيلولة دون تفاعلها مع الجمهور، أى بما يحول دون "عودة السياسة" التى يطالب هو نفسه بها.
ديمقراطية من أين وإلى أين؟
يعنى موقف سعيد فى مجمله إذن المراهنة على انقلاب قصر، تلعب فيه المعارضة دورا محفزا (إلى جانب المحفزات الخارجية) محدودا بحدود خطوات النظام نفسه. أى أنه يدافع تحول رأسمالى و"ديمقراطى" أيضا من أعلى. غير أن هذا النقد العام فى حاجة إلى كثير من التفصيل.
تبدأ مشكلة سعيد من إنه لم يبرهن أصلا على أن التقدم والرأسمالية مرتبطان بالديمقراطية. بل يقول أن ثمة "معامل ارتباط" بينهما. والحال أن السياسة العقلانية لا يمكن أن تقوم على ارتباطات إحصائية، على الأقل فى الخطوط العامة. فلو كان هناك استثناء، ولو واحد، قد يكون هذا الاستثناء هو الذى ينطبق على حالتنا بالذات، أو قد تكون حالتنا استثناء ثالثا أو رابعا. وبعبارة أخرى كان على سعيد أن يبين أن الديمقراطية ضرورة للتطور الرأسمالى فى الحالة المصرية، والأهم من ذلك أن شروطها وقواها متوافرة، وليست حلما خياليا، ويطالب بالتالى بمساندتها على هذا الأساس. ويرجع ذلك ربما إلى أن شروط الديمقراطية عنده لا تتعدى وجود مجموعة فى لجنة السياسات ترمى لإقامتها، وبالتالى لا تتطلب المسألة أكثر من تحسين الديمقراطية فى عينيها.
وبنفس المنطق الوظيفى يقول سعيد أن الديمقراطية ضرورة لتعبئة الموارد الوطنية. وبصرف النظر عن أنه لم يثبت صحة مقولته أصلا، فإنه لا يوجد مفهوم واحد لتعبئة ما يسمى الموارد الوطنية إلا من وجهة نظر سلطة مهيمنة فى دولة شمولية، تختصر بلداً في ذاتها. ففى دولة بها قدر معقول من الصراع الاجتماعى والسياسى، توجد مفاهيم عديدة لتعبئة الموارد، أو بالأدق استخدامها، تفضى إلى سياسات مختلفة، تفيد قطاعات مختلفة فى المجتمع بنسب مختلفة، الخ. فمثلا قد يعتبر تقديم إعانة بطالة، بل والإنفاق على تأهيل وتدريب العاطلين، من وجهة نظر معينة، إهداراً لموارد قابلة للاستثمار، وقد يعتبر من وجهة نظر أخرى حفاظا على موارد بشرية ضرورية. كما أن الاختيار بين هذه السياسات ليس مسألة عقلانية تتعلق بشىء عمومى يسمى التقدم، وتقرره لجنة من الحكماء، بل تتعلق بصراع بين مصالح مختلفة.
والأهم أنه يعرض الديمقراطية والرأسمالية كوصفة لتحقيق أهداف معينة، مثل النهضة أو العزة الوطنية، وما أشبه. وتبدو المسألة وكأننا أحرار فى اختيار أهداف عامة للمجتمع. وواقع الحال أن المسألة ليست كذلك. فالرأسمالية أو الديمقراطية لا تنشأ بقرار، أو باكتشاف يقدمه البعض باعتباره أساس تحقيق نهضة، وإنما التطور والصراع الاجتماعى هو الذى يطرح إمكانية تطور الرأسمالية أو الديمقراطية، وينشئ القوى التى تناضل من أجلهما. ولهذا لم تكن ثمة أفكار عن الديمقراطية طيلة العصور الوسطى الأوربية أو الإسلامية أو الصينية على السواء.
بعبارة أخرى، لا يمكن تبنى الرأسمالية كوصفة لتحقيق أهداف معينة، موضوعة سلفا. وهنا يجب أن نتوقف بعض الشىء عند مفهوم السياسة كوصفة. لا شك أن كل فعل سياسى ينطلق من تصورات معينة عند فاعله. فهو فعل إرادى له هدف يستند إلى رؤية بشأن أهمية الهدف أيا كان. غير أن السياسة الواقعية لا تعتمد على هذا وحده. فالفعل السياسى فعل مركب، ينطوى على تقدير الظروف المواتية وغير المواتية، والتحالفات الممكنة، والخصوم الذين يمكن تحييدهم، وحفظ التماسك الداخلى للتنظيم السياسى نفسه... وعوامل أخرى كثيرة. بالطبع كل حزب له توجهات عامة، غير أن توجهه هذا لا ينبع أساسا من عقول مفكريه، وإنما من ارتباطات الحزب الفعلية. مثلا الأحزاب العمالية أكثر ارتباطا بالنقابات العمالية، وتحدد حركتها، من بين أشياء أخرى، فى ضوء هدف الحفاظ على مكانتها فى النقابات العمالية وتوسيعها، وضغوط رجال النقابات أنفسهم داخل الحزب، والمنافسين المحتملين، الخ. ولهذا فالسياسة ليست وصفة، وإنما هى أقرب لتوجه عام نحو أهداف معينة مرتبطة بطبيعة التنظيم السياسى المعنى، ووضعه داخل خريطة سياسية عامة ومتغيرات اجتماعية.
وبالطبع يتضمن كل مجتمع مفكرين سياسيين، فى الأحزاب ، يقومون ببلورة توجهات الحزب وصياغتها فى أفكار عامة، والدفاع عنها. كما يوجد مفكرون خارجها تكون رؤيتهم عادة نقدية للوضع القائم بمجمله. وفى حدود وضع سعيد لفكرتى الرأسمالية والديمقراطية فى مواجهة التوجه القومى/ الدينى، يكون كاتبا سياسياً. ولكن بقدر ما أنه لا يستند إلى أى تيار سياسى بالمعنى المفهوم، على ما سنرى، فى حزبه "الوطنى الديمقراطى"، فإن دفاعه عن مشروعه كوصفة يعنى ببساطة تكريس فكرة معادية للديمقراطية، بقدر ما أنها تقدم مشروعها كنصيحة عامة، بغير أي برنامج حقيقي (وهو ما أخذه هو نفسه على التيار المعادى). فتبدو المسألة وكأن الخبير يطلب تطبيق مشروعه لأنه "سليم"، أى كأنه يعرض بضاعة فكرية بصرف النظر عن القوى التى تتبناها، وبغير حاجة إلى البرهنة على إمكانيتها العملية، سوى بالإشارة إلى أنها نجحت فى مجتمعات أخرى.
ولعل هذا كله يرجع إلى وضع سعيد نفسه، و"لجنة السياسات" التى ينتمى لها، حيث تعمل واقعيا كمستشار للنظام، منعدم السلطة الذاتية، وذلك لأن اللجنة غير نابعة أصلا من الحزب على ما سنرى. ولذلك أيضا سنجد أن سعيد من أنصار إحلال تكنوقراط غير شعبويين فى الحزب محل البيروقراطية، أى أنه يدعو إلى نوع من حكم الخبراء من أمثاله. وهو مطلب بعيد عن الديمقراطية السياسية تماما.
الأهم من كل ذلك أن كل وصفة يتم تقديمها بمنطق وظيفى، أى من حيث أهميتها لتحقيق هدف آخر، هى فى النهاية إيديولوجيا، أو دعاية، تصب لصالح إقناع القارئ بمساندة مشروع معين، تقوم عليه جهة معينة، حزب أو جماعة أو مؤسسة ما. وخلاصة طرح سعيد كما رأينا هو أن الرأسمالية والديمقراطية سوف يحققهما الحزب الوطنى.
هنا بالذات، فى هذه النقطة المحورية، يترك سعيد القارئ فى العماء. فبصرف النظر عن مواقفه غير الديمقراطية ولا الليبرالية التى تصل إلى تبرئة النظام من القمع المنظم الذى تمارسه أجهزة أمنه، فإنه لم يقدم شيئاً يجعلنا نقتنع بأن توقعاته فى محلها، فلم يقدم لنا أى تصور عن طبيعة الصراعات داخل الحزب وتطوراتها، ولا التحالفات الممكنة التى قد يستند إليها الخيار الذى يتحمس له، ولا الإصلاحات الضرورية لبنية الحزب وهيكله التى يجب الدفاع عنها لمساندة هذا التحول... الخ. كل ما قدمه هو إعجابه بمناقشات "الحزب"، والمقصود غالبا لجنة السياسات، فسعيد فيما أعلم ليس عضوا فى لجنة قرية أو حى أو محافظة.
والحال أن هذه اللجنة معينة لا تستند سوى لسلطة القصر الجمهورى، فهى فى الواقع أشبه بناد سياسى يقدم فيه الخبراء من أمثاله اقتراحات لأناس لم ينتخبهم أحد، ولا الحزب الوطنى ذاته، وقد يفوض لهم سلطات بنفس طريقة الإملاء من أعلى. ويعرف سعيد أكثر من غيره أن الحزب الوطنى، بفرض كونه حزبا سياسيا، يفتقر إلى آليات ديمقراطية عن عمد، وفى صميم لائحته، وأن اللجنة التى تعجبه مناقشاتها، يستحيل القول بأنها تعبر عن تيار سائد داخل الحزب أو تمثله على أى وجه فى صراعها مع الحرس القديم. فاللجنة أقرب إلى أداة أنشئت بقرار رئاسى بهدف إجراء تحويرات فى "الحزب" من أعلى، لا أكثر. وهو قرار لا يستمد ثقله من مجرد رئاسة الحزب، بل من رئاسة الرئيس للنظام. ورئيس اللجنة نفسه يفتقر إلى أية خبرة سياسية بالمعنى الحقيقى، فلا يعرف عنها شيئا (من قبيل التعبئة والخطابة والكتابة وصياغة المواقف) سوى سلطة اتخاذ القرار التى مُنحت له من أعلى.
وسعيد نفسه يتمنى للحزب أن يقع فى يد التكنوقراط (أصحاب الكفاءات المهنية من أمثاله) بدلا من البيروقراط، على نمط الحزب الدستورى فى المكسيك فيما قال (ونلاحظ عرضا أن الوضع فى المكسيك مختلف من نواح كثيرة، أبسطها أن المكسيك دولة فيدرالية بها برلمانات محلية، وبالتالى حد أدنى من الحراك السياسى، ولكن سعيد لم يناقش التشابه مع نموذجه المقترح بما يكفى). وحكم التكنوقراط لحزب ما ليس فى النهاية عملا من أعمال السياسة، بل عمل من أعمال انقلاب القصر، يذكرنا كثيرا باحتجاجات "أهل الخبرة" فى العصر الناصرى على تولى "أهل الثقة"، وأساسا الأمن، السلطة عليهم.
لكى يحل "أهل الخبرة" التكنوقراط (مثل سعيد نفسه) محل "أهل الثقة" فى السلطة يجب أن توجد رافعة ترفعهم إليها. وهذه الرافعة إما أن تكون قوة من خارج جهاز الدولة نفسه، أى قاعدة شعبية يستند إليها "الحزب" المذكور، وآليات ديمقراطية داخل الحزب تنتخبهم، وإما أن تكون السلطة البيروقراطية نفسها. فى الحالة الأولى نحن أمام خيار ديمقراطى.. ومؤداه فى الحقيقة أن ينزاح أهل الخبرة والثقة معا أمام أهل السياسة، أى العناصر القادرة على تنظيم المصالح الاجتماعية وبلورتها فى مطالب سياسية والمناورة والضغط بها. وفى هذه الحالة يحصل أهل الخبرة على سلطاتهم الحزبية بوصفهم أساسا أهل سياسة، وبفضل قدراتهم السياسية. أما فى الحالة الثانية، فيتم استخدام الخبراء كمستشارين مفروضين من أعلى، يمكن أن تُضرب بنصائحهم عرض الحائط، كما حدث مرارا مع سعيد نفسه (إذا افترضنا أن ما يكتبه من اقتراحات أُهملت يثيره داخل اللجنة).
والحال أن طرح سعيد لا يُفهم إلا فى إطار الخيار الأخير. فيبدو أنه ليس مع خيار ديمقراطى حقيقى، يصل إلى حد المطالبة بحل الأمن المركزى مثلا، وإطلاق حرية التعبير والتظاهر (لأن المظاهرات يهيمن عليها التيارين القومى والدينى المتشابهان)، ووضع الحزب الوطنى على محك منافسة سياسية حقيقية، أو حتى البدء بإصلاح جذرى لبنية الحزب.. فهو أسير خيار وحيد، هو الارتكاز على رافعة ابن الرئيس، لعل وعسى.. ومحاولة اقتراح مزيد من الإصلاحات، وإقناع رأس السلطة بها. وهو خيار أقل ما يقال عنه أنه ليس ديمقراطيا إلا من حيث الاسم.. فهو ليس سوى مشروع سلطوى لإقامة "ديمقراطية" من أعلى. وفى هذا الإطار نفهم انبهاره بمناقشات تدور فى الخفاء داخل لجنة السياسات، لا صلة لها بالرأى العام، ولا تعبأ به أصلا.. وإنما تستند إلى صلاحيات السلطة العليا فى فرض ما قد تقتنع به من حصيلة المناقشات من قرارات.
ويدعو سعيد الحزب والوزارة (أو قمتهما المعزولة كما يقول هو نفسه) إلى تنفيذ سياسات جريئة لتحقيق النهضة الرأسمالية وأن يدافعا عن خياراتهما سياسيا كما رأينا. وبصرف النظر عن أن المجال السياسى نفسه ضامر، فإن الحزب نفسه أثبت أنه يفتقر إلى أية قدرات سياسية. فما حشده من مظاهرات مضادة لتأييد الرئيس كان عبارة عن أفراد مأجورين. والأهم من ذلك هو أن ما تم تحميله لهذه "الحشود" الهزيلة من شعارات كان في غاية البذاءة والانحطاط، فهى لم تخرج عن التخوين الوطنى للمعارضين والتعبير عن إعجاب شخصى غير سياسى بالرئيس. وفى الأقاليم خرجت "جموع الوطنى" لتمنع نفسها والناس من الاستماع، مجرد الاستماع، للمعارضة، فى تبعية مباشرة لأجهزة الأمن، ووصلت فى ذلك فى حالة أيمن نور إلى استخدام الأسلحة. وليس خافيا على سعيد بالطبع كيف تظهر لافتات تأييد الرئيس ومرشحى الحزب كالفطر فى غمضة عين فى كل أنحاء البلاد دون أن يدفع الحزب مليما واحدا، اعتمادا على آلية المصالح المتبادلة والضغوط الإدارية، التى هى السلاح الوحيد للحزب... الخ الخ (ولذا حين ينتقد سعيد الفقر السياسى للأحزاب المعارضة يتذكر المرء الحكمة المشهورة التى تنهى المرء عن أن يرى القشة فى عين "حزب أخيه" ويتجاهل الخشبة فى عين "حزبه").
والخلاصة أن حزب التكنوقراط (أو جماعة التكنوقراط المرتكزة بدورها على أجهزة الأمن) كحزب البيروقراط منعدم الإمكانيات السياسية. ولذا فإن دفاع حكومة نظيف عن سياستها، كما تمنى سعيد، لا يتصوره سعيد نفسه أصلاً إلا كنوع من إصدار البيانات، أو ربما الحديث فى الفضائيات، على نمط ما نصح به سعيد نفسه أحزاب المعارضة.. أى "سياسة" مطهرة من الرأى العام إلا كمستمع غير مشارك وغير فاعل. فالديمقراطية هنا فى أقصى حالات سعيد "انفتاحا"، لا تفترض أكثر من ذات الفرد المعزول الذى أقامته "ديمقراطية يوليو السليمة". وكل ما يستجد عليه هو أنه يصبح بمقدوره أن يستمع إلى أقوال وبيانات مختلفة ويوازن بينها، ويجلس فى صمت يكون رأيا فى بيته، أو فى اجتماع مغلق للحزب، إذا انضم إلى أحد أحزاب الغرف المغلقة بأوامر الأمن "المستقل"، إلى أن يحين وقت مطالبته بالتصويت فى انتخابات ما. مثل هذا التصور التكنوقراطى للسياسة لا صلة له بالسياسة بأية حال.. فالمشاركة السياسية تنبع أولا من القدرة على التنظيم المستقل بشأن مختلف شئون الحياة، فى الجمعيات الأهلية والنقابات والأحزاب والأندية وغير ذلك.
وقد يقال أن هذه نقلة للأمام.. ولكن المسألة أعقد من ذلك. فلكى يكون للناس صوت يستطيعون الإدلاء به على خلاف رغبة أجهزة الأمن التى تتلاعب بالأصوات بقرارات سياسية، يجب أن يكون لهم قوة أصلا تمكنهم من فرض احترام صوتهم نفسه.. وهو ما لا يتحقق بجامعات يتم تعيين رؤسائها وعمداء كلياتها ويتحكم الأمن فى كل صغيرة وكبيرة فيها، وقرى يتم تعيين عمدها ومشايخها، وجمعيات أهلية لا تقوم ولا تستمر إلا بقرارات إدارية، ونقابات يتم التحكم فى لوائحها وتتدخل الأجهزة الأمنية بمختلف الوسائل فى تشكيلها ووضع حدود نشاطها، بقوة الأمر الواقع وبصرف النظر عن أى قانون، ناهيك عن عمليات تشجيع أنماط معينة من المعارضة بدعم جرائد أسبوعية "مستقلة" وحركات سياسية "معارضة" وغير ذلك من أشكال التدخل الصارخ التى لا تخفى على متابع جدى للشأن العام.
ولما كان الأمر كذلك، ولا أظن أن فيما قلت شيئا جديدا على باحث مهتم بالحياة "السياسية" المصرية مثل الدكتور سعيد، فما هو الموقع الحقيقى لخطاب سعيد دفاعا عن الرأسمالية والديمقراطية؟ فى ضوء كل ما سبق لا يختلف الأمر كثيرا عن الدور الذى لعبه هيكل قديماً.. أي تهيئة الأذهان لتغيرات مقبلة قادمة بقوة دفع غير ديمقراطية، وتقديم خطاب عام يدافع عنها، وتسخير العلم والمكانة العلمية لهذا الغرض. فمثل هيكل، وعلى خلاف "المطبلين والمزمرين"، لا يكتب سعيد، والحق يقال، وعينه أساسا على الحاكم الذى سيقرأ، بل يكتب لجمهور القراء، بهدف الترويج لفكرة إصلاحية معينة هو نفسه مقتنع بها. ولكن اقتناعه هذا لا يصل إلى حد المراهنة على المجتمع الذى يتوجه له كقوة تغيير أساسية، أو على انقلاب معادلات السلطة لصالح ديمقراطية حقيقية من أسفل، وإنما يساهم ببساطة بدور فى تسويغ مشروع يعتمد فى المقام الأول على آليات انقلابات قصر صغيرة متتالية، وتقديم نوع من التبرير الإيديولوجى لهذه الانقلابات التى يتوقعها ويتفاءل بشأنها خيرا.
وفى النهاية يبدو من كل مقالات سعيد أنه يأمل أن يسفر هذا فى خاتمة المطاف عن تحول حقيقى نحو الديمقراطية وسلطة الرأسمالية.. كيف؟ هذا ما لم يقدم عنه أبدا إجابة شافية أو واضحة. ولهذا فإننا إذا افترضنا أن قارئا ما اقتنع بحجج سعيد بشأن أفضلية مسار الرأسمالية والديمقراطية، فإن هذا القارئ سيجد نفسه، ما لم يكن هو نفسه عضوا بلجنة السياسات، مضطراً فورا لتجاوز سعيد، لأنه ببساطة لن يكون متاحا له أن يغير سياسات الحزب الوطنى حتى لو انضم له، لأنه منظمة سلطوية أساسا، وسيكون عليه أن يسعى للانضمام لحزب ليبرالى حقيقى، ثم يكافح لكشف حدود خطاب سعيد نفسه.
وفى النهاية، إلى أن يثبت سعيد أن النظام وحزبه قادران بالفعل على التحول الداخلى إلى الديمقراطية، تظل قيمة خطابه منحصرة فى الدفاع المجرد عن الرأسمالية والديمقراطية فى مواجهة خطاب قومى/ دينى غالب فى أوساط الحكم والمعارضة على السواء. قد يكون النظام قادراً على اتخاذ بعض الخطوات نحو تحسين مؤسسات الدولة ودفع القطاع الخاص للأمام. ولكن فى ضوء الفقر السياسى الشامل للنظام، لن تكون هذه سوى خطوات تمهيدية لبلورة قوى ديمقراطية حقيقية مستقبلا، قوى لا تحلم بإحلال التكنوقراط محل البيروقراط، وإنما تحلم بإنشاء مجال سياسى يحكمه رجال السياسة، يعتلى جهاز الدولة ويقوده ويعيده إلى دوره المناسب، دور التابع، ويعيد الأمن إلى مكانه الطبيعى، وهى معركة ليست سهلة ولا تتحقق بمجرد بيان أهمية الديمقراطية والرأسمالية.
برغم هذا النقد، لا أعتقد أن خطاب سعيد ليس هو العدو الأساسى لديمقراطية جذرية، فالخطاب الوطنى/ الدينى الذى يواجهه سعيد هو الدعامة الأساسية لسلطة البيروقراطية. أما خطاب سعيد فهو، فى حدود أفكاره العامة هذه، قد يلعب دورا إيجابيا بشرط الانتباه لحدوده الضيقة فى الواقع السياسى العملى. فكل دفع نحو مبدأ الديمقراطية، ولو على طريقة سعيد المحدودة، يفيد فى معركة الديمقراطية. وقد وجه سعيد بالفعل ضربات قوية منطقيا للخطاب القومى والدينى.. دفعت إلى دمغه بواسطة هذه التيارات بأنه "أمريكانى" وما أشبه، وبالنسبة لى فإننى أتفق معه تماما فى نقده الموجه لهما. كذلك فإن كل اتجاه نحو إفساح مجال للفعل السياسى، ولو على طريقة المادة 76، يمثل فرصة لحركة ديمقراطية حقيقية، لا أتوقع بحال أن تنبع من الحزب الوطنى مثلما يقول سعيد، وإنما تستغل الثغرات لتعمل على بناء تعبئة سياسية ديمقراطية بين الناس أنفسهم.
نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:11.
شريف يونس
تحمل مظاهرات المتعلمين فى الشهور الأخيرة مفارقة بين قصوية الشعارات ومحدودية الحركة. يتناول شريف يونس هذه المفارقة من خلال إلقاء الضوء على الإيديولوجية القومية لحركة "كفاية"، كتفسير لطبيعة نشاطها، والجذور التاريخية لهذه الظاهرة متمثلة فى سياسات الهوية، وإمكانية تطوير الكفاح الديمقراطى على نحو يتجاوز الرؤى النخبوية للحركة الراهنة وآفاقها القومية.
كانت مظاهرات الشهور القليلة الماضية ضد "التمديد والتوريث" مظهرا أساسيا للتغير الملموس فى المجال السياسى فى مصر. فللمرة الأولى، منذ أوائل السبعينيات، تتوالى مظاهرات ضد النظام، تطالب بتغييره. وقد نجحت الحركة بالفعل فى اجتذاب بعض الشباب إليها ليدخلوا المجال السياسى، وأخذت حركات التغيير والتحالفات السياسية تتكاثر، فمن "كفاية" ظهر "شباب من أجل التغيير"، كما ظهرت حركات لصحفيين وكتاب وفنانين وأطباء من أجل التغيير، وتلقت الحركات المشكلة من قبل، مثل حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات والمهندسون الديمقراطيون والمحامون الديمقراطيون زخما جديدا. ونشطت جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات المهتمة بالحقوق السياسية خصوصا، وأصبحت تقاريرها تلقى صدى واسعا فى الصحف المستقلة والحزبية، وتلقى اهتماما أوسع بكثير مما سبق. كما تلقت حركة القضاة لنيل استقلالهم عن السلطة التنفيذية دَفعة جديدة بحكم تغير المناخ العام وأصبحت مطالبهم فى بؤرة الأحداث، باعتبارها ضمانة أساسية من ضمانات النظم الديمقراطية، فضلا عن كونهم أكثر الفئات المحتجة نفوذا وتماسكا، واحتفاظا بالتقاليد الليبرالية.
وبصفة عامة انتشرت روح من التفاؤل بتغيير ديمقراطى ما، وبقدرة على مواجهة آلة قمع النظام وتدخلاته البوليسية. أضف إلى ذلك تحقق بعض النجاحات الجزئية على هامش الحركة، مثل انتصار عمال الإسبستوس بحصولهم على حقوقهم، وانتصار رمزي ولكنه مهم لحركة 9 مارس. هذا فضلا عما أثارته الحركة ومظاهراتها من مناقشات فى أوساط عديدة بحكم إذاعة أنبائها على الفضائيات، وما تعرضت له أحيانا من قمع، تلاه تدخل دولى (أمريكى وأوربى أساسا). وقد لقيت هذه الأحداث الجديدة صدى فى منتديات الإنترنت المصرية بصفة خاصة، فكثرت المناقشات السياسية بين الشباب، وبدا وكأن البلاد على مشارف عصر جديد من الحيوية السياسية.
ومع ذلك يلاحظ أن هذه المظاهر كلها ما زالت محصورة بالأساس فى فئة واحدة، هى المتعلمين (الإنتليجنسيا). فهم الذين يتصدرون الساحة السياسية/ الإعلامية من مظاهرات، وبيانات، ومنهم تتشكل عضوية جمعيات حقوقية واجتماعية، وتجمعات سياسية على نمط "كفاية"، فضلا عن أصواتهم فى الصحف والفضائيات ككتاب وصحفيين وكشهود. ولكنها حركة لا تشمل فئة المتعلمين كلها، فمعظم النشطاء لهم صلة بالعمل العام من قبل بدرجة أو بأخرى. ومن حيث المكان، ما زال معظم النشاط (بما فيه المظاهرات) محصورا فى "وسط البلد"، فأماكن احتشاد النشطاء وتجمعهم الاستراتيجية تجدها فى نقابتى الصحفيين والمحامين بالقاهرة، ولا تبعد مواقع منظماتهم المختلفة كثيرا عن هذا المركز.
بالمقارنة حتى بأحزاب المعارضة التى تنهال عليها هذه الحركة البازغة بتنويعاتها بالنقد الحاد، واضح أنها تفتقر بشدة إلى أساس تنظيمى وكوادر وانتشار مكافئ، سواء طبقيا أو جغرافيا، فضلا عن أنها تعتمد إلى حد كبير على كوادر حزبية ما زالت محتفظة بولائها الحزبى. هذا ناهيك عن مقارنتها بالنظام الذى يمد أذرعه كالأخطبوط إلى كل قرية، بأجهزته الإدارية، وأمنه الذى يتولى وظائف سياسية عديدة، وحتى "حزبه" الوطنى. ومع ذلك تبدو هذه الحركة، وقلبها "كفاية"، ألمع ما يظهر على الساحة السياسية الآن. فلماذا؟
على خلاف أية فعالية أخرى، لفتت مظاهرة "وسط البلد" أنظار الإعلام، بفعل قصوية شعارها الرئيسى نفسه "لا للتوريث ولا للتمديد"، بما يعنيه ذلك من مواجهة مباشرة مع رموز السلطة ومخططاتها. فضلا عن أن الحركة بدأت مع تصاعد التذمر من مخططات نقل السلطة لجمال مبارك ولجنة السياسات، والذى بدا لوهلة مخططا وشيك التنفيذ، وهو تذمر طال قطاعات عديدة من داخل السلطة، لها أيضا اتصالاتها مع قطاعات من المعارضة تشاركها الرؤية "القومية" التى سنعرض لها مطولا فى هذا المقال. وأضيف لهذا كله الظرف الدولى المواتى المتمثل فى المشروعات الأمريكية لإضفاء طابع ديمقراطى ما على نظم المنطقة فى إطار استراتيجية عامة لمكافحة الإرهاب والأصولية الإسلامية. وقد ساعدت هذه الظروف الدولية والمحلية، مع فقر الحياة السياسية (سواء من حيث وضع حزب النظام أو أحزاب المعارضة) فى ظل النظام القائم، فى تحقيق صدارة حركة "كفاية" وتوابعها، على محدوديتها.
مع غياب طبقات المجتمع الأساسية عن المشهد السياسى، تصدرت هذا المشهد حركة تفتقر بشكل واضح إلى القدرة على جذب طبقات أخرى أكثر ثقلا وأهمية، بل القدرة على جذب جمهور واسع عموما. وأصبح فقر الحركة السياسى، متمثلا فى اقتصارها على حمل مطلب لا يرقى إلى مستوى برنامج (ومن ثم يطلق عليها البعض حركة مطلبية: أى متمحورة حول مطلب وهي في الحقيقة حركة احتجاجية بلا مطالب حقيقية) ميزة لها، حيث مكنها من جمع ممثلى اتجاهات مختلفة لا يجمع بينها سوى رفض النظام. وبناء على هذه الصدارة الإعلامية وصلت الحركة إلى حد مناقشة تنظيم عصيان سياسى، بل وقيل مدنى أحيانا. مثل هذه المفارقات تحتاج إلى فهم، لا إدانة، كما تحتاج إلى نظرة إلى المستقبل تحاول أن تبحث إمكانية تجاوز هذه الحركة ومشكلاتها.
مشهد المظاهرة: تقرير حالة
تبين المظاهرات كما قلنا أنها تجمع جمهورا قليلا (حوالى مائتين فى أغلب الحالات، ويصل إلى بضعة ألاف في حالة غياب التدخل الأمني)، من أفراد مسيسين فى معظمهم. جمهور المظاهرة الأساسى هو جنود وضباط قوات القمع من أمن مركزى (أى مجندون) وشرطة، يبلغ عددهم بضعة أضعاف المتظاهرين (فى معظم الأحوال)، مهمتهم الأساسية إبعاد الجمهور المدنى العابر الذى قد يتوقف للفرجة، وإشاعة جو من الإرهاب بفعل الاحتشاد الأمنى ذاته. هناك أيضا عدد من الصحفيين والمصورين ومراسلى الإذاعات والفضائيات بكاميراتهم.. ومن هؤلاء يصل المشهد إلى الجمهور عبر الصحف والميديا. الحماية الأساسية للمظاهرات كما ذكرنا إعلامية ودولية.
بصفة عامة يبدو أن النظام قد نجح، برغم استمرار الحركة، فى عزلها عن طريق الحشد الأمنى المحيط بها، مما جعل الجمهور العام غير قادر إلى حد كبير على تقييم حركة التظاهر أو فهمها. فتعليقات غير المشاركين (فى حدود ما سمعته، مباشرة وعبر أطراف أخرى) تتراوح بين القول بأن المتظاهرين مأجورين من الدولة(!!) على أساس أنها تريد الظهور بمظهر ديمقراطى أمام العالم، أو مدفوعين من الولايات المتحدة، ربما تأثرا بدعاية النظام فى هذا الشأن، أو أنهم أبطال يواجهون النظام الشرس، ولكن لا فرصة لهم للنصر. فى كل الحالات يكون المتظاهرون أمام الجمهور صنفا خاصا من البشر (سواء كأبطال أو كعملاء)، يقومون بأفعال بعيدة عن أحلامهم (لأنها إما مرتبطة باتصالات سرية ما، أو دون كيشوتية)، ولكنها بالقطع لا تمثلهم بالمعنى الحقيقى للتمثيل، ناهيك عن أن يعتبروها قيادة "للشعب" نحو المستقبل. ويمكن فى أفضل الأحوال أن يعتبرونها تعبيرات عن سخطهم العام على الأوضاع والنظام.
لا شك أن هذه النتائج من أحد أهم نواحيها ترجع إلى عقود من إغلاق المجال السياسى بالكامل، وتمزيق الروابط الحرة بين المواطنين وسيطرة النظام على جميع التنظيمات الأهلية، وتعريف ذلك باعتباره الديمقراطية السليمة التى "تخصنا"، وجزءا لا يتجزأ من مفهوم الوطنية وضمانات "حماية الوطن"، فيما يقال، بحيث يبدو النشاط السياسى العلنى المعارض مريبا فى عين المواطن. وهو من جهة أخرى، نتيجة سيادة إرهاب الدولة عبر العقود، الذى ولَّد لدى المواطنين حالة من الخوف المزمن من جميع الأجهزة الأمنية (وهو إرهاب يتعدى بكثير مسألة مواجهة معارضى النظام، ليمتد إلى كل من يجد نفسه مضطرا لمواجهة أية سلطة، كبرت أو صغرت) بدءا بقسم الشرطة وأمين الشرطة. وبالتالى يصعب على المواطن أن يفهم كيف "يشتم" المتظاهرون الرئيس ويظلون أحياء بعد ذلك، إذا لم توجد قوة كبرى تسندهم.
ولكن ما يعنينا أكثر هنا هو دور تصورات هذه النخبة المتظاهرة عن نفسها ورؤيتها لدورها فى مواجهة هذا الوضع. وأول ما يلاحظ هنا هو أن هذه النخبة لا تبالى عمليا بالهوة التى تفصلها عن الجمهور، حيث واصلت تكتيك التظاهر، وواصلت التركيز على شعار رفض مبارك، الذى يساهم بارتفاعه فى تعميق الانفصال. وفوق ذلك طرحت المظاهرات مطلب رفض الرئيس دون أن تقدم أى مرشح بديل، أو تؤيد مرشحا آخر. وبينما تمسكت برفض الانتخابات بمجملها، بحجج قانونية وسياسية، لم تطرح على نفسها بجدية إمكانية إقامة نظام سياسى بديل يحل محل الانتخابات التى دعا إليها النظام، لأنها ببساطة إمكانية غير متوفرة الآن، لها أو لغيرها. وباختصار ظهرت الجماعة السياسية المتظاهرة كجماعة غاضبة، وإن تكن جسورة، أكثر منها كمشروع سياسى بديل. وبالتالى طرحت نفسها على الجمهور كتعبير ما عن "غضبه" المفترض، لا كقيادة سياسية له، يوثق بقدرتها على قيادة تغيير حقيقى محسوب.
طرحت "كفاية" وغيرها حزمة إصلاحات دستورية وديمقراطية (موجودة فى البيان التأسيسى لحركة "كفاية" مثلا، مثل إلغاء حالة الطوارئ ووضع دستور عن طريق جمعية تأسيسية)، ولكن هذه المطالب (التى طرحتها المعارضة منذ سنوات) لم تصل بعد إلى الجمهور، بالمعنى السياسى، أى لم يتبين له سواء أهميتها أو كيفية تحقيقها، ولا يبدو أن ثمة جهد جدى قد بُذل لإقناع الجمهور بها، بل أنها لم تحظ بعناية تُذكر فى المظاهرات ذاتها.. فالأمر لا يتجاوز رفعها على بضع لافتات تضيع وسط اللافتات الكثيرة التى تحمل شعارات سقوط مبارك، ولم يكن لها وجود يُذكر فى الهتافات، وهو ما يعطينا هنا مؤشرا أوليا على طبيعة الاهتمامات الرئيسية للحركة.
لهذا كله تمثل إنجاز المظاهرات الأساسى فى الكسر الجزئى لهيبة النظام. فصور القمع على الفضائيات والتصريحات الدولية الناقدة للنظام، والهتافات نفسها، وشت بأن سيطرته غير مطلقة، وأنه ليس حرا تماما (على خلاف الضباط "الأحرار") فى التعامل مع مواطنيه المعارضين. وهو يظل جزئيا طالما استمرت هيمنة أجهزة الأمن والبيروقراطية على كافة المؤسسات وتفاصيل الحياة العامة. وبالإضافة إلى ذلك، كانت الحركة بمثابة نوع من التدريب السياسى لكثير من الشباب المسيس والقابل للتسييس بين المتعلمين، وإخراجا لقطاعات من النخبة السياسية من حالة الركود المزمن السابقة.
الحركة القومية فى لباس ديمقراطى
هنا يجب أن نتوقف لنتساءل عما وراء المظهر.. أى ماهية تصورات هذه الحركة وطبيعتها. وسوف أتناول "كفاية" نموذجا، مسترشدا فى هذا الاختيار بالإعلام الذى اختزل مجمل الحركات المتظاهرة (عدا الإخوان) فى "الحركة المصرية من أجل التغيير" الشهيرة بـ"كفاية". وبرغم احتجاجى شخصيا على هذا الاختزال فإنه ناتج عن واقع التشابه الكبير فى شعارات الحركات المختلفة أثناء التظاهر، فضلا عن أن المشاركين فى المظاهرات المختلفة هم نفس الأشخاص تقريبا.
والأمر يتجاوز مجرد تشابه الشعارات والمطلب الرئيسى السائد، بل يمتد إلى إصرار ضمنى على الشطب على كل تنوع. تدور المناقشات داخل حركات للمرأة أو الكتاب والفنانين أو الصحفيين أو المحامين أو المهندسين أو أساتذة الجامعات حول ما إذا كان الواجب التركيز على المطالب الديمقراطية النوعية للجماعة المعينة (مثل مطالب تحرر المرأة مثلا، أو حرية التعبير بالنسبة للكتاب والفنانين، الخ)، أم التمسك بالشعار الواحد العام (ضد التوريث والتمديد). كما تدور المناقشات حول ما إذا كان الواجب النزول إلى الشارع ضد السلطة، أم عقد مؤتمر (مثلا) لبلورة المطالب الديمقراطية لهذه الفئة أو تلك. وفى معظم الحالات ينتهى الأمر بانتصار منطق التظاهر ومنطق المطلب العام. لم يفلت من ذلك حتى الآن ربما سوى حركة القضاة، وحركة 9 مارس المطالبة باستقلال الجامعات. وبعبارة أخرى، انتصر اتجاه انصباب الحركات النوعية فى مطلب إسقاط النظام.
ويبدو أن ثمة فكرتين وراء هذا السلوك. الأولى هى أن المطالب النوعية نفسها لا يمكن تحقيقها إلا فى "وطن حر"، أو بعبارة أوضح، بعد إسقاط النظام. وقد دارت بالفعل مناقشات من هذا القبيل فى تجمعات مختلفة. غير أن المشكلة التى تواجه هذه الفكرة هى أن الحركة الديمقراطية يصعب أن تتقدم بغير نشطاء من أجل الديمقراطية فى مجالات عديدة، ونضال ديمقراطى متعدد المواقع يكون بمثابة تدريب سياسى للسكان، أي بغير نقابات قوية، وجمعيات أهلية فاعلة، وأنشطة لمواجهة السلطة الاستبدادية وتحكم الأمن فى مختلف المواقع. والأهم من ذلك أن التحول الديمقراطى يصعب أن يتحقق بغير ثقافة ديمقراطية عامة بين بعض قطاعات السكان على الأقل، تتعلم بالممارسة احترام الآراء الأخرى والتفاوض والتوفيق بين المقترحات وعقلانية التحرك.. وهى ثقافة ما زالت مفتقدة حتى الآن. بغير دخول الطبقات الأكثر ثقلا، وبغير الثقافة الديمقراطية، تظل التظاهرات نخبوية.
ويقف التمحور حول مطلب إسقاط مبارك عقبة أمام توسيع أفق الحركة الديمقراطية ويعزلها عن الجمهور غير المستعد للجرى خلف مطلب لا يستند إلى قوة حقيقية تناسبه. هناك (مثلا) مئات من الكتاب والفنانين ممن هم على استعداد للنضال من أجل مطالبهم الديمقراطية النوعية، بل ومطالب ديمقراطية عامة، من قبيل رفع يد السلطة عن الجمعيات والنقابات، بغير المطالبة بهذا المطلب المستحيل. وبالتالى تخسر الحركة الديمقراطية العامة جهود الكثيرين، كما تفقد إمكانية تحقيق تقدم على جبهات عديدة، يشكل كل منها جانبا مهما من أى تحول ديمقراطى مفترض.
والفكرة الثانية والأهم هى أن النضال من أجل أهداف نوعية يبدو "صغيرا" فى أعين النخبة التى تتحدى النظام وأمنه فى الشارع. المهمة تبدو أنها لا تقل عن إنقاذ وطن بعمل بطولى كبير، ينحى المطالب "الصغرى" جانبا، حتى ولو اعترف بأهميتها، ويميل لإخضاعها للهدف الكبير. ويتضح الهدف الكبير من البيان التأسيسى لـ"كفاية"؛ فالحركة قامت لمواجهة:
المخاطر والتحديات الهائلة التي تحيط بأمتنا، والمتمثلة في الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، والاغتصاب والعدوان الصهيوني المستمرين على الشعب الفلسطيني، ومشاريع إعادة رسم خريطة وطننا العربي، وآخرها مشروع الشرق الأوسط الكبير، الأمر الذي يهدد قوميتنا ويستهدف هويتنا، مما يستتبع حشد كافة الجهود لمواجهة شاملة على كل المستويات: السياسية والثقافية والحضارية، حفاظا على الوجود العربي لمواجهة المشروع الأمريكي الصهيونى.
أما الديمقراطية (ولم تُذكر بالاسم) فتأتى مشروطة فى المقام الثانى. فالمبرر الآخر لقيام الحركة هو أن "الاستبداد الشامل في حياتنا الذي أصاب مجتمعنا يستلزم إجراء إصلاح شامل سياسي ودستوري يضعه أبناء هذا الوطن وليس مفروضا عليهم تحت أي مسمى"، بغير تحديد لمنطق هذا الإصلاح.
وواضح أن المطلب الأول (حماية القومية والهوية وما أشبه) مطلق غير مشروط، بينما المطلب الثانى (إصلاح له نكهة ديمقراطية) مشروط تماما بألا يكون إصلاحا "مفروضا"، والمفهوم أنه غير مفروض من القوى الخارجية المشار إليها، أى مشروط بالمطلب الهوياتى. وبتعبير أكثر صراحة عن إخضاع الديمقراطية للهوياتية، ورد فى بيان "كفاية" بشأن القبض على أيمن نور، أن الديمقراطية هى "السبيل الوحيد لمواجهة المؤامرات الإمبريالية والعدوانية الصهيونية، والانتصار على التحديات والتهديدات التي تحيط بمصر والمنطقة من كل جانب"، بما يعنى أنه لو كان ثمة سبيل آخر لأيدناه (مثلا انقلاب عسكرى وطنى!). ويعنى ذلك أيضا أن الديمقراطية لا تنبع وفقا لمنطقها من كونها حقا للمواطنين، وإنما تصبح أقرب إلى واجب فرعى من واجباتهم تطرحه الظروف كأداة "لإنقاذ الوطن".
وبسبب غلبة الإيديولوجيا القومية، تتراجع عمليا الروح الديمقراطية. والواقع أن حركة "كفاية" قد أعلنت منذ البداية أنها ترفض الأفراد الذين لهم علاقة بأى تمويل أجنبى، بما فى ذلك أعضاء منظمات حقوق الإنسان، حتى ولو كانوا مناضلين معروفين من أجل الديمقراطية. كما ثارت مناقشات من قبيل "فلان" أمريكانى و"فلان" تطبيعى...الخ. وبناء على ذلك فشلت مثلا إمكانية الاندماج بين "كفاية" و"الحملة الشعبية من أجل التغيير" اليسارية. فمعيار الانتماء للحركة هو الإيديولوجيا القومية، لا الديمقراطية. وتعبر بعض الكتابات فى الصحف الحزبية والمستقلة عن نفس التوجه، أى إخضاع التحالف الديمقراطى لأجندة القوميين ومفاهيمهم، حتى أن أحدهم كتب فى "الدستور" أنه إذا كانت الديمقراطية تتسع للتطبيعيين، فـ"بلاها ديمقراطية" بتعبيره: "ديمقراطيتنا" المخصوصة وإلا فلا.
ويفسر ترتيب الأولويات بوضوح لماذا يغلب منطق التظاهر على منطق بناء القوى الديمقراطية، ولماذا يسود شعار إسقاط مبارك فوق كل المطالب الديمقراطية والقضايا النوعية. فالديمقراطية هنا فى الواقع أداة تُستخدم لإنقاذ الوطن من حكم يعتبر من وجهة نظر قادة "كفاية" "عميلا"، أو "تابعا". والحال أن هذا المنطق كله الذى يشرط الديمقراطية بأفكار التيار القومى بحجة الوطنية متهافت، لأن أى إصلاح ديمقراطى يعنى توسيع المجال السياسى ودخول قطاعات أعرض من السكان فى تقرير مصيرها السياسى. الديمقراطية لا تعطى أصواتا للأجانب، وإنما لمواطنين محرومين من الحقوق السياسية، يُفترض أن لهم الحق المطلق فى تقرير مصير بلادهم. أما الضغوط الخارجية فهى تمارس على كل الأنظمة، سواء كانت استبدادية أو ديمقراطية.
وبصفة عامة فإن الديمقراطية ليست مجرد وصفة صالحة لتنفيذ أجندة معينة، قومية أو دينية، بل هى علامة من علامات التقدم الاجتماعى، لما توفره للطبقات الحديثة من مجال مفتوح للصراع، بإخضاع البيروقراطية لمجال سياسى متاح لتاثير مخططات مختلفة تخدم قوى وطبقات مختلفة. وبهذا المعنى فهى مقياس صحيح للتقدم الاجتماعى بصفة عامة، أو لـ"التنمية البشرية" بالمصطلحات المعاصرة. فالدول التى تتمتع بقدر أكبر من الحرية الداخلية، والقادرة على فتح مجالات التنافس، يكون الناس فيها أكثر شعورا بكرامتهم، وأكثر قدرة على الحركة، وأقل تعرضا لسلطة مانعة قاهرة يجب أن يحصلوا منها على إذن قبل أى تحرك فاعل. والمواطن الحر، بالمعنى البرجوازى، ما زال هو أرقى مواطن فى عالمنا المعاصر، ليس فقط اقتصاديا وسياسيا، بل أيضا معرفيا وأخلاقيا (إذا فهمنا الأخلاق بمعنى أوسع قليلا من مفاهيمنا عن "أصالتنا الشرقية"، غير أن هذا موضوع يطول شرحه).
الأخطر من ذلك أن حركة محدودة بهذا الشكل تطلب مطلبا قصويا إلى هذه الدرجة، لا تلعب فى الواقع سوى دور استدعاء قوة أخرى لتحقيق مطالبها.. أى إنها تقدم ذريعة لقوى غير ديمقراطية (انقلاب عسكرى مثلا) للقيام بالمهمة التى عينتها: إنقاذ الوطن. ولعل ما نُشر من ترحيب ضمنى بفكرة تعيين رئيس المخابرات نائبا للرئيس فى "العربى الناصرى"، أو الاحتفاء بشخصيات من قبيل عزيز صدقى أو طارق البشرى، لم يعرف عن أى منهما ميل للديمقراطية، مؤشر على آفاق وأحلام بعض قادة الحركة.
سياسى "كفاية" الطليعى
والحال أن هذه التصورات الكامنة فى منطق حركة "كفاية" وقادتها تتطلب تفسيرا. والتفسير الأول والأبسط هو أن الحركة نفسها قامت على أكتاف عناصر قومية من أحزاب وتيارات مختلفة. معظمها تيارات معادية فى مواقفها الأساسية للديمقراطية بالمعنى المفهوم.. من ناصريين وأعضاء فى حزب العمل وما يسمى "اليسار الوطنى". فمثلا المنسق العام (جورج اسحق) عضو سابق بحزب العمل (امتداد مصر الفتاة)، الذى انتفض أعضاؤه ضد رواية تحكى عن القمع الجارى فى ظل أتعس الأنظمة الشمولية فى العالم العربى، وتبنوا الشعارات الدينية مع رواجها ومجدوا ما يسمى "الصحوة الإسلامية". وهناك المتحدث الرسمى الناصرى باسم الحركة (عبد الحليم قنديل)، وهو ليس الناصرى الوحيد، الذى لم يكف يوماً فى جريدته "العربى" عن تحريض أجهزة الدولة الأمنية على الفتك بكل من تسول له نفسه مخالفة صحيح الوطنية بشأن مسألة الصراع العربى الإسرائيلى. وحتى بعض الشخصيات اليسارية مرتبطة تاريخيا بأفكار القومية العربية، والانشغال بالكفاح الفلسطينى، بما يكاد يشبه طبعة قومية من اليسار. وهم على كل حال قد كشفوا عن إيديولوجيتهم صراحة فى بيانهم التأسيسى الذى تحدث عن العرب والعراق وفلسطين أساسا، وفى مقالاتهم.
ولأنهم قوميون و"هوياتيون" بصفة عامة، اعتبروا أنفسهم تلقائيا ممثلى الشعب. فالقوميون يميلون بطبيعة إيديولوجيتهم ذاتها إلى تصور "الأمة" ككيان واحد مصمت متحد، وبالتالى يناسبه تعبير واحد ما عن مصالحه المتحدة الجوهرية، التى تتمثل بالتحديد فى الحفاظ على ما يسمى هويته (التى يختلف الهوياتيون بالطبع فى تحديد ما إذا كانت مصرية أو عربية أو إسلامية، وفحوى هذه الهوية أيا كانت). ولأن الهوية شىء غامض تماما، فإنها لا تتحدد إلا من خلال نقيضها، أى تعيين عدو رسمى لها يرمى لتدمير هذه الهوية. ومن هنا الاحتشاد حول أفكار المؤامرات الخارجية ضد هويتنا التى يهددها الغرب أو إسرائيل أو التحالف المسيحى اليهودى أو غير ذلك. ومن هنا حملت "كفاية" من اللحظة الأولى شعار مكافحة أعداء الهوية، بغير أن تحدد كيفية بناء هذه الهوية نفسها.. فهى بالنسبة لهم شىء معطى وبديهى ولا يتعرض لقوة أو ضعف، وإنما يوجد أو لا يوجد.
والهوية الواحدة تتطلب كما أسلفنا تجسيدا واحدا وحيدا، هو بالطبع بطل الهوية المتصدى للأعداء، بل أن هذا هو مبرر وجوده الوحيد. وهذا ما يفسر لنا أن من وقعوا البيان التأسيسى لـ"كفاية" أنفسهم لم يتورعوا عن أن يعتبروا أنفسهم، بكل "تواضع"، "رموز[ا] سياسية وفكرية وثقافية ونقابية ومجتمعية"، فهم أكبر من مواطنين، رموز، وبالتالى فاجتماعهم فى كفاية "يرمز" للوطن! وما اتفقت عليه "الرموز" هو بالطبع مشروع الوطن، من خرج عليه فقد خان. ومن هنا اعتبرت "كفاية" نفسها "حالة فريدة من الوفاق الوطنى بين كافة القوى الوطنية المصرية دون تمييز أو استثناء".. وبالتالى لا يخرج عنها سوى الخوارج على الوطن.
ولأن الهوية باطنة فى الشعب، أو لنقل أنها هى "فطرته"، فإن دور البطل، أو "الرمز"، أو "وفاق القوى الوطنية"، لا يتعدى إيقاظ هذه الفطرة واستدعائها. فالشعب يئن ويشكو، ويعرف أصدقائه وأعدائه، ولكنه فريسة اليأس، ينتظر البطل الشجاع الذى يعبر عنه ويواجه السلطة، فيوقظ "فطرته الوطنية" النائمة فى أعماقه، فيأتى من كل حدب وصوب، ويحقق ما وعد به عبد الحليم قنديل وزملائه أنصار الحركة من الوصول إلى مظاهرة مليونية، أو "مئة ألفية". وبناء على هذه التوقعات طرحت الحركة على نفسها مهمة تنظيم عصيان سياسى شامل، برغم أن عضويتها الاسمية على شبكة الإنترنت لا تتجاوز آلافا قليلة، وتنظم مظاهرات محدودة.
السياسى القومى ينادى "الفطرة"، لا الوعى العام.. فهذا الأخير ليس له محتوى أزلى، وإنما يُبنى عبر ملايين أفعال السلطة والمقاومة فى آلاف المواقع، ويشكله تطور اقتصادى واجتماعى. والسياسة عند القوميين ليست بالتالى بلورة مصالح وتجميع قوى، وإنما "الوعى" كعفريت المصباح، تحرره الحكة المناسبة أو الكلمة السحرية، وهو دوره هو كـ"طليعة". ومن هنا يظل القومى مصرا على تكتيك الانتفاض والصحوة التى تقوم مقام عودة الروح للجسد الميت فى الأساطير، كإيقاظ الأميرة النائمة التى سحرتها الساحرة الشريرة، تحدث مرة واحدة وللأبد، لتتحقق السعادة المطلقة. ولعل هذا ما يفسر لنا كيف وضع قادة "كفاية" على كاهلهم الضعيف مهمة لا تقل عن "تحرير الشعب المصري من الاستبداد والقهر والحاجة" (بيان الدعوة لجمعية تأسيسية).
ومع ذلك قد "يتنازل" قادة "كفاية"، إزاء خيبة الأمل فى "زحف" الجماهير "المقدس"، ليطرحوا قضايا لقمة العيش، ولكن يظل ذلك فى إطار علاقة علاء الدين بمصباحه، فيضاف شعار مكافحة البطالة إلى مظاهرات مواجهة الأمن المركزى. فطليعة الأمة قررت أن تكون أيضا بطلة للقمة الخبز، هاتفة بها فى أحد أكبر ميادين القاهرة ضد السلطة مباشرة، بدلا من السعى الدءوب لتحقيق تواصل حقيقى مع الجمهور الذى يعانى من البطالة فى مواقعه. ولكن حتى هذا الاعتراف بقضايا نوعية للجمهور يقتصر عند القوميين على "الجمهور" فقط.. أما المتعلمون فهم "طليعة" مثله، أو يجب أن يكونوا كذلك، وبالتالى عليهم إخضاع مطالبهم النوعية للهدف الأسمى.
وبنفس منطق "إيقاظ" روح الشعب رفضت "كفاية" أى نضال من أجل الديمقراطية من خلال دخول معركة الانتخابات الرئاسية، فهو إضفاء للشرعية على النظام الذى ستسقطه "كفاية". ومن باب تمثيلها المؤكد للشعب الموحد طالبت الجميع بمقاطعة الانتخاب، ثم أدان بعض قادتها كل المرشحين حتى لو حملوا برنامجا ديمقراطيا مشابها لمطالبهم الديمقراطية، بما فيها تغيير الدستور بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة. وإزاء "عصيان" بعض الأحزاب لسياستها "الوطنية"، اتهمهم قنديل بالخيانة (على سبيل المثال فقط، أنظر: المصرى اليوم 26/8).. فـ"كفاية" ليست حزبا أو تيارا أو اتجاها، وإنما قادتها وأشباههم من القوميين بمثابة ضمير الأمة المتعالى.. المرجعية النهائية "للحق" الوطنى.
والحال أن فكرة ضمير الأمة، (ومثلها فكرة "الحق الإلهى")، أمر لا يتفق مع الديمقراطية بحال. فالضمير المذكور ليس مطروحا كسياسة تواجه غيرها، وإنما كمرجعية عليا للسياسة، على طريقة مرجعية آيات اللـه فى إيران. ضمير الأمة سيد أعلى، ولكنه غير مسئول أمام أية جهة، هو مسئول أمام نفسه، وأمام الأمة، ولكنها ليست مسئولية انتخابية أو مبنية على تفويض ديمقراطى، وإنما مسئولية مقدسة، تتمثل بالضبط فى اتباع فكرها القومى باعتباره تعبيرا عن روح الشعب، تماما مثلما يمثل آيات اللـه الإرادة الإلهية. والشعب نفسه ليس أفردا مختلفين يقررون بالأغلبية ماهية مصلحتهم العامة، ثم يغيرون رؤيتهم، وفقا لتوازنات القوى الاجتماعية، وإنما أفراد منوط بهم أن يتبعوا القيادة لتحقيق المهمة المقدسة. والمسافة التى تفصل سياسى الهوية سلوكا وممارسة عن الناس هى بالضبط الأساس الذى يقربه منهم كزعيم ملهم.. يعبر عن "فطرتهم"، ليس بوصفهم مجموعة أفراد أحرار متساوين، ولكن كحاملى حقيقة مقدسة مكتفية بذاتها وسابقة على المواطنين أنفسهم، هى الأمة المقدسة، التى عليهم أن يلبوا "نداءها" الذى يهتف هو به، لأنها منهم بمثابة الروح للجسد.
ولما كانت الطليعة ذات سمة شبه دينية بهذا الشكل، فإن دورها القيادى لا يتحقق بتدبر للموقف المعطى كما هو والتجميع الدءوب للمصالح والتعبير عنها فى ضوء حسابات للمكاسب والخسائر. فالسياسة محلية الطابع (على مستوى النقابة أو الدائرة الانتخابية) فى نظرها تفتقر إلى الحرارة وتعجز عن احتواء "الفكرة" المقدسة التى لا يسعها مكان أو زمان. وإنما يمكن أن تتحقق فحسب إذا نجحت أفعالها البطولية، و"صمودها"، فى "إيقاظ الفطرة". وباختصار، سياسى الطليعة الهوياتى هو بالتعريف مثقف رومانسى يتعامل مع "الروح"، لا "الجسد".
ولما كانت المظاهرة هتافا استدعائيا بطبيعتها، فإنها تصبح (ما لم تستول الحركة على السلطة)، هى السياسة، وهى التجسيد الأعلى للحركة.. هى روحها ومبدأها ومنتهاها. ولهذا وعد قادة "كفاية" بمواصلة المسيرة حتى ينجح "الإيقاظ"، وتقوم المظاهرة الحاشدة والنهائية. ولكن الواضح هو أن "الإيقاظ" قد فشل. فما العمل إذن؟ هنا يكون الشعب هو المذنب. أنظر مقالات إبراهيم عيسى مثلا فى الدستور، التى ينعى فيها على الشعب جبنه وخنوعه، حتى أنه لم يعد بحاجة إلى قمع. وانظر قبله مصطفى كامل الذى راح ينعى فى رسائله الخاصة مولده فى شعب لا يصلح ولا يرغب فى النضال من وجهة نظره.. بينما راح يهتف: "لو لم أكن مصريا... الخ". سياسى الهوية لا أفق أمامه سوى التراوح بين تقديس الشعب وسبه.. لأنه منذ البداية طرح نفسه معبرا عن وطن مقدس.
سياسى الهوية على هذا النحو يطرح نفسه منذ البداية كسلطة موازية للسلطة القائمة.. فى صراع حياة أو موت (للوطن طبعا). ومن هنا يكون مشروعه الحقيقى هو ازدواج السلطة.. بين مؤسسات دولة تتولى المسئولية الفعلية، وضمير (هو المثقف ذاته)، يقف خارجها، يحاكمها ويناوئها. ليس هذا النموذج الغريب ببعيد عن تراث المنطقة العربية ككل، فهو لا يختلف عن موقف حركة حماس التى تشارك فى الانتخابات، ولكنها ترفض المشاركة فى السلطة التنفيذية، أو، فى مصر، الإخوان المسلمين، الذين رفضوا دائما أن يتحولوا إلى حزب (وإنما يطالبون الآن بحزب إلى جانب الجماعة). فالضمير حين يتولى التنفيذ يفقد صفته "الضميرية"، ويصبح طرفا فى معترك سياسى، ويصبح مذنبا بتفتيت وحدة الشعب المقدس، ويصبح مضطرا لإدانة صريحة وعلنية للشعب حين يحصل مثلا على 5% من الأصوات.
عودة إلى الجذور: تشكُّل المثقف الطليعى
غير أن التناقض العميق الكامن بين الخطابين القومى والديمقراطى، بين السياسة والمظاهرة، بين حقوق المواطنين و"شرف الوطن"، ما زال فى بدايته، لأن الحركة كلها ما زالت محدودة وليس فى إمكانها اتخاذ أية قرارات مصيرية، لها أو لـ"الوطن". ولكن هذا لا يمنع من أن نلاحظ أن "كفاية" قد حققت فى واقع الأمر نقلة مهمة نحو الديمقراطية. الهوية فى الأصل مبدأ مطلق لا يحتمل شركاء.. فالهوية الدينية والوطنية مثلا لا تجتمعان بشكل طبيعى، فكيف اجتمعا بتنويعات مختلفة فى "كفاية"؟ من حيث المبدأ يستلزم اجتماع هويتين أو أكثر نوعا من القبول المتبادل، ومجال مشترك للعمل.. تماما مثلما لا يستطيع حزبان ملكيان أن يتنافسا على السلطة لصالح أسرتين ملكيتين إلا فى جمهورية، كما لاحظ ماركس. وقد حقق بيان تأسيس كفاية جمع عناصر من حزب الوسط إلى العمل إلى ماركسيين قوميين ينتمون لتراث السبعينيات إلى ناصريين، حول مطلب "إنقاذ العروبة".
ومن حيث الواقع ثمة تاريخ من محاولات التوفيق والتعايش تمثل فى حوارات قبول متبادل سابقة بين هذه الأطراف فى التسعينات، صدر كتاب "مصر والنموذج الديمقراطى" الصادر عام 1999، ليلخصها، كما يشهد عليها قيام حزب العمل نفسه، الذى سعى إلى توليف خلطة هوياتية تكون قومية وإسلامية فى نفس الوقت. وإزاء التراجع الملحوظ لإيديولوجيات الهوية كان من السهل على هذه الأطراف، بصرف النظر عن استمرار خلافاتها "العميقة" حول الهوية المطلوبة، أن تتعايش حول هدف إسقاط الأعداء، وأن تقبل ذلك تحت شعارات ديمقراطية تظل مشروطة بمبدأ الهوية كما رأينا.
هذا عن "المستجد الديمقراطى" فى فكر "كفاية". أما الأساس الهوياتى فأسبق بكثير حتى على مولد قادتها أنفسهم. فمبدأ تغليب ما يسمى وطنيا أو قوميا على الديمقراطى، أى تغليب "مصالح الدولة العليا" على حقوق سكان الدولة قديم فى التراث السياسى المصرى. فلنلق نظرة على الجذور:
نشأت النزعة الوطنية المصرية الحديثة منقسمة منذ البداية بين تيارين: قومى له رافد دينى، وليبرالى له ميول حداثية، تمثلا فى الحزب الوطنى لمصطفى كامل وحزب الأمة. وقد تلقى التيار القومى دفعة قوية فى الثلاثينيات من القرن الماضى وما بعدها، بنشأة تيارات سلطوية مثل "مصر الفتاة" (وامتدادها حزب العمل الحالى)، والحزب الوطنى "الجديد" (المنشق عن مصر الفتاة)، والإخوان المسلمين (ومستمرون حتى الآن). هذه المنظمات جميعا اعتمدت بالدرجة الأولى على المتعلمين، وعلى فئات وسطى من البرجوازية الصغيرة (مثل أصحاب الدكاكين وما أشبه)، ومالت إلى إقامة صلات سياسية بالسراى الملكية، لما جمعهم معها من هدف مشترك تمثل فى محاولة تحطيم حزب الوفد.. أقوى الأحزاب الجماهيرية المصرية فى التاريخ الحديث، الذى ورث تراث الوطنية الليبرالية. وخلال هذا النضال الطويل بلورت أفكارها الوطنية السلطوية الهوياتية.
هذه التيارات القومية/ الدينية تعد بمثابة الأب الروحى لانقلاب يوليو 1952، فهى التى صاغت فكرة قيادة النخبة المخلصة للشعب، بدلا من مطالبته بحقوقه الديمقراطية، وتربيته على قيم معينة، بما يتضمن الوصاية عليه "لصالحه"، بحمايته من "الأفكار الضارة"، "العميلة"، و"الغزو الثقافى"، وتحقيق وحدة الشعب بحل الأحزاب التى تفرقه. واعتُبرت هذه "الديمقراطية الموجهة"، وسميت "الديمقراطية السليمة" أيضا، الضمانة الأساسية لمنع تلاعب الاستعمار بالحياة السياسية، وبالتالى لتحقيق "أهداف الشعب"، التى يعرفها القادة المخلصون القادرون على حمل "الأمانة" (الاسم الجديد للسلطة). وبالإجمال إنشاء نظام سلطوى يتولى رعاية الشعب، ولا يخضع "لأهواء" جماعاته المتفرقة. ويكتمل هذا كله بفكرة النهضة كمشروع ضخم هائل لا تقوم به إلا الدولة المسيطرة، التى تعتبر ضرورية لاستدعاء روح الشعب وإيقاظها، على نمط حكم هتلر لألمانيا، وأحلام بدور إقليمى وعالمى هائل الأبعاد، وفكرة العزة والكرامة، وقهر جميع الأعداء بسهولة.
فى عهد دولة الضباط، الذين تربى معظمهم فى أمثال هذه المنظمات، أصبحت هذه الأفكار هى الإيديولوجيا السائدة، مدعومة بقوة الدولة وقمعها لكل صوت يخرج عن صوتها الواحد المعبر عن ضمير الشعب الواحد. وفى ظل النشر المنهجى لثقافة الخوف وسيادة ضباط الجيش وأجهزة القمع على الجميع، وفى ظل التغنى بانتصارات وإنجازات متلاحقة من خلال تحكم شامل فى كل وسائل الثقافة والإعلام (وسُميا معا فى البداية اسما دالا: "وزارة الإرشاد القومى")، وسيف المعز وذهبه، أصبح مثقفو الدولة السلطوية أغلبية. ومثل كل شىء أنتجته هذه الدولة، بدأ مثقف الدولة عملاقا ثم أدركته الشيخوخة سريعا (مثل التعليم الذى أخذ يزداد توسعا وانحطاطا فى نفس الوقت؛ والصناعة "الثقيلة" التى دخلت مرحلة الخسائر بسرعة الصوت، الخ)، فبدأت رئاسة الصحافة مثلا بمصطفى أمين وهيكل، لتنحدر تدريجيا إلى نافع وسعدة، ثم القط وأشباهه الآن.
وبسبب الهيمنة الشاملة السياسية والإيديولوجية للنظام الجديد وإيديولوجيته القومية، لم يخرج أكثر المعارضين عن "ثوابته"، حتى ولو كانت معارضتهم عنيفة تصل إلى حد المطالبة بإسقاطه. فتدريجيا ظهر المثقف والسياسى السلطوى المعارض (وخصوصا بعد انقلاب القصر الذى نفذه السادات لصالح أحد أجنحة النظام)، الذى ترمى معارضته إلى "استعادة شموخ" الدولة السلطوية، لتصبح أكثر وطنية بمعايير مشابهة لتلك التى تبناها انقلاب يوليو، نظرا لأن النظام فى نظره قد "خان" هذه المعايير (تذكر التخوين المتبادل بين "كفاية" والنظام). فالمثقف والسياسى السلطوى ليس فقط ذلك الذى يخدم السلطة الحاكمة، بل يشمل أيضا من يحمل مشروعا سلطوياً معارضاً بتلاوينه الدينية والقومية. وهو سابق تاريخياً، ولاحق ومواز، لمن يخدمون السلطة القائمة.
يحمل هذا السياسى القومى المعارض دائما، مثل نظام يوليو، فكرة مجردة عن الوطن أو الدين، يعتبر صياغة السكان وفقا لها واجبا مقدسا ملقيا عليه. وهو يعتبر هذه الفكرة تعبيرا دقيقا عما يدور بالضبط فى ضمير ما يسميه "الشعب". وبتكفير أو تخوين النظام، يصبح هذا المعارض هو الجدير بالتعبير عن الضمير المذكور بمعارضته للنظام بالذات، وبالتحديد بالدعوة لإسقاطه. ومثلما كان عبد الناصر هو "القائد المعلم"، وضباط يوليو "طليعة"، بمصطلحات "الميثاق"، يطرح هذا السياسى نفسه كطليعة للجماهير، يطرحها كقدوة، كمثل أعلى أخلاقى، مهمته أن يطلق الكلمة السحرية التى تحرر عفريت المصباح.
تصور مختلف؟
فى ضوء ما سبق يتطلب أى نضال ديمقراطى جدى فى المقام الأول نقد موقف الطليعة الهوياتى. من الناحية العملية ليست المظاهرة الشكل الأعلى للنضال الديمقراطى، وإنما أحد الأشكال التى يمكن أن تفيد فى لحظة معينة. لقد كسرت المظاهرات الأولى لـ"كفاية"، وقبلها، حاجزا ما، وربما يجب أن يتم الحفاظ على المظاهرة كشكل متاح من أشكال الاحتجاج. ولكن المظاهرة لها حدودها، فهى لن تعلم الناس المقاومة، ولن تكسبهم خبرة فى صراعاتهم اليومية، ولن تحول، فى حد ذاتها، وعيهم جذريا. واقع بروز "كفاية" ودورها يعنى فى الواقع أن المجال السياسى ما زال فقيرا، وأن النضال الديمقراطى ما زال أمامه شوط طويل. ليس المقصود بنقد "كفاية" وأسسها الفكرية إدانتها.. فبروزها ابن عوامل كثيرة كما رأينا، بل يمكن القول أنها تعبير صاف عن واقع الفقر السياسى الموروث. وفى إطار هذه المعطيات لا شك أنها لعبت بشكل ما دورا إيجابيا.. وما سبق يرمى إلى بيان حدود هذا الدور.
التعديل الدستورى المحدود، على عيوبه (حيث يرمى إلى الاحتفاظ بأسس الدولة السلطوية)، أتاح للمرة الأولى حملة انتخابية بطول البلاد وعرضها ضد الكثير من أسس النظام القائم، قام بها حزبا الوفد والغد. غير أن الحملات الانتخابية العامة وحدها لا تكفى. تثبت الانتخابات مدى قوة آليات الدولة الزبونية (التى تشترى زبائن النظام بالرشاوى الانتخابية وغير الانتخابية) التى يتطلب النضال الديمقراطى العمل على تفكيكها، ولكنها تعرقلها وتفضحها وتفككها أيضا. ولكن بانتهاء الانتخابات تتطلب مواصلة الكفاح الديمقراطى إجراء حساب للقوى الاجتماعية الأكثر ميلا إلى تأييد الكفاح الديمقراطى، وتلك الأكثر ميلا لرفضه، أو للحد منه، والتوجه إلى القوى المناسبة، باعتبارها دعامة الديمقراطية الحقيقية، فى إطار من الصراع السياسى والاجتماعى، والنضال من أجل إتاحة الفرص أمامها للتنظيم المستقل.
تكشف الانتخابات أيضا، إلى جانب الأحوال العامة، أن آليات الدولة الزبونية هذه فى انحسار، وأنها أصبحت عاجزة عن تعبئة نسبة معتبرة من السكان. وتكمن المشكلة فى أن هذا الجانب الضئيل من التعبئة ما زال أكبر مما تستطيع المعارضة أن تعبئه. وهناك أيضا الآليات البوليسية (سيف المعز الذى يساند ذهبه)، والتى تلعب دورا متزايدا مع تآكل قدرة النظام على منح العطايا. وتتطلب تعبئة كل القطاعات الخارجة عن الحلبة السياسية كلية تحرير قطاعات أكبر وأكبر من المجال العام من التدخل الإدارى والبوليسى، وفتحها للتفاعل السياسى الحر. فى هذه المرحلة ربما كان تعديل قوانين الجمعيات الأهلية والنقابات والجامعات، لرفع يد النظام الرعوية/ البوليسية عنها، أكثر أهمية حتى من قوانين مباشرة الحقوق السياسية. بل وربما تكمن أهمية إلغاء قانون الطوارئ أساسا فى تجنيب العمل فى هذه المنظمات وسائل العسف البوليسى غير القانونى. وفى المجال العام ربما كانت أنشطة جمعيات حقوق الإنسان، شرط أن تصبح جمعيات محترفة جديرة بالثقة وقادرة على إشراك جمهورها فى عملها، الوسائل الأكثر إيجابية فى تشجيع المواطنين على التمسك بحقوقهم الإنسانية، ومساندتهم فى العسف اليومى بمصالحهم. وعلى مستوى الخطاب، ربما كانت عمليات المراقبة المنهجية لتجاوزات النظام ووسائله الدقيقة (على نمط مراقبة الانتخابات، أو تتبع التعذيب فى الأقسام، الخ)، أكثر أهمية من "التشهير" و"الفضح" العام على نمط يسقط ويعيش.
أرجو ألا يكون هذا من باب تمنِ لما يجب أن يكون. والواقع أنه توجد شواهد موازية لـ"كفاية" تشير إلى هذا الاتجاه. فمطالب القضاة النقابية لعبت دورا محوريا فى تعميق أزمة النظام، والمراقبة الداخلية والخارجية للانتخابات دفعت لاجتهاده للحد من عمليات التلاعب وتطوير بعض أدواته السياسية، وجعلته يبذل مجهودا مضاعفا أضعافا لحشد أنصاره الذين كان غنيا قبل ذلك عن حشدهم. وقبل ذلك أدى استقصاء وقائع التعذيب إلى محاولات ما زالت أولية لفرض نوع من الضبط الذاتى على الشرطة، ولعل ثمة عشرات من الأمثلة الأخرى.
وباختصار، لا يمكن تحقيق الديمقراطية بمظاهرة، فالديمقراطية هى توسيع المجال السياسى، أى إشراك المزيد والمزيد من الأفراد فى الشأن العام. وهذه المشاركة تُكتسب مهاراتها، بل تتحدد مطالبها أصلا، بالممارسة فى كل موقع من مواقع المجال العام، ولا تهبط من السماء، أو بالاستجابة لنداء "الأمة المقدسة". ويتطلب تشجيع هذه الممارسة انتهاج سياسات معارضة واقعية، لا تندفع إلى "المثل الأعلى"، لمجرد أنه مثل أعلى، وإنما تتقدم بشكل منهجى نحو تفكيك آليات الاستبداد بما يتاح من قوى.
هذا كله يتطلب سياسيا جديدا قادرا على أن يناضل فى موقعه، لا أن يطالب بإخضاع هذا الموقع "لإرادة الأمة" التى "يتشرف" بتمثيلها. والحال أنه كما أنتجت هيمنة الدولة الناصرية (وما بعدها) على الاقتصاد والنشر والصحافة والإعلام... الخ مثقف وسياسى الدولة المؤيد والمعارض على السواء، يُنتج اقتصاد السوق المتنامى، طبقة وسطى وعاملة مستقلة، وبالتالى مستقلة عن إشكاليات الهوية، ذات حس واقعى، وقدرة أكبر على الحركة، لا تغرق فى أحلام العزة والكرامة المجردة، وإنما العزة والكرامة العملية، المبنية ربما على قيم الإنجاز لا الأصالة (على ما يوضح مقال عمرو إسماعيل فى هذا العدد). ويقدم تحرر النشر والإعلام والصحافة والنشر نسبيا، أدوات بلورة خطاب هذه الفئات.أما الفئات التى ما زالت مرتبطة بالدولة وتعتمد عليها فى إعالتها على حساب المجتمع فهى بطبيعتها تفتقر إلى مشروع مستقبلى، مثلها مثل سياسى الهوية الذى يمثلها.
ربما كان من بين إنجازات "كفاية" أنها جذبت إلى الميدان السياسى بعض أبناء هذه الطبقات الجديدة. ليس كل متظاهر هوياتيا.. كثير من الشباب كانت هذه تجربتهم السياسية الأولى، وقد دخلوا العمل العام من قبل من خلال منظمات خدمة اجتماعية وجمعيات حقوق إنسان، وما شابه.. ولكن تطور الحركة الديمقراطية يعتمد على تجاوزهم هم أنفسهم لتجربتهم الأولى هذه. لقد تبين أن المظاهرات لن تتسع إلى ما لا نهاية بقوتها الذاتية.. وتبين أن النظام أقوى من أن تسقطه حتى مظاهرة إخوانية حاشدة.. وتبين أن معظم الناس ما زالوا فى واد بعيد عن كل شعارات "يسقط"، وتبين أن المتعلمين مجرد قطاع من الشعب، لا يمثلوه، ولا يحلون محله، ولا يقودوه بمجرد تقديم النموذج والمثال البطولى، تبين أن مصر واسعة، أوسع من القاهرة، وأوسع من صحفها والفضائيات التى تصل إليها، وتبين أخيرا أن تغيير النظام السياسى لا يتوقف على مجرد الإقدام والإخلاص.. باختصار تبين أن هناك زمنا قادما حافلا بالتجارب والدروس.. آخر ما يفيد فيه هو التشبث العنيد بالبقاء فى نقطة البداية مع ديناصورات الهوية.
نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:06.
"حارتنا حارة الحكايات"، هكذا جرى قلم محفوظ على لسان راوى "أولاد حارتنا" وعلى لسان بعض شخصياتها، لأن الحكاية نفسها هى البطل الرئيسى. أبطال الحكايات معروفون لنا تماما، لأننا جميعا، حتى الأميين منا، نستطيع أن نضع أمام كل شخصية تقريبا معادلها فى قصص أديان المنطقة الحالية: قصص العهد القديم والقرآن: الجبلاوى: اللـه؛ أدهم: آدم؛ إدريس: إبليس؛ همام: هابيل؛ قدرى: قابيل. أما الأنبياء، فجبل هو موسى؛ ورفاعة هو يسوع أو عيسى؛ وقاسم هو محمد. أما آخر الأبطال وأكثرهم إثارة للجدل فهو عرفة الساحر، رمز العلم الحديث.
الحكايات والحارة
ولكن البطل ليس أيا منهم، وإنما هو الحكايات نفسها، فكل فصل منها يتحول فى الفصول التالية إلى مروية، حكاية تحمل العبر، يغنيها شعراء الربابة فى المقاهى والغُرز، ليلتف الناس حولهم يسمعون (على نمط ملاحم أبو زيد الهلالى وعنترة القديمة)، فيتأثرون أو يأسوا لحالهم أو يسخطون. ولكنها دائما تشكل وعيهم بعمق، لأنها ملحمتهم هم وحكايات "حارتهم". إنها تتكلم عن أصلهم وعن كفاح أبطالهم، وتشكل بذلك قيمهم وأحلامهم وآمالهم.
فوق ذلك تشكل الحكايات بنفسها دوافع الأبطال (الأنبياء) وتمنحهم أهدافهم. فكل بطل تبدأ قصته بأن يسمع حكايات الحارة حين يعود إليها، أو يتأمل فيها فى لحظة ما، ويتبنى هدفها. واتصال أى منهم بالجبلاوى يعنى مباشرة، له وللجميع، أن ثمة فصلا جديدا سيضاف إلى حكايات حارتنا.
رواية "أولاد حارتنا"، وفقا لمقدمة محفوظ لها، تدوين لتراث شفهى متداول على الربابة، وبذلك فإنها تمثل لحظة تحول الحكايات الشفاهية إلى تراث مكتوب، أو تحول مختلف أديان المنطقة إلى رواية جامعة عن وعيها.. رواية تتجاوز خلافات واختلافات الأديان، لتدمجها فى مروية عن ثقافتنا. وباختصار، تصبح بذلك تراثا لجماعة بلغت الرشد وأصبحت واعية بماضيها بوصفه تراثا، بينما كانت قبل ذلك غارقة فيه بوصفه جانبا متجددا قابلا للتحوير من حياة "الحارة".
حارة الجبلاوى هى البطل الثانى للحكايات، فحكايات "أولاد حارتنا الأبرار"، أى الأنبياء وعرفة، تدور فى حارة كبيرة قرب صحراء المقطم، كان "الجبلاوى" أول من بنى فيها بيتا، وهو أصل كل ذرية الحارة. ما المقصود بتلك الحارة؟ الحارة ليست رمزا للبشرية(). فالجبلاوى ليس فى الرواية أول الموجودات. وهناك أيضا حارات أخرى بخلاف حارة الجبلاوى.
الحارة مقسمة إلى ثلاثة أحياء، فضلا عن بيت الجبلاوى وبيت ناظر الوقف (الحاكم ومغتصب حقوق الحارة فى الوقف) وأمامه بيت كبير فتواته (جيشه وشرطته). تنتهى الأحياء الثلاثة إلى تمثيل الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام. فيُسقط محفوظ حكايات عشرات الأنبياء الآخرين ليختار رموزا تمثل وعينا نحن. ما المقصود بـ"نحن"؟ نحن هذه قطاع ما من البشرية، فهناك بشر آخرون، لا يشاركون فى هذا التراث ولا فى الإيمان بالأديان الرسالية (أى التى تتميز بقيام أديانها على فكرة ورود رسالات من الخالق عبر رُسُل) وأبطالها (هناك مثلا عوالم جنوب شرق آسيا، أو الهند، ووجودها سابق تاريخيا على ظهور أبطال الأديان الذين يتناولهم محفوظ). "الجبلاوى" إذن فى وعينا أصل العالم كله، ولكن "الحارات" الأخرى لا تعرف آدم، ولا تحكى أديانها قصة الهبوط من الجنة أصلا (لأن لها ثقافة مختلفة وأديان مختلفة نوعيا مثل الكونفوشيوسية أو البوذية أو الطاوية أو الشنتوية أو الهندوسية).
بل يبدو أن "نحن" هذه لا تشمل كل الشعوب التى تأثرت بالأديان الرسالية، وربما تقتصر فعليا على الشعوب العربية. ولذلك نجد حارة محفوظ خالية من التنوير الأوربى ومجمل ملحمة الثقافة الأوربية الحديثة. ولكن "أولاد حارتنا" ليست رواية عن تاريخ وعينا الدينى/ الأخلاقى، بل عن وعينا الحالى.. فالفراعنة أو الفينيقيين أو السومريين أو البابليين أو الرومان أو البطالمة ليسوا ممثلين فى رواية محفوظ. وحتى لو كانت الحارة هى مصر، فإنها مصر هبة الأديان الرسالية التى تحكم وجداننا المعاش، والتى يلعب فيها "الجبلاوى" الدور الرئيسى، فهو الخالق والأصل، الذى خلق آدم على صورته. وباختصار، يقدم محفوظ فى هذا النص رؤية عميقة لثقافتنا السائدة التى يعرفها رجل الشارع، حتى الأُمى، من الجامع والكنيسة والكتاب والمدرسة والإعلام، ومن حوارات الشوارع نفسها.. فهى قصة وعينا نحن بقصة معينة للخلق من خلال أديان معينة تحكم واقعنا المعاش.
شعب اللـه المختار المعذب
ولكن كيف تصيغ "أولاد حارتنا" تراث الحكايات وكيف تقدمه؟ تخبرنا الرواية أننا، وحدنا، نحن حملة تراث الأديان الرسالية، شعب مختار فى نظر أنفسنا. صحيح أن الإسلام والمسيحية دينين عالميين تبشيريين، ولكن الانتماء لأيهما يمنح المنتمى فى نظر جماعته فى بلادنا (وليس فى أوربا مثلا) وضع الانتماء إلى فئة مميزة من البشر، يحق لها، بل من واجبها فى رأيها الخاص، أن ترث ملك اللـه العريض فى الأرض وتحكم العالم. نحن أيضا، كما تُجمع الأديان الثلاثة، أتينا من عالم آخر، فأبونا ليس من هذه الحارة التى نعيش فيها، بل من رأسها، من ملكوت السماء، هبط إلى الأرض بسبب عصيان إرادة "الجبلاوى"، ونعيش نحن جميعا هنا بسبب هذا الخطأ الأصلى القديم.
وهكذا فنحن نعانى، بسبب إيماننا بهذه الرؤية، من شعور مركب عميق: شعور بالفخر، أو الانتماء لشعب مختار، وشعور بالبؤس، لأننا ببساطة خارج الجنة التى عاش فيها أبونا الأول، والتى نهفو للعودة إليها. نحن إذن بشكل ما فى المكان الخطأ، فى "دار الفناء" بمصطلحات رجال الدين الإسلاميين، فى رحلة تجد معناها النهائى فى "دار البقاء". وفى "منفانا" هذا نسمع قصص الأنبياء التى تحدد معنى وجودنا على هذه الأرض، ومواعظ الأديان التى تؤكد جميعا ضمنا أننا نعيش فى المكان الخطأ، ولكنها تؤكد أيضا حقوقنا المقدسة فى "الوقف" (خيرات الأرض) وفى العدل والسلام والكرامة.
اختار الجبلاوى أدهم من بين كل أبنائه (=مخلوقاته) لينوب عنه فى إدارة "الوقف"، الأمر الذى يثير حقد "أخيه" إدريس (= إبليس) كما هو مشهور، لأنه فى نظر نفسه أفضل، فأدهم ابن الجارية التى تزوجها أبيه، بينما هو وأخوته الآخرين أبناء الهانم (= فى الأديان خُلق من طين، بينما خُلق الآخرون من نار أو نور، وهما فى العرف العام أفضل وأرقى). فضلا عن أنه أقل منهم قوة، ولا فضل له إلا أنه يعرف الكتابة والحساب، وهما بمعايير البيت أدنى من القوة بكثير.
أدهم نفسه يشعر بالدونية برغم اختيار أبيه له فى إدارة الوقف. بل هو فى نظر الجبلاوى نفسه أدنى من أخوته: "انصعت إلى خيانة من فضلك على من هم خير منك". الإنسان فى "أولاد حارتنا" هو الكائن الأدنى منزلة، نال مكانة بين الكائنات بغير استحقاق ولا فضل، بل هبة من الواهب الأقوى لغرض لا يعلمه إلا هو. وفوق ذلك قُدٍّر عليه، بلا رغبة أو اختيار منه، أن يعانى من حقد ودسائس إبليس القوى، وأخيرا أثبت أنه لا يستحق مكانته فى البيت الكبير بسبب طمعه. وحتى فى سقوطه من الجنة سقط بشكل أكثر مهانة من سقوط إدريس (الذى تحدى أبيه)، ولم تعد له من فضيلة سوى حبه للجبلاوى وتعلقه بالبيت الكبير بعد طرده منه. فضيلة أدهم الولاء والطاعة.
البيت الكبير يخرج منه إذن كل من يخرق قانونه: الطاعة المطلقة، سواء بسبب التكبر أو الطمع، وسواء بالتحدى أو التحايل. ولكن يخرج منه أيضا كل قادر على الإنجاب: الشيطان وآدم، ومن ذريتهما (لا ذرية آدم وحده) تتكون الحارة. فأخوة أدهم الآخرون كما جاء فى الحكايات، لا يعيش لهم ولد أو عقيمون. فكأن الإنجاب هو قانون حياة "حارتنا"، حياة المنفى، بينما الخلود مع العقم هو قانون البيت الكبير.
ومع ذلك فالفارق بينهما كبير. فأدهم إرادة ضعيفة وضمير يقظ، وولاؤه للجبلاوى مطلق، بينما إدريس إرادة قوية وضمير منعدم، وبلا قدرة على البناء، وهو ما سينعكس فورا على خياراتهما خارج "البيت الكبير" فى مواجهة الظروف الصعبة: العمل أو النهب.
كان أدهم فى حياته فى البيت الكبير، قبل وبعد تكليفه بتحصيل إيجارات الوقف، يقضى معظم وقته فى الحديقة (=الجنة)، ينصت لأصوات الطيور ويعزف على الناى. وبعد الخروج، ظل أمله الوحيد العودة إلى البيت الكبير ، ولكنه قبل موته ينال، وفقا للعقيدة الإسلامية هنا، عفوا من "الجبلاوى"، ولكن دون عودة، فقط أعطاه "الوقف"، له ولذريته من بعده. ولكن هل أرضاه هذا؟ لا يبدو.. فأدهم منذ طرُد عرف "لعنة العمل"، والعمل عنده كان هو الانحطاط إلى مرتبة الحيوان:
العمل من أجل القوت لعنة اللعنات. كنت فى الحديقة أعيش، لا عمل لى إلا أن أنظر إلى السماء أو أنفخ فى الناى. أما اليوم، فلست إلا حيوانا أدفع العربة [التى يبيع عليها الخيار] أمامى ليل نهار فى سبيل شىء حقير نأكله مساء ليلفظه جسمى صباحا... الحياة الحقة فى البيت الكبير حيث لا عمل للقوت وحيث المرح والجمال والغناء.
التأمل فقط هو الذى يشبه حياة "البيت الكبير": "فى وحدتى أرتد سيدا أو شبه سيد، أتأمل السماء وأتذكر الأيام الخالية".. أى ببساطة أفكر فى المطلق، فى معنى الحياة، وفى الآخرة والنعيم.. فى خلود لا ينتهى.. أى فى كل أشواق أصحاب هذا التراث وهذه الثقافة.
على مدى الرواية، إلى أن يأتى عرفة، سيظل حلم الغناء فى الحديقة والتأمل هو "الحياة الحقة" التى تدور المعارك ويظهر الأنبياء من أجل إقامتها. ولكن إقامة حياة فاضلة على الأرض تحتاج إلى فكرة أخرى لا تقتصر على الحلم بالعودة إلى البيت الكبير. أميمة (حواء)، هى صاحبة هذه الفكرة.
المرأة هنا عند محفوظ هى الأرض والواقع. منذ البداية لم تكن حياتها فى البيت الكبير حياة الحديقة والناى والطيور والسماء، ولكنها حياة ترتبط بما يقال فى البيت الكبير وشئون الحياة. وحين حملت للمرة الأولى ساعدت إدريس فى إغواء أدهم ليحاول الإطلاع على حجة الوقف، حتى تطمئن على نصيب أبنائها المقبلين فى الميراث الضخم. ولكنها لا تتحمل المسئولية عن الخطيئة وحدها.. فأدهم برغم لومه لها على إغوائه كان يعرف أن "المرأة تعرب عما فى نفسه، وهذا ما يثير حنقه". أميمة صاحبة قضية ولها هدف، ذات إرادة جعلتها تحرض أدهم، أما أدهم فهو المنفذ المتردد الذى لا يحمل سوى عقدة الشعور بالذنب (لأنها فى الواقع أعربت عما فى نفسه) والوضاعة.
ولهذا كله، حين تخرج مطرودة مع أدهم، تطمح إلى أن تجعل من الكوخ الحقير "بيتا شبيها بالبيت الذى طردنا منه، لن تنقصه الحديقة ولا البلابل".. إنها تريد الجنة على الأرض، وحلمها واقعى تماما، فإذا كان أدهم يقول أن العمل لعنة، فإجابتها هى: "ربما، ولكنها لعنة لا تزول إلا بالعمل". أدهم إذن هو القيم على الوفاء للبيت الكبير، هو حامل القيم، وامرأته هى الواقعية والحسية والإغواء. فإذا لم تكن هذه ثقافتنا، التقليدية، فماذا تكون؟
يقدم إدريس (إبليس المؤنسن) الحل الثالث: أن يكون المرء بلطجيا ويعيش على حساب الآخرين. كان إدريس أول من طُرد، ومن بين صفات الأب، يتميز هو بصفة القوة والجبروت، فأخذ يجوب الحارات مُعاركا وسارقا. وهو ذو كبرياء، فعلى خلاف أدهم الذى لا يطمع سوى فى العفو والعودة، يبصق إدريس على البيت الكبير، ولا تربطه به سوى فكرة الانتقام، معتبرا نفسه صاحب حق مسلوب. ولكن إدريس القوى لا يستطيع أن يقيم نظاما كما فعل الأب، ولا يتمتع بالهيبة ولا الأخلاق. منذ البداية إذن يطرح محفوظ الشر فى بعده الاجتماعى والدينى متلازمان: الشر هو الاستيلاء على جهد الآخرين، مقترنا بالجبروت والتكبر والعصيان للبيت الكبير. ولكن إدريس يطرح منطقه واضحا قويا.. فحين يستنكر أدهم اعتماده على البلطجة، يرد:
إذا كان العمل لعنة والبلطجة قذارة فكيف يعيش الإنسان؟.... لعلك تريد رزقا بلا عمل؟ ولكن ذلك سيكون حتما على حساب الآخرين!... أم لعلك تريد رزقا بلا عمل دون أن يضار به أحد؟! هذه فزورة يا ابن الجارية!
قصة الخلق إذن عند محفوظ هى قصة فكرتنا عن الحياة ومعنى العالم: الحياة الحقة تكون فى الحديقة مع الناى والطيور (وهى حياة الثراء والفراغ من ناحية، وحياة التأمل والتمتع بالجمال من جهة أخرى، وهى الجنة)، مقابل لعنة العمل؛ خيار البلطجة أو انتظار عفو الجبلاوى؛ بناء الجنة على الأرض أو الأمل فى جنة لاحقة؛ فكرتنا فى هذه المنطقة من العالم عن أنفسنا باعتبارنا منحدرين من مكان آخر، فخورين بنسبنا بوصفنا شعبا مختارا (أو أصحاب عقيدة مختارة)، والتعساء أيضا بسبب هذا المصير. المرتبطين فى كل الأحوال بـ"البيت الكبير"، دون أن نراه، لأنه مختبئ خلف جدرانه العالية، ولا نرى من باب أولى ساكنه. فحكايتنا كلها، مصيرنا ووجودنا، منبثقان منه، ولذا تدور مشاعرنا وأفكارنا وحياتنا كلها حوله. وهكذا يقول همام (هابيل ابن آدم) "سنظل نتطلع إلى هذا البيت الذى لا عزة لنا إلا به ولا تعاسة إلا بسبب منه".
عهد الرسالات: إقامة العدل على الأرض
بدءا من هذه النقطة يغيب الجبلاوى داخل البيت الكبير، فلا يظهر بنفسه أبدا فى الحكايات، ولكن تبقى رسائله التى يرسلها لجبل ثم رفاعة ثم قاسم، القادة المصلحين الذين تنجبهم الحارة، فيضفى باتصاله بهم المشروعية على أهدافهم. وتدور أهدافهم فى مجملها حول العدل، العدل فى توزيع الوقف (خيرات الأرض).. والهدف الأعلى هو "حياة الحديقة". ومن هنا فإن موافقة الجبلاوى تضفى المشروعية على عملهم لأنه هو صاحب الوقف. أما الوقف نفسه فيئول إلى نظار (حكام) يديرونه ويحتكرون ثروته، يساعدهم فتوات منظمون يقهرون الناس.. أما الباقى، فهم الفقراء المحكومون، الذين يتلقون فوق فقرهم الصفعات والإهانات، ويدفعون الإتاوات للفتوات.
الفقراء ليس فى أيديهم سند لمطلبهم بالمساواة وتوزيع الوقف بالعدل سوى الحكاية الأصلية.. فليس فى أيديهم حجج تؤكد حقهم فى هذا الوقف. الحكايات هى التى تقول لهم أن كلهم "أبناء أدهم وأميمة"، وأن الجبلاوى منح الوقف لأدهم وذريته جميعا، ثم أضيفت حكايات الأبطال المتتاليين. وأخذ الناس يسمعون فى المقاهى والغرز هذه الحكايات التى تضفى المشروعية على شعورهم بالظلم، وبحقهم المسلوب. أما بالنسبة للحكام فكانت "حكايات حارتنا" ذات قيمة تاريخية فحسب، والويل لمن يفكر فى جعلها أساسا للمطالبة بالحق فى الوقف. ولكن مع الوقت تصبح الحكايات فى نظرهم أكاذيب اخترعها العامة لكى يستولوا على ما فى أيدى الأسياد، فالحكايات (الأديان) هى إذن الأساس الوحيد للعدل. استمد كل من جبل ورفاعة وقاسم مشروعيتهم من تلقيهم بشكل أو بآخر موافقة وتأييد الجبلاوى لرؤيتهم وكفاحهم.
ولكن بعد انتصار الأنبياء جميعا ووفاتهم، يعود الظلم. فقد أصبح لكل حى فتوة، يرأسهم فتوة الحارة الذى يقيم أمام بيت الناظر، ويعود رباعى الفقر والإهانة والإتاوة والقذارة، يضاف إلى ذلك تنافس وشجار بين الحارات بشأن انحياز كل حى لرجله (دينه، نبيه)، واعتباره أفضل من المصلحين الآخرين. أما الثقافة فتتراوح بين مواويل حزينة وأغنيات فاحشة، وتغلب روح قدرية استسلامية.
زلزال رفاعة وموت الجبلاوى
على فراش المستشفى، قال محفوظ بعد "غزوة" الذبح الغادرة أنه ليس صحيحا أنه انتصر للعلم ممثلا فى سحر رفاعة ضد الدين. لست أرى فى تصريحه هذا رد فعل على حادث الاغتيال.. بل هو يعكس تماما ما جاء فى الفصل الختامى: "عرفة".
عرفة ابن مجهول الأب من أبناء الحارة، تربى مع أخيه "حنش" خارجها، حيث تعلم "السحر".. وعاد مع أخيه أصلا بغرض الانتقام من الحارة التى أوقعت الظلم بأمهما(). وعلى خلاف الحارات المنغمسة فى صراعها على التفاخر بأسلافها الأبطال، يتعامل هو وحنش مع كل الحكايات (الأديان) بمساواة، وموقفه منها يكون فى البداية سلبيا رافضا تماما:
فالحكايات أولا لم يبق منها سوى الفخر الكاذب، و"كلهم [:السكان] أولاد كلب جبناء". ومن هنا يحكم على الحكايات بأنها بلا جدوى، مجرد أداة للتعصب الفارغ من المضمون. وثانيا يرفض عرفة الهدف الأسمى الذى تشير إليه الحكايات ذاته: السعادة والغناء كما حلم بهما أدهم وقاسم وغيرهما: فبدلا من التأمل والراحة من "لعنة العمل"، يصبح الهدف الأسمى هو الإبداع، أى عمل راق له لذته الخاصة. وثالثا، وهو الأهم، أنه يتمرد على المضمون الرئيسى للحكايات ذاتها: فكرة الشعب المختار: "هذه الحارة المغرورة الجاهلة... ليس لديها إلا الحكايات والرباب، وهيهات أن تعمل بما تسمع. ويظنون حارتنا قلب الدنيا [:الشعب المختار] وما هى إلا مأوى للبلطجية والمتسولين...". ولكن: "أنا عندى السحر الذى سيحقق للحارة ما عجز عنه كل من سبقوا". وكأن "السحر" يعود ليتنى رؤية الحكايات الأساسية: تحقيق اجتماع الخير والقوة، ولكن ذلك يتحقق بإنتاج ثروة جديدة، تتيح للناس التفرغ للإبداع الذى سيفضى إلى مزيد من السعادة.
ثم يعيد عرفة الاعتبار جزئيا للحكايات، فيقول: "كان قاسم (محمد) على حق"، بل ويعيد تأويله، معتبرا أنه كان يستخدم العقل مثله. تصبح الحكايات مصدر إلهام أخلاقى، فإذا كان السحر قادرا على صنع المعجزات، فإن استخدامه فى تحقيق السعادة للجميع، يتطلب العودة إلى الحكاية الوحيدة المعروفة فى الحارة التى تؤسس الفارق بين الخير والشر. واستكمالا لتأويل الحكايات، يعتقد عرفة أن الحجة السرية فى بيت الواقف الكبير هى فى الحقيقة كتاب فى السحر (=العلم)، ومن هنا فإن هدفه يصبح التسلل للبيت الكبير لسرقة كتاب السحر: "ما قصدت بيت جدنا إلا لأحصل على سر قوته".. هكذا يمكن أن يمتلك البشر جميعا قوة الجد الكبير، ويتغلبون على كل مشكلات الخروج من بيته.
الرمز هنا معقد إلى حد كبير. لنبدأ بالأحداث.. تسلل عرفة إلى البيت الكبير، وقتل خادما ربما يكون هو الذى سبق إرساله إلى قاسم (=الوحى) ويفشل فى سرقة الكتاب (=اللوح المحفوظ، أو المعرفة المطلقة)، بينما يموت الجبلاوى متأثرا بالغضب للتعدى على بيته وخادمه (وسنحاول استكشاف مغزاه بعد قليل). ويصبح عرفة بفعلته هذه جزءا من الحكايات، فكأن الاعتداء على حرمة المطلق ومحاولة استكشاف سر الوجود استمرار بوسيلة أخرى لنفس الحلم القديم. ويقترب عرفة أكثر من تراث الحكايات بشعوره بالندم على تعديه. يرتبط عرفة إذن بالحكايات ويعتبر امتدادا لها، بالضبط بقدر ما اعتدى على مقدساتها، وبقدر ما كان اعتدائه هذا نابعا من تأويله لها لتتفق مع إيمانه بقوة السحر، وأخيرا بقدر ما تبنى فكرة الحكايات عن الخير والشر. وبمعنى آخر، الحكاية لا تموت، ولكنها تصطدم بطور عنيف يحولها جذريا().
وهكذا فإن سطو عرفة الفاشل على بيت الجبلاوى يعتبر نوعا من الوراثة.. فالنتيجة التى انتهى إليها عرفة هى أنه اعتبر نفسه، بفعلته هذه، ملتزما أدبيا أمام نفسه بإعادة الحياة إلى الجبلاوى: فأية مآثر سيأتى بها فى المستقبل لن تكفى لمحو جريمته، لن يكفى إلا أن يصبح السحر من القوة بحيث يعيد الحياة للجبلاوى: "على الابن الطيب أن يفعل كل شى، أن يحل محله، أن يكونه". لن يحل محله لأنه يكرهه، وإنما لكى يحقق وصيته. هنا يصبح الجد هو ضمير عرفة، يتأنسن الدين ويصبح مثلا أعلى. فوق ذلك، يعرف عرفة، ذات ليلة، من خادمة فى منزل الجبلاوى أنه أمرها قبل موته أن تبلغه "أن جده مات وهو راض عنه".
يُقتل عرفة، ولكن تتشكل نخبة جديدة من أتباعه خارج الحارة، علماء. فالحل الذى يقدمه محفوظ هو الأمل فى النخبة رفيعة المستوى. وفى مواجهة هذه التطورات التى تعلقت بها آمال الناس، مارس الناظر دعاية مضادة، (هى بالطبع "تكفير" عرفة باعتباره المسئول عن موت الجبلاوى، ولو بشكل غير مباشر، مثلما سيتم تكفير محفوظ نفسه لاحقا). ويختم محفوظ الرواية متفائلا. فالناس عاد عطفهم على عرفة برغم دعاية الناظر، وقالوا: "لا شأن لنا بالماضى ولا أمل لنا إلا فى سحر عرفة، ولو خُيرنا بين الجبلاوى والسحر لاخترنا السحر". وكلما زاد عسف الناظر "لاذوا بالصبر واستمسكوا بالأمل... وقالوا لا بد للظلم من آخر والليل من نهار، ولنرين فى حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب".
نص محفوظ المؤسس بين حداثتين
فى حدود علمى، لم يُكتب عمل بهذا العمق بالعربية عن ثقافتنا، عن الوعى الذى تشكله الأديان التى نتلقاها منذ الطفولة.. عما تطبعه فينا قصة الخلق من تصورات وقيم، والمعاناة التى صحبت دخول العلم الحديث فى وعينا. يمكن تناول هذه القضايا بأشكال ورؤى مختلفة.. ولكن يمكن القول بصفة عامة أن عمل محفوظ محاولة راقية داخل تيار التوفيق بين العلم والدين.. محاولة مثيرة للخلاف، قابلة للتأويل، ككل نص، أدبيا كان أو غير أدبى.. ولكنها محاولة تجمع بين الجرأة والعمق.
جريئة لأنه كان بمقدور محفوظ أن يسقط ببساطة قصة دخول عرفة بيت الجبلاوى بكل ما ترتب عليها. اختار محفوظ بشجاعة نادرة أن يعرض الزلزال الذى أدخلته قيمة العلم فى ثقافتنا بأقوى الأشكال، كزلزال حقيقى. كان ببساطة مستطيعا أن ينجو بنفسه ويهون ويزور فى ثقافة أدمنت التهوين والتزوير والتسطيح والاستسهال. فالرواية ترفض التعامل مع العلم كأداة (مهرب التوفيقيين التقليدى).. لأنه يُجرى فى واقع الأمر تحولات مهمة فى رؤيتنا لتراثنا وقيمنا وأفكارنا.. فالعلم لا يتفق مع فكرة الشعب المختار، ويتناول الماضى والتراث بالفكر، ولكنه لا يعبدهما، بل ويغير مفهوم "الحياة الحقة"، فلا تصبح مجرد الأمل فى العودة إلى البيت الكبير، وإنما تتحقق على الأرض بجهود البشر وصمودهم دفاعا عن قيم أخلاقية نبيلة تتعلق بالخير والعدل، وترمى لتحقيق الوفرة لتجنب الناس شر الحاجة والمرض والجهل، وتحترم الإنسان من حيث هو إنسان فحسب، بصرف النظر عن ديانته أو أفكاره.
وعميقة لأنها تتوج فى رأيى عمل عشرات من المنورين المصريين، الذين لقوا العنت الشديد فى حياتهم ومُرغت سمعتهم بعد مماتهم. تتوج "أولاد حارتنا" هذا المسار العظيم بأن قدمت ببساطة نصا موازيا للنصوص المقدسة. وهى بهذا وحده نقلة جبارة نحو الحداثة. فهى تعترف بتراث هذه الأديان باعتباره ركيزة جوهرية لوعينا جميعا، أيا كانت مواقفنا من الأديان المختلفة، وبوصفه معتقدات واجبة الاحترام الحقيقى، بمعنى أنه تراث يستحق التأمل، ليس لاكتشاف الأوامر والنواهى الدينية، ولكن كنصوص خاطبت وجدان الملايين وما زالت تخاطبه، كمصدر لأحلام العدل والرقى والنظافة والكرامة.
وبهذا المعنى فإن هذا التراث أقوى حتى من تأسيسه الإلهى. فالفطام عن الجبلاوى، سواء ببدء الحياة فى الحارة، أو بانتهاك عرفة للبيت الكبير، لا يُسقط الفكرة، وإنما يمنحها حياة جديدة. فالفكرة وعى منبثق من شقاء الإنسان على الأرض، من الشعور بـ"لعنة العمل"، فهى الشكل الذى اتخذته عواطف البشر فى مكان وزمان معينين، وأصبحت تراثا حيا يتواصل حتى الآن.
بدلا من الرؤية الصنمية التى لا تعرف عن احترام المقدس سوى ترديد نصوصه، وتكرارها بحذافيرها ليلا ونهارا()، يطرح محفوظ إعادة فهمها واستعمالها وتجاوزها. والتجاوز هنا لا يعنى النبذ والإلغاء، وإنما يعنى التجديد والمواكبة وإعادة الفهم.. يعنى نبذ التعصبات واستخلاص، من زوايا مختلفة، لما هو إنسانى، ويعنى إثراء عمقه الذى أهله للحياة بين الناس مئات ومئات من الأعوام، أو يعنى، حسب "أولاد حارتنا" أن "يرضى" الجبلاوى عن عرفة، أن يقر مسعاه باعتباره متصلا بتراث الحكايات بوسائل أخرى. وهكذا تتأنسن القصص الدينية عند محفوظ، تستمد حياتها منا نحن، من قدرتنا على تأملها وتوليد المعانى منها، لا من السعى لتجميدها أو ادعاء قدرتنا على العودة إلى معنى أصلى قديم وترديده بلا توقف أو انقطاع تحت شعار مثل الحاكمية.
ومن خلال نصه الجديد هذا يطرح محفوظ بحدة فكرة "لعنة العمل"، باعتبارها المعنى العميق لقصة الخلق والخروج من الجنة، كما جرت فى تراثنا وشكلت أرواحنا، ويطرح علينا بالمقابل أن نحول هذه القصة لحافز للانتقال إلى لذة العمل الإبداعى، العلم، باعتباره اللحظة التى يمكن أن تصل إليها ثقافتنا الآن لتحل مشكلات تطورنا، كما حدث بالنسبة لثقافات أمم أخرى. ومن خلال هذا الانتقال يطرح الأمل فى تجاوز الذل والفقر والقهر والقذارة والكراهية بين أصحاب الأديان. لقد ظلت حياة أولاد الحارة مشدودة إلى حلم يائس بالبيت الكبير حتى أتى عرفة.. بينما ظلت حياتهم الواقعية دائما مجرد امتداد لتعاسة أبيهم أدهم، وظل الناظر والفتوات قابضين على أعناقهم وأرزاقهم. يموت الجبلاوى، ولكن الحلم بالعدل الذى ارتبط باسمه لا يموت، وينتظر الناس أنصار عرفة (المثقفين المحدثين ربما) بينما ينتظرون هم أن يصبح كل الناس سحرة مثلهم، ليتحقق الحلم الكبير ويُبعث الجبلاوى الرمز فى انتصار ربما كان نهائيا.. عند محفوظ ينتصر اللـه بأن نكون إرادته الخيرة، بأن نحقق حلم السعادة والعدل. قال الناس فى نهاية رواية نجيب محفوظ أنهم لو خُيروا بين الجبلاوى والسحر لاختاروا السحر.. ولكنهم يختارونه بنفس القيم الإنسانية التى دارت حولها حكايات أولاد حارتهم السابقين. وبهذه الطريقة يقدم محفوظ صلحا عميقا بين العلم و"الحكايات".
واللافت للنظر أن ما ينتصر فى النهاية هو رؤية "أميمة": حواء. فالهدف هو بناء الجنة على الأرض، جنة تقوم على الوفرة والعدل، لا على مجرد الحلم بالعودة إلى البيت الكبير. لم يشر محفوظ لذلك بأى طريقة على لسان أى من شخصياته.. ولكن أنسنة الحلم العظيم لإنساننا، ابن ثقافتنا، المطرود من الجنة، حلم ذلك الكائن البائس، ابن الجارية بتعبير محفوظ، يقطع باستمرار المزيد من الأشواط، حتى يصل إلى الرهان المفتوح، المجهول المصير، على عرفة.
يُطلق على الحضارة الأوربية الحديثة، من بين أسمائها، الحضارة اليهودية- المسيحية. هذا لا يعنى أن الناس هناك يستفتون الفاتيكان والكنائس البروتستانتية المختلفة والحاخامات اليهود فى شئون حياتهم.. بل هم، كما هو معروف، لا يسمحون لهذه المؤسسات بالتدخل فى أى شأن سياسى، ولا يحمونها ولا يحمون عقائدها من النقد. ليست المسألة "حاكمية" العهدين القديم والجديد، أو الكتاب المقدس، فهذا قد انتهى، وإنما هى طريقة ما فى النظر إلى العالم، يمكن أن يقال أنها أثرت بشكل أو بآخر حتى على أكثر الفلسفات عداء للدين كدين. بهذا المعنى العام الواسع يمكن أن نتكلم فى منطقتنا عن ثقافة إسلامية- أرثوذوكسية تتمثل بشكل أو بآخر فى مختلف أشكال الفكر، دون أن يعنى ذلك أن تكون أصولية وفقهية. بهذا المعنى يمكن أن نعتبر رواية محفوظ العظيمة أحد المعالم الكبرى فى هذا الفكر. وحتى لو اختلفنا مع رؤيته (من منطلق فكرى لا فقهى)، فلا يسعنا إلا أن نقدر رؤيتها الإنسانية، وتعاليها على ويلات الصراعات الدينية التى تحيط بنا الآن، ونزولها إلى آمال الناس وأحلامهم، وتناولها لوعيهم الدينى وأعمدته الأساسية.
نص محفوظ نص مؤسس بالفعل لمثل هذه الثقافة.. فهو لا يتنكر للتراث، وإنما يستحضره ويستعمله، لا يرفع شعارات الخصوصية، ولكنه يحققها فى نص متكامل. الرواية تستخلص ما هو إنسانى مما هو إسلامى بالذات، وهو ما تدل عليه جوانب كثيرة فى روايتها لحكايات الأنبياء، وروحها العامة، ولكنها لا تضع رؤيتها فى مواجهة الأديان الأخرى.
* * *
الحداثة ليست اختيارا بل واقع. فأشد المتعصبين تعصبا يحلم بالقوة والتقدم لفرض هيمنته، التى يعتبرها الخير الأسمى، على العالم. تلك الحداثة الأخرى تختزل التراث والأديان فى الفقه والأحكام، وتشجع تكوين دولة قمعية كلية الجبروت مستندة إلى الحكم باسم نص مقدس، على نمط تجارب النميرى والبشير والخمينى ومن لف لفهم.. وهى رؤية لا تقل حداثية يمثلها الناظر حتى وهى تصم العلماء بالإلحاد، لأنها ترمى إلى استعمالهم أيضا لمصلحة الدولة كلية الجبروت فائقة الإمكانيات.
فى الزمن الذى كتب فيه محفوظ روايته لم يكن قد ظهر بعد "الناظر التقى"، على نمط الأحمدى نجاد، ولكن ظهرت صورة نصف علمانية منه ممثلة فى الناصرية.. التى كانت بدورها تحكم بمقدسات. الآن يدور مجمل مشروع الدولة الإسلامية بالضبط حول فكرة "الناظر التقى".. الذى يعد أيضا بتحقيق العدل، وهى رؤية تتعارض بعمق مع رؤية "أولاد حارتنا" الإنسانية الرحيبة، التى تقدم ثقافتنا كثقافة فرعية من ثقافات البشرية، والتى تؤيد أنسنة الحلم الدينى.
ولعل ما صادفته هذه الرواية من إعراض عن مناقشتها والتأثر بها والتفاعل معها، لصالح جدل حول تكفير محفوظ أو، بالعكس، الدفاع عنه، يدل على مبلغ انحطاطنا الثقافى، وانجرار ثقافتنا بسهولة إلى سفك الدماء على جدران القداسة، على نمط الأديان البدائية.. كما نرى حولنا الآن.
ولعله ليس من قبيل الصدفة أن معظم من تناولوا عمل محفوظ، بما فيهم من دافعوا عنه، اتفقوا على أنه يتكلم عن العالم كله، عن الخليقة، لا عن تراثنا ومشكلاتنا معه(). فاستبعاد الآخرين أو حتى نسيانهم، هذه الأشكال العميقة للتعصب، وبالتالى للتكفير، عميقة فى ثقافتنا، وتتجاوز بكثير التيارات الدينية المتطرفة.. فمن تكفير دينى إلى تخوين وطنى أو طبقى، ظلت الثقافة المصرية تدور، منذ الأربعينيات على الأقل، فى حملات تنخر أسس التسامح وتقضى على الروح الإنسانية، وتدفع بالعقل يوما بعد يوم إلى مزيد من ضيق الأفق وأحلام مجنونة بالعظمة والسيادة. ليست مشكلاتنا مع الدين كدين، ولكن مع نمط من الوعى الدينى الطابع يطول التيارات الرئيسية فى الفكر المصرى الحديث. القدرة على تمثل فكر الآخرين قبل نقدهم معدومة.. وما يقدمه ما يسمى "الغرب" من نقد ذاتى (مثلا نقد المركزية الأوربية الذى ظهر فى أوربا) يستعمل فقط كحجة لتأكيد إحساس الذات بالاضطهاد أو تأكيد عظمتها، وغالبا هما معا.
الشاغل الأساسى للثقافة المصرية هو شعار سيد قطب: "فلنؤمن بأنفسنا" (وهو سابق بالمناسبة على تحوله إلى التيار الإسلامى) لا بغيرنا، وهو جوهر إيديولوجية مصر الفتاة. نحن دائما على حق، ونحن هذه تستبعد الآخرين بالضرورة. مواجهة الذات تكاد تكون مستحيلة.. لأن الأفكار تتحول عندنا إلى أديان لا تُمس. الرد السائد على المركزية الأوربية هو مركزية أصولية، دينية أو وطنية، متوهمة. أحلام السيادة والعظمة.. الخ.. استعمار أوربا لنا جريمة كبرى، ولكن ما فعله محمد علي فى السودان والشام تنوير وتشييد للحضارة.. وقس على ذلك.. أو بتعبير "جبل": (موسى) "واللـه ما كرهتم الفتونة إلا لأنها كانت عليكم". "الخصوصية" عندنا شعار يستعمل لتبرير الإفلات من الالتزامات الإنسانية العامة، لكى نكون خارج العالم عاكفين على تأكيد سمونا لذواتنا، ومحاكمين الإبداعات بأضيق أفق ممكن().
* * *
هكذا وقع نص نجيب محفوظ بين الحداثتين، منحازا لأحدهما بوضوح. ولذا كان سفك دم نجيب محفوظ مجرد فعل بسيط، منطقى ومشروع من وجهة نظر الحداثة الأخرى، "لإحقاق الحق"، وإيقاع العقاب بكل من تسول له نفسه قول ما يخالف المشروع الآخر. بينما كان نجيب محفوظ ينشر روايته، كانت الحداثة الأخرى تستجمع قواها، حيث أخذت قوة الإسلام الفقهى تتعافى منذ أواخر الخمسينيات، وعبرت عن نفسها فى مناقشة الشيخ الغزالى مع عبد الناصر فى 1962، التى طلب فيها صراحة حصانة رجال الدين من النقد. فى هذه الظروف أتت رواية "أولاد حارتنا" سائرة فى الاتجاه العكسى، فوضعت حارتنا بين الحارات، وحولت الأديان إلى أفكار، وتعالت على التعصب، كارهة الفتونة سواء كانت علينا أم لنا، وفتحت بذلك أفقا عريضا للحرية.
للأسف نحن بعيدون عن مرحلة نقد هذا النص المهم وتجاوزه، ما زلنا فى المربع رقم واحد، نكافح فقط لكى نحقق له مشروعيته، ومشروعيتنا. لقد حظر نجيب محفوظ نشر هذا النص فى مصر بغير موافقة أصحاب الاتجاه الآخر، ولذا لن ينشر. ليس لنا أن نلوم محفوظا على موقفه هذا، فقد حارب معركته بالفعل، ودفع ثمنها، واليوم هى معاركنا نحن. هذا المقال تحية متواضعة لواحد من أهم النصوص النثرية العربية الحديثة، ولواحد من أهم الناثرين المصريين المحدثين، الشيخ الجليل نجيب محفوظ. ولكنه أيضا محاولة لوراثة نص محفوظ العظيم واستهلاكه، لنحقق لأنفسنا ما حاول هذا النص أن يحققه لنا، تماما كما حاول عرفة أن يحقق إرادة الجبلاوى معيدا تأويله.
نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:41.
شريف يونس
تختلف رؤى اليسار حول تشخيص أزمة الدولة. البعض يرى أنها أساسا دولة الرأسمالية، وأن اليسار يطرح مقابلها دولة العدالة الاجتماعية أو دولة اشتراكية أو مرحلة انتقالية نحوها. البعض يرى (مثل الناصريين، وهؤلاء يحسبهم بعض اليسار من اليسار) أن الدولة خائنة للكفاح الوطنى والعربى ضد الاستعمار وأنها بشكل أو بآخر "عميلة" للاستعمار الجديد الأمريكى والصهيونى، وأن المطروح فى مقابلها هو دولة وطنية ملتزمة بالقضايا الوطنية والعربية ومعادية للولايات المتحدة. والبعض يجمع الحسنيين، ويطرح القضية بشكل "عميق"، فيربط بين الدولة "العميلة" والدولة الرأسمالية، فالدولة الرأسمالية بطبيعتها ستتحالف مع الاستعمار، أو بالعكس، الدولة العميلة لا تجد سندا محليا إلا الرأسمالية المرتبطة بالغرب. وقد يجمع البعض الحسنات جميعا فيضيف أن الربط صحيح من هذه الجهة أو من الجهة الأخرى، قائلين أنه ربط ديالكتيكى، لأن الجدل أو الديالكتيك فى نظرهم هو التفاعل المتبادل().
ويضيف أنصار هذه الرؤى أن الديمقراطية ضرورة، كأداة لتمكين الطبقات الشعبية من الكفاح من أجل العدالة الاجتماعية أو الاشتراكية (حسب رؤى فصائل اليسار المختلفة) والأهداف الوطنية والقومية. وبتعبيرات أكثر تعقيدا: إسقاط التحالف الرأسمالى الاستعمارى لصالح تحالف شعبى ديمقراطى اشتراكى وطنى.
يحاول هذا المقال أن يطرح منظورا مختلفا بشكل جوهرى: بنية النظام القائم، أصوله التاريخية، حدود حركته، نقاط قوته وضعفه، وأين يقع المنظور الديمقراطى الجذرى من النضال ضده؟ المسألة بهذا الشكل ربما يحتاج استيفاؤها لآلاف الصفحات، ولذا سوف يقتصر المقال على تقرير المعالم الرئيسية، مفترضا أن كل قارئ سيكون بمقدوره أن يضيف من خبرته الخاصة إلى هذه المعالم، فلا أحد فى هذه البلاد يقف خارج شبكة سلطة النظام أو ينجو من التعرض لها بشكل من الأشكال.
(أ) بنية النظام
النظام مركب من نوعين من المنظمات: مؤسسات مدنية رسمية، وأجهزة سياسية سرية. الأولى تشمل كل المؤسسات التى تعمل بشكل علنى فى الدولة: القضاء، المجلس النيابى والمجالس المحلية، الوزارات والمصالح التابعة لها والمحافظات، بما فى ذلك الشرطة المسئولة عن الأمن العام، الجمعيات الأهلية والنقابات والأحزاب والنوادى، وغيرها من منظمات المجتمع المدنى العلنية، وعلى رأسها الدستور، الذى ينظم العلاقات فيما بينها. هذه المؤسسات فى عمومها قانونية، أى تتحرك بلوائح وقوانين وإجراءات محددة، وعملها بصفة عامة مفترض فيه العلنية.
الثانية هى أجهزة الأمن السياسى: مباحث أمن الدولة، المخابرات العامة، المخابرات العسكرية، جهاز الأمن القومى، وربما غيرها.
العلاقة بين هذين النوعين من المنظمات هى هيمنة الأجهزة الثانية على الأولى. غير أن تحقيق هذه الهيمنة يتطلب أن تصاغ المؤسسات الأولى نفسها بما يسمح بتدخل الأجهزة السرية. ويتحقق ذلك فى المحل الأول عن طريق السلطات شبه المطلقة لرئيس الجمهورية، الذى يجمع بين كونه رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية. ومن خلال هذا الازدواج فى سلطته تتدخل الأجهزة الأمنية فى القضاء، مثلا، بطرق متعددة، شرحها القضاة بأنفسهم. ويتحقق فى المواقع المختلفة بأن توكل دائما السلطة فى كل موقع لفرد واحد له صلاحيات ضخمة فى الإدارة. وهكذا يختص وزير العدل بندب القضاة وتعيين رؤساء المحاكم وتقرير مكافآت لهم، وعشرات الاختصاصات الأخرى. وبنفس الطريقة يتم إحكام القبضة على الجامعات بتعيين رؤسائها وعمداء الكليات، وإحكام القبضة على الأقاليم بالتعيينات العديدة، من المحافظ إلى عمدة القرية.
وهكذا فإن سلطة الفرد الواحد، الذى يتحكم بأدوات منها الاختلالات المتعمدة فى نظم الأجور (بأن يكون معظمها حوافز فى يد الإدارة) تعد هى المدخل الطبيعى لتحكم أجهزة الأمن. فمن جهة يتم تعيين هؤلاء المسئولين فى كل موقع بناء على تقارير متعددة، على رأسها تقارير الأجهزة الأمنية، ومن جهة أخرى يمكن نزع هؤلاء الأشخاص من مناصبهم بناء على تقارير جديدة. وبين التعيين والخلع يتلقى هؤلاء الرؤساء التعليمات الأمنية فيما يتعلق باختصاصهم، فيصدرون القرارات "الملائمة" أمنيا، مثل عدم تعيين معيدين معينين، أو اضطهاد أحد الأساتذة، أو إحالة طلبة للتحقيق، أو، فى مجال القضاء، توزيع القضاة على اللجان الانتخابية بحيث يتم استبعاد البعض ووضع "الموثوق بهم" فى اللجان العامة الحساسة، وداخل المحاكم نفسها توزيع القضايا من حيث نوعها على القضاة بحيث تصل القضايا التى تعتبرها السلطة مهمة لقضاة بعينهم، الخ.
وهكذا تقوم الدولة فى ظل النظام الحاكم على ازدواج أساسى بين السلطات المدنية (وتشمل شرطة الأمن العام)، والجهاز الأمنى الحاكم. ويمكن النظر إلى طبيعة هذا الازدواج من زاويتين: الأولى أن أجهزة الأمن لا تستطيع أن تسيطر بذاتها ومباشرة على الأجهزة المختلفة، نظرا لافتقارها إلى الخبرة. فهى لا تستطيع أن تتولى الفصل فى القضايا بدلا من القضاة، ولا تستطيع أن تتولى شئون التدريس والترقيات فى المدارس والجامعات، ولا تستطيع أن تحل محل التفتيش الزراعى فى إدارة شئون الزراعة، ومن باب أولى لا تستطيع أن تحل محل هؤلاء جميعا.
ومن الزاوية الأخرى، فإن السير العادى للمصالح، واحترام القوانين فى حدود المطالب الأمنية، هو فى حد ذاته مطلب من مطالب الأمن. فاطمئنان السكان لقضاء مصالحهم المعتادة أمر جوهرى لاستتباب الحالة الأمنية. وبالتالى فإن احترام القواعد القانونية بقدر الإمكان، ولكن بما يسمح بالتدخل الأمنى وقت "اللزوم"، مطلب أمنى. ولكن فوق ذلك يعتبر الأمن السياسى نفسه مسئولا حتى عن أداء الأجهزة المدنية للدولة لواجباتها، لأن إخفاقها يعتبر، من وجهة نظره، مادة تحريضية تستعملها "الأنشطة الهدامة" – وفق لقاموس الأمن – فى سحب بساط الشرعية من تحت أقدام النظام الأمنى.
ومحصلة هذا كله أن النظام الأمنى ليس مطلق العنان، وإنما يجب أن يجعل تدخلاته محدودة. ويعنى هذا أمران: ألا يتولى مباشرة المسئولية عن أفعاله، فى معظم الحالات، وإنما يوحى للمسئولين الشرعيين باتخاذ الإجراءات غير المشروعة تحت مسئوليتهم (مثل توزيع القضاة على اللجان أو إحالة طلبة للتحقيق) مقابل حمايتهم فى مناصبهم من الإقالة، حتى لو أتت تصرفاتهم مخالفة للقانون. والأمر الثانى ألا يتدخل فى صميم عمل هذه الجهات المدنية فى غير اختصاصه، وإنما يرصد ما قد يعتبره "انحرافات" أو سياسات خاطئة ويرفعها لمؤسسة الرئاسة أو غيرها لتتخذ بنفسها الإجراءات، سواء بإصدار قوانين أو تعديلها، أو إقالة مسئول معين أو توجيه سياسته فى اتجاه جديد.
ومؤدى هذا كله أن أجهزة الأمن السياسى هى الجهاز السياسى الرئيسى للنظام. فهذه الأجهزة لا يقتصر عملها على قمع المعارضة أو التجسس عليها (وسنتعرض لجوانب ذلك لاحقا) وإنما تشمل مراقبة عمل كافة أجهزة الدولة وضبطها وتبديل رؤسائها. صحيح أنها لا تمارس ذلك بسلطة مباشرة على هذه الأجهزة ولكنها تمارسها سرا أو من خلال مؤسسة الرئاسة (ومن هنا صلاحيات الرئاسة المهولة فى الدستور).
ولكن مؤسسة الرئاسة نفسها لا تتخذ قراراتها السياسية من فراغ، وإنما تتخذها فى ضوء التقارير الأمنية، فضلا عن تقارير الجهات الرسمية المدنية المسئولة. ولكن بينما تتولى الجهات المدنية المسئولية "الإدارية"، إن جاز التعبير، عن تنفيذ السياسات، فإن الأجهزة الأمنية تشكل الجهاز السياسى للرئاسة الذى يمكنها من إصدار "التوجيهات" للأجهزة المدنية من منظور الأمن الكلى للنظام. فالأمن يلعب أدوارا أساسية فى "التوفيق بين الأطراف" فى المنازعات العمالية، أو الفتن الطائفية، أو الصراعات بين العائلات فى الريف، أو الصراعات الإدارية والمهنية فى الصحف والمصالح الحكومية المهمة، أو حتى الصراع حول تحديد تعريفة الركوب فى خطوط الميكروباص، وهكذا.
غير أن ممارسة الجهاز الأمنى لوظائفه المتشعبة العديدة يتطلب إيديولوجيا أو أفكار سياسية مناسبة، بعضها رسمى، ومعظمها عبارة عن جو عام غير رسمى. فمن جهة أولى تستند ممارسة هذه الأجهزة لعملها على عقيدة معينة للأمن القومى، تعتبر كافة أنشطة أجهزة الدولة، الرسمية والأهلية (أو ما يسمى المجتمع المدنى) عناصر فى الأمن القومى. فسواء كنا بصدد الاقتصاد أو الأنشطة الاجتماعية أو غيرها، فثمة ضرورة لوجود عناصر أجهزة الأمن السياسى فيها أو على هامشها.
وهكذا فإن القانون والدستور ليسا أساس الحكم فى الدولة، إلا بقدر ما أنهما مصممان بحيث يمنح الدستور سلطة مطلقة لرئيس الجمهورية، يستعملها أساسا فى تحقيق سيادة أجهزة الأمن السياسى، وبحيث تسمح نصوص القانون المعيبة بتدخل خفى للأمن من خلال إدارة الرجل الواحد، أو ما يسمى ثغرات القانون (مثل قانون ممارسة الحقوق السياسية).
غير أن ثمة إيديولوجيا قانونية عامة باطنة فى قوانين النظام: "حماية الضعيف"، و"الوقاية خير من العلاج". فبهذه الحجج تتدخل الدولة دائما فى كل العلاقات الاجتماعية، فتشرف مثلا على أعمال جميع الجمعيات الاجتماعية بحجة منع وقوع أعضائها فريسة نصب مجلس إدارة أو عضو قوى فيها. ولذا يتطلب أى نشاط عددا لا يحصى من الإمضاءات والموافقات. ففلسفة التشريع العامة ليست عقاب المجرم بقدر ما هى منع الجميع من حرية الحركة لمنع وقوع المخالفات أصلا. وهى بهذه الصفة تعتبر فى مجملها سياسة "استعمارية" تقوم على مبدأ "فرق تسد"، حيث تسمح بتدخل النظام حكما فى كل النزاعات، بل تستدعيه الأطراف نفسها للقيام بهذا الدول المهيمن. ومن الملاحظ أن الوعى المصرى عند مختلف التيارات، ولدى الطبقة الوسطى التقليدية، قد تشرب بالفعل هذه الإيديولوجيا التى تقوم على انعدام الثقة بين المواطنين وبعضهم فى تعاملاتهم. فكلما ظهر انتهاك أو جريمة، تصاعدت الصيحات تطالب الدولة بمزيد من الرقابة والتدخل والمنع المسبق.
وفوق ذلك يسمح تعدد الإجراءات الرسمية وتعقيدها بتوسيع فرص تدخل الأجهزة الأمنية يصبح من الباب الخلفى. ولكى يصب هذا الإحكام البيروقراطى للمنافذ فى طاحونة الأمن يجب على أجهزة الأمن السياسى أن تتواجد فى كافة الهيئات والتجمعات، كى تعرقل ما تريد عرقلته، وتمرر ما تريد تمريره بأوامر مباشرة "للمسئولين".
وبالطبع فإن هذا التواجد فى وعيها ضرورة وطنية لصالح "البلد"، تقوم بها بتجرد، المفروض، وتستفيد من ذلك امتيازات معنوية (سلطة) ومادية مختلفة، ولكنها تقوم بنشاطها هذا فى ظل لوائح معينة تحكم عملها فى داخلها، وفى إطار توجيهات أخرى تحكم حدود تدخلها وتربطها بسلطة الرئاسة. وهكذا فإن هذه السلطات تمارس عملها فى إطار إيديولوجية وطنية عامة، لا تشير بشكل مباشر إلى أية سياسة معينة، اقتصادية أو اجتماعية تعتنقها (ومن هنا يوجد فارق، ولو محدود، عن حكم أجهزة أمنية تابعة لأحزاب قوية، مثل الاتحاد السوفييتى السابق). وتنبع قسوة هذه الأجهزة فى مواجهة المعارضين وغيرهم من شعورها بأنها تؤدى ما تعتبره "واجبا وطنيا".
والإيديولوجية الوطنية مناسبة تماما لهيمنة هذه الأجهزة، لأنها تتسم بالتعميم وتدعى أنها تتجاوز تناحر السياسات المختلفة النابعة من قوى اجتماعية وسياسية مختلفة، وبالتالى تحيل بشكل غير مباشر إلى الثقة بأجهزة "مسئولة" عن أمن البلاد، أى تبرر هيمنة هذه الأجهزة نفسها. كما أن الزعيق المتواصل حول المؤامرات الخارجية يضفى بشكل غير مباشر شرعية على الأعمال القمعية والتدخلية التى تمارسها هذه الأجهزة. أضف إلى ذلك الدعاية المباشرة لها، ممثلة فى مجموعة الأفلام والمسلسلات عن الجاسوسية الوطنية التى تجعل من السرية والرهبة وهذه الأجهزة نفسها قرينة الإخلاص والوطنية وكل القيم العليا الممكنة.
واستكمالا لذلك فإن التعامل مع أى "خارج" يعد وطنيا فحسب عن طريق أجهزة الدولة، فالتقاء القضاة بهيومان رايتس واتش خيانة، أما التقاء رئيس الوزراء بهم فطبيعى. ولكى تعمل هذه الفكرة يجب اختزال العالم إلى مجموعة من أجهزة الأمن، فيُنسب إليها كل تحرك خارجى، بحيث لا يعد كفئا ووطنيا للتعامل معها إلا أجهزة الأمن "الوطنية" وأجهزة الدولة الرسمية المرتبطة بها.
وبالنسبة للسكان، فإن هذه الأجهزة لا تستطيع أن تمارس عملها بغير شيوع جو معمم من الإرهاب بدرجة أو بأخرى. فبغير أن نعرف جميعا، بشكل أو بآخر، أن التعيينات فى المناصب المهمة تتطلب موافقة أجهزة الأمن السياسى، لن تجد هذه الأجهزة موالين كافيين يقدمون لها الخدمات ويثبتون ولاءهم لها. وبغير شعور بأن يد الأمن من حيث المبدأ مطلقة اليد فى اتخاذ أية إجراءات، ولو كانت مخالفة تماما للقانون، وأنها لن تتلقى عقابا على اختراق القانون (مثلا استئجار بلطجية ومنحرفين وضرب المعارضين أمام أجهزة أمن صامتة)، سوف تواجه أجهزة الأمن صعوبات كبيرة فى فرض سيطرتها. ومن هنا فإن يد الأمن يجب ألا تكون خفية تماما، وإنما جزئيا فحسب، فهى تمارس عملها بشكل سرى، ولكن يدها يجب أن تظل محسوسة. ويُستكمل تحصين أجهزة الأمن بتعيين رئيس الجمهورية للنائب العام، وانعدام حصانة أعضاء النيابة العامة أمامه، حيث تنحصر فى يده سلطة التحقيق والإحالة إلى القضاء فى الجنايات.
غير أن أجهزة الأمن السياسى لا تعمل فحسب فى إدارة مناورات تحجيم المعارضة ومراقبة وتوجيه أجهزة الدولة العلنية، وإنما تمتد أصابعها لمجمل مؤسسات المجتمع المدنى. ومع قدم هذه الأجهزة وتزايد خبراتها، فإنها أصبحت طرفا أساسيا فى أنشطة هذا المجتمع، من خلال سماحها لشخصيات معينة بإصدار صحف "مستقلة"، وإثارة حملات عن الفساد أو غيره، وخلق أبطال معارضين، كلهم من التيار القومى العام، الذى هو كما أسلفنا عقيدة هذه الأجهزة ومبرر وجودها.
بهذا أصبحت أجهزة الأمن هى الأجهزة السياسية للنظام، وهى حزبه الحقيقى. فهى التى تراقب مؤسسات الدولة، وتواجه المعارضة، وتتحكم فى تشكيل المجالس المنتخبة، وتثير الحملات الصحفية، كل ذلك مباشرة أو باستخدام أجهزة أخرى رسمية. غير أن الفارق الخطير بين السيطرة الأمنية والحزبية أن النظام الأمنى خفى، لا تُعرف أسباب قراراته وتدخلاته فى كل موقع إلا على سبيل التخمين. وليس مسئولا إلا أمام رئيس الجمهورية. فالنظام يحكم بحزب سرى.
غير أن نشاط هذه الأجهزة فى إطار الازدواج الذى أشرت إليه لا يجرى بسلاسة ولا بغير مشاكل. والمشاكل لا تنبع من المعارضة بالذات، ولم تنشأ بسبب قيام الأحزاب، بل هى قديمة منذ أن تأسس هذا النظام. فالتدخل فى عمل أجهزة الدولة المدنية، بما فيها شرطة الأمن العام، يكون عادة مصحوبا باحتكاك. فأينما حل ضباط أمن الدولة، مثلا، تصبح لهم اليد العليا فى كل ما يتعلق بعملهم، بصرف النظر عن الرتبة والسن، وهى قيم عليا فى المجتمع المصرى. فملازم أمن الدولة حين يحل فى معسكر للشرطة، مثلا، تصبح له سلطة على مدير هذا المعسكر، ولو كان أعلى منه رتبة بدرجات. وممثل أمن الدولة فى الجامعات يكون على صلة مباشرة بمسئولى الجامعة، متخطيا آخرين أكبر منه سنا ومقاما. وقد بلغ بأحد ضباط أمن الدولة أن حاول منع قاض من دخول إحدى اللجان العامة فى الانتخابات النيابية الماضية، ومعه صندوقه، ولم يخرج من اللجنة إلا بتضامن القضاة المجتمعين واحتجاجهم واتصالهم بالوزراء ليأمروه بالخروج. مثل هذه الأمثلة توضح كيف يثير تدخل الأمن سخط وغضب العاملين فى الأجهزة الدستورية المدنية، سواء كان لدى الساخطين القدرة على الاحتجاج أم مضطرين لابتلاعه فى صمت.
وبصفة عامة فإن هذه الأجهزة، وخاصة أمن الدولة المنوط به تولى إجراءات القمع المباشرة، يضحى بها النظام على مذبح الإعلام من حين لآخر، لتفريغ نوبات الغضب، خاصة فى حالة وجود صراعات قصر داخلية. فتعبيرات مثل "دولة المخابرات" و"زوار الفجر" وغيرها صكها هيكل، لا المعارضة، سواء فى عهد عبد الناصر أو أوائل عهد السادات. وحين يتحدث رئيس الجمهورية عن الشرطة وغيرها، يتحدث أساسا عن دورها فى حفظ الأمن، وفى مواجهة الإرهاب، ولكن دورها السياسى لا يجئ ذكره ولا يتم الدفاع عنه. ولا شك أن مثل هذا الوضع الذى يجمع بين سلطة واسعة وانعدام الشرعية ضرورى، ليس فقط لحسن تسيير أجهزة الدولة المدنية، ولكن أيضا للحد من خطورة هذه الأجهزة على نظام الحكم نفسه. ولكن لا شك أن من بين آثاره شعور العاملين فى أجهزة القمع السياسى المباشر بأنهم ضحايا النظام، مُغتالين معنويا بشكل دائم، ومحملين بشحنة من الغضب مزودة بسلطة واسعة، من شأنها أن تزيد وضعهم على المستوى الشخصى تعقيدا (شاهد مثلا فيلم "البرئ" لعاطف الطيب).
وبرغم أن أجهزة الأمن مسئولة عن مراقبة حسن أداء الأجهزة المدنية لوظائفها، فإن وجودها فى الواقع مسئول عن جانب كبير من تردى أداء هذه الأجهزة. ويرجع هذا إلى أن تدخلها يضع اعتبارات الأمن قبل الكفاءة. بل أن اعتبار الكفاءة فى نظرها مجرد جانب من الاعتبارات الأمنية كما رأينا. كما أن دورها فى اتخاذ القرارات لأسباب تخصها، غير مفهومة لدى العاملين يخلق مسافة بينهم وبين وظائفهم تجعلهم يشعرون بأنهم مجرد أجراء وليسوا مشاركين ولا مسئولين. كما أن تولى المناصب العليا يراعى فيه الجانب الأمنى قبل الكفاءة، أو بجانبها على الأقل، بما يثيره ذلك من شعور بالظلم، أو على الأقل عدم الاعتبار تجاه المعينين.
فوق ذلك يتطلب هذا النمط من التنظيم السرى وضع السلطة فى أيدى عدد قليل للغاية من المسئولين المعينين من أعلى، بحيث لا يتم اتخاذ أى قرار لمواجهة أية مشكلة إلا بموافقتهم. ومن أشهر قواعد العمل فى البيروقراطية المصرية، بل ومؤسسات فى المجتمع المدنى: "أربط الحمار مطرح ما يحب صاحبه"، أى رئيسك. فالفضيلة الرئيسية هى السلبية: لا تفعل شيئا بلا أوامر، نفذ الأوامر ولو شفوية ومخالفة للقانون (مثلا لا تسلم معيدا وظيفته بغير أمر مباشر من رئيسك، ودعك من اللوائح والقوانين). لا تبتدع حلا لمشكلة، فربما يكون ترك المشكلة كما هى مطلوبا لأهداف أخرى لا تعلمها، وهكذا. فالموظف دائما فى وضع دفاعى، وممارسته لصلاحياته محفوف بالمخاطر: "تشتغل كتير تغلط كتير تتعاقب كتير. ما تشتغلش ما تغلطش ما تتعاقبش"!
(ب) الأصول التاريخية
ترجع نشأة هذا النظام إلى انقلاب يوليو. ليس لأنه انقلاب عسكرى، ولكن لأنه انقلاب من نوع خاص. فانقلابات الجنرالات "الرجعية" مثل كثير من انقلابات جنوب شرقى آسيا وبلدان أمريكا اللاتينية تكون أداة من أدوات تكتل اجتماعى/ سياسى يصفى سلطة أو تهديد تكتل اجتماعى/ سياسى آخر، وبالتالى فإنها تأتى إلى السلطة بقادة عسكريين مرتبطين بالفعل بمصالح وطبقات اجتماعية معينة. وبالتالى، كما يقول سامر سليمان، يكون وراؤها تحالف اجتماعى قوى يوجهها ويمثل أدواتها فى السيطرة على مجتمعاتها.
أما انقلاب يوليو، فأتى بمجموعة من الضباط المنعزلين عن أية قوى سياسية، فمن بين التنظيمات السياسية التى تكاثرت فى الجيش بعد الحرب العالمية الثانية، تميز تنظيم الضباط الأحرار بانفصاله عن كافة التنظيمات السياسية، برغم أن كثيرا من أعضائه، بما فيهم جمال عبد الناصر، كانوا فى فترة من الفترات أعضاء فى التنظيم السرى للإخوان. ولم تجمع بالتالى بين أعضاء التنظيم رؤية سياسية واحدة، وإنما رؤية وطنية عامة، استقوها من مختلف الاتجاهات الوطنية السلطوية القائمة على هامش الحياة السياسية البرلمانية: الإخوان، مصر الفتاة، الحزب الوطنى، ولكن دون التزام سياسى محدد برؤية أى منها. وقد تخلص تنظيم "الضباط الأحرار" ممن استمر ولاؤهم لتنظيمات سياسية أخرى، إخوان أو شيوعيين. كما تخلص من خالد محيى الدين جزئيا نظرا لأنه ظل مواليا جزئيا أيضا للفكرة الديمقراطية التى استقاها من عضويته فى "حدتو".
وهكذا آلت السلطة إلى حوالى عشرة ضباط، يقف وراءهم فى التنظيم حوالى 200 ضابط، بلا ظهير مدنى يوجه حركتهم أو يكون ذراعهم الممتدة داخل مؤسسات المجتمع وقواه. وكان الحل الوحيد الممكن (حيث صرف الضباط النظر عن تسليم الحكم إلى الوفد عبر انتخابات نيابية جديدة)، هو إخضاع مؤسسات الدولة من أعلى. فتحول الانقلاب الكبير الذى أزاح الملك وحل محله إلى انقلابات مصغرة فى كل مكان. وكانت الأداة الأولى فى هذا الصدد هى ما سُمى "مندوبى القيادة"، وهم من الضباط الأحرار من الصف الأول والثانى والثالث، أوفدوا إلى الإذاعة والوزارات والشرطة وغيرها بغرض "تطهيرها" من كل العناصر المناوئة، أو التى قد تكون مناوئة، لهم، مع التخلص من بعض ذوى السمعة السيئة فى محاولة لإكساب عملهم مشروعية عملية (أعرف شخصا تزوج آنذاك لينجو من التطهير، لأنه كان تطهيرا أخلاقيا أيضا على النمط الإخوانى!). ومن خلال ما سُمى "لجان التطهير" هذه أحكم الضباط قبضتهم من أعلى على المؤسسات، ووجهوها لصالح "تأمين الثورة"، وخلقوا بذلك الازدواج الذى ناقشناه من قبل.
وحتى عام 1964، جمع الضباط، ثم عبد الناصر وحده، سلطة التشريع والتنفيذ فى أيديهم، حيث بلغ مجموع فترات انعقاد المجالس النيابية التى أنشأوها تحت الوصاية حتى ذلك التاريخ 12 شهرا لا غير، تم أيضا تخطيهم فى التشريع أثناءها. ويُستفاد من ذلك أن الضباط وأعوانهم اتسع لهم الوقت لما يقرب من 12 سنة ليغيروا ويبدلوا فى التشريعات، وأولها الدساتير، بإرادتهم المنفردة، بما يتيح لهم إخضاع مؤسسات الدولة لنظامهم الجديد، ومحاصرتها قانونيا بما يكفل لهم عقد برلمان يتصرف فى حدود معينة تضمن استمرار "الثورة"، ممثلة فى سلطة الضباط. وهكذا تم إخضاع الصحافة والإعلام والجمعيات الأهلية والنقابات والوزارات لسلطة مجموعة محدودة تتخذ قراراتها بشكل سرى.
وانعكس ذلك حتى على الفن، فبينما دوت أغانى عبد الحليم المسماة وطنية تمجد النظام وسياساته وتعبئ الشعب فى مقاعد المتفرجين المصفقين، عبرت أغانيه، وأغانى غيره، العاطفية عن مزيج العجز وقلة الحيلة (وهو أمر لفت انتباهى إليه أحد النقاد). ولعل أغنية "جبار" تلخص الوضع السياسى بالنسبة للجمهور فى تلك الفترة أكثر من الأغانى التى كتبها صلاح جاهين.
وقد حاول النظام فى البداية أن يصنع "قاعدة شعبية" مؤمنة بسياساته، فخلق ما سماه "الأجهزة السياسية" التى تقوم بما سماه "العمل السياسى" (أى نوع من "العمل الوطنى" – وكل هذه مصطلحات الفترة التى ما زالت سارية حتى الآن – مثل "العمل التنفيذى" والتى تعبر عن تحويل السياسة إلى أحد فروع ممارسة السلطة الأمنية) الذى حل محل ممارسة السياسة. غير أن هذه "الأجهزة" كانت أيضا مخترقة أمنيا ومنزوعة السلطة، حيث انحصرت فى دور الوسيط الذى ينقل شكاوى "الشعب" "للقيادة السياسية" (والتعبير الأخير أيضا من مصطلحات الفترة التى يتعين التخلص منها). ولم يكن تنظيم "طليعة الاشتراكيين" السرى أفضل، سوى أنه يرفع تقاريره بشكل سرى.
أما أكثر المحاولات جدية فهى إقامة "منظمة الشباب"، أملا فى خلق كوادر سياسية مفكرة مؤمنة بالنظام، بتربيتها منذ صغرها على الولاء الذى يتجاوز معنى طاعة الأوامر. غير أن هذا الجهاز بدوره كان يمارس "نشاطه الجماهيرى" بالتعاون مع الشرطة فى كثير من الأحيان. وبرغم ذلك فإنه بسبب تربيته العقائدية سرعان ما ارتفع صوت كثير من أعضائه بعد هزيمة 1967 مطالبين بالديمقراطية برغم استمرار ولائهم لعبد الناصر. والسبب فى ذلك أن العناصر المسيسة إذا أخذت تسييسها بشكل جدى وصدقت شعارات النظام عن سلطة "تحالف قوى الشعب العامل"، تميل بالضرورة لأن تمارس نشاطها فى جو سياسى، لا أمنى. أضف إلى ذلك مقاومة "مراكز القوى" المختلفة، أى الشِلل التى تحكم البلاد، لوجود جهاز تعبوى غير أمنى. وفى مواجهة المظاهرات، ومشاركة بعض عناصر منظمة الشباب فيها، أنشأ عبد الناصر عام 1968 جهاز الأمن المركزى، ليكون جهازه السياسى فى الشارع، وما زال يقوم بدوره "مشكورا" حتى الآن.
وقد ترتب على فشل هذه التجربة أن أضيف إلى الرسوب التعبوى للنظام رسوبا إيديولوجيا، أخذ يتفاقم. ورسخ هذا الرسوب اعتماد معايير الجهل واللا مبالاة بالسياسة فى اختيار المرشحين فى الأجهزة المهمة والوظائف العليا. وهو ما أكد قيام الجهاز الإدارى على معايير الطاعة، لا القانون.
برغم هذا الفشل أخذ النظام مع رسوخ سلطته يكسب مؤسسات الدولة المدنية تدريجيا طابعا مدنيا، فلم يعد الضباط يحكمونها مباشرة إلا فيما ندر. وحتى الاستعانة بالعسكريين فى المناصب تأتى فى إطار حفظ حقوق الجيش فى النظام الذى أقامه، وليس بناء على حكم عسكرى مباشر. ولما كانت جميع المناصب خارج الدائرة السرية الضيقة لمتخذى القرار "تنفيذية"، بالمعنى الحرفى للكلمة، أى تنفذ ما يُطلق عليه "توجيهات" أو "أوامر عليا"، أصبحت الوزارات تتشكل من متخصصين فى مجالاتهم: أطباء لوزارة الصحة، مهندسين للإسكان والتعمير، الخ، بدلا من الوزارات التى كانت تشكل من ضباط الجيش أساسا فى أوائل عهد النظام. فهم وزراء فنيون، وليسوا سياسيين، عليهم السهر على تنفيذ سياسة ليسوا واضعيها، وإن كان يجب أن يوافقوا عليها لكى ينفذوها بشكل جيد. وتتمثل الضمانة فى اختيارهم وفقا للتقارير الأمنية التى تدرس ميولهم وعلاقاتهم، وتتمثل فى المقام الأول فى إمكانية عزلهم فرادى وجماعة فى أى لحظة.
برغم كل شىء فإن طموح الضباط كان إقامة نظام مستقر، تشارك فيها بدرجات مختلفة قوى مختلفة. وقد انتهى ذلك بإعلان السادات عن نهاية "الشرعية الثورية"، والتحول إلى دولة "سيادة القانون"، أو "الشرعية القانونية أو الدستورية". فبدلا من الحكم بغير برلمان أصبح البرلمان دائم الانعقاد، وبدلا من إهدار القوانين صراحة يتم احترام أحكام المحكمة الدستورية العليا و"الصبر عليها". وتطلب هذا مهارات أكبر فى صياغة القوانين، فيما أشارت إليه الصحف مرارا بظاهرة "ترزية القوانين"، لتناسب هذا الخليط من حكم القانون والتدخل الفوقى لأهداف أمنية. وباختصار فإن النظام عاجز عن التخلى عن أصوله الانقلابية، فهو مضطر لأن يحتفظ لـ"حزبه" الأمنى بحق الانقلابات المصغرة فى كل مجال كما أوضح الجزء الأول من المقال، ولكنه فى نفس الوقت عاجز عن إعادة الحكم الأمنى المباشر لمؤسسات الدولة.
غير أن محاولة تقنين النظام لها حدودها، لأنك لا تستطيع أن تضع نصا يقول بأنه إذا اعتُبر شخص من الأشخاص خطرا، دُبرت له فضيحة معنوية أو ورطة قانونية. ليس فقط لأن نصا كهذا فضيحة قانونية، ولكن أيضا لأنه يصعب تقنين الانقلابات المصغرة أصلا، لأنها بطبيعتها تعتمد على تقدير الظروف المتغيرة. بل أن نصوص القانون القائمة نفسها تمارَس بشكل انتقائى، فيُسمح بمظاهرات معينة لم تحصل على تصاريح وفقا للقانون، ويُقبض أحيانا على البعض ثم يُفرَج عنهم، ويُسمح أحيانا لتيارات معينة بالحركة بين الطلاب لمواجهة تيارات أخرى، وهكذا، وهى قرارات فى جوهرها سياسية لا يمكن ضبطها قانونيا.
(ج) فرص النضال الديمقراطى الجذرى
تشكل الصلة بين مؤسسات الدولة العلنية المدنية ومؤسسة النظام السياسية السرية كلا من محور ارتكاز النظام ونقطة ضعفه. الجانب الأول اتضحت خطوطه العريضة فى القسمين السابقين. ويبقى أن نرى كيف تشكل هذه الصلة نقطة ضعف النظام. ولكن بصفة عامة فإن محور ارتكاز أية منظومة هو بطبيعة الحال نقطة ضعفها، لما يتراكم عليه من ضغوط وما يوظف فيه من قوى.
أبسط جوانب ضعف هذه النقطة، وهو نفسه مصدر قوتها (:حكم الإرهاب)، هو خفاء هذه الصلة. فهى بطبيعتها صلة "غير مشروعة" من الناحية الإيديولوجية والقانونية، فالنظام لم يكف منذ 1956 عن القول بأنه نظام ديمقراطى، وإن كانت ديمقراطيته ذات طبيعة خاصة، وأن "الشعب" هو الذى يحكم. فحكم أجهزة الأمن يعانى من فقر إيديولوجى شديد، ولا يرد له ذكر فى الدستور، ولا تكاد تسنده سوى الشعارات الوطنية العامة التى تحيل إليه ضمنا، ودعاوى "الدولة القوية" التى يروج لها الناصريون والقوميون وأشباههم. ولذا يبدو أن من مصلحة القوى الديمقراطية عموما أن تُظهر هذه الأجهزة وأعمالها، فى كل موقع، إلى العلن، وتناقش مفاهيمها عن "المصلحة الوطنية"، و"حماية الجبهة الداخلية"، و"الاستقرار"، و"التنمية"، وما إلى ذلك.
لا شك أن تحكم أجهزة الأمن واقع يعرفه الجميع، من سائقى الميكروباص وحتى الوزراء، ولكنه ظل لفترة طويلة لا يناقش فى تفاصيل عمله فى كل موقع، بينما تركز قوى المعارضة على جانب واحد من عمله هذا، وهو قمع قوى المعارضة نفسها، بينما هذا فى الواقع عمل تكميلى، وإن يكن مهما للغاية، فى نظام سيطرة شامل على مؤسسات الدولة العلنية كما رأينا. وهناك تراكم هائل من كل من التجنيد والسخط فى مختلف مؤسسات الدولة. فالتجنيد هو استثمارات الأجهزة الأمنية وفقا لتصوراتها الشاملة عما يعتبر "أمنا قوميا"، بينما السخط على الانتهاكات المصاحبة لهذا التجنيد هو الجانب المقابل الضرورى لهذا العمل.
غير أن استثمار السخط من أجل قضية الديمقراطية ليس مجرد عمل بسيط يتصل بما يمكن أن يسمى "الفضح". وإنما يتطلب الأمر رؤية إصلاحية دقيقة فى كل موقع على حدة، تربط بين قضية الديمقراطية، أى نزع قبضة الأمن، وتحسين كفاءة هذه المؤسسات وإقالتها من عثراتها فى نفس الوقت. وبعبارة أخرى، فإنه يجب مساءلة أجهزة الأمن الحاكمة ليس فقط عن قمعها، ولكن عن سوء الإدارة والفشل الملازم لسيطرتها، وهو ما يتطلب رؤية بديلة تربط بين الكفاءة والديمقراطية.
والواقع أن أحد أهم الجوانب غير المعلنة لقوة الهيمنة الأمنية، هو ما يرافقها من سلطة الرجل الواحد على المؤسسات العلنية، المصحوب بالقول بأن هذا النظام يحقق الكفاءة لأنه لا يهدف سوى للصالح العام، ويواجه، من خلال الأساليب الإدارية/ البوليسية، المصالح المتنازعة التى تدمر هذا الصالح العام. وبهذا المنطق تستثمر هذه السلطة ما تفرزه من سخط، أسبابه مادية وإدارية، وشيوع النزعة السلبية التى ناقشناها، لتستخلص منه ضرورة استمرار سيطرتها لحمل هذه المؤسسات على أداء عملها وتحسينه. وعلى سبيل المثال مشروع تطوير التعليم الجامعى من أعلى، ومحاولة حمل الأساتذة على تحسين مستواهم كمدرسين من خلال دورات تدريبية، واعتبار مقاومة الإصلاح من أعلى دليلا فى حد ذاته على ضرورة القبضة الإدارية المركزية لتحقيق الإصلاح. فى حين أن هذا الإصلاح المزعوم يتجاهل فى الحقيقة المصائب الكبرى التى تحوط التعليم الجامعى، والتى يطول شرحها ولا مجال لتناولها هنا. ولكن يستطيع كل قارئ أن يجد أمثلة شبيهة فى المجالات التى يحتك بها مباشرة().
وتتمثل أحد أهم مبررات الإخصاء السياسى للمجتمع فى مبدأ العدالة. فبرغم تزايد الفوارق بين الطبقات بشكل شاسع، فإن الدولة ما زالت تقدم دعما هائلا للطبقة الوسطى بالذات. ويعتبر هذا الدعم بقايا سياسة النظام التى قامت على جعل العمل السياسى مرتبطا بالمصالح الفئوية والنوعية والشخصية، من خلال الخدمات التى قدمتها التنظيمات السياسية للنظام بدءا من هيئة التحرير وحتى الحزب الوطنى، والتى لخصها شعار عبد الناصر: "السياسة هى معرفة مشاكل الجماهير وحلها". وهكذا حصل النظام على تأييد مقابل خدمات متنوعة سُميت "مكاسب الشعب" ثم "المكاسب الاشتراكية"، وأخيرا اعتبارات "العدالة الاجتماعية". وبناء عليها تم تجريد المنظمات المنتخبة عموما من الطابع السياسى، لتتحول إلى مؤسسات تشتغل فى الوساطة فى المطالب الفئوية، سواء كانت نقابات أو مجالس محلية أو نيابية.
وكما أشار سامر سليمان فى مقال سابق فى "البوصلة"، تقل قدرة النظام تدريجيا على الوفاء بهذه المطالب، أى تقديم الرشاوى من المال العام مقابل، لا نقول التأييد، ولكن "الصمت".
وتتمثل الآلية الأخيرة فى التعتيم على المعلومات، وسيادة روح المناقشات الإيديولوجية حول ما يسمى "الإصلاح". فغياب المناقشات الجادة حول ما يجب إصلاحه، وعدم تبلور تيارات إصلاحية متعددة متميزة فى رؤيتها، المبنية على علم بما يجب إصلاحه وكيف، يجعلان للنظام اليد العليا فى النهاية، بقدر ما ينجح بذلك فى احتكار رؤية كلية للوضع العام ورؤية تفصيلية للموقف فى كل مؤسسة وكل قطاع وكل نشاط. فطالما ظلت المناقشات السياسية تدور حول الوضع المثالى وتتناول الواقع بشعارات عامة، من قبيل الإسلام هو الحل، أو الاستقرار من أجل الاستمرار، أو الديمقراطية، أو الاشتراكية، ستظل الحياة السياسية على هامش الحياة الفعلية للناس، وبالتالى سينصرفون عنها طال الوقت أم قصر.
وتعمل هذه الآليات جميعا على تغطية التحكم الأمنى بإشاعة روح اليأس من أى تغيير يأتى من خارج النظام. فـ"الإصلاح من الداخل" هو الورقة الإيديولوجية الأخيرة المتاحة له. وتقوم عقيدة أنصار هذا الإصلاح من الداخل ضمنا على فكرة أن جهاز الدولة وحده هو الذى يمتلك الصورة كاملة، وهو الذى يحتوى أكبر عدد من الكفاءات والقدرة الأعلى على التنظيم، وهو الذى يستطيع أن يتجاوز انهيار المجتمع نفسه، الذى ساد فيه الفساد، بل وأن يتجاوز بتعيينات مناسبة فساد جهاز الدولة نفسه. وهذا ما يفسر نجاح "لجنة السياسات" فى جذب أفراد مشهود لهم بالكفاءة والجدية.
وبالتالى فإن مواجهة مخططات تحوير الهيمنة الأمنية بدعاوى الإصلاح يتطلب الاعتماد على قوى المجتمع الحية نفسها فى كل موقع: مواجهة هيمنة الأجهزة الأمنية وفى نفس الوقت مواجهة مخططات الإصلاح من أعلى المثيرة للسخط فى كل موقع، ومحاولة إشراك المعنيين أنفسهم فى تصور ما يتطلبه إصلاح جذرى فى كل مؤسسة وكل نشاط. فإذا تحقق ذلك يمكن أن يتطور تسييس حقيقى تتميز فيه الآراء وتُفرز فيه الصفوف بين المنادين بالتغيير من أعلى والمنادين بالتغيير من أسفل على اختلاف رؤاهم، ليحل محل التسييس المزيف الذى يجريه النظام تحت شعارات الوطنية. بغير ذلك لن تُخصم الكفاءات والمعرفة التى راكمتها كوادر المجتمع المتميزة من خانة الاستبداد لتوضع فى خانة الديمقراطية.
وبهذا المعنى فإن العمل فى المؤسسات النوعية، وبهدف إبراز التمايز بين معسكرى التغيير من أعلى ومن أسفل بالدرجة الأولى، وعلى أساس إثارة قضايا واضحة حول مشروعات التغيير وآلياتها، يعتبر ضرورة لا تقل أهمية عن مواجهة تحديات الأمن فى حد ذاتها، ومكملة لها، ومُكسبة للمشروعية الحقيقية فى الصراع. وليس صدفة أن من جنوا حصاد البوادر التحررية الأولى، على الأقل باتساع نشاطهم وتأثيرهم، لم تكن الأحزاب ذات الادعاءات العريضة والشعارات الكبرى، ولكن القوى الاجتماعية المنظمة التى لا غنى للنظام عنها: القضاة، المهندسون، أساتذة الجامعات، وغيرهم. فالعمل من داخل المؤسسات يُكسب المناضلين قوة نظرا لأن خلعهم، فى ظل شيوع أفكار الديمقراطية، يصبح أكثر صعوبة، وتزداد صعوبة ذلك مع تبلور مشروعات التغيير المحددة. غير أن هذا التبلور لا يمكن أن يتحقق بالتأملات فى فضاء الفكر السياسى، وإنما من خلال النشطين أنفسهم الذين هم أدرى دائما بشعاب مؤسساتهم وإمكانيات إصلاحها وكيفية تحقيق ذلك. فبفضلهم وحدهم يمكن أن يتم التغلب على احتكار النظام للمعلومات، وطرح رؤى بديلة بشأن العدالة الاجتماعية، ومطاردة الهيمنة الأمنية.
ويتمثل المناخ المواتى لهذا التحول فى الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة، وحاجة النظام الملحة لتوفير حد أدنى من الحريات وتقليل هيمنة الجهاز الأمنى على القطاع الاقتصادى على الأقل، لكى تنتشل الاستثمارات الخارجية والداخلية البلاد من مأزقها الاقتصادى الصعب. كما يتمثل رافد آخر فى السهولة النسبية فى الحصول على تمويل خارجى لمشروعات إصلاح محددة. والأهم من ذلك أيضا مواصلة الضغط على محور ارتكاز النظام، أى فصل الجهاز الأمنى عن مؤسسات الدولة، لأنه ببساطة لا يستطيع أن يحكم بغير هذه الصلة.
خاتمة
فى التحليل الأخير تعتمد سيادة إيديولوجية الأجهزة الأمنية على إيديولوجيا رجعية قديمة للغاية.. هى تلك التى تعتبر الإنسان منحرفا أساسا، ومتهما حتى تثبت براءته. فهذا هو ما يبرر تدخل الأجهزة الأمنية لتحقيق العدالة، من خلال سطوة الجهاز البيروقراطى وتعقيده. وهى نفس الإيديولوجيا التى تبرر كل سلطوية. نعم تتغنى الأجهزة بالشعب العظيم، ولكنها دائما ما تشيع الخوف والقلق وعدم الثقة فى كل ما هو غير حكومى.
بالمقابل يجب أن تكون نظرة أى إصلاح ديمقراطى مختلفة جذريا. فالناس بالفعل تحب العمل والنشاط والتحقق والإبداع، ليس الإبداع الفنى والأدبى، بل الإبداع اللذيذ الذى يرافق كل عمل إنسانى حر ومرهق (متعوب فيه)، كحل مشكلة ما مهما كانت صغيرة، ولو كانت إصلاح كرسى مكسور. الناس تحب أن تشعر بشخصيتها فاعلة مؤثرة. ربما لهذا يحب الناس عندنا المشروعات الصغيرة التى تمنحهم إحساسا، ولو محدودا، بحرية ما. ليس فى مستطاع عمل جماعى ما أن ينجح ما لم يتح مجالا لشخصيات الأفراد أن تتنفس. ليست الفردية والتعاون متناقضين، وإنما الفردية المقهورة هى العاجزة عن احترام غيرها من الأفراد، ناهيك عن التعاون معهم. وفى ظل القهر المعمم لا تحقق الأعمال الجماعية سوى نجاحات محدودة تعتمد على قوة القهر الإدارى. فى زمن مضى كانت الناصرية تعوض عن ذلك بأحلام كبرى، يتحمل الأفراد القهر فى مقابل تحققها (الذى لم يحدث). ولكنى حتى هذا سقط. فالنظام أصبح فاقدا للجاذبية والاعتبار، لدى الطبقة الوسطى على الأقل.
إذا صرفنا النظر مؤقتا عن البديل الديمقراطى، لا يكاد يوجد بديل آخر سوى عسكرة شاملة للمجتمع. أن يتولى الجيش بنفسه ومباشرة (ليس مثلما كان الحال عليه فى ظل نظام يوليو)، إدارة البلاد، مستعينا بما بناه من كوادر متخصصة من المهنيين العسكريين (فهو من هذه الزاوية مختلف تماما عن جيش يوليو 1952). غير أن هذا سيكون انقلابا عنيفا فى مسار الدولة لا يقل صعوبة عن التحول الديمقراطى. وليس عجيبا أن الأصوات ترتفع الآن، حتى فى البرلمان، تطلب بزيادة العسكرة، مثل المطالبة برئيس وزراء، أو نائب رئيس جمهورية، عسكرى. ولكن هذا المشروع يحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من تغيير رئيس الوزراء، يحتاج إلى أن يصبح الجيش حزبا عسكريا على النمط التركى (وهو بالمناسبة نمط أكثر تقدما من نمط انقلاب يوليو، برغم الشعارات "التقدمية" للأخير).
الخلاصة أن مواجهة الوضع الراهن، أو ذلك البديل المخيف، لا يكون بالشعارات الإيديولوجية عن الحرية، وإنما بإطلاق قوى التحرر من أسفل، من خلال الحركة المستقلة للفئات الاجتماعية المعنية، العمال والطبقة الوسطى. وليس بالتنابز الإيديولوجى بالألقاب مع النظام، بتهم العمالة والخيانة والفساد وغيرها، وإنما بإشاعة روح التعاون والفردية والنضال المشترك وفقا لمثل إنسانية ديمقراطية.
هذه أفكار أولية حول طبيعة الاستراتيجية التى تتفق بأفضل شكل مع هدف مواجهة نمط الاستبداد الذى نعيش فى "ظلاله".
نشره البوصلة يوم أحد, 03/11/2007 - 18:16.
|
أحدث التعليقات
منذ 3 أيام 3 ساعات
منذ 5 أيام 4 ساعات
منذ 5 أيام 6 ساعات
منذ 5 أيام 7 ساعات
منذ 6 أيام 15 ساعة
منذ أسبوع واحد ساعتين
منذ أسبوع واحد 3 ساعات
منذ أسبوع واحد 5 ساعات
منذ 26 أسبوعا 4 أيام
منذ 28 أسبوعا يوم واحد