العدد الثالث

البوصلة تعاتب : من يناهض نوعاً واحداً من التوريث

التوريث أنواع، من الأخ للأخ كما في السعودية، من الأب إلى الابن كما في المغرب والأردن وسوريا، من رئيس إلى رئيس أخر كما حدث لمصر منذ وفاة البكباشي جمال عبد الناصر مؤسس النظام المصري. لقد تعود الشعب المصري على التوريث من رئيس إلى رئيس، بما يحمله ذلك من مظاهر التطور والتحضر التي تجعل المؤسسات فوق الأفراد. فالمؤسسات الحاكمة هي التي كانت تتوافق على رئيس الجمهورية وليس عائلة أو قبيلة ما. لذلك فظهور خطر توريث السلطة من مبارك الأب إلى الابن يؤرق العديد من المثقفين والسياسيين، لأنه بالطبع علامة من علامات انهيار مؤسسي شامل يضرب حتى مؤسسات السلطة نفسها. وجود جمال مبارك كبديل محتمل لأبيه هو بلا شك أحد أعراض الأزمة الخانقة التي يمر بها نظام الحكم كما يمر بها المجتمع السياسي. فجمال مبارك يمثل بالنسبة للبعض ملاذاً أمناً من المجهول، أو فرصة لتحقيق مكاسب فئوية أو شخصية أو صاحب مشروع لتحديث المجتمع. بهذا المعنى تيار جمال مبارك لا يقتصر فقط على الانتهازيين السياسيين ولكن يضم أيضاً من يرى فعلاً مصلحته في وصول هذا الشخص إلى كرسي الرئاسة، وهم بالتحديد قطاعات واسعة داخل الرأسمالية وقطاعات أقل داخل الطبقة الوسطى الحديثة، وقطاعات أقل كثيراً داخل شرائح اجتماعية فقيرة نجحت أموال وخدمات جمعية شباب المستقبل وجمعيات المرأة الموالية لسوزان مبارك في كسب ولائها. جمال مبارك يقوم إذن بعقد صفقات مع فئات ومجموعات وأفراد. لهذا فمهما أقسم بغليظ الإيمان أنه لن يرشح نفسه، لن يصدقه أحد، لان البنية الأساسية للوصول إلى السلطة تتراكم في يده.
مشروع جمال مبارك هو مشروع سياسي لرأسمالية مأزومة، لا تستطيع الوصول إلى السلطة فتبحث عن "واسطة" داخلها. ما هو المشروع البديل للرئاسة؟ أحد قيادات الحزب الوطني الأخرى؟ ربما، أحد قيادات الجيش؟ جائز، أحد قيادات أجهزة الأمن؟ محتمل. كل المشروعات المطروحة سيئة. المشروع الوحيد المحترم هو رئيس قادم من أعماق المجتمع، آت على رأس برنامج مجتمعي يحظى بتأييد فئات واسعة من شعبنا. هذا هو الحلم، وهذا هو الهدف البعيد وربما القريب إذا تحلينا ببعض التفاؤل. إذا غاب هذا الحلم عن الناس، مال بعضهم إلى تأييد أقل البدائل سوءً في نظرهم، وتناحر بعضهم مع البعض الأخر في الاتفاق على البديل الأقل سوءً لتمهيد التربة له. وهو أمر مؤسف لأنه يعني أن معارضة السلطة سقفها شديد الانخفاض حتى ولو صرخت بسقوط رئيس الجمهورية وأسرته، وحتى ولو تمسكت بالشكل "الجمهوري" للحكم. لم يثبت حتى الآن أن النظم الاستبدادية الجمهورية أو الجماهيرية أقل وطأة من النظم الاستبدادية الملكية حتى نستشهد من أجل الحفاظ على الطابع الجمهوري لنظامنا المستبد.
لنتذكر أن هدفنا الأول هو النضال من أجل أن يصل إلى كرسي الرئاسة شخص حاصل على تأييد أكثر من نصف الشعب المصري، وأن هدفنا الثاني هو الحيلولة دون انتصار أسوأ المرشحين للرئاسة إذا كان ولابد الاختيار ما بين الأسوأ والأقل سوءً. لقد اهتم التيار الديمقراطي كثيراً بالعمل على الهدف الثاني، ولكن للأسف لم يصل بعد إلى توافق على أقل البدائل سوءً، لقد عمل أكثر من اللازم في الهدف الثاني حتى أنه نسى الهدف الأول وهو تحقيق الديمقراطية بالنضال الديمقراطي. لقد التفتنا أكثر من اللازم للشروخ القائمة في النظام السياسي، وهي شروخ حقيقية، لكن أحد أهم آليات تجديد الاستبداد في مصر هو إخراج انقسامات السلطة بطريقة مشخصنة تلخص الموضوع في أسئلة لا تلمس لب الموضوع من نوع جمال مبارك أم عمر سليمان؟ هذه الشخصنة تعوق رؤية الأزمة الحقيقة في مفاصل النظام السياسي كما في الدولة. تركيز المعارضة في الهجوم على جمال مبارك، لم يعكس تكثيف السخط على النظام وتجسيده في شخص أو مجموعة أشخاص تمهيداً لإزاحتهم، بقدر ما كان وقوعاً في هاوية شخصنة الصراعات السياسية والاجتماعية، الأمر الذي يعمي الرؤية عن الصراع الحقيقي الدائر كما يحول دون المساهمة الفعالة فيه.
السياسة المصرية هي "فيلم عربي" كبير، وهي بذلك تحتاج لدراما حية من أجل شغل مقاعد المتفرجين. الفيلم الدائر الآن بنجاح متواصل منذ عدة سنوات هو فيلم جمال مبارك يصارع عمر سليمان، وهو ما يصعب تجاهله لأنه يُُبث على الهواء مباشرة من وسائل الإعلام العامة والخاصة، وبهذا فهو يجذب انتباه المهتمين بالشأن العام ويجعل من الحصافة متابعته من وقت إلى أخر. ولكن علينا ألا ننسى عندما نشاهد هذا الفيلم العربي أنه مجرد "فيلم عربي"، وأننا متفرجون عليه، وأن لدينا فيلماً أخر نحاول أن نخرجه في قاعة أخرى، وأننا نشارك بالحضور في فيلم جمال مبارك وعمر سليمان فقط للترويج لفيلمنا الأصلي، فيلم مصري يتأسس على حق المتفرجين في اختيار الممثلين، هذا الفيلم الذي لا زلنا نتعثر في كتابة نصه لأننا غارقين حتى الأذان في مشاهدة "الفيلم العربي".

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:45.

رسالة إلي الجمهور المصري

صديقاتي .. اصدقائي
في هذه اللحظة الكونية، المكنوزة بحريات المعرف، وانتقالها، والتى تجعل من المبدع، المثقف أكثر حرية واستقلالاً في الرأي والمشاركة، سيكون عليه في هذه اللحظة بالذات أن يكون أكثر تمسكاً بالتزامه الحر، وأكثر وعياً بدوره الحضاري في تقدم البشرية، فبالرغم مما تذهب إليه غطرسة الدول، وتخبط القوى السياسية وانهيارات المجموعات المؤسسية، ونطل للأفراد المبدعين والمثقفين أدوارهم البالغة الفعالية. الأمر الذي يجعل القنوات الأصدق والأقرب مع آلام البشرية واحلامهم.
فليس من الحكمة أن يتخلى المبدع عن أحلامه، ففي ذلك الخسارة الفادحة للناس. خصوصاً أولئلك الذين يخسرون يوماً بعد يوم حقوقهم ومتطلبات عيشهم الكريم والحر.
أننى أعتقد دائماً بأن الإبداع حد إنهاك مستمر وعميق في حركة الحياة، وربما قد لا يجد المبدعون فضاء أكثر رحابة، لبذر إبداعهم من قلوب الناس، تلك القلوب التى يصدر عنها الابداع فيما يذهب إليها.
ومن دون التوقف كثيراً أمام الصعوبات المتوقعة في ظروفنا العامة، تلك الملابسات التى سوف تسعي دوماً لمخاطرة الإبداع الإإنساني الحقيقي والحد من إمكانيات تحققه وفعاليه دوره الإجتماعي، خصوصاً فيما يتعلق بالمفاهيم الغامض، لشوطالسوق والتسليع الفاجر للفنون، لابد لنا أن ندرك وسائل عملنا في هذه اللحظة الكونية البالغة التسارع والتحولات.
فهذه الأمور لا يجب أن تكون عائقاً يحول دون تقدم المبدعين والمثقفين نحو أحلامهم، متمسكين بدورهم الإنساني، مؤمنين بأن ثمة أجنحة كثيرة توشك على ال يتوجب علينا مساعدتها على التحليق. وليس مثل الثقافة والابداع يمكن أن يصقل موهبة الطيران لدى أكثر الكائنات مقدرة على الحلم.
في هذا الخندق الأخير – خندق الثقافة- سنحاول أن نربط مع قليلين مدافعين عن تلك القيم، وأن نحاول أيضاًلا الصمود في وجه جرافة الانحطاط.
والانحطاط الذين نتعرض له ليس ناتجاً عن قصور ذاتي في الأشخاص، بوصفهم أفرداً تنقصهم المعرفة والموهية، وكلنه نتاج موضوعي للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي تحميه المؤسسات والسلطات وتقوم عليه. فحرمان المجتمع من البوح الحر سوف يؤدي عبر الوقت إلى صداء الحساسية الثقافية.
أسئلة بسيطة، ويجري تفاديها : العدالة، الحرية، الاحتلال، المقاومة ، الاخلاق، الطائفية، المذهبية، القيم المهدورة، الاختلاف، الفوارق المادية الفاضحة، حيث مقابل الفني الفاحش فقر فادح.
هل يتحمل واقعنا مثل هذه الاسئلة دون ن يتعرض السائل لقائمة الاتهام والخلل الحاصل بالسلطة، وبحقوق المدني وقواه الحية.
ضجيج بصم الأذان، ضجيج يبتعد يبتعد عن المعني الجوهري للعدالة الاجتماعية والفساد وتبديد الثروات الوطنية والحرية والديمقراطية والخبز والورد والجمال والحياة. فلنصرخ عالياً لنتحرر من سلطة النظام والعشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والمؤسسات الدينية.
ولنتحاور بصدق وبعمق عن عجز الحكام وتسلط الحكام وتكاذب الحكام، والهدر الكبير لطاقات الناس "المنومة" والمخصة القدرات الذهبية والعلماية. وربما يقودهنا هذا الحوار الصريح إلى إكتشاف طرقنا السليمة إلى الحرية والديمقراطية، فنصل إليها بمبادرة ذاتية ونقطع على المحتلين سجل الادعاء بانهم قادمون لهدايتنا وايصالنا إلى الطريق الصحيح بواسطة الصواريخ والمدافع والعمق والقتل والتشرد والتدمير المقصود لثقافتنا وتراثنا وذاكرتنا وأرضنا.
الحرب على الشعب العراقي غير مبررة وجائرة، والحرب المستمرة وعلى مدار الساعة، حرب إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية على فلسطين.
كأننا نسينا، كأن أحداً لم يعد يذكر كم من الفلسطينيين يسقطون كل يوم، وكذلك عشرات الجرحى والمعتقلين والمعاقين.

صديقاتي ..أصدقائي
لقد يئسنا من الهزائم المبثوثة في مشاريع الشعارات وبشكرات القمع، يئسنا من سلطة لا أمل فيها. ليس في البال سوى فعل الهدم الجميل الذي انتظره الوقت والمكان منذ طفولة الأشياء. ولم يبق لنا سوى البوح العميق لندافع عن أنفسنا.

صديقاتي.. أصدقائي
إن القيم الإنسانية الكبرى لا تشيخ وإن شاخت أدواتها، فلن تكون الحرية والعدالة والكرامة أشياء بالية كما يبشرنا النظام العالمي الجديد، الموغل في القدم، والذى حولنا إلى جموع خائرة، مستنفذة ذليلة. تتمرغ باليائس أو تفاهات التلفزيونات الملونة والاستهلاك الرخيص.
إن حريتنا الأخيرة هي أن نتمسك بقناعتنا بعد مصادرة كل شئ بلا استنثاء لنصون شعلة المبدئ ولنأمل بصباح جديد لربيع لا ييئاس ولنسأل باستمرار عن خصتنا من الحرية والسلام.
أعود بالذاكرة إلى تلك الطفولة البعيدة عندما احضرت كرسي الخيرزان وربطت عليها خيوط النايلون وثبتها على المقام الكبير ولعبت الحانأً بأصابع عشرة. وهكذا اكتشفت قيثارتي الأولى. تلك الكرسى العتيقة التى تحولت من راحة للابدان إلى راحة الأرواح. وكان المتبقي من كرسي الخيرزان منسي على "العلبة" في طرف أحد الزوايا. وما أن صادفتها ذات مساء موحش حتى انساب النغم ، كرسي الخيرزان المهمل له كل هذا الشجن.
كان عيداً حقيقياً يوم دخول العود الأول إلى بيتنا ، عندما استغنيت عن كل آلاتي الموسيقية المنزلية من طناجر وعلب حليب فارغة وملاعق وصحون وكبايات، لم يستفرد بي العود المجنون وانما فتك بي وافناني من شدة الولع.
ذلك الوتر الناعم الملمس كجسد المرأة الطالعة من لهفة الحب تفترسها بشفيرة الريشة المسنونة المتحكمة بالقاء الاوتار والاصابع ، تتوغل بالريشة نحو الأعمق. اوتار من قصب وحرير تغور في الاعماق، تعر على وتر النوى، فيمتد الصوت ويتبعه الصدى والعود على رهافة وسطوة يتقدم.
من عيون ريتا وخبز امي ابحث عن جواز سفر حيث لا الصورة ولا الايقاع ولا الجملة ولا القصيدة ولا الادوات ولا المفاهيم ذاتها.
لم تكن لدي رغبة في معرفة المستقبل بالوضوح الحديدي الذي تسلح به الآخرون. إنه وضوح ويضاهي قيداً لا يرحم وكأن من حق الآخرين "المحافظين" أن يسمو ذلك خراباً، وقد حلى لي ذلك.
ليست لدينا معجزات، لدينا مخيلة، واحلام مكبوتة.
( في دار الاوبرا وساقية الصاوي) اسئنفت معكم ذلك الرحيل الشاق نحو البحث عن نقطة ضوء كبداية تتجدد.
لارتماء طفولي على حضن الذاكرة.
لاحتجاج على فساد أشياء العالم.
لغضب عاصف على أثام الحرب.
ولتورط صاخب في الحب.
لا نبد
أ من صفر ، بل نواصل البدايات من خلاصة التراكم ، تراكم التجارب والتضحيات . ومنذ 30 عاماً ونحن نقلب المدن صفحة صفحة، من اجل الوطن العربي الكبير الذي ينهال على القلب متعب.
نحمله ونعلن انشاده رغم رغم الوجع الذي يشتد والقهر الذي يلتف حبلاً على العنف ليطوي رقاب الناس مهانة.
المهمة صعبة، ولكننا سنطلق الموسيقى التى ستضئ قليلاً رغم استحالة الأشياء وصوبتها في زمن ابيحت فيه المذلة وابيح فيه القتل والارهاب والجوع.
إلى أين ستأخذنا هذه الأمسيات المفتوحة على البدايات؟
إلى أجمل حب!..
صديقاتي .. أصدقائي
نواصل معكم صياغة حياتنا بأعمال متجددة، وأليس في هذا التبادل ما يزودنا بالحب.
الحب تلك الوردة السرية الجميلة المخبأة في دواخلنا، تمدنا بالقدوة والحرية وتفسد على الحياة استسلامها.
صديقاتي .. اصدقائي
لا ادري ما يشدني هكذا أليكم، إلى بلدكم ، إلى مدينتكم. ربما تكون الرغبة الثقافية المتأججة في اشعال شمعة ولعن الظلام في آن واحد لنستعيد ثقتنا مع الروح، تلك الثقة التى ارهقتها الانهيارات الشاملة والهزائم المستمرة
سنجرب قول الأشياء بلغة غير الكلام ، سنقولها بالموسيثى والصمت، ففي الموسيقى غربة وحنين إلى الماضي وإلى المستقبل المجهول.
مع كل الحب

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:43.

أولاد حارتنا: حكايات شعب وشعب الحكايات

"حارتنا حارة الحكايات"، هكذا جرى قلم محفوظ على لسان راوى "أولاد حارتنا" وعلى لسان بعض شخصياتها، لأن الحكاية نفسها هى البطل الرئيسى. أبطال الحكايات معروفون لنا تماما، لأننا جميعا، حتى الأميين منا، نستطيع أن نضع أمام كل شخصية تقريبا معادلها فى قصص أديان المنطقة الحالية: قصص العهد القديم والقرآن: الجبلاوى: اللـه؛ أدهم: آدم؛ إدريس: إبليس؛ همام: هابيل؛ قدرى: قابيل. أما الأنبياء، فجبل هو موسى؛ ورفاعة هو يسوع أو عيسى؛ وقاسم هو محمد. أما آخر الأبطال وأكثرهم إثارة للجدل فهو عرفة الساحر، رمز العلم الحديث.

الحكايات والحارة
ولكن البطل ليس أيا منهم، وإنما هو الحكايات نفسها، فكل فصل منها يتحول فى الفصول التالية إلى مروية، حكاية تحمل العبر، يغنيها شعراء الربابة فى المقاهى والغُرز، ليلتف الناس حولهم يسمعون (على نمط ملاحم أبو زيد الهلالى وعنترة القديمة)، فيتأثرون أو يأسوا لحالهم أو يسخطون. ولكنها دائما تشكل وعيهم بعمق، لأنها ملحمتهم هم وحكايات "حارتهم". إنها تتكلم عن أصلهم وعن كفاح أبطالهم، وتشكل بذلك قيمهم وأحلامهم وآمالهم.
فوق ذلك تشكل الحكايات بنفسها دوافع الأبطال (الأنبياء) وتمنحهم أهدافهم. فكل بطل تبدأ قصته بأن يسمع حكايات الحارة حين يعود إليها، أو يتأمل فيها فى لحظة ما، ويتبنى هدفها. واتصال أى منهم بالجبلاوى يعنى مباشرة، له وللجميع، أن ثمة فصلا جديدا سيضاف إلى حكايات حارتنا.
رواية "أولاد حارتنا"، وفقا لمقدمة محفوظ لها، تدوين لتراث شفهى متداول على الربابة، وبذلك فإنها تمثل لحظة تحول الحكايات الشفاهية إلى تراث مكتوب، أو تحول مختلف أديان المنطقة إلى رواية جامعة عن وعيها.. رواية تتجاوز خلافات واختلافات الأديان، لتدمجها فى مروية عن ثقافتنا. وباختصار، تصبح بذلك تراثا لجماعة بلغت الرشد وأصبحت واعية بماضيها بوصفه تراثا، بينما كانت قبل ذلك غارقة فيه بوصفه جانبا متجددا قابلا للتحوير من حياة "الحارة".
حارة الجبلاوى هى البطل الثانى للحكايات، فحكايات "أولاد حارتنا الأبرار"، أى الأنبياء وعرفة، تدور فى حارة كبيرة قرب صحراء المقطم، كان "الجبلاوى" أول من بنى فيها بيتا، وهو أصل كل ذرية الحارة. ما المقصود بتلك الحارة؟ الحارة ليست رمزا للبشرية(). فالجبلاوى ليس فى الرواية أول الموجودات. وهناك أيضا حارات أخرى بخلاف حارة الجبلاوى.
الحارة مقسمة إلى ثلاثة أحياء، فضلا عن بيت الجبلاوى وبيت ناظر الوقف (الحاكم ومغتصب حقوق الحارة فى الوقف) وأمامه بيت كبير فتواته (جيشه وشرطته). تنتهى الأحياء الثلاثة إلى تمثيل الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام. فيُسقط محفوظ حكايات عشرات الأنبياء الآخرين ليختار رموزا تمثل وعينا نحن. ما المقصود بـ"نحن"؟ نحن هذه قطاع ما من البشرية، فهناك بشر آخرون، لا يشاركون فى هذا التراث ولا فى الإيمان بالأديان الرسالية (أى التى تتميز بقيام أديانها على فكرة ورود رسالات من الخالق عبر رُسُل) وأبطالها (هناك مثلا عوالم جنوب شرق آسيا، أو الهند، ووجودها سابق تاريخيا على ظهور أبطال الأديان الذين يتناولهم محفوظ). "الجبلاوى" إذن فى وعينا أصل العالم كله، ولكن "الحارات" الأخرى لا تعرف آدم، ولا تحكى أديانها قصة الهبوط من الجنة أصلا (لأن لها ثقافة مختلفة وأديان مختلفة نوعيا مثل الكونفوشيوسية أو البوذية أو الطاوية أو الشنتوية أو الهندوسية).
بل يبدو أن "نحن" هذه لا تشمل كل الشعوب التى تأثرت بالأديان الرسالية، وربما تقتصر فعليا على الشعوب العربية. ولذلك نجد حارة محفوظ خالية من التنوير الأوربى ومجمل ملحمة الثقافة الأوربية الحديثة. ولكن "أولاد حارتنا" ليست رواية عن تاريخ وعينا الدينى/ الأخلاقى، بل عن وعينا الحالى.. فالفراعنة أو الفينيقيين أو السومريين أو البابليين أو الرومان أو البطالمة ليسوا ممثلين فى رواية محفوظ. وحتى لو كانت الحارة هى مصر، فإنها مصر هبة الأديان الرسالية التى تحكم وجداننا المعاش، والتى يلعب فيها "الجبلاوى" الدور الرئيسى، فهو الخالق والأصل، الذى خلق آدم على صورته. وباختصار، يقدم محفوظ فى هذا النص رؤية عميقة لثقافتنا السائدة التى يعرفها رجل الشارع، حتى الأُمى، من الجامع والكنيسة والكتاب والمدرسة والإعلام، ومن حوارات الشوارع نفسها.. فهى قصة وعينا نحن بقصة معينة للخلق من خلال أديان معينة تحكم واقعنا المعاش.

شعب اللـه المختار المعذب
ولكن كيف تصيغ "أولاد حارتنا" تراث الحكايات وكيف تقدمه؟ تخبرنا الرواية أننا، وحدنا، نحن حملة تراث الأديان الرسالية، شعب مختار فى نظر أنفسنا. صحيح أن الإسلام والمسيحية دينين عالميين تبشيريين، ولكن الانتماء لأيهما يمنح المنتمى فى نظر جماعته فى بلادنا (وليس فى أوربا مثلا) وضع الانتماء إلى فئة مميزة من البشر، يحق لها، بل من واجبها فى رأيها الخاص، أن ترث ملك اللـه العريض فى الأرض وتحكم العالم. نحن أيضا، كما تُجمع الأديان الثلاثة، أتينا من عالم آخر، فأبونا ليس من هذه الحارة التى نعيش فيها، بل من رأسها، من ملكوت السماء، هبط إلى الأرض بسبب عصيان إرادة "الجبلاوى"، ونعيش نحن جميعا هنا بسبب هذا الخطأ الأصلى القديم.
وهكذا فنحن نعانى، بسبب إيماننا بهذه الرؤية، من شعور مركب عميق: شعور بالفخر، أو الانتماء لشعب مختار، وشعور بالبؤس، لأننا ببساطة خارج الجنة التى عاش فيها أبونا الأول، والتى نهفو للعودة إليها. نحن إذن بشكل ما فى المكان الخطأ، فى "دار الفناء" بمصطلحات رجال الدين الإسلاميين، فى رحلة تجد معناها النهائى فى "دار البقاء". وفى "منفانا" هذا نسمع قصص الأنبياء التى تحدد معنى وجودنا على هذه الأرض، ومواعظ الأديان التى تؤكد جميعا ضمنا أننا نعيش فى المكان الخطأ، ولكنها تؤكد أيضا حقوقنا المقدسة فى "الوقف" (خيرات الأرض) وفى العدل والسلام والكرامة.
اختار الجبلاوى أدهم من بين كل أبنائه (=مخلوقاته) لينوب عنه فى إدارة "الوقف"، الأمر الذى يثير حقد "أخيه" إدريس (= إبليس) كما هو مشهور، لأنه فى نظر نفسه أفضل، فأدهم ابن الجارية التى تزوجها أبيه، بينما هو وأخوته الآخرين أبناء الهانم (= فى الأديان خُلق من طين، بينما خُلق الآخرون من نار أو نور، وهما فى العرف العام أفضل وأرقى). فضلا عن أنه أقل منهم قوة، ولا فضل له إلا أنه يعرف الكتابة والحساب، وهما بمعايير البيت أدنى من القوة بكثير.
أدهم نفسه يشعر بالدونية برغم اختيار أبيه له فى إدارة الوقف. بل هو فى نظر الجبلاوى نفسه أدنى من أخوته: "انصعت إلى خيانة من فضلك على من هم خير منك". الإنسان فى "أولاد حارتنا" هو الكائن الأدنى منزلة، نال مكانة بين الكائنات بغير استحقاق ولا فضل، بل هبة من الواهب الأقوى لغرض لا يعلمه إلا هو. وفوق ذلك قُدٍّر عليه، بلا رغبة أو اختيار منه، أن يعانى من حقد ودسائس إبليس القوى، وأخيرا أثبت أنه لا يستحق مكانته فى البيت الكبير بسبب طمعه. وحتى فى سقوطه من الجنة سقط بشكل أكثر مهانة من سقوط إدريس (الذى تحدى أبيه)، ولم تعد له من فضيلة سوى حبه للجبلاوى وتعلقه بالبيت الكبير بعد طرده منه. فضيلة أدهم الولاء والطاعة.
البيت الكبير يخرج منه إذن كل من يخرق قانونه: الطاعة المطلقة، سواء بسبب التكبر أو الطمع، وسواء بالتحدى أو التحايل. ولكن يخرج منه أيضا كل قادر على الإنجاب: الشيطان وآدم، ومن ذريتهما (لا ذرية آدم وحده) تتكون الحارة. فأخوة أدهم الآخرون كما جاء فى الحكايات، لا يعيش لهم ولد أو عقيمون. فكأن الإنجاب هو قانون حياة "حارتنا"، حياة المنفى، بينما الخلود مع العقم هو قانون البيت الكبير.
ومع ذلك فالفارق بينهما كبير. فأدهم إرادة ضعيفة وضمير يقظ، وولاؤه للجبلاوى مطلق، بينما إدريس إرادة قوية وضمير منعدم، وبلا قدرة على البناء، وهو ما سينعكس فورا على خياراتهما خارج "البيت الكبير" فى مواجهة الظروف الصعبة: العمل أو النهب.
كان أدهم فى حياته فى البيت الكبير، قبل وبعد تكليفه بتحصيل إيجارات الوقف، يقضى معظم وقته فى الحديقة (=الجنة)، ينصت لأصوات الطيور ويعزف على الناى. وبعد الخروج، ظل أمله الوحيد العودة إلى البيت الكبير ، ولكنه قبل موته ينال، وفقا للعقيدة الإسلامية هنا، عفوا من "الجبلاوى"، ولكن دون عودة، فقط أعطاه "الوقف"، له ولذريته من بعده. ولكن هل أرضاه هذا؟ لا يبدو.. فأدهم منذ طرُد عرف "لعنة العمل"، والعمل عنده كان هو الانحطاط إلى مرتبة الحيوان:
العمل من أجل القوت لعنة اللعنات. كنت فى الحديقة أعيش، لا عمل لى إلا أن أنظر إلى السماء أو أنفخ فى الناى. أما اليوم، فلست إلا حيوانا أدفع العربة [التى يبيع عليها الخيار] أمامى ليل نهار فى سبيل شىء حقير نأكله مساء ليلفظه جسمى صباحا... الحياة الحقة فى البيت الكبير حيث لا عمل للقوت وحيث المرح والجمال والغناء.
التأمل فقط هو الذى يشبه حياة "البيت الكبير": "فى وحدتى أرتد سيدا أو شبه سيد، أتأمل السماء وأتذكر الأيام الخالية".. أى ببساطة أفكر فى المطلق، فى معنى الحياة، وفى الآخرة والنعيم.. فى خلود لا ينتهى.. أى فى كل أشواق أصحاب هذا التراث وهذه الثقافة.
على مدى الرواية، إلى أن يأتى عرفة، سيظل حلم الغناء فى الحديقة والتأمل هو "الحياة الحقة" التى تدور المعارك ويظهر الأنبياء من أجل إقامتها. ولكن إقامة حياة فاضلة على الأرض تحتاج إلى فكرة أخرى لا تقتصر على الحلم بالعودة إلى البيت الكبير. أميمة (حواء)، هى صاحبة هذه الفكرة.
المرأة هنا عند محفوظ هى الأرض والواقع. منذ البداية لم تكن حياتها فى البيت الكبير حياة الحديقة والناى والطيور والسماء، ولكنها حياة ترتبط بما يقال فى البيت الكبير وشئون الحياة. وحين حملت للمرة الأولى ساعدت إدريس فى إغواء أدهم ليحاول الإطلاع على حجة الوقف، حتى تطمئن على نصيب أبنائها المقبلين فى الميراث الضخم. ولكنها لا تتحمل المسئولية عن الخطيئة وحدها.. فأدهم برغم لومه لها على إغوائه كان يعرف أن "المرأة تعرب عما فى نفسه، وهذا ما يثير حنقه". أميمة صاحبة قضية ولها هدف، ذات إرادة جعلتها تحرض أدهم، أما أدهم فهو المنفذ المتردد الذى لا يحمل سوى عقدة الشعور بالذنب (لأنها فى الواقع أعربت عما فى نفسه) والوضاعة.
ولهذا كله، حين تخرج مطرودة مع أدهم، تطمح إلى أن تجعل من الكوخ الحقير "بيتا شبيها بالبيت الذى طردنا منه، لن تنقصه الحديقة ولا البلابل".. إنها تريد الجنة على الأرض، وحلمها واقعى تماما، فإذا كان أدهم يقول أن العمل لعنة، فإجابتها هى: "ربما، ولكنها لعنة لا تزول إلا بالعمل". أدهم إذن هو القيم على الوفاء للبيت الكبير، هو حامل القيم، وامرأته هى الواقعية والحسية والإغواء. فإذا لم تكن هذه ثقافتنا، التقليدية، فماذا تكون؟
يقدم إدريس (إبليس المؤنسن) الحل الثالث: أن يكون المرء بلطجيا ويعيش على حساب الآخرين. كان إدريس أول من طُرد، ومن بين صفات الأب، يتميز هو بصفة القوة والجبروت، فأخذ يجوب الحارات مُعاركا وسارقا. وهو ذو كبرياء، فعلى خلاف أدهم الذى لا يطمع سوى فى العفو والعودة، يبصق إدريس على البيت الكبير، ولا تربطه به سوى فكرة الانتقام، معتبرا نفسه صاحب حق مسلوب. ولكن إدريس القوى لا يستطيع أن يقيم نظاما كما فعل الأب، ولا يتمتع بالهيبة ولا الأخلاق. منذ البداية إذن يطرح محفوظ الشر فى بعده الاجتماعى والدينى متلازمان: الشر هو الاستيلاء على جهد الآخرين، مقترنا بالجبروت والتكبر والعصيان للبيت الكبير. ولكن إدريس يطرح منطقه واضحا قويا.. فحين يستنكر أدهم اعتماده على البلطجة، يرد:
إذا كان العمل لعنة والبلطجة قذارة فكيف يعيش الإنسان؟.... لعلك تريد رزقا بلا عمل؟ ولكن ذلك سيكون حتما على حساب الآخرين!... أم لعلك تريد رزقا بلا عمل دون أن يضار به أحد؟! هذه فزورة يا ابن الجارية!
قصة الخلق إذن عند محفوظ هى قصة فكرتنا عن الحياة ومعنى العالم: الحياة الحقة تكون فى الحديقة مع الناى والطيور (وهى حياة الثراء والفراغ من ناحية، وحياة التأمل والتمتع بالجمال من جهة أخرى، وهى الجنة)، مقابل لعنة العمل؛ خيار البلطجة أو انتظار عفو الجبلاوى؛ بناء الجنة على الأرض أو الأمل فى جنة لاحقة؛ فكرتنا فى هذه المنطقة من العالم عن أنفسنا باعتبارنا منحدرين من مكان آخر، فخورين بنسبنا بوصفنا شعبا مختارا (أو أصحاب عقيدة مختارة)، والتعساء أيضا بسبب هذا المصير. المرتبطين فى كل الأحوال بـ"البيت الكبير"، دون أن نراه، لأنه مختبئ خلف جدرانه العالية، ولا نرى من باب أولى ساكنه. فحكايتنا كلها، مصيرنا ووجودنا، منبثقان منه، ولذا تدور مشاعرنا وأفكارنا وحياتنا كلها حوله. وهكذا يقول همام (هابيل ابن آدم) "سنظل نتطلع إلى هذا البيت الذى لا عزة لنا إلا به ولا تعاسة إلا بسبب منه".

عهد الرسالات: إقامة العدل على الأرض
بدءا من هذه النقطة يغيب الجبلاوى داخل البيت الكبير، فلا يظهر بنفسه أبدا فى الحكايات، ولكن تبقى رسائله التى يرسلها لجبل ثم رفاعة ثم قاسم، القادة المصلحين الذين تنجبهم الحارة، فيضفى باتصاله بهم المشروعية على أهدافهم. وتدور أهدافهم فى مجملها حول العدل، العدل فى توزيع الوقف (خيرات الأرض).. والهدف الأعلى هو "حياة الحديقة". ومن هنا فإن موافقة الجبلاوى تضفى المشروعية على عملهم لأنه هو صاحب الوقف. أما الوقف نفسه فيئول إلى نظار (حكام) يديرونه ويحتكرون ثروته، يساعدهم فتوات منظمون يقهرون الناس.. أما الباقى، فهم الفقراء المحكومون، الذين يتلقون فوق فقرهم الصفعات والإهانات، ويدفعون الإتاوات للفتوات.
الفقراء ليس فى أيديهم سند لمطلبهم بالمساواة وتوزيع الوقف بالعدل سوى الحكاية الأصلية.. فليس فى أيديهم حجج تؤكد حقهم فى هذا الوقف. الحكايات هى التى تقول لهم أن كلهم "أبناء أدهم وأميمة"، وأن الجبلاوى منح الوقف لأدهم وذريته جميعا، ثم أضيفت حكايات الأبطال المتتاليين. وأخذ الناس يسمعون فى المقاهى والغرز هذه الحكايات التى تضفى المشروعية على شعورهم بالظلم، وبحقهم المسلوب. أما بالنسبة للحكام فكانت "حكايات حارتنا" ذات قيمة تاريخية فحسب، والويل لمن يفكر فى جعلها أساسا للمطالبة بالحق فى الوقف. ولكن مع الوقت تصبح الحكايات فى نظرهم أكاذيب اخترعها العامة لكى يستولوا على ما فى أيدى الأسياد، فالحكايات (الأديان) هى إذن الأساس الوحيد للعدل. استمد كل من جبل ورفاعة وقاسم مشروعيتهم من تلقيهم بشكل أو بآخر موافقة وتأييد الجبلاوى لرؤيتهم وكفاحهم.
ولكن بعد انتصار الأنبياء جميعا ووفاتهم، يعود الظلم. فقد أصبح لكل حى فتوة، يرأسهم فتوة الحارة الذى يقيم أمام بيت الناظر، ويعود رباعى الفقر والإهانة والإتاوة والقذارة، يضاف إلى ذلك تنافس وشجار بين الحارات بشأن انحياز كل حى لرجله (دينه، نبيه)، واعتباره أفضل من المصلحين الآخرين. أما الثقافة فتتراوح بين مواويل حزينة وأغنيات فاحشة، وتغلب روح قدرية استسلامية.

زلزال رفاعة وموت الجبلاوى
على فراش المستشفى، قال محفوظ بعد "غزوة" الذبح الغادرة أنه ليس صحيحا أنه انتصر للعلم ممثلا فى سحر رفاعة ضد الدين. لست أرى فى تصريحه هذا رد فعل على حادث الاغتيال.. بل هو يعكس تماما ما جاء فى الفصل الختامى: "عرفة".
عرفة ابن مجهول الأب من أبناء الحارة، تربى مع أخيه "حنش" خارجها، حيث تعلم "السحر".. وعاد مع أخيه أصلا بغرض الانتقام من الحارة التى أوقعت الظلم بأمهما(). وعلى خلاف الحارات المنغمسة فى صراعها على التفاخر بأسلافها الأبطال، يتعامل هو وحنش مع كل الحكايات (الأديان) بمساواة، وموقفه منها يكون فى البداية سلبيا رافضا تماما:
فالحكايات أولا لم يبق منها سوى الفخر الكاذب، و"كلهم [:السكان] أولاد كلب جبناء". ومن هنا يحكم على الحكايات بأنها بلا جدوى، مجرد أداة للتعصب الفارغ من المضمون. وثانيا يرفض عرفة الهدف الأسمى الذى تشير إليه الحكايات ذاته: السعادة والغناء كما حلم بهما أدهم وقاسم وغيرهما: فبدلا من التأمل والراحة من "لعنة العمل"، يصبح الهدف الأسمى هو الإبداع، أى عمل راق له لذته الخاصة. وثالثا، وهو الأهم، أنه يتمرد على المضمون الرئيسى للحكايات ذاتها: فكرة الشعب المختار: "هذه الحارة المغرورة الجاهلة... ليس لديها إلا الحكايات والرباب، وهيهات أن تعمل بما تسمع. ويظنون حارتنا قلب الدنيا [:الشعب المختار] وما هى إلا مأوى للبلطجية والمتسولين...". ولكن: "أنا عندى السحر الذى سيحقق للحارة ما عجز عنه كل من سبقوا". وكأن "السحر" يعود ليتنى رؤية الحكايات الأساسية: تحقيق اجتماع الخير والقوة، ولكن ذلك يتحقق بإنتاج ثروة جديدة، تتيح للناس التفرغ للإبداع الذى سيفضى إلى مزيد من السعادة.
ثم يعيد عرفة الاعتبار جزئيا للحكايات، فيقول: "كان قاسم (محمد) على حق"، بل ويعيد تأويله، معتبرا أنه كان يستخدم العقل مثله. تصبح الحكايات مصدر إلهام أخلاقى، فإذا كان السحر قادرا على صنع المعجزات، فإن استخدامه فى تحقيق السعادة للجميع، يتطلب العودة إلى الحكاية الوحيدة المعروفة فى الحارة التى تؤسس الفارق بين الخير والشر. واستكمالا لتأويل الحكايات، يعتقد عرفة أن الحجة السرية فى بيت الواقف الكبير هى فى الحقيقة كتاب فى السحر (=العلم)، ومن هنا فإن هدفه يصبح التسلل للبيت الكبير لسرقة كتاب السحر: "ما قصدت بيت جدنا إلا لأحصل على سر قوته".. هكذا يمكن أن يمتلك البشر جميعا قوة الجد الكبير، ويتغلبون على كل مشكلات الخروج من بيته.
الرمز هنا معقد إلى حد كبير. لنبدأ بالأحداث.. تسلل عرفة إلى البيت الكبير، وقتل خادما ربما يكون هو الذى سبق إرساله إلى قاسم (=الوحى) ويفشل فى سرقة الكتاب (=اللوح المحفوظ، أو المعرفة المطلقة)، بينما يموت الجبلاوى متأثرا بالغضب للتعدى على بيته وخادمه (وسنحاول استكشاف مغزاه بعد قليل). ويصبح عرفة بفعلته هذه جزءا من الحكايات، فكأن الاعتداء على حرمة المطلق ومحاولة استكشاف سر الوجود استمرار بوسيلة أخرى لنفس الحلم القديم. ويقترب عرفة أكثر من تراث الحكايات بشعوره بالندم على تعديه. يرتبط عرفة إذن بالحكايات ويعتبر امتدادا لها، بالضبط بقدر ما اعتدى على مقدساتها، وبقدر ما كان اعتدائه هذا نابعا من تأويله لها لتتفق مع إيمانه بقوة السحر، وأخيرا بقدر ما تبنى فكرة الحكايات عن الخير والشر. وبمعنى آخر، الحكاية لا تموت، ولكنها تصطدم بطور عنيف يحولها جذريا().
وهكذا فإن سطو عرفة الفاشل على بيت الجبلاوى يعتبر نوعا من الوراثة.. فالنتيجة التى انتهى إليها عرفة هى أنه اعتبر نفسه، بفعلته هذه، ملتزما أدبيا أمام نفسه بإعادة الحياة إلى الجبلاوى: فأية مآثر سيأتى بها فى المستقبل لن تكفى لمحو جريمته، لن يكفى إلا أن يصبح السحر من القوة بحيث يعيد الحياة للجبلاوى: "على الابن الطيب أن يفعل كل شى، أن يحل محله، أن يكونه". لن يحل محله لأنه يكرهه، وإنما لكى يحقق وصيته. هنا يصبح الجد هو ضمير عرفة، يتأنسن الدين ويصبح مثلا أعلى. فوق ذلك، يعرف عرفة، ذات ليلة، من خادمة فى منزل الجبلاوى أنه أمرها قبل موته أن تبلغه "أن جده مات وهو راض عنه".
يُقتل عرفة، ولكن تتشكل نخبة جديدة من أتباعه خارج الحارة، علماء. فالحل الذى يقدمه محفوظ هو الأمل فى النخبة رفيعة المستوى. وفى مواجهة هذه التطورات التى تعلقت بها آمال الناس، مارس الناظر دعاية مضادة، (هى بالطبع "تكفير" عرفة باعتباره المسئول عن موت الجبلاوى، ولو بشكل غير مباشر، مثلما سيتم تكفير محفوظ نفسه لاحقا). ويختم محفوظ الرواية متفائلا. فالناس عاد عطفهم على عرفة برغم دعاية الناظر، وقالوا: "لا شأن لنا بالماضى ولا أمل لنا إلا فى سحر عرفة، ولو خُيرنا بين الجبلاوى والسحر لاخترنا السحر". وكلما زاد عسف الناظر "لاذوا بالصبر واستمسكوا بالأمل... وقالوا لا بد للظلم من آخر والليل من نهار، ولنرين فى حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب".

نص محفوظ المؤسس بين حداثتين
فى حدود علمى، لم يُكتب عمل بهذا العمق بالعربية عن ثقافتنا، عن الوعى الذى تشكله الأديان التى نتلقاها منذ الطفولة.. عما تطبعه فينا قصة الخلق من تصورات وقيم، والمعاناة التى صحبت دخول العلم الحديث فى وعينا. يمكن تناول هذه القضايا بأشكال ورؤى مختلفة.. ولكن يمكن القول بصفة عامة أن عمل محفوظ محاولة راقية داخل تيار التوفيق بين العلم والدين.. محاولة مثيرة للخلاف، قابلة للتأويل، ككل نص، أدبيا كان أو غير أدبى.. ولكنها محاولة تجمع بين الجرأة والعمق.
جريئة لأنه كان بمقدور محفوظ أن يسقط ببساطة قصة دخول عرفة بيت الجبلاوى بكل ما ترتب عليها. اختار محفوظ بشجاعة نادرة أن يعرض الزلزال الذى أدخلته قيمة العلم فى ثقافتنا بأقوى الأشكال، كزلزال حقيقى. كان ببساطة مستطيعا أن ينجو بنفسه ويهون ويزور فى ثقافة أدمنت التهوين والتزوير والتسطيح والاستسهال. فالرواية ترفض التعامل مع العلم كأداة (مهرب التوفيقيين التقليدى).. لأنه يُجرى فى واقع الأمر تحولات مهمة فى رؤيتنا لتراثنا وقيمنا وأفكارنا.. فالعلم لا يتفق مع فكرة الشعب المختار، ويتناول الماضى والتراث بالفكر، ولكنه لا يعبدهما، بل ويغير مفهوم "الحياة الحقة"، فلا تصبح مجرد الأمل فى العودة إلى البيت الكبير، وإنما تتحقق على الأرض بجهود البشر وصمودهم دفاعا عن قيم أخلاقية نبيلة تتعلق بالخير والعدل، وترمى لتحقيق الوفرة لتجنب الناس شر الحاجة والمرض والجهل، وتحترم الإنسان من حيث هو إنسان فحسب، بصرف النظر عن ديانته أو أفكاره.
وعميقة لأنها تتوج فى رأيى عمل عشرات من المنورين المصريين، الذين لقوا العنت الشديد فى حياتهم ومُرغت سمعتهم بعد مماتهم. تتوج "أولاد حارتنا" هذا المسار العظيم بأن قدمت ببساطة نصا موازيا للنصوص المقدسة. وهى بهذا وحده نقلة جبارة نحو الحداثة. فهى تعترف بتراث هذه الأديان باعتباره ركيزة جوهرية لوعينا جميعا، أيا كانت مواقفنا من الأديان المختلفة، وبوصفه معتقدات واجبة الاحترام الحقيقى، بمعنى أنه تراث يستحق التأمل، ليس لاكتشاف الأوامر والنواهى الدينية، ولكن كنصوص خاطبت وجدان الملايين وما زالت تخاطبه، كمصدر لأحلام العدل والرقى والنظافة والكرامة.
وبهذا المعنى فإن هذا التراث أقوى حتى من تأسيسه الإلهى. فالفطام عن الجبلاوى، سواء ببدء الحياة فى الحارة، أو بانتهاك عرفة للبيت الكبير، لا يُسقط الفكرة، وإنما يمنحها حياة جديدة. فالفكرة وعى منبثق من شقاء الإنسان على الأرض، من الشعور بـ"لعنة العمل"، فهى الشكل الذى اتخذته عواطف البشر فى مكان وزمان معينين، وأصبحت تراثا حيا يتواصل حتى الآن.
بدلا من الرؤية الصنمية التى لا تعرف عن احترام المقدس سوى ترديد نصوصه، وتكرارها بحذافيرها ليلا ونهارا()، يطرح محفوظ إعادة فهمها واستعمالها وتجاوزها. والتجاوز هنا لا يعنى النبذ والإلغاء، وإنما يعنى التجديد والمواكبة وإعادة الفهم.. يعنى نبذ التعصبات واستخلاص، من زوايا مختلفة، لما هو إنسانى، ويعنى إثراء عمقه الذى أهله للحياة بين الناس مئات ومئات من الأعوام، أو يعنى، حسب "أولاد حارتنا" أن "يرضى" الجبلاوى عن عرفة، أن يقر مسعاه باعتباره متصلا بتراث الحكايات بوسائل أخرى. وهكذا تتأنسن القصص الدينية عند محفوظ، تستمد حياتها منا نحن، من قدرتنا على تأملها وتوليد المعانى منها، لا من السعى لتجميدها أو ادعاء قدرتنا على العودة إلى معنى أصلى قديم وترديده بلا توقف أو انقطاع تحت شعار مثل الحاكمية.
ومن خلال نصه الجديد هذا يطرح محفوظ بحدة فكرة "لعنة العمل"، باعتبارها المعنى العميق لقصة الخلق والخروج من الجنة، كما جرت فى تراثنا وشكلت أرواحنا، ويطرح علينا بالمقابل أن نحول هذه القصة لحافز للانتقال إلى لذة العمل الإبداعى، العلم، باعتباره اللحظة التى يمكن أن تصل إليها ثقافتنا الآن لتحل مشكلات تطورنا، كما حدث بالنسبة لثقافات أمم أخرى. ومن خلال هذا الانتقال يطرح الأمل فى تجاوز الذل والفقر والقهر والقذارة والكراهية بين أصحاب الأديان. لقد ظلت حياة أولاد الحارة مشدودة إلى حلم يائس بالبيت الكبير حتى أتى عرفة.. بينما ظلت حياتهم الواقعية دائما مجرد امتداد لتعاسة أبيهم أدهم، وظل الناظر والفتوات قابضين على أعناقهم وأرزاقهم. يموت الجبلاوى، ولكن الحلم بالعدل الذى ارتبط باسمه لا يموت، وينتظر الناس أنصار عرفة (المثقفين المحدثين ربما) بينما ينتظرون هم أن يصبح كل الناس سحرة مثلهم، ليتحقق الحلم الكبير ويُبعث الجبلاوى الرمز فى انتصار ربما كان نهائيا.. عند محفوظ ينتصر اللـه بأن نكون إرادته الخيرة، بأن نحقق حلم السعادة والعدل. قال الناس فى نهاية رواية نجيب محفوظ أنهم لو خُيروا بين الجبلاوى والسحر لاختاروا السحر.. ولكنهم يختارونه بنفس القيم الإنسانية التى دارت حولها حكايات أولاد حارتهم السابقين. وبهذه الطريقة يقدم محفوظ صلحا عميقا بين العلم و"الحكايات".
واللافت للنظر أن ما ينتصر فى النهاية هو رؤية "أميمة": حواء. فالهدف هو بناء الجنة على الأرض، جنة تقوم على الوفرة والعدل، لا على مجرد الحلم بالعودة إلى البيت الكبير. لم يشر محفوظ لذلك بأى طريقة على لسان أى من شخصياته.. ولكن أنسنة الحلم العظيم لإنساننا، ابن ثقافتنا، المطرود من الجنة، حلم ذلك الكائن البائس، ابن الجارية بتعبير محفوظ، يقطع باستمرار المزيد من الأشواط، حتى يصل إلى الرهان المفتوح، المجهول المصير، على عرفة.
يُطلق على الحضارة الأوربية الحديثة، من بين أسمائها، الحضارة اليهودية- المسيحية. هذا لا يعنى أن الناس هناك يستفتون الفاتيكان والكنائس البروتستانتية المختلفة والحاخامات اليهود فى شئون حياتهم.. بل هم، كما هو معروف، لا يسمحون لهذه المؤسسات بالتدخل فى أى شأن سياسى، ولا يحمونها ولا يحمون عقائدها من النقد. ليست المسألة "حاكمية" العهدين القديم والجديد، أو الكتاب المقدس، فهذا قد انتهى، وإنما هى طريقة ما فى النظر إلى العالم، يمكن أن يقال أنها أثرت بشكل أو بآخر حتى على أكثر الفلسفات عداء للدين كدين. بهذا المعنى العام الواسع يمكن أن نتكلم فى منطقتنا عن ثقافة إسلامية- أرثوذوكسية تتمثل بشكل أو بآخر فى مختلف أشكال الفكر، دون أن يعنى ذلك أن تكون أصولية وفقهية. بهذا المعنى يمكن أن نعتبر رواية محفوظ العظيمة أحد المعالم الكبرى فى هذا الفكر. وحتى لو اختلفنا مع رؤيته (من منطلق فكرى لا فقهى)، فلا يسعنا إلا أن نقدر رؤيتها الإنسانية، وتعاليها على ويلات الصراعات الدينية التى تحيط بنا الآن، ونزولها إلى آمال الناس وأحلامهم، وتناولها لوعيهم الدينى وأعمدته الأساسية.
نص محفوظ نص مؤسس بالفعل لمثل هذه الثقافة.. فهو لا يتنكر للتراث، وإنما يستحضره ويستعمله، لا يرفع شعارات الخصوصية، ولكنه يحققها فى نص متكامل. الرواية تستخلص ما هو إنسانى مما هو إسلامى بالذات، وهو ما تدل عليه جوانب كثيرة فى روايتها لحكايات الأنبياء، وروحها العامة، ولكنها لا تضع رؤيتها فى مواجهة الأديان الأخرى.
* * *
الحداثة ليست اختيارا بل واقع. فأشد المتعصبين تعصبا يحلم بالقوة والتقدم لفرض هيمنته، التى يعتبرها الخير الأسمى، على العالم. تلك الحداثة الأخرى تختزل التراث والأديان فى الفقه والأحكام، وتشجع تكوين دولة قمعية كلية الجبروت مستندة إلى الحكم باسم نص مقدس، على نمط تجارب النميرى والبشير والخمينى ومن لف لفهم.. وهى رؤية لا تقل حداثية يمثلها الناظر حتى وهى تصم العلماء بالإلحاد، لأنها ترمى إلى استعمالهم أيضا لمصلحة الدولة كلية الجبروت فائقة الإمكانيات.
فى الزمن الذى كتب فيه محفوظ روايته لم يكن قد ظهر بعد "الناظر التقى"، على نمط الأحمدى نجاد، ولكن ظهرت صورة نصف علمانية منه ممثلة فى الناصرية.. التى كانت بدورها تحكم بمقدسات. الآن يدور مجمل مشروع الدولة الإسلامية بالضبط حول فكرة "الناظر التقى".. الذى يعد أيضا بتحقيق العدل، وهى رؤية تتعارض بعمق مع رؤية "أولاد حارتنا" الإنسانية الرحيبة، التى تقدم ثقافتنا كثقافة فرعية من ثقافات البشرية، والتى تؤيد أنسنة الحلم الدينى.
ولعل ما صادفته هذه الرواية من إعراض عن مناقشتها والتأثر بها والتفاعل معها، لصالح جدل حول تكفير محفوظ أو، بالعكس، الدفاع عنه، يدل على مبلغ انحطاطنا الثقافى، وانجرار ثقافتنا بسهولة إلى سفك الدماء على جدران القداسة، على نمط الأديان البدائية.. كما نرى حولنا الآن.
ولعله ليس من قبيل الصدفة أن معظم من تناولوا عمل محفوظ، بما فيهم من دافعوا عنه، اتفقوا على أنه يتكلم عن العالم كله، عن الخليقة، لا عن تراثنا ومشكلاتنا معه(). فاستبعاد الآخرين أو حتى نسيانهم، هذه الأشكال العميقة للتعصب، وبالتالى للتكفير، عميقة فى ثقافتنا، وتتجاوز بكثير التيارات الدينية المتطرفة.. فمن تكفير دينى إلى تخوين وطنى أو طبقى، ظلت الثقافة المصرية تدور، منذ الأربعينيات على الأقل، فى حملات تنخر أسس التسامح وتقضى على الروح الإنسانية، وتدفع بالعقل يوما بعد يوم إلى مزيد من ضيق الأفق وأحلام مجنونة بالعظمة والسيادة. ليست مشكلاتنا مع الدين كدين، ولكن مع نمط من الوعى الدينى الطابع يطول التيارات الرئيسية فى الفكر المصرى الحديث. القدرة على تمثل فكر الآخرين قبل نقدهم معدومة.. وما يقدمه ما يسمى "الغرب" من نقد ذاتى (مثلا نقد المركزية الأوربية الذى ظهر فى أوربا) يستعمل فقط كحجة لتأكيد إحساس الذات بالاضطهاد أو تأكيد عظمتها، وغالبا هما معا.
الشاغل الأساسى للثقافة المصرية هو شعار سيد قطب: "فلنؤمن بأنفسنا" (وهو سابق بالمناسبة على تحوله إلى التيار الإسلامى) لا بغيرنا، وهو جوهر إيديولوجية مصر الفتاة. نحن دائما على حق، ونحن هذه تستبعد الآخرين بالضرورة. مواجهة الذات تكاد تكون مستحيلة.. لأن الأفكار تتحول عندنا إلى أديان لا تُمس. الرد السائد على المركزية الأوربية هو مركزية أصولية، دينية أو وطنية، متوهمة. أحلام السيادة والعظمة.. الخ.. استعمار أوربا لنا جريمة كبرى، ولكن ما فعله محمد علي فى السودان والشام تنوير وتشييد للحضارة.. وقس على ذلك.. أو بتعبير "جبل": (موسى) "واللـه ما كرهتم الفتونة إلا لأنها كانت عليكم". "الخصوصية" عندنا شعار يستعمل لتبرير الإفلات من الالتزامات الإنسانية العامة، لكى نكون خارج العالم عاكفين على تأكيد سمونا لذواتنا، ومحاكمين الإبداعات بأضيق أفق ممكن().
* * *
هكذا وقع نص نجيب محفوظ بين الحداثتين، منحازا لأحدهما بوضوح. ولذا كان سفك دم نجيب محفوظ مجرد فعل بسيط، منطقى ومشروع من وجهة نظر الحداثة الأخرى، "لإحقاق الحق"، وإيقاع العقاب بكل من تسول له نفسه قول ما يخالف المشروع الآخر. بينما كان نجيب محفوظ ينشر روايته، كانت الحداثة الأخرى تستجمع قواها، حيث أخذت قوة الإسلام الفقهى تتعافى منذ أواخر الخمسينيات، وعبرت عن نفسها فى مناقشة الشيخ الغزالى مع عبد الناصر فى 1962، التى طلب فيها صراحة حصانة رجال الدين من النقد. فى هذه الظروف أتت رواية "أولاد حارتنا" سائرة فى الاتجاه العكسى، فوضعت حارتنا بين الحارات، وحولت الأديان إلى أفكار، وتعالت على التعصب، كارهة الفتونة سواء كانت علينا أم لنا، وفتحت بذلك أفقا عريضا للحرية.
للأسف نحن بعيدون عن مرحلة نقد هذا النص المهم وتجاوزه، ما زلنا فى المربع رقم واحد، نكافح فقط لكى نحقق له مشروعيته، ومشروعيتنا. لقد حظر نجيب محفوظ نشر هذا النص فى مصر بغير موافقة أصحاب الاتجاه الآخر، ولذا لن ينشر. ليس لنا أن نلوم محفوظا على موقفه هذا، فقد حارب معركته بالفعل، ودفع ثمنها، واليوم هى معاركنا نحن. هذا المقال تحية متواضعة لواحد من أهم النصوص النثرية العربية الحديثة، ولواحد من أهم الناثرين المصريين المحدثين، الشيخ الجليل نجيب محفوظ. ولكنه أيضا محاولة لوراثة نص محفوظ العظيم واستهلاكه، لنحقق لأنفسنا ما حاول هذا النص أن يحققه لنا، تماما كما حاول عرفة أن يحقق إرادة الجبلاوى معيدا تأويله.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:41.

عبادة ابن رشد : فلسفة التنوير النخبوي

منذ الستينيات، بل وحتى الآن إلى درجه كبيرة، تحوم فكرة ابن رشد كمفكر عقلانى فى أوساط المثقفين العرب وبعض المثقفين غير العرب أيضاً. فالبعض أعلن أنه مُفكّر تنويري أو مُبشِّر بالحداثة إن لم يكن بالفعل مُفكّرا حداثيا. نجد هذا المشروع عند مفكرين مثل عاطف العراقى ومراد وهبة، وبشكل أكثر جدة عند محمد عابد الجابرى. ولأن المثقفين فى الدول العربية محاصرون بين النظم السلطوية القمعية ومد التيارات الإسلامية، سواءً كانت تكفيرية أو تُظهر "التسامح"، مع إصرارها على أنها تمتلك "الحق" وفقا لمبدأ الحاكمية، فإن ضرورة طرح برنامج تنويرى ديمقراطى لفهم الذات أصبحت ملموسة.
ولكن فى رأيى أن ابن رشد ﻻ يمكن أن يساعدنا فى صياغة هذا البرنامج التنويرى البديل، لأنه ليس مفكراً تنويرياً. فمفهوم العقلانية عنده له طابع سابق على الحداثة، ينتمى إلى القرون الوسطى، ويختلف كثيرا عن مفهوم العقلانية عند مفكرى التنوير مثل إمانويل كانط كما سيتضح أدناه. والواقع أن فكرة الرجوع إلى ابن رشد من أجل صياغة برنامج تنويرى يراعى "خصوصيتنا الحضارية" ويكون نتاجاً "لتراثنا" ليست إلا بقايا البرنامج القومى العربى الذى يغالى فى تبنى خطاب تمايز الحضارات والثقافات، وكأن التنوير والعقلانية يتنوعان عرقياً وثقافياً. بالطبع من الضرورى أن ندخل فى حوار نقدى مع الماضى، ولكن هذا ﻻ يعنى أن نُغمض عيوننا عن ﻻعقلانيته أو أن نهبط بمعايير المشروع التنويرى لتتفق مع حدوده الضيقة.
فى البدء أتفق مع محمد عابد الجابرى على أن الحداثة بمعناها العام هى أن ﻻ تكون هناك مرجعية غير العقل (أنظر مقدمة الجابري لكتاب فصل المقال، عن مركز دراسات الوحدة العربية. ص٤٨). ولنلقى نظرة على ابن رشد لنرى إذا كان هذا ينطبق عليه. المشكلة كما أراها أن المرجعية عند ابن رشد ليست واحدة تتمثل فى العقل، وإنما هى مزدوجة: العقل الأرسطى والنص الدينى. ولأنه ﻻ يوجد "توافق" تلقائى بين المرجعيتين على المستوى الظاهر، جاءت الفكرة الرشدية لتفسير النص لتحل عقدة اللا توافق، ومؤداها أنه إذا استخلص "العقل" (وسنرى مفهوم هذا العقل بعد قليل) نتائج معينة، وكانت هذه النتائج تتعارض مع نص الشرع، يجب تأويل النص حتى ﻻ يتعارض معناه الباطن (أى المؤوَّل) مع "العقل"؛ على أساس أن هذا التعارض غير جائز من أساسه، أى أنه تعارض وهمى. ويُطمئننا ابن رشد قائلا إننا "معشر المسلمين نعلم على القطع أنه ﻻ يؤدى النظر البرهانى [:العقل] إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق ﻻ يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له" (فصل المقال. ص٩٦). فهناك إذن مرجعيتان للفكر الرشدى، ويكون دور التأويل أن يظهر أن الحقيقة النقلية، أو النص، تحتوى بشكل ضمنى على الحقيقة العقلية، والتى ﻻ نعرف فحواها بعد.
مثل هذا المشروع الذى يقف عند هذا المنعطف إنما يعلن بلهجة الانتصار عن إفلاس قدراته التحليلية، لأنه لا يكفى أن نتكلم بصفة عامة عن "العقل" بدون توضيح محتوياته. وقد نوافق على أن هذا الطرح الذى يقبل تأويل النص الدينى أفضل من القراءة الحرفية له، وهى أسوأ شكل لمبدأ الحاكمية، ولكن هل هو بالضرورة تنوير؟ يجب أن نتذكر أن مشروع التنوير فى أساسه علمانى، بمعنى أنه مشروع يطالب بممارسة العقل بغض النظر عن النص الدينى. ﻻ تحتاج علمانية التنوير، التى تنادى بفصل المؤسسات الدينية عن السياسية والتى تجعل الإيمان شأنا خاصا بالأفراد الأحرار فى اختياراتهم، إلى النص الدينى لكى تكتسب مشروعيتها، وإلا اعترفت ضمنياً بهزيمتها. التنوير العلمانى ﻻ يحتاج إلى أن يعرف إن كان موقفه متوافقا مع نص دينى ما أم لا. فالتنوير يصِر على قيمته المستقلة عن أية أطروحات لتأويل النص وعن خطاب المعقول والمنقول. وعلى خلاف ذلك، فإن أطروحة الجابرى، بشأن ابن رشد، والتى تبدو ﻷول وهلة كأطروحة مضادة لحاكمية النص، تسلم فى النهاية بمرجعيته ولو بشكل غير مباشر.
دعنا نسير مع طرح الجابرى خطوة أخرى، متناسين مؤقتا عدم كفاية أى مفهوم لتأويل النص لصياغة مشروع التنوير، ولنسأل عن محتوى "العقل" الرشدى. العقل هنا ليس سوى فلسفة أرسطو كمذهب ونظام كامل، وهو إذن مرجعية مُطلقة لمذهب معين. العقل عند ابن رشد ﻻ يعنى إذن المنهج أو الإجراء(procedure) النقدى، فهو بالأحرى نظام و مضمونى (substantive) كامل ومغلق. العقل الرشدى ﻻ يتميز بمنهج نقدى يصلح للتعامل مع معطيات ديناميكية، بل بالمضمون الثابت الذى انتهى التفكير فيه. فالعقل هنا ليست له دﻻﻻت تحررية بل هو اتباع نظام مغلق وكامل، وضعه أرسطو. وإذا كان "الحق ﻻ يعارض الحق" عنده، فإن هذا يرجع بالضبط إلى أن كل ما يقوله أرسطو نستطيع "نحن الفلاسفة" أن نجده فى النص أيضاً حتى لو اضطررنا إلى تفسير النص. العقل الرشدى ﻻ يفعل شيئا بشكل أساسى إﻻ "التوفيق" بين أفكار ومفاهيم انتهى التفكير فيها ولم تعد قابلة للنقد. وهكذا كان العقل الأرسطى والنص مرجعيتين مطلقتين، ولذلك لا تحتاج مقولة "الحق ﻻ يضاد الحق" إلى استنباط أو شروط، فهى حقيقة قبلية (أى معطاة سلفا)، كما أن أرسطو شخصيا، فى قول ابن رشد، "مخلوق ومُعطى لنا من العناية الإلهية حتى ﻻ نظل جاهلين بما يمكن أن نعلم" (من تعليقه على كتابات أرسطو فى علم الأحياء).
ويستخدم الجابرى أحياناً تعبيرات ممتعة عن مفاهيم أقل إمتاعا: فمحتوى العقل الرشدى، والذى بطله أرسطو، فى نظره، هو "إدراك الأسباب". ولكن "إدراك الأسباب" و"الاعتبار" ليست منهجا مؤسسا للمعرفة، وإنما هى وظائف فى نظام فلسفى مبنى بإحكام حول "حقائق أولية" وبديهيات ﻻ يجوز فحصها، وهو نظام يوظف العقل بدوره فى مهمة إثبات الرب كصانع وعلة أولى. وهكذا يقول ابن رشد فى بداية فصل المقال أن اعتبار الموجودات هو من حيث هي مصنوعة، وبالتالى تدل على صانع. بما يعنى أن مشروعية العقل الرشدى تعتمد بشكل أساسى على الغاية أو النهاية المعطاة بشكل قَبْلِى للعقل، وهو ما يمثل الخاصية الأساسية لمفهوم القرون الوسطى المحدود والمغلق للعقل؛ أو كما يقول الفيلسوف الألمانى هانز بلومنبرج (1920-1996)، أن العقل التنويرى الذى يرى لا نهائيته كانعكاس للانهائية الكون المفتوح يُعتبر من وجهة نظر القرون الوسطى مجرد "فضُول نَظرى"، بينما العقل التنويرى ﻻ يطرح على نفسه مهمة إثبات حقائق الميتافيزيقا أصلا، ﻷن لديه قوانين مستقلة ووظيفة اجتماعية وسياسية.
بالمقارنة مع هذه النظرة قال كانط، وهو المفكر النموذجى للتنوير اﻷوربى فى رأيى، أن مهمة العقل الأساسية وقبل أن ينشغل بالحقائق البديهية الأولى هى التفكير في مُسَلَّمَاته وافتراضاته وفى الحدود التى ﻻ يمكن للعقل أن يتخطاها إذا أراد أن يظل عقلانياً (وأشهر استنتاج يترتب على هذه الفكرة هو أن الإثبات النظرى لعلة أولى، أو صانع وخالق أول، على طريقة القرون الوسطى غير ممكن وليست له أسس بديهية). وهذا بالضبط هو النقد الذى يجب أن يسبق أى صياغة لمذهب أو نظام يمكن أن يوصف بأنه عقلانى تنويرى. فالعقل التنويرى هو نقد العقل لذاته بهذا المعنى الكانطى للنقد، والذى يغيب مفهومه تماما فى فكر ابن رشد (و أرسطو). بالمقابل يقر الأخير بكل المُسَلَّمَات الأرسطية ليواصل تبنى بقية نظامه الفلسفى، وحتى عندما يخالف أرسطو فيكون ذلك بهدف إنقاذ النظام الأرسطى. وتغيب إذن عن العقل الرشدى فكرة وضع المُسَلَّمَات والبديهيات أمام محكمة العقل، وبالتالى يصبح العقل عنده شيئا ميتا ومتحجرا، وتكون اﻷولوية للفكر فقط من حيث هو شىء أو نظام مكتمل ومنتهى، لا من حيث هو لحظة النقد التى تطرح على نفسها إثبات مشروعية وصلاحية المُسَلّم والبديهى، أو عدم مشروعيته ولا بديهيته.
تغيب عن الجابرى فى الحقيقة فكرة مهمة، وهى أن التنوير الأوروبى – فى القرن الثامن عشر - مبنى بشكل أساسى على نقض سلطة أرسطو. كما يعقد الجابرى مقارنة بين عصر النهضة الأوروبى أو عصر "إعادة الإحياء" (Renaissance) – من القرن الثالث عشر وحتى الخامس عشر - ومشروعه فى إعادة إحياء ابن رشد. هذه الإشكالية لا أستطيع الخوض فيها فى هذا المقال، و لكن يمكن القول أن عصر النهضة الأوروبى قدم فكرة خاطئة عن نفسه عندما صور النهضة كإعادة إحياء لأفكار معينة. كان الرجوع إلى أفلاطون فى الحقيقة ما هو إلا إجراء لإضفاء المشروعية على فلسفة فى مرحلة التحرر, ليس فقط من أرسطو و لكن من أفلاطون أيضاً. فلم يقل أفلاطون مثلاً (أو أرسطو) بلانهائية الكون، وهى فكرة محورية فى فكر عصر النهضة كمل يتضح من كتابات الفيلسوف الإيطالى جورديانو برونو(١٥٤٨-١٦٠٠). النهضة لم تكن إحياء لأفكار تم اكتشافها فى ما قبل و لكنها اندثرت فى عصور مظلمة، بل إنها طوّرت أفكار جديدة و مختلفة شكلاً و موضوعاً عن سابقها.
لعرض المشكلة بشكل أوسع, كان عصر الحداثة الأوروبى مرهوناً بنقض الفلسفة الأرسطية التى تبنتها مدارس القرون الوسطى. كما أن النقض الكانطى الموجه للفلسفات قبل النقدية موجه أيضاً إلى أرسطو ومدارس القرون الوسطى. قطع كانط رأس الحية بشكل جذرى عندما قال باستحالة البرهان النظرى على علة أولى أو محرك أول، وهو نقد ليس موجها فقط لفلاسفة القرون الوسطى الذين قالوا بعدم اختلاف هذه العلة الأولى عن الرب فى الديانات السماوية، و لكنه موجه بالضرورة إلى أرسطو أيضاً، فهو الذى قال بفكرة العلة الأولى فى الأصل. كما لم تعد مشروعية الفلسفة مبنية على غاية نهائية مطروحة مسبقاً، وهى الإثبات النظرى لعلة أولى. كما أن تركيز كانط على فكرة تحليل المسلمات و البديهيات وقوله بأن تحليل كيفية إدراكنا لها يسبق صياغة أى نظام فلسفى، لأنه يحدد معايير وحدود معينة للعقل، نقد ليس موجها فقط إلى ديكارت مثلاً بل إلى أرسطو والمدارس الأرسطية أيضاً. بالتالى لا يمكن لأى فلسفة تستقى إلهامها من أرسطو أو من ابن رشد (كمفكر أرسطى) أن تكون حداثية أو تنويرية فى وجهة نظرى، لأن التناقضات بينهما ليست سطحية علىالإطلاق. وعلى الأقل يتمتع الفلاسفة الأرسطيين الجدد فى أمريكا بقدر من الشفافية والفهم الموضوعى للذات عندما يقدمون فلسفتهم كفلسفة ما قبل حداثية (أو على الأقل كفلسفة لاحداثية) بشكل أساسى.
كذلك ﻻ يعير الجابرى اهتماما حقيقياً لمشكلة أخرى، ربما لأنها تسبب ارتباكا فى نظرته عن العقلانية الرشدية؛ وهى أن التنوير، فى أحسن أحواله، مشروع تحَرُّرى إنسانى عام للخروج من حالة القصور التى يفرضها البشر على أنفسهم ليصلوا إلى تطوير واستعمال قدراتهم. أود أن أشدّد على "إنسانى" هذه، لأنه مشروع ﻻ يتعلق بالنخبة والعلماء بل بالبشر فى عمومهم، وهو أيضاً مشروع عملى سياسى، وليس نظريا بحتا. بالمقابل نجد أن ابن رشد، بعد أن شرح فكرته عن تأويل النص، اتضح له أن هذا النوع من "العقل" ﻻ يمكن أن يظل مفتوحاً أمام الجميع. فلأن العقل هنا ﻻ يعنى ممارسة قدراتنا العقلية بل التوصل إلى استنتاجات صحيحة مبنية على مفاهيم عقلية أرسطية أولى، وجب على ابن رشد أن يضيف أن هذه الممارسة غير مباحة إلا للفلاسفة المتمرسين على المنطق الأرسطى. ويطرح ابن رشد فكرته هذه فى لغة القرون الوسطى المميزة، فهناك منازل ومراتب: يوجد ثلاثة أنواع أو "طبائع" للبشر؛ فالبعض يصدق بالبرهان، والبعض اﻵخر بالأقاويل الجدلية، وآخرون بالأقاويل الخطابية. ويسمح المضمون المركّب للنص الدينى بأن يصدق كل نوع وفقا لطبيعته. وبالتالى يجب أن يقْنَع عامة الشعب بالتأويل الخطابى والحرفى للنص الدينى، بينما يحتفظ الفلاسفة المتمرِّسين فى القياس المنطقى الأرسطى "بالحق" فى التأويل لاستخلاص المعنى الباطن للنص، والذى ﻻ يمكن من حيث المبدأ أن يتعارض مع النظام الأرسطى. فماذا يحدث لو تطاول واحد من عامة الشعب على هذا التقسيم وفقاً "للطبائع البشرية" وقرر تأويل النص؟ يجيب ابن رشد، مفكرنا التنويرى الكبير وقائد حداثتنا، أن هذا يؤدى إلى الكفر، وما يؤدى إلى الكفر فهو كفر، وبالتالى يجب على من ليس من أهل العلم (أى ليس من الفلاسفة الدارسين لأساليب القياس الأرسطية) أن يأخذ بظاهر النص، كما أن من يصرِّح من أهل العلم بتأويلاته الفلسفية للجمهور كافر لأن فعله يؤدى إلى الكفر. وباختصار يجب أن يلتزم كل فرد "بالطبيعة" و"الاستعداد" الخاصين به وألا يتخطَى حدوده فى التأويل لأن هذا يسبب بلبلة وفتنة بين الجمهور (المصدر السابق. ص ١١٩-١٢٤). واتساقا مع ذلك يرى ابن رشد ضرورة اتخاذ إجراءات لمنع وصول كتب التأويل الفلسفى إلى هذا الجمهور. السؤال اﻵن هو كيف تحول التفكير "التنويرى" إلى هذه الدرجة من المحافظة والنخبوية؟ ذلك أن ابن رشد يريد فقط أن يحتفظ بحق الفلاسفة فى التفلسف بغير خوف من الاضطهاد، وهو حق له مشروعيته، ولكن فى سياق حقوق البشر عامةً، وليس الفلاسفة وحدهم، وليس بثمن فرض حجر على المعرفة وممارسة العقل على الجمهور ككل، بتحديد نطاق ضيق للتأويل وحظر تداوله. فـ"التنوير" هنا، على محدوديته الأصلية بفلسفة أرسطو وبهدف محدد سلفا يتمثل فى التوفيق بينها وبين النص، لا يختص بشيء غير النخبة وحقها فى التفلسف عن العلل اﻷولى بدون مسائلة من السلطة. ولكن أين غابت الرسالة التقدمية الاجتماعية والسياسية؟
أعتقد أن الصورة أوضح اﻵن. مر الجابرى بسرعة على فقرات طويلة ومحرجة هنا، وفسَّر نظرة ابن رشد عن حظر التأويلات علناً بأنه كان يشك فى مبدأ العلنية publicity، خشية أن يكون إفشاء التأويل للجمهور بـ"أغراض سياسية" (المصدر السابق. ص٧٥). ولكن أليست هيمنة الفلاسفة المقربين من الأمراء والخلفاء بطبيعة وضعهم الاجتماعى على المعنى وعلى التأويل سياسة من الدرجة الأولى؟ كما أن السياسة الجماهيرية mass politics فى الواقع، وبدون أى انتقاص من قيمتها، عبارة عن محاكمة الأفكار والأطروحات علناً أمام الجمهور، لا السلطوية القائمة على مبدأ الرعاية الأبوية للشعب بما تتضمنه من حظر إطلاعه على أية منشورات قد يُرى أنها قد تثير الفتنة. ولم يحاول عاطف العراقى حتى إعطاء أية تبريرات لهذه الفكرة، فيبدو أنه يقبل بسلاسة فكرة وجود ثلاثة "أنواع" من البشر، ولا يبقى إلا أن يسأل كلٌ منا اﻵخر، كما نقول بالعامية، "أنت نوعك إيه؟" فالسلطوية أصبحت طبيعة ثانية لبعض "مفكرى التنوير" عندنا.
وبغض النظر عن إدانة هذا الموقف باعتباره سلطويا أو رعويا، فإنه فى كل الأحوال نقيض الموقف التنويرى الديمقراطى. ودعنا مرة أخرى نلقى نظرة إلى كانط على سبيل المقارنة. ﻻ يتطلب التنوير بالنسبة لكانط إلا حرية الممارسة النقدية العلنية للعقل. فالكل له حرية النقد والتفكير فى القوانين أو النصوص والتأويلات الدينية أو أى مجال آخر كمفكر يخاطب الجمهور علناً. ويعطى هذا النوع من النقد العلنى دفعة لعملية تكتسب فيها القوانين والقيم والمُسلّمات المشروعية والصلاحية اللازمتين لها من خلال المحاكمة العقلية. ومن هنا أتى دفاع كانط القوى عن حرية القلم، فالعلنية بالنسبة له تلعب دورا اجتماعيا وسياسيا فى مهمة التفكير الدائمة فى الذات، والتى هى شرط أساسى للتنوير، ولذلك ﻻ يمكن أن تكون هناك فى الموقف التنويرى حقائق أو قوانين ذو حصانة نقدية. وباختصار، يجب أن تكون ممارسة العقل، سواء تأويلا أو نقدا، عامة وعلنية لأن هدف التنوير الأساسي هدف يخص الإنسان فى عمومه وليس امتيازا لفرد أو لخاصة. وبينما نجد أن ما أُطلق عليه "تنوير" ابن رشد، معاديا صراحة للعلنية، وينصب هدفه على تحصيل العلم النظرى، فإن العلنية عند كانط كانت لها وظيفة إصلاحية اجتماعية وسياسية ذات مضمون ديمقراطى، وناتجة عن الحوار النقدى الذى ﻻ يستثنى من حيث المبدأ أحدا. وكما يقول يورجن هابرماس أحد أهم المُنظّرين لمفهوم العلنية عند كانط، "أن تفكر يعنى أن تفكر بصوت عالٍ". الوظيفة الديمقراطية للعلنية هى توسيع المجال لفئات أكثر من المواطنين في عملية اتخاذ القرار وسن القوانين عن طريق الحوار النقدى الذى يضفى على هذه القرارات والقوانين مشروعيتها وصلاحيتها.
ليس تأويل النص إذن تنويرا أو حداثة، بل كان موقف ابن رشد ﻻديمقراطيا فى جذوره كما رأينا. وفى النهاية يبقى أن نسأل عن الرغبة فى صياغة "تنويرنا" أو "حداثتنا" أو "ديمقراطيتنا": لا شك أن التفكير النقدى فى الماضى ضرورة، ولكنه ﻻ يجب أن يؤدي إلى طائفية فكرية. فالتنوير ليس ملكية خاصة للغرب لمجرد أنه بدأ تاريخياً ولأسباب اجتماعية وسياسية كحركة أوربية. فلا أحد يقول أن الرياضيات عربية لأنها تأثرت بشكل عميق بالعرب فى القرون الوسطى، أو أن الديمقراطية تنتمى إلى الحضارة اليونانية القديمة، أو أن الكتابة تنتمى إلى حضارات العراق القديمة. الخطاب القومى العربي يتميز بالتبسيط، فهو يتعامل مع الهوية العربية كمُسلمة مُتفق عليها، ويعتبرها هوية أحادية ومتميزة بشكل مطلق بما تستدعى "تفصيل" مشروع تنويرى يخصها. أضف إلى ذلك أن هذه الهوية المفروضة تستدعى طمس كل الاختلافات الداخلية بين "الهويات العربية"، وتجاهل أن تحديد معايير الهوية فى حد ذاته جهد سياسى وإيديولوجى من الدرجة الأولى، لا مجرد تعبير بسيط عن شىء معطى سلفا. أما إذا كان رفض التنوير "الغربى" يأتى من منطلق عدم توافق الظروف المادية العربية الراهنة مع مثيلتها التى صاحبت التنوير الغربى، فربما لا يبرر بدوره هذا "الاستقاء" من ينابيع تاريخية محلية، لأنه قد يمكن القول من باب أولى أن ظروفنا الراهنة أقرب مع ذلك إلى مثيلتها الأوربية منها إلى الظروف المادية للمغرب العربى فى القرن الثانى عشر، على اﻷقل من الناحية البنيوية؟ هذه أسئلة ﻻ نستطيع الخوض فيها فى هذا المقال، ولكن المهم، وبغض النظر عن "منشأ" الأفكار والمفاهيم، أن الحرية والعدالة والمساواة فى الفكر التنويرى مطالب عالمية. بالتأكيد سوف تختلف المظاهر الواقعية والعملية لتمازج هذه القيم بالممارسات البشرية فى البرازيل عن مصر مثلاً، ولكن هذه الإشكالية تخرج عن نطاق النظرية البحتة. "التنوير العربى" مثل "الحقوق العربية للإنسان" تعبير متناقض واسم مُستعار للاّ تنوير وتقليص الحقوق باسم الثوابت والمقدسات.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:39.

القطاع العام ليس من الاشتراكية في شيء

العزيز بعلى والزملاء:
شكراً على إثارة هذا الموضوع وعلى التعليقات المهمة. أظن أن هذا الحوار على درجة كبيرة من الأهمية حيث أنه سيساهم فى بلورة التوجه الفكرى للبوصلة على المدى البعيد حتى لو أسفر عن التباين فى العديد من المواقف بشأن العديد من القضايا. لدى ثلاثة تعليقات أساسية حول موضوع الخصخصة. وأود التوضيح من البداية انى أعنى بالقطاع العام هنا مؤسسات قطاع الأعمال العام المعرفة وفقاً لقانون 203 وهى تبلغ فى أفضل التقديرات 167 منشأة صناعية وتجارية. ولاأعنى الاستثمار الحكومى فى مجال الخدمات مثل الطرق والطيران والصحة والتعليم وخلافه. فالأخير يحتاج لمناقشة أخرى أكثر استفاضة.
أولاً: لا أفهم بواعث هذا الخلط المتعمد والسائد فى الجدل العام بشأن مسألة الخصخصة بين مؤسسات الدولة الأصيلة والتى لايستقيم تعريف الدولة بدونها مثل الجيش والشرطة والقضاء وبين بعض المؤسسات الإقتصادية والتى تقيمها طبقات- أكرر طبقات- كجزء من مشروعها السياسى كطبقة ساعية للهيمنة فى أى مجتمع!!!!! لاتوجد دولة بدون جيش ولكن جائز جداً أن توجد دولة بدون عمر أفندى وبنزايون والمقارنة هنا غير ذات موضوع. واستراتيجية التوسع فى الاستثمار الحكومى لمواجهة البطالة هى بنت العقد الثالث والرابع من القرن العشرين وتخلى عنها الفكر الاقتصادى العالمى فى مجمله بعد ثلاثة عقود فقط حققت فيها هذه الاستراتيجية ما حققت من انجازات وجرت على دولها ما جرت من اخفاقات. هذا ليس موضوعنا على أية حال ولكن ما أود التشديد عليه ان الدولة البرجوازية الحديثة وسوقها الرأسمالى قد ظهرا للوجود قبل هذا التاريخ بثلاثة قرون على الأقل ولم يكن من أدوات تدخلها القطاع العام. ظلت الضرائب والبنك المركزى والسياسة النقدية مثل التسعير الجبرى والتعريفات الجمركية أدوات أصيلة ولم يكن من ضمنها القطاع العام على الإطلاق. وما ينبغى التشديد عليه هنا هو أن الاستثمار الحكومى هذا يتم فى سوق رأسمالى تحكمه قاعدة العرض والطلب فى التحليل الأخير. بمعنى أن الكفاءة الاقتصادية هنا هى لب الموضوع . ومن ثم فإن تدهور الكفاءة سيؤدى بالمستهلكين الى سلع أخرى أرخص ثمناً وأكثر جودة وهى حالة الأسواق الشعبية فى مصر مثل وكالة البلح والعتبة لشراء القمصان الكورية والبناطيل التركية بأسعار تقل عن نصف أسعار القطاع العام. وبالتالى فالإصرار على فرضية أن سلع القطاع العام أرخص وأكثر قدرة على الوصول الى "الجمهور" لا تستند الى أى حجة على الإطلاق حيث أن هذا الجمهور له تفضيلاته أيضاً ولا يمكن أن تحتكر مؤسسات القطاع العام ذوق هذا الجمهور مع الاستمرار فى تقديم خدمة رديئة إلا فى حالة إغلاق السوق وفرض أوضاع احتكارية. فالمنشأة الإقتصادية الحكومية هى فى التحليل الأخير منشأة إقتصادية وينبغى التعامل معها على هذا الأساس. ينبغى ان يكون ذلك واضحاً من البداية لتجنب أى خلط.
ثانياً: فى الحالة المصرية أود الإحالة لمؤلف جيد جداً فى هذا الصدد لعادل غنيم وهو "رأسمالية الدولة التابعة فى مصر" للوقوف على أبعاد مأزق استراتيجية الاستثمار الحكومى الموسع فى السوق الرأسمالى. فى هذا المؤلف يشير غنيم الى اتجاه البرجوازية المصرية الى التوسع فى الاستثمار الحكومى لصالح مشروعها الدولتى والذى لاقى مساندة من الغالبية الكاسحة من الشعب المصرى نتاج اعتبارات أيديولوجية وسياسية متعددة. ومع تشكل بيرواقرطية متنفذة من رحم هذه المؤسسات تسعى الى الانتقال لصفوف الرأسمالية كان النهب المنظم أو ما يطلق عليه فى الإعلام سياسات التخسير هوالسبيل الوحيد أمام هذه الشريحة للانتقال لصفوف البرجوازية. ويورد غنيم أمثلة شيقة جداً حول وقوف هذه الشرائح بحزم أمام أى محاولة لإصلاح القطاع العام أو حتى ضخ استثمارات جديدة فى منشآته إذ تشكل أى محاولة لإصلاح هذه المنشآت إخلالاً بالشرط الموضوعى لهيمنتها السياسية والأيديولوجية. وفى المقابل لم يكن أمام التحالف الإجتماعى الحاكم فى هذه الحقبة إلا التوسع فى سياسة المنح والاقتراض من الخارج للابقاء على نفس المستوى من الانفاق الإجتماعى فى حين بقي قطاع الدولة خرباً ولم تكن استثمارات القطاع الخاص قد نمت الى الحد الكافى الذى يسمح لها بلعب دور محورى فى عملية التنمية. هذا ما أطلق عليه غنيم رأسمالية الدولة التابعة: نظام للهيمنة السياسية والأيديولوجية لبيروقراطية الدولة العسكرية والأمنية القائم على نهب القطاع العام والتوسع فى سياسة المعونات والديون فى ذات الوقت. إذا أضفنا ما يقوله عادل غنيم على ما ذكرته فى مداخلتى السابقة من انعدام الاستقلالية لجهاز الدولة نستخلص الآتى: أن أى محاولة لمقرطة مصر بالمعنى الواسع للكلمة وليس بالمعنى الليبرالى الضيق تعنى بالضرورة العصف بنموذج هيمنة البيروقراطية وأيديولوجيتها الدولتية ولن يتحقق ذلك إلا بتصفية الأساس الإقتصادى لهذه الهيمنة وهو قطاع الأعمال العام المؤسس خلال الحقبة الناصرية وليس مؤسسات الدولة البرجوازية من جيش وشرطة وقضاء وهى مؤسسات سابقة على وجود هذه البيروقراطية. فمسألة بيع القطاع العام بالنسبة لى هى مسألة تصفية لعلاقات سلطة قائمة تقف حائلاً دون مقرطة المجتمع أكثر من كونها دعوة مجردة لإطلاق آليات السوق تولى أفضلية للملكية الخاصة على ملكية الدولة. اتمنى أن يكون ذلك واضحاً أيضاً.
ثالثاً: إذا اتفقنا على أن الموضوع برمته هو مسألة سلطة تكون الدعاوى الى إصلاح القطاع العام بمثابة دعوى هذه البيروقراطية نفسها الى العصف بشروط هيمنتها أو دعوى رجال الأعمال الجدد الى إصلاح مؤسسات لا تعنيهم فى شئ. بمعنى آخر إنها دعوى لاتسندها أية قوة إجتماعية مستعدة لتحمل تكلفتها الباهظة. قد يكون لهذه الدعوى معنى فى بلاد دولة الرفاهة فى أوروبا الغربية حيث يعبر القطاع العام عن توازن قوى ديمقراطى فى جوهره أو فى بعض دول جنوب شرق آسيا حيث لايزال القطاع العام يلعب دوراً تنموياً مهماً ولكن هذه الدعوى فى مصر هى دعوة خيالية تعبر عن أمنيات أكثر ما تعبر عن حساب سياسى دقيق. أما إذا كانت القوى الاجتماعية المعنية هى العمال والفلاحين، وهم الملاك الحقيقيون على الورق لهذه المنشآت، فالأمر سيستغرق وقتاً طويلاً جداً- ربما عدة عقود- الى أن يكون هؤلاء على درجة من التنظيم والتنفذ بما يسمح لهم بالإضطلاع بهذه المهمة الشاقة. وخلال هذه السنوات ما العمل إذن؟؟؟؟ أن يتم تعبئة عمال القطاع العام للإبقاء على منشآتهم خاسرة ويتحملوا هم وأبنائهم للجيل الثالث على الأقل خسارتها مع المطالبة البائسة باستقلالية تنظيمهم النقابى فى مواجهة طبقة تعتمد فى سلطتها على هذا القطاع العام نفسه؟ أم القبول بخصخصة هذا القطاع مع النضال من أجل شفافية هذه العملية وضمان حقوق العاملين واستقلالية التنظيم النقابى والتى ستتحول الى مطالب منطقية ومشروعة فى أى ديمقراطية برجوازية أظن أننا على أعتاب الولوج اليها قريباً؟ السؤال متروك لتقدير الزملاء. بعض القوى اليسارية تفضل الحل الأول مثل الاشتراكيون الثوريون والاشتراكيون المصريون وحزب الشعب مع البديل الأول، وهو بديل لا يقتضى أى عمل جاد من قوى اليسار اللهم التنبيه والفضح والإثارة الصحفية التى تصب فى النهاية شئنا أم أبينا لصالح إطالة أمد الهيمنة البيروقراطية. أما البديل الثانى فهو يعنى عملا يومياً دؤوباً فى صفوف الطبقة العاملة من أجل انتزاع حق التنظيم النقابى المستقل والرقابة على عملية البيع وضمان حقوق العاملين وهى مهام كما أسلفت ممكنة وتؤدى لمكاسب تتزايد يومياً. ويمكن فى هذا الصدد ذكر الكثير الذى تحقق بناء على هذه الاستراتيجية.

شكراً على الملاحظات القيمة وألف تحية

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:37.

مع القطاع العام رغم كل شيء

أثار الإعلام المصري في الأسابيع السابقة –بشكل ديماجوجي على الأغلب- موضوع خصخصة عمر أفندي، وتقدم البيروقراطي العتيد "يحيي حسين عبد الهادي" , رئيس شركة بنزايون صفوف مهاجمي الصفقة حتى أصبح بطل إبطالها، وحاز (البطل من ورق) على إعجاب العديدين، وانتهت الموقعة بتراجع مخزي للحكومة بعد أن فشلت في المواجهة (الإعلامية بالأساس)، وانتقدها حتى مؤيدوا الخصخصة بسبب فشلها الذريع في مواجهة الهجوم والرد بأي كلام يقنع الرأي العام.
والحقيقة أن غبار هذه الموقعة لم يكن هو الدافع لي حتى أكتب هذا التعليق على قضية عمر أفندي فقد ثار وهدأن قبل أن افكر في تخريك أصابعي على الكيبورد بهذا الشأن، ولكن ما أثارني هو مداخلة قرأتها على الإنترنت للصديق عمرو عزت بعنوان (عمر أفندي: تساؤلات غير بريئىة وشهادة غير منشورة) وقد حفزتني لسبب بسيط أنني اكتشفت أن كراهية البعض لأكاذيب ونفاق البيروقراطية يدفعهم لكراهية القطاع العام بحد ذاته والمطالبة بالتخلص منهما معا على اعتبار أنهما متلازمان، وهو ما لا أعتقده..
بالنسبة لموضوع عمر أفندي، أولا: الدولة مجروحة بالفساد ( ومجروحة مصطلح يستخدم في علم الحديث النبوي الإسلامي للإشارة على المصادر محل الشك) لذلك فطرحه في أي قضية تتعلق بها أمر طبيعي، ولكنني لا أعترض على بيع عمر أفندي لشبهة الفاسد.
أنا هابتدي في هذا الموضوع من الآخر.... أنا ضد الخصخصة وضد بيع القطاع العام ..سواء فيها فساد أو فيها شفافية....
ممكن البعض يستغرب (إزاي يسار ديمقراطي يبقى ضد الخصخصة ومع الكلام القديم بتاع القطاع العام ده)، أيوه أنا ضد بيع القطاع العام، معتقد إن منطقي بسيط، أنا مع دور تدخلي للدولة بطريقة مباشرة (القطاع العام) أو غير مباشرة (الضرائب وسياسات البنك المركزي) في تطوير معدلات المساواة الاجتماعية، وتخفيف وطأة التقلبات الاقتصادية على الفئات الأشد فقرا.
وأوضح أيضا أنني ضمن هذا المنطق ضد أي كلام عن استقلال البنك المركزي بعيدا عن مؤسسات صنع القرار والرقابة السياسية، ولكن هذه نقطة أعود إليها بعد قليل..
موضوع القطاع العام لما بيتفتح دايما بياخدنا الكلام لمتاهات من نوع الكفاءة الاقتصادية ومصالح المستهلكين، وكل ده كلام يتنوع بين الفاضي والمغلوط، وما باطنه الرحمة وظاهره العذاب..
فالقضية تتمحور حول دور الدولة، فهل نحن نناقش القضية ونحن مع دور للدولة (هو بالظبط ما يدفع باتجاهه "جمال مبارك ورجاله" وينفذ التحول له نظيف وزمرته) يقترب بها من نقطة بين المنظم والمتفرج، ويترك الملعب بالأساس لقوى العرض والطلب، ويترك الفئات الأكثر فقرا والطبقات العاملة والفلاحين الفقراء في مهب قوى السوق العالمية، تكتفي الدولة في هذا الدور بتقديم حد أدنى من الخدمات (السيئة لدرجة تقولك اشترى من برة أحسن لك) مع توفير أفضل الظروف لنمو بديل سلعي (تلعب عوامل السوق الدور الوحيد في تسعيره) لها..
أم مع دولة تلعب دورا تدخليا واضحا لصالح تقليل معدلات التفاوت الاجتماعي، ودعم فرص الفئات الفقيرة في الحصول على خدمات مناسبة تتيح لهم تطوير قدراتهم ومهاراتهم والحياة في مستويات إنسانية، إذا كنا مع الخيار الثاني ( وأنا معه تماما) فوجود أذرع اقتصادية فعالة لهذه الدولة التدخلية أمر مهم، ومن أهم هذه الأذرع مؤسسات القطاع العام، فهي القادرة على تقديم منتجات وخدمات للجمهور ( وأقول الجمهور وليس المستهلكين، لأن اللفظة الثانية تركز على من يستطيع دفع مقابل ما يدفع)، وبالتالي يكون لدى الدولة جهاز يضم أدوات إنتاج تستطيع البعد ولو قليلا عن هدف تعظيم الأرباح، فمثلا ( تستطيع وتقول الدولة حاليا أنها تحاول توفير اللحوم عبر أسعار معقولة عبر المجمعات الاستهلاكية، وعبر توفير الدقيق ومواد الوقود المدعومة توفر الخبز الرخيص)، ومثل هذه التدخلات كان من الممكن أن تكون فعالة أيضا لو استخدمت الدولة شركات الأسمنت والحديد لضبط أسعار سوق مواد البناء، وبالطبع هي ضرورية في قطاعات أثر حيوية مثل الأدوية، كما أن استخدام مؤسسات التوزيع مثل باتا ( وأتذكر أنني ومعظم زملائي في المدرسة كنا عملاء لها) وعمر أفندي، يمكن أن يكون فعالا لتوفير بديل سلعي أرخص لا تحكمه بالكامل أهداف تعظيم الربحية.

سر الأداة وسحر الأداء
أحب هنا أن أورد ملاحظة أشار إلي بها صديقي "عمرو عبد الرحمن" بعد أن قرأ المسودة الثانية لهذا الموضوع، فحسبما أوضح (لا توجد دولة تتحرك في الفراغ، ولكن حركتها وتقنيات عملها و حضورها يتحدد داخل التوزيع الاستراتيجي لعلاقات القوى في المجتمع.
وبالتالي لا يوجد أي إجراء تدخلي يمكن أن تتخذه الدولة إلا ويرد إلى مصالح بعينها قد صاغت وجهته وطريقة تنفيذه).
وهو ما أوافقه عليه إجمالا، ولكنني أرى أن أذرع الدولة أدوات يمكن استخدامها بطرق مختلفة في ظل توزيعات مختلفة للقوى في المجتمع، لذلك فالحفاظ على بعض الأدوات يمكننا في ظل توازن قوى مجتمعي مختلف من استخدامها بشكل مختلف، فسر الأداة هنا يختلف بحسب قدرة اللاعبين في المجتمع على إسماع أصواتهم، كما أن عملية تحول التغير في توازن القوى بالمجتمع أمر يتم بشكل تدريجي، وأعتقد أن الحصول على تغيير في طريقة السيطرة على وتوجيه القطاع العام، بحيث يلعب دورا في ضبط الأسواق أمر هام.
أيضا في موضوعة القطاع العام، تثار دائما قضيتا الفساد وضعف الكفاءة، والنقطة الثانية تحديداً أصبحت مثل سيف سحري يشهر في وجه المدافعين عن القطاع العام، ولكني أراهما غير ذي صلة هنا، لماذا؟؟؟؟؟؟؟؟ أولا لأن الفساد في أي مؤسسة لا يلغي الحاجة إليها، ولكن يظهر الحاجة لمحاربة الفساد، فكثيرون يعلمون أن كبار المسئولين في الجيوش وأعلى المؤسسات نفوذا في كافة دول المنطقة ومعظم دول العالم الثالث يحصلون على عمولات لتسهيل صفقات السلاح، فهل يعني هذا أن محاربة هذا النوع من الفساد يتم بتسريح الجيش!!!!!!!، كما أن الكثير من عمليات إسناد مشروعات الخدمات العامة التي يتولى تنفيذها مقاولوا القطاع الخاص تتسم بالفساد الشديد، فهل يعني هذا وقف مشروعات الخدمات بالمرة، أم العودة فإسناده للقطاع العام فقط، شخصيا أميل للحل الثاني، ولكن هل الأول قابل للتنفيذ، إن موضوعة الفساد تتعلق بمجموعة من العوامل لكنها لا تقود في طريق احد، بل عدة طرق بعدة حلول، ولكني أوضح مجددا أن قضية الفساد ليست الأمر المركزي بالنسبة لي في مسألة القطاع العام.
أما قضية ضعف الكفاءة، أو سحر الأداء كما أحب أن أسميه، فمشكلة تحتاج أولا لوضوح الرؤية حول معنى الكفاءة، فهل نقيس أداء مؤسسات القطاع العام، بالأرباح، فإذا كانت مؤسسة ما رابحة ولو على عن طريق العصف بحقوق العاملين، نطلق عليها مؤسسة كفؤة؟؟ إن قضية الكفاءة يجب ألا تبنى على مركزية الربح، ولكن على موازنة الأهداف ، وبالتالي فنحن حين نتكلم عن رفع كفاءة القطاع العام لصالح المجتمع كلل نحتاج لحلول تبني على إعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام، وفقا لموازنة الأهداف الشاملة وليس الأرباح؟؟، فهل نوجه هذه المؤسسات لاستيعاب البطالة في المجتمع، أم لتطوير حزم بديلة من المنتجات والخدمات للفئات الأكثر فقرا، عموما أنا لست خبيرا في تطوير كفاءة المؤسسات، ولكنني سأشير إلى تجربة في الخليج حيث أرى في مدينة صغيرة مثل دبي مؤسسات وشركات حكومية (لا يطلقون عليها قطاع عام) نمت لتصبح عملاقة، في معظم المجالات من العقار وإدارة الموانئ إلى الطيران والخدمات السياحية، وهي بالمناسبة ناجحة بمنطق الأرباح أولا وكذلك بموازنة الأهداف حيث تلعب دورا في استيعاب العمالة الوطنية.
سأمر هنا سريعا على موضوع استقلال البنك المركزي والذي أصبح إيقونة في الاصلاح الاقتصادي (لعلاقته الوثيقة بمسالة تدخل الدولة في الاقتصاد)، فأوضح سبب رفضي الشديد له، فالبنك المركزي مؤسسة مؤثرة بشدة في حياة الناس، معنى استقلالها عن القرار السياسي، هو وضع سلطة اتخاذ قرارات تؤثر في الحياة اليومية للملايين بعيدا عن أي رقابة من أي هيئة منتخبة، وتغل يد جمهور الناخبين عن تغيير أي سياسات يتخذها المركزي.
مثلا إذا أرادت حكومة منتخبة أن تخفض مستويات التضخم لتقليل وطأة التقلبات الاقتصادية على الفئات الأكثر فقرا، وأراد مجلس محافظي المركزي رفعها لتحفيز النمو الاقتصادي، أي الرأيين سينفذ!!!!!!! رأي حكومة متأثرة بآراء الجمهور والناخبين (بافتراض أننا نتحدث عن نظام ديمقراطي) أم رأي مجموعة من الخبراء ذوي الارتباطات بالعالم الأكاديمي وعالم رجال الأعمال!!!!!!.
إن أي خطوة في اتجاه استقلال البنك المركزي عن الحكومة في مصر أو أي دولة، هو خطوة للوراء فيما يتعلق بربط التطور الديمقراطي بالتطور الاقتصادي.