البوصلة تعاتب
القضاة الذين يرفضون نوعا واحدا من الامتيازات .
استقلال
القضاء معركة خاضها مئات الشباب النشطين، من الأحزاب ومستقلين، وعشرات
المدونين، ونساء مهتمات بالسياسة أو بالعمل الأهلى. هؤلاء جميعا لم يكونوا
يتمتعون فى وقفتهم من أجل استقلال القضاء بأية حصانة من أى نوع، ولم
يرتدوا أية أوشحة، اختاروا عن وعى أن يعرضوا حرياتهم للتقييد، وأجسادهم
للضرب دفاعا عن استقلال القضاء، باعتباره ركنا من أركان فصل السلطات
ومواجهة الاستبداد.
لم يتصور هؤلاء المناضلون والمناضلات، الحالمون بالحرية، أن يقف القضاء نفسه عقبة أمام حرياتهم وحقوقهم.
نشره البوصلة يوم ثلث, 10/30/2007 - 23:53.
من هم الأكثر وقوعا ضحية الاستغلال في الشعب المصري؟ من هي الجماعة التي تعمل بالسخرة لدى النظام الحاكم؟ من هي الفئة التي تقوم عن النظام بالمهمة القذرة في التنكيل بالمظاهرات السلمية؟ إنهم مجندو الأمن المركزي. هؤلاء الجنود لم يقرروا بإرادتهم الحرة أن يعملوا في هذا الكيان الغريب الذي تديره الشرطة. هم ذهبوا لمراكز التجنيد لكي يسلموا أنفسهم وفقا لقوانين البلاد التي ستقطع ثلاث سنوات من عمرهم باسم الخدمة الوطنية. ولكن بدلا من إرسالهم على الحدود للقيام بمهام الدفاع الوطني، يتم التحفظ عليهم في معسكرات تحيط بالمدن كالحزام، يقوم عليها ضباط من الشرطة، ويتم تسخيرهم في قمع المظاهرات والاعتداء على المواطنين العزل بل والتحرش الجنسي بالنساء. وهو الأمر الذي يخالف الدستور، لأن ذلك الدستور نص على الخدمة الوطنية الإجبارية، ولكنه لا يعطي الحق للسلطة التنفيذية فى إجبار مصريين على العمل بالسخرة لدي أجهزة الشرطة من أجل حماية نظام استبدادي. وبهذا المعنى نحن أمام أخوة لنا في الوطن يتم اختطافهم لمدة ثلاث سنوات يلاقون فيها صنوفا من العذاب على أيدي الضباط، ويجبرون خلال هذه السنوات على تكسير عظام وانتهاك أعراض أخوة لهم، ليسوا في خصومة معهم.
الجندي الآتي من أعماق الريف الذي ينكل بالمثقفين الوطنيين لا يفعل ذلك فقط بالأمر، ولكن لأن قياداته قالت له أن هؤلاء المثقفين خونة، ولأنه لم تتح له فرصة معرفة أخرى فقد صدق ما قيل له دون تمحيص. ولكن الحقيقة المرة هى أنهم ربما كانوا يكرهونا بالفعل.. لمجرد أننا بضعة من هؤلاء الأفندية الذين يتعالون عليهم. ولكن حتى لو كره هؤلاء الجنود التنكيل بمواطنيهم، ولو بدافع الإنسانية، بل وحتى لو عرفوا الحقيقة سيواصلون عملهم، ببساطة لأنهم مجبرين على ذلك. فالتمرد على أوامر الضباط لابد وأن تؤدي إلى صنوف من العذاب ليس آخرها زيادة مدة اختطافهم، أي "تجنيدهم"، ولهذا يختار الجندي القيام بمهام ربما لا يقبل أن يؤديها طائعا. ومن هنا ليس لأحد أن ينتظر منه التمرد على أوامر قياداته وعدم الاعتداء على المواطنين إلا إذا قدم له شيئا، إلا إذا شعر به أولا كإنسان.
المجندون الأميون ومن فى حكمهم لا يقتصر تسخيرهم المجانى فى الأمن المركزى على مواجهة المظاهرات، بل يمتد إلى حراسة مباريات الكرة وكل تجمع جماهيرى يُخشى خطره، وإلى إقامة معسكرات للطلبة وشباب الحزب الوطنى وغيرهم... بل ويتسع تسخيرهم خارج الأمن المركزى، ليمتد إلى العمل فى الحراسة داخل المدن وفى المرور، فضلا عن الخدمة الشخصية للضباط وأسرهم.. فكأنهم رهائن لدى السلطة لمدة 3 سنوات مقتطعة من أعمارهم وشبابهم ومستقبلهم تفعل بهم أثناءها ما تشاء باسم الخدمة الوطنية.
هؤلاء المجندون لا يلقون فى العادة فى ممارسة مهامهم المختلفة إلا كل استهزاء واستهانة، ليس فقط من ضباطهم، ولكن أيضا من أهالى المدن، من الأفندية والبهوات معا، من راكبى السيارات الذين يدعى كل منهم أنه "ابن مين فى مصر"، والمشاة. فلقبهم هو "دفعة" التى تُنطق كثيرا مصحوبة بابتسامة استهانة صفراء، ويضطرون لتحمل ذلك لأنهم يتسولون اللقمة، فضلا عن الخوف من بطش الأفندية، الحقيقى أو المدعى، لأنهم لا يستطيعون التمييز بين الاثنين.. وباختصار يشعرون فى المدينة أنهم كالأيتام على موائد اللئام. هوة واسعة تفصل بين عالمين، وأحقاد تنمو أو قابلة للنمو. فماذا فعلنا لهم؟
نحن في حقيقة الأمر لم نشعر بهم حتى الآن. نلتقي بهم في المظاهرات، فنحاول التودد إليهم بالشعارات ونحاول أن نشعرهم بأنهم أخوة. ولكن ما أن تنتهي المظاهرة حتى ننساهم، ننسى أن لدينا أخوة يبلغ عددهم 450 ألف مختطف في معسكرات السخرة المسماة بالأمن المركزي. لا زلنا ننتظر أن يكتشف جندي الأمن المركزي، بالصدفة، الحقيقة، وهي أننا لسنا بخونة، ومن ثم يتمرد على ضباطه وينضم إلى جموع الشعب الذي أتى منه. وننسى أنهم مجرد قطاع من جيش من الفلاحين يُسخر لخدمة السادة ونحن منهم شئنا أو أبينا، دون أن يجدوا عادة حتى الاحترام.
ربما لو تضامنا مع أهاليهم وطالبنا السلطة بالإفراج عن أبنائهم المختطفين لمدة ثلاث سنوات، ربما لو قمنا بالطعن في دستورية الخدمة "الوطنية" بأجهزة الشرطة، ربما لو تجمعنا خارج معسكراتهم وطالبنا بالإفراج غير المشروط عنهم، ربما يكون لنا الحق أن ننتظر منهم معاملة أفضل لنا في المظاهرات القادمة. ربما لو سعينا لمواجهة الطبقة الوسطى بسلوكها الفاحش الأنانية، وفقر عطائها للريفيين الفقراء، ونظرتها الدونية لهم.. ربما لو قدمنا لهم ولأسرهم الريفية الفقيرة ما يستحقونه من احترام واهتمام.. ويد مساعدة أخوية.. ومعاملة أفضل فى كل احتكاك بهم فى الدوائر الحكومية والشارع، يحق لنا أن نتوقع منهم أن يقاوموا مهمة قمعنا.. أن يخففوا حقدهم علينا نحن الأفندية نساء ورجالا.. أن يشعروا حقا وفعلا أن ثمة قضية مشتركة تربطنا.
لن يشعر أخوتنا المجندون بالمواطنة التى تجمعنا بهم، إلا إذا شعروا أصلا أنهم مواطنون فى بلدهم، وليسوا "فرزا ثانيا" مسخرا لخدمة السادة الأفندية من الحكوميين والمعارضين واللا مبالين.
نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:26.
التوريث أنواع، من الأخ للأخ كما في السعودية، من الأب إلى الابن كما في المغرب والأردن وسوريا، من رئيس إلى رئيس أخر كما حدث لمصر منذ وفاة البكباشي جمال عبد الناصر مؤسس النظام المصري. لقد تعود الشعب المصري على التوريث من رئيس إلى رئيس، بما يحمله ذلك من مظاهر التطور والتحضر التي تجعل المؤسسات فوق الأفراد. فالمؤسسات الحاكمة هي التي كانت تتوافق على رئيس الجمهورية وليس عائلة أو قبيلة ما. لذلك فظهور خطر توريث السلطة من مبارك الأب إلى الابن يؤرق العديد من المثقفين والسياسيين، لأنه بالطبع علامة من علامات انهيار مؤسسي شامل يضرب حتى مؤسسات السلطة نفسها. وجود جمال مبارك كبديل محتمل لأبيه هو بلا شك أحد أعراض الأزمة الخانقة التي يمر بها نظام الحكم كما يمر بها المجتمع السياسي. فجمال مبارك يمثل بالنسبة للبعض ملاذاً أمناً من المجهول، أو فرصة لتحقيق مكاسب فئوية أو شخصية أو صاحب مشروع لتحديث المجتمع. بهذا المعنى تيار جمال مبارك لا يقتصر فقط على الانتهازيين السياسيين ولكن يضم أيضاً من يرى فعلاً مصلحته في وصول هذا الشخص إلى كرسي الرئاسة، وهم بالتحديد قطاعات واسعة داخل الرأسمالية وقطاعات أقل داخل الطبقة الوسطى الحديثة، وقطاعات أقل كثيراً داخل شرائح اجتماعية فقيرة نجحت أموال وخدمات جمعية شباب المستقبل وجمعيات المرأة الموالية لسوزان مبارك في كسب ولائها. جمال مبارك يقوم إذن بعقد صفقات مع فئات ومجموعات وأفراد. لهذا فمهما أقسم بغليظ الإيمان أنه لن يرشح نفسه، لن يصدقه أحد، لان البنية الأساسية للوصول إلى السلطة تتراكم في يده.
مشروع جمال مبارك هو مشروع سياسي لرأسمالية مأزومة، لا تستطيع الوصول إلى السلطة فتبحث عن "واسطة" داخلها. ما هو المشروع البديل للرئاسة؟ أحد قيادات الحزب الوطني الأخرى؟ ربما، أحد قيادات الجيش؟ جائز، أحد قيادات أجهزة الأمن؟ محتمل. كل المشروعات المطروحة سيئة. المشروع الوحيد المحترم هو رئيس قادم من أعماق المجتمع، آت على رأس برنامج مجتمعي يحظى بتأييد فئات واسعة من شعبنا. هذا هو الحلم، وهذا هو الهدف البعيد وربما القريب إذا تحلينا ببعض التفاؤل. إذا غاب هذا الحلم عن الناس، مال بعضهم إلى تأييد أقل البدائل سوءً في نظرهم، وتناحر بعضهم مع البعض الأخر في الاتفاق على البديل الأقل سوءً لتمهيد التربة له. وهو أمر مؤسف لأنه يعني أن معارضة السلطة سقفها شديد الانخفاض حتى ولو صرخت بسقوط رئيس الجمهورية وأسرته، وحتى ولو تمسكت بالشكل "الجمهوري" للحكم. لم يثبت حتى الآن أن النظم الاستبدادية الجمهورية أو الجماهيرية أقل وطأة من النظم الاستبدادية الملكية حتى نستشهد من أجل الحفاظ على الطابع الجمهوري لنظامنا المستبد.
لنتذكر أن هدفنا الأول هو النضال من أجل أن يصل إلى كرسي الرئاسة شخص حاصل على تأييد أكثر من نصف الشعب المصري، وأن هدفنا الثاني هو الحيلولة دون انتصار أسوأ المرشحين للرئاسة إذا كان ولابد الاختيار ما بين الأسوأ والأقل سوءً. لقد اهتم التيار الديمقراطي كثيراً بالعمل على الهدف الثاني، ولكن للأسف لم يصل بعد إلى توافق على أقل البدائل سوءً، لقد عمل أكثر من اللازم في الهدف الثاني حتى أنه نسى الهدف الأول وهو تحقيق الديمقراطية بالنضال الديمقراطي. لقد التفتنا أكثر من اللازم للشروخ القائمة في النظام السياسي، وهي شروخ حقيقية، لكن أحد أهم آليات تجديد الاستبداد في مصر هو إخراج انقسامات السلطة بطريقة مشخصنة تلخص الموضوع في أسئلة لا تلمس لب الموضوع من نوع جمال مبارك أم عمر سليمان؟ هذه الشخصنة تعوق رؤية الأزمة الحقيقة في مفاصل النظام السياسي كما في الدولة. تركيز المعارضة في الهجوم على جمال مبارك، لم يعكس تكثيف السخط على النظام وتجسيده في شخص أو مجموعة أشخاص تمهيداً لإزاحتهم، بقدر ما كان وقوعاً في هاوية شخصنة الصراعات السياسية والاجتماعية، الأمر الذي يعمي الرؤية عن الصراع الحقيقي الدائر كما يحول دون المساهمة الفعالة فيه.
السياسة المصرية هي "فيلم عربي" كبير، وهي بذلك تحتاج لدراما حية من أجل شغل مقاعد المتفرجين. الفيلم الدائر الآن بنجاح متواصل منذ عدة سنوات هو فيلم جمال مبارك يصارع عمر سليمان، وهو ما يصعب تجاهله لأنه يُُبث على الهواء مباشرة من وسائل الإعلام العامة والخاصة، وبهذا فهو يجذب انتباه المهتمين بالشأن العام ويجعل من الحصافة متابعته من وقت إلى أخر. ولكن علينا ألا ننسى عندما نشاهد هذا الفيلم العربي أنه مجرد "فيلم عربي"، وأننا متفرجون عليه، وأن لدينا فيلماً أخر نحاول أن نخرجه في قاعة أخرى، وأننا نشارك بالحضور في فيلم جمال مبارك وعمر سليمان فقط للترويج لفيلمنا الأصلي، فيلم مصري يتأسس على حق المتفرجين في اختيار الممثلين، هذا الفيلم الذي لا زلنا نتعثر في كتابة نصه لأننا غارقين حتى الأذان في مشاهدة "الفيلم العربي".
نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:45.
|
أحدث التعليقات
منذ 17 أسبوعا 15 ساعة
منذ 21 أسبوعا 3 أيام
منذ 23 أسبوعا 3 أيام
منذ 23 أسبوعا 5 أيام
منذ 24 أسبوعا يوم واحد
منذ 24 أسبوعا يومين
منذ 24 أسبوعا 4 أيام
منذ 24 أسبوعا 5 أيام
منذ 26 أسبوعا 3 أيام
منذ 27 أسبوعا 7 ساعات