جدل يساري يساري عن عمرافندي

القطاع العام ليس من الاشتراكية في شيء

العزيز بعلى والزملاء:
شكراً على إثارة هذا الموضوع وعلى التعليقات المهمة. أظن أن هذا الحوار على درجة كبيرة من الأهمية حيث أنه سيساهم فى بلورة التوجه الفكرى للبوصلة على المدى البعيد حتى لو أسفر عن التباين فى العديد من المواقف بشأن العديد من القضايا. لدى ثلاثة تعليقات أساسية حول موضوع الخصخصة. وأود التوضيح من البداية انى أعنى بالقطاع العام هنا مؤسسات قطاع الأعمال العام المعرفة وفقاً لقانون 203 وهى تبلغ فى أفضل التقديرات 167 منشأة صناعية وتجارية. ولاأعنى الاستثمار الحكومى فى مجال الخدمات مثل الطرق والطيران والصحة والتعليم وخلافه. فالأخير يحتاج لمناقشة أخرى أكثر استفاضة.
أولاً: لا أفهم بواعث هذا الخلط المتعمد والسائد فى الجدل العام بشأن مسألة الخصخصة بين مؤسسات الدولة الأصيلة والتى لايستقيم تعريف الدولة بدونها مثل الجيش والشرطة والقضاء وبين بعض المؤسسات الإقتصادية والتى تقيمها طبقات- أكرر طبقات- كجزء من مشروعها السياسى كطبقة ساعية للهيمنة فى أى مجتمع!!!!! لاتوجد دولة بدون جيش ولكن جائز جداً أن توجد دولة بدون عمر أفندى وبنزايون والمقارنة هنا غير ذات موضوع. واستراتيجية التوسع فى الاستثمار الحكومى لمواجهة البطالة هى بنت العقد الثالث والرابع من القرن العشرين وتخلى عنها الفكر الاقتصادى العالمى فى مجمله بعد ثلاثة عقود فقط حققت فيها هذه الاستراتيجية ما حققت من انجازات وجرت على دولها ما جرت من اخفاقات. هذا ليس موضوعنا على أية حال ولكن ما أود التشديد عليه ان الدولة البرجوازية الحديثة وسوقها الرأسمالى قد ظهرا للوجود قبل هذا التاريخ بثلاثة قرون على الأقل ولم يكن من أدوات تدخلها القطاع العام. ظلت الضرائب والبنك المركزى والسياسة النقدية مثل التسعير الجبرى والتعريفات الجمركية أدوات أصيلة ولم يكن من ضمنها القطاع العام على الإطلاق. وما ينبغى التشديد عليه هنا هو أن الاستثمار الحكومى هذا يتم فى سوق رأسمالى تحكمه قاعدة العرض والطلب فى التحليل الأخير. بمعنى أن الكفاءة الاقتصادية هنا هى لب الموضوع . ومن ثم فإن تدهور الكفاءة سيؤدى بالمستهلكين الى سلع أخرى أرخص ثمناً وأكثر جودة وهى حالة الأسواق الشعبية فى مصر مثل وكالة البلح والعتبة لشراء القمصان الكورية والبناطيل التركية بأسعار تقل عن نصف أسعار القطاع العام. وبالتالى فالإصرار على فرضية أن سلع القطاع العام أرخص وأكثر قدرة على الوصول الى "الجمهور" لا تستند الى أى حجة على الإطلاق حيث أن هذا الجمهور له تفضيلاته أيضاً ولا يمكن أن تحتكر مؤسسات القطاع العام ذوق هذا الجمهور مع الاستمرار فى تقديم خدمة رديئة إلا فى حالة إغلاق السوق وفرض أوضاع احتكارية. فالمنشأة الإقتصادية الحكومية هى فى التحليل الأخير منشأة إقتصادية وينبغى التعامل معها على هذا الأساس. ينبغى ان يكون ذلك واضحاً من البداية لتجنب أى خلط.
ثانياً: فى الحالة المصرية أود الإحالة لمؤلف جيد جداً فى هذا الصدد لعادل غنيم وهو "رأسمالية الدولة التابعة فى مصر" للوقوف على أبعاد مأزق استراتيجية الاستثمار الحكومى الموسع فى السوق الرأسمالى. فى هذا المؤلف يشير غنيم الى اتجاه البرجوازية المصرية الى التوسع فى الاستثمار الحكومى لصالح مشروعها الدولتى والذى لاقى مساندة من الغالبية الكاسحة من الشعب المصرى نتاج اعتبارات أيديولوجية وسياسية متعددة. ومع تشكل بيرواقرطية متنفذة من رحم هذه المؤسسات تسعى الى الانتقال لصفوف الرأسمالية كان النهب المنظم أو ما يطلق عليه فى الإعلام سياسات التخسير هوالسبيل الوحيد أمام هذه الشريحة للانتقال لصفوف البرجوازية. ويورد غنيم أمثلة شيقة جداً حول وقوف هذه الشرائح بحزم أمام أى محاولة لإصلاح القطاع العام أو حتى ضخ استثمارات جديدة فى منشآته إذ تشكل أى محاولة لإصلاح هذه المنشآت إخلالاً بالشرط الموضوعى لهيمنتها السياسية والأيديولوجية. وفى المقابل لم يكن أمام التحالف الإجتماعى الحاكم فى هذه الحقبة إلا التوسع فى سياسة المنح والاقتراض من الخارج للابقاء على نفس المستوى من الانفاق الإجتماعى فى حين بقي قطاع الدولة خرباً ولم تكن استثمارات القطاع الخاص قد نمت الى الحد الكافى الذى يسمح لها بلعب دور محورى فى عملية التنمية. هذا ما أطلق عليه غنيم رأسمالية الدولة التابعة: نظام للهيمنة السياسية والأيديولوجية لبيروقراطية الدولة العسكرية والأمنية القائم على نهب القطاع العام والتوسع فى سياسة المعونات والديون فى ذات الوقت. إذا أضفنا ما يقوله عادل غنيم على ما ذكرته فى مداخلتى السابقة من انعدام الاستقلالية لجهاز الدولة نستخلص الآتى: أن أى محاولة لمقرطة مصر بالمعنى الواسع للكلمة وليس بالمعنى الليبرالى الضيق تعنى بالضرورة العصف بنموذج هيمنة البيروقراطية وأيديولوجيتها الدولتية ولن يتحقق ذلك إلا بتصفية الأساس الإقتصادى لهذه الهيمنة وهو قطاع الأعمال العام المؤسس خلال الحقبة الناصرية وليس مؤسسات الدولة البرجوازية من جيش وشرطة وقضاء وهى مؤسسات سابقة على وجود هذه البيروقراطية. فمسألة بيع القطاع العام بالنسبة لى هى مسألة تصفية لعلاقات سلطة قائمة تقف حائلاً دون مقرطة المجتمع أكثر من كونها دعوة مجردة لإطلاق آليات السوق تولى أفضلية للملكية الخاصة على ملكية الدولة. اتمنى أن يكون ذلك واضحاً أيضاً.
ثالثاً: إذا اتفقنا على أن الموضوع برمته هو مسألة سلطة تكون الدعاوى الى إصلاح القطاع العام بمثابة دعوى هذه البيروقراطية نفسها الى العصف بشروط هيمنتها أو دعوى رجال الأعمال الجدد الى إصلاح مؤسسات لا تعنيهم فى شئ. بمعنى آخر إنها دعوى لاتسندها أية قوة إجتماعية مستعدة لتحمل تكلفتها الباهظة. قد يكون لهذه الدعوى معنى فى بلاد دولة الرفاهة فى أوروبا الغربية حيث يعبر القطاع العام عن توازن قوى ديمقراطى فى جوهره أو فى بعض دول جنوب شرق آسيا حيث لايزال القطاع العام يلعب دوراً تنموياً مهماً ولكن هذه الدعوى فى مصر هى دعوة خيالية تعبر عن أمنيات أكثر ما تعبر عن حساب سياسى دقيق. أما إذا كانت القوى الاجتماعية المعنية هى العمال والفلاحين، وهم الملاك الحقيقيون على الورق لهذه المنشآت، فالأمر سيستغرق وقتاً طويلاً جداً- ربما عدة عقود- الى أن يكون هؤلاء على درجة من التنظيم والتنفذ بما يسمح لهم بالإضطلاع بهذه المهمة الشاقة. وخلال هذه السنوات ما العمل إذن؟؟؟؟ أن يتم تعبئة عمال القطاع العام للإبقاء على منشآتهم خاسرة ويتحملوا هم وأبنائهم للجيل الثالث على الأقل خسارتها مع المطالبة البائسة باستقلالية تنظيمهم النقابى فى مواجهة طبقة تعتمد فى سلطتها على هذا القطاع العام نفسه؟ أم القبول بخصخصة هذا القطاع مع النضال من أجل شفافية هذه العملية وضمان حقوق العاملين واستقلالية التنظيم النقابى والتى ستتحول الى مطالب منطقية ومشروعة فى أى ديمقراطية برجوازية أظن أننا على أعتاب الولوج اليها قريباً؟ السؤال متروك لتقدير الزملاء. بعض القوى اليسارية تفضل الحل الأول مثل الاشتراكيون الثوريون والاشتراكيون المصريون وحزب الشعب مع البديل الأول، وهو بديل لا يقتضى أى عمل جاد من قوى اليسار اللهم التنبيه والفضح والإثارة الصحفية التى تصب فى النهاية شئنا أم أبينا لصالح إطالة أمد الهيمنة البيروقراطية. أما البديل الثانى فهو يعنى عملا يومياً دؤوباً فى صفوف الطبقة العاملة من أجل انتزاع حق التنظيم النقابى المستقل والرقابة على عملية البيع وضمان حقوق العاملين وهى مهام كما أسلفت ممكنة وتؤدى لمكاسب تتزايد يومياً. ويمكن فى هذا الصدد ذكر الكثير الذى تحقق بناء على هذه الاستراتيجية.

شكراً على الملاحظات القيمة وألف تحية

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:37.

مع القطاع العام رغم كل شيء

أثار الإعلام المصري في الأسابيع السابقة –بشكل ديماجوجي على الأغلب- موضوع خصخصة عمر أفندي، وتقدم البيروقراطي العتيد "يحيي حسين عبد الهادي" , رئيس شركة بنزايون صفوف مهاجمي الصفقة حتى أصبح بطل إبطالها، وحاز (البطل من ورق) على إعجاب العديدين، وانتهت الموقعة بتراجع مخزي للحكومة بعد أن فشلت في المواجهة (الإعلامية بالأساس)، وانتقدها حتى مؤيدوا الخصخصة بسبب فشلها الذريع في مواجهة الهجوم والرد بأي كلام يقنع الرأي العام.
والحقيقة أن غبار هذه الموقعة لم يكن هو الدافع لي حتى أكتب هذا التعليق على قضية عمر أفندي فقد ثار وهدأن قبل أن افكر في تخريك أصابعي على الكيبورد بهذا الشأن، ولكن ما أثارني هو مداخلة قرأتها على الإنترنت للصديق عمرو عزت بعنوان (عمر أفندي: تساؤلات غير بريئىة وشهادة غير منشورة) وقد حفزتني لسبب بسيط أنني اكتشفت أن كراهية البعض لأكاذيب ونفاق البيروقراطية يدفعهم لكراهية القطاع العام بحد ذاته والمطالبة بالتخلص منهما معا على اعتبار أنهما متلازمان، وهو ما لا أعتقده..
بالنسبة لموضوع عمر أفندي، أولا: الدولة مجروحة بالفساد ( ومجروحة مصطلح يستخدم في علم الحديث النبوي الإسلامي للإشارة على المصادر محل الشك) لذلك فطرحه في أي قضية تتعلق بها أمر طبيعي، ولكنني لا أعترض على بيع عمر أفندي لشبهة الفاسد.
أنا هابتدي في هذا الموضوع من الآخر.... أنا ضد الخصخصة وضد بيع القطاع العام ..سواء فيها فساد أو فيها شفافية....
ممكن البعض يستغرب (إزاي يسار ديمقراطي يبقى ضد الخصخصة ومع الكلام القديم بتاع القطاع العام ده)، أيوه أنا ضد بيع القطاع العام، معتقد إن منطقي بسيط، أنا مع دور تدخلي للدولة بطريقة مباشرة (القطاع العام) أو غير مباشرة (الضرائب وسياسات البنك المركزي) في تطوير معدلات المساواة الاجتماعية، وتخفيف وطأة التقلبات الاقتصادية على الفئات الأشد فقرا.
وأوضح أيضا أنني ضمن هذا المنطق ضد أي كلام عن استقلال البنك المركزي بعيدا عن مؤسسات صنع القرار والرقابة السياسية، ولكن هذه نقطة أعود إليها بعد قليل..
موضوع القطاع العام لما بيتفتح دايما بياخدنا الكلام لمتاهات من نوع الكفاءة الاقتصادية ومصالح المستهلكين، وكل ده كلام يتنوع بين الفاضي والمغلوط، وما باطنه الرحمة وظاهره العذاب..
فالقضية تتمحور حول دور الدولة، فهل نحن نناقش القضية ونحن مع دور للدولة (هو بالظبط ما يدفع باتجاهه "جمال مبارك ورجاله" وينفذ التحول له نظيف وزمرته) يقترب بها من نقطة بين المنظم والمتفرج، ويترك الملعب بالأساس لقوى العرض والطلب، ويترك الفئات الأكثر فقرا والطبقات العاملة والفلاحين الفقراء في مهب قوى السوق العالمية، تكتفي الدولة في هذا الدور بتقديم حد أدنى من الخدمات (السيئة لدرجة تقولك اشترى من برة أحسن لك) مع توفير أفضل الظروف لنمو بديل سلعي (تلعب عوامل السوق الدور الوحيد في تسعيره) لها..
أم مع دولة تلعب دورا تدخليا واضحا لصالح تقليل معدلات التفاوت الاجتماعي، ودعم فرص الفئات الفقيرة في الحصول على خدمات مناسبة تتيح لهم تطوير قدراتهم ومهاراتهم والحياة في مستويات إنسانية، إذا كنا مع الخيار الثاني ( وأنا معه تماما) فوجود أذرع اقتصادية فعالة لهذه الدولة التدخلية أمر مهم، ومن أهم هذه الأذرع مؤسسات القطاع العام، فهي القادرة على تقديم منتجات وخدمات للجمهور ( وأقول الجمهور وليس المستهلكين، لأن اللفظة الثانية تركز على من يستطيع دفع مقابل ما يدفع)، وبالتالي يكون لدى الدولة جهاز يضم أدوات إنتاج تستطيع البعد ولو قليلا عن هدف تعظيم الأرباح، فمثلا ( تستطيع وتقول الدولة حاليا أنها تحاول توفير اللحوم عبر أسعار معقولة عبر المجمعات الاستهلاكية، وعبر توفير الدقيق ومواد الوقود المدعومة توفر الخبز الرخيص)، ومثل هذه التدخلات كان من الممكن أن تكون فعالة أيضا لو استخدمت الدولة شركات الأسمنت والحديد لضبط أسعار سوق مواد البناء، وبالطبع هي ضرورية في قطاعات أثر حيوية مثل الأدوية، كما أن استخدام مؤسسات التوزيع مثل باتا ( وأتذكر أنني ومعظم زملائي في المدرسة كنا عملاء لها) وعمر أفندي، يمكن أن يكون فعالا لتوفير بديل سلعي أرخص لا تحكمه بالكامل أهداف تعظيم الربحية.

سر الأداة وسحر الأداء
أحب هنا أن أورد ملاحظة أشار إلي بها صديقي "عمرو عبد الرحمن" بعد أن قرأ المسودة الثانية لهذا الموضوع، فحسبما أوضح (لا توجد دولة تتحرك في الفراغ، ولكن حركتها وتقنيات عملها و حضورها يتحدد داخل التوزيع الاستراتيجي لعلاقات القوى في المجتمع.
وبالتالي لا يوجد أي إجراء تدخلي يمكن أن تتخذه الدولة إلا ويرد إلى مصالح بعينها قد صاغت وجهته وطريقة تنفيذه).
وهو ما أوافقه عليه إجمالا، ولكنني أرى أن أذرع الدولة أدوات يمكن استخدامها بطرق مختلفة في ظل توزيعات مختلفة للقوى في المجتمع، لذلك فالحفاظ على بعض الأدوات يمكننا في ظل توازن قوى مجتمعي مختلف من استخدامها بشكل مختلف، فسر الأداة هنا يختلف بحسب قدرة اللاعبين في المجتمع على إسماع أصواتهم، كما أن عملية تحول التغير في توازن القوى بالمجتمع أمر يتم بشكل تدريجي، وأعتقد أن الحصول على تغيير في طريقة السيطرة على وتوجيه القطاع العام، بحيث يلعب دورا في ضبط الأسواق أمر هام.
أيضا في موضوعة القطاع العام، تثار دائما قضيتا الفساد وضعف الكفاءة، والنقطة الثانية تحديداً أصبحت مثل سيف سحري يشهر في وجه المدافعين عن القطاع العام، ولكني أراهما غير ذي صلة هنا، لماذا؟؟؟؟؟؟؟؟ أولا لأن الفساد في أي مؤسسة لا يلغي الحاجة إليها، ولكن يظهر الحاجة لمحاربة الفساد، فكثيرون يعلمون أن كبار المسئولين في الجيوش وأعلى المؤسسات نفوذا في كافة دول المنطقة ومعظم دول العالم الثالث يحصلون على عمولات لتسهيل صفقات السلاح، فهل يعني هذا أن محاربة هذا النوع من الفساد يتم بتسريح الجيش!!!!!!!، كما أن الكثير من عمليات إسناد مشروعات الخدمات العامة التي يتولى تنفيذها مقاولوا القطاع الخاص تتسم بالفساد الشديد، فهل يعني هذا وقف مشروعات الخدمات بالمرة، أم العودة فإسناده للقطاع العام فقط، شخصيا أميل للحل الثاني، ولكن هل الأول قابل للتنفيذ، إن موضوعة الفساد تتعلق بمجموعة من العوامل لكنها لا تقود في طريق احد، بل عدة طرق بعدة حلول، ولكني أوضح مجددا أن قضية الفساد ليست الأمر المركزي بالنسبة لي في مسألة القطاع العام.
أما قضية ضعف الكفاءة، أو سحر الأداء كما أحب أن أسميه، فمشكلة تحتاج أولا لوضوح الرؤية حول معنى الكفاءة، فهل نقيس أداء مؤسسات القطاع العام، بالأرباح، فإذا كانت مؤسسة ما رابحة ولو على عن طريق العصف بحقوق العاملين، نطلق عليها مؤسسة كفؤة؟؟ إن قضية الكفاءة يجب ألا تبنى على مركزية الربح، ولكن على موازنة الأهداف ، وبالتالي فنحن حين نتكلم عن رفع كفاءة القطاع العام لصالح المجتمع كلل نحتاج لحلول تبني على إعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام، وفقا لموازنة الأهداف الشاملة وليس الأرباح؟؟، فهل نوجه هذه المؤسسات لاستيعاب البطالة في المجتمع، أم لتطوير حزم بديلة من المنتجات والخدمات للفئات الأكثر فقرا، عموما أنا لست خبيرا في تطوير كفاءة المؤسسات، ولكنني سأشير إلى تجربة في الخليج حيث أرى في مدينة صغيرة مثل دبي مؤسسات وشركات حكومية (لا يطلقون عليها قطاع عام) نمت لتصبح عملاقة، في معظم المجالات من العقار وإدارة الموانئ إلى الطيران والخدمات السياحية، وهي بالمناسبة ناجحة بمنطق الأرباح أولا وكذلك بموازنة الأهداف حيث تلعب دورا في استيعاب العمالة الوطنية.
سأمر هنا سريعا على موضوع استقلال البنك المركزي والذي أصبح إيقونة في الاصلاح الاقتصادي (لعلاقته الوثيقة بمسالة تدخل الدولة في الاقتصاد)، فأوضح سبب رفضي الشديد له، فالبنك المركزي مؤسسة مؤثرة بشدة في حياة الناس، معنى استقلالها عن القرار السياسي، هو وضع سلطة اتخاذ قرارات تؤثر في الحياة اليومية للملايين بعيدا عن أي رقابة من أي هيئة منتخبة، وتغل يد جمهور الناخبين عن تغيير أي سياسات يتخذها المركزي.
مثلا إذا أرادت حكومة منتخبة أن تخفض مستويات التضخم لتقليل وطأة التقلبات الاقتصادية على الفئات الأكثر فقرا، وأراد مجلس محافظي المركزي رفعها لتحفيز النمو الاقتصادي، أي الرأيين سينفذ!!!!!!! رأي حكومة متأثرة بآراء الجمهور والناخبين (بافتراض أننا نتحدث عن نظام ديمقراطي) أم رأي مجموعة من الخبراء ذوي الارتباطات بالعالم الأكاديمي وعالم رجال الأعمال!!!!!!.
إن أي خطوة في اتجاه استقلال البنك المركزي عن الحكومة في مصر أو أي دولة، هو خطوة للوراء فيما يتعلق بربط التطور الديمقراطي بالتطور الاقتصادي.

عودة إلى الأفندي
أولا: أحب أن أوضح أن مسألة شبهة الفساد في الصفقة ليست هي النقطة المركزية هنا، على عكس ما ارتأت وسائل الإعلام الديماجوجية، فأنا لا أختزلها إلى فساد يمكن إصلاحه كما اشر إلى صديقي شريف يونس في ملاحظة على مسودة المقال، كما أنني مقتنع عكس ما يظن شريف أن الدفاع عن القطاع العام لا يتساوى مع الولاء السياسي للدولة التي تملكه، فالولاء السياسي لهذه الدولة يعني الموافقة على مجمل مواقفها ، وهو ما لا أظنه موقفي، حتى بالنسبة لطريقة إدارتها للقطاع العام.
ثانيا: أؤكد أنني مما سبق ضد بيع عمر أفندي سواء تمت الصفقة وفق ما أرادت الحكومة أم لا، ولكني سأضع بعض الملاحظات على الصفقة وفق ما أرادت الحكومة، فالتقييم الحكومي الذي جاء أقل من قيمة الأصول بحجة المحافظة على النشاط، يغفل أن المالك الجديد يمكنه بدون أن يغير النشاط، أن يتخلص من بعض أو كثير من الأصول بحجة أنها أصول غير منتجة أو يفعل كما اقترح رئيس عمر أفندي في مكاشفته مع عمرو عزت "ينقل بعض المنشآت إلى أصول رخيصة ويبيع المرتفعة الثمن"، فيحقق ربحا رأسمالياً فورياً بدون تغيير النشاط، ويمكن أيضا أن يبيع أي فرع ويؤجر مكانه آخر وهو ما يعطيه ليس فقط ربحا استثماريا فوريا، ولكن أيضا فرصة لقليل الأصول بما يساعده في المستقبل في أي محاولة لبيع الشركة لمالك جديد، حيث أن كبر حجم أصول أي شركة سلاح ذو حدين في البيع.
كما أنني سأشير إلى أن النائب العام وإن كان قد حفظ التحقيق في بلاغ رئيس بنزايون فقد أهاب بالشركة القابضة في بيان ألقاه عقب انتهاء التحقيقات في البلاغ المقدم ضد الصفقة بالحصول على الضمانات الكفيلة باستمرارية نشاط الشركة بعد بيعها مع الحفاظ على حقوق العمال، بما يعطي إشارة ما على أن الضمانات التي أعلنت الحكومة أنها أخذتها على المشتري الجديد ليس كافية تماما.
كما أحب أن أوضح أن الحكومة بالنسبة لحقوق العاملين، أخذت ضمانات بعدم تسريح العمالة، أي الفصل التعسفي، وهو أصلا أمر غير مسموح به بحكم القانون، أي أنها عبارة في العقد للاستهلاك الإعلامي، وأضيف هنا أنني ممن واقع معايشتي البسيطة لبعض المشكلات العمالية، أعرف تماما أن أي ضمانات قانونية أو حكومية، لا تساوي أي شيء للرأسمالي في مصر إذا أحس أن العمالة أصبحت تمثل عبئا عليه.
أخيرا إنني أرى أن انتفاضة يحيي حسين عبد الهادي , رئيس شركة بنزايون على صفقة عمر أفندي إنما تمثل حركة من بيروقراطي واعي لمصالح الفئة التي ينتمي إليها، ويجيد اللعب على أوتار الرأي العام، وبما يكون أيضا مدفوع ببعض القضايا الشخصية، ولكنه يظل ممثلا متميزا للبيروقراطيين الذين يتضررون بشدة من بيع القطاع العام.
وكوني معتاد على تذكر الآية القرآنية ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا)، فإنني لا أتخذ ضد هجوم يحيي حسين على بيع القطاع العام موقفا مسبقا لكونه بيروقراطيا عتيدا، ولكنني أرى ما يقول ثم أقول ما أرى.
وأوضح المسألة بصيغة أخرى هل لأننا نرفض هيمنة البيروقراطية على المجتمع ننزلق إلى تأييد تصفية القطاع العام، لا أرى ذلك، وأعلنها مجددا أرفض الخصخصة..

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:35.

شهادة رئيس مجلس إدارة عمر أفندى حول عملية البيع

قبل أن أسرد الشهادة غير المنشورة بشأن قضية بيع عمرافندي و التي حصلت عليها " حصريا" , سأحاول في البداية التظاهر بالبراءة و سأضيف بعض التساؤلات غير البريئة , إلي تلك الأخري التي ثارت هنا و هناك من قبل معارضين أنعم الله عليهم بنعمة التساؤل . بينما معارضون آخرون متمترسون خلف عقيدة المعارضة , يمارسونها بيقين مطلق في الضفة المقابلة لما يظنونه موقف الحكومة , أيا كان هذا الموقف وأينما كانت تلك الضفة .

أولي تساؤلاتي هي بشأن بلاغ المهندس يحيي حسين عبد الهادي , رئيس شركة بنزايون , الذي قدمه للنائب العام و اتهم فيه محمود محيي الدين وزير الاستثمار و هادي فهمي رئيس الشركة القابضة للتجارة بتسهيل الاستيلاء علي المال العام و تحديدا ذكر في بلاغه أنهما قاما بضغوط علي لجنة تقييم أصول عمرافندي ,التي كان أحد أعضائها , لكي تقوم هذه اللجنة بتقييم أصول الشركة بأقل من قيمتها الحقيقية لتوافق القيمة التي اعتمدها الوزير و كان قد كلف باعدادها مكتبا استشاريا . كما أنه حدد تلك القيمة من المال العام و التي اتهم وزير الاستثمار و رئيس الشركة القابضة بتسهيل الاستيلاء عليها و قدرها بـ 600 مليون جنيه هي الفارق بين تقييم اللجنة التي كان عضوا بها و تقييم المكتب الاستشاري الذي كلف بذلك من قبل الوزير.

أولي التساؤلات و هو اتهام في الحقيقة , لماذا تجاهلت المعارضة و صحافتها ان الفارق بين الرقمين (الـ 600 مليون جنية ) هو فارق بين تقييمين مختلفين من حيث المبدأ . التقييم الأول الذي جاوز المليار جنيه هو تحديد لقيمة أصول الشركة ( أراض و عقارات و تجهيزاتها و خلافه ) و هذا التقييم صالح بالكلية في حالة تسريح كل العاملين و بيع الشركة كعقارات و أراض , و هذا غير مطروح لأن واحدا من شروط العقد الذي وضعته االشركة القابضة , كما هو معلن, أنه لا تسريح لاي من العاملين . بينما التقييم الثاني هو تقييم اقتصادي يعتمد علي افتراض الدخل الذي قد يحققه عمرافندي كمشروع استشماري في مدة زمنية معينة و عن طريق ذلك يحدد القيمة التي يستحقها عمرافندي كمنشأة اقتصادية بأصولها و عامليها في الوقت الحالي .
الفارق بين أسلوب التقييمين واضح و الغرض منهما مختلف . و تجاهل ذلك و تصوير الفارق بين التقييمين كأنه اهدار مقصود للمال العام , لا أراه إلا ديماجوجية صريحة.

التساؤل الثاني , و هو أنني لو كنت صحفيا لكان السؤال الأول الذي سأوجهه ليحيي حسين هو : " ما هذ هذه الضعوط التي واجهتها أنت و باقي أعضاء اللجنة ؟"
لم أسمع هذا السؤال , ولم أقرأ أو أسمع حتي الآن عن ماهية هذه الضغوط و لم أجد صحفيا واحدا قد اهتم ان يسأل مصدرا آخر من لجنة التقييم عن هذه الضغوط و اذا كانت قد تمت بالفعل أم لا .
ثم اذا كانت هذه الضغوط السرية قد تمت بالفعل , كيف نجح اعضاء اللجنة في التوصل لتقييم يخالف التقييم الاول بهذا الفارق , واذا كان الوزير يريد فعلا تسهيل الاستيلاء علي المال العام فلماذا يشكل لجنة تقييم أخري بعد تكليفه مكتبا استشاريا بذلك , و اذا علمنا أن الوزير هو الذي شكل هذه اللجنة و اختار أعضاءها فلماذا لم يرتب ذلك بشكل ما قبل أن يضطر للضغط عليهم لاحقا .

التساؤل الثالث هو تساؤل منطقي بالأساس : كيف يستقيم أن يقدم المهندس يحيي حسين عبد الهادي بلاغا الي النائب العام يتهم فيه الوزير و رئيس الشركة القابضة بتسهيل الاستيلاء علي المال العام , ثم يظل يردد في أحاديث صحفية لاحقة أنه " لا يشك للحظة في ذمة الدكتور محمود محيي الدين ولا المحاسب هادي فهمي " و الجملة الأخيرة نقلتها نصا من آخر حوارته و الذي نشر في مجلة الشباب (عدد ابريل 2006)

التساؤل قبل الأخير هو: ألم يثر أي مما سبق تساؤل السادة أعضاء حركة صحفيين من أجل التغيير و لجنة الحريات بنقابة الصحفيين و كل الأساتذة الكتاب و الصحفيين الذين كادوا يؤلفون سيرة شعبية جديدة بطلها " يحيي أفندي " كما أطلق عليه كثيرون منهم .

اجابة السؤال السابق لا تشير إلا الي اعتناق عقيدة المعارضة التي تجعل من رجال الحكومة شياطينا علي الأرض , و من يعارضونها ملائكة مجنحين , ما يتعلق بفساد الأولين هو من قبيل المعلوم من السياسة بالضرورة و ما يتعلق ببطولة الأخيرين هو مما لا يحتاج لاثباتات أو تساؤلات .
و رغم أني أحاول بين الحين و الآخر أن أشك في " معارضتي " لكي لا تتحول إلي عقيدة قلا أستطيع الآن ن أبريء نفسي كليا من أعراض اعتناق هذه العقيدة , فلي أسبابي الخاصة التي سأفصح عنها حالا جعلت التساؤلات السابقة أيسر بالنسبة لي .
و لكني أعيذ كل هؤلاء السادة المحترمين , ممن أحسب أن حاستهم النقدية بخير, أعيذهم من عدم التساؤل.

يمكن أن يضاف أيضا للإجابة أن بيع القطاع العام من حيث المبدأ , أمر مستفز لمشاعر الكثيرين لأسباب تاريخية, كما أنه مستفز لآخرين لأسباب أيديولوجية , وما كشف عن الفساد الذي ارتبط بعمليات البيع السابقة - و من المرجح أن يظل كذلك طالما ظل الاستبداد السياسي قائما - قد هيأنا جميعا نفسيا للتسليم فورا بصحة أية أنباء أو إشارات لفساد قادم هنا أو هناك .

التساؤل الأخير لدي هو لماذا لم يثر اهتمام أحد ما أن رئيس شركة عمرافندي لا يتحدث مطلقا بشأن هذا الموضوع علي عكس ما هو متوقع.
لا أدري لماذا لم يثر ذلك الانتباه , و لكني اعلم أن بعض الاعلاميين حاول ان يحصل منه علي تصريحات بشأن الموضوع و لكنه رفض لأكثر من سبب باح لي بهم , كما أنه قد روي لي شهادته كاملة بشان هذا الموضوع ... لا لشيء إلا لأن المهندس عزت محمود رئيس مجلس إدارة عمرافندي حاليا هو أيضا والدي .
و لأنه كذلك فقد استمعت الي شهادته تلك في عدد غير قليل من الساعات التي قضيتها أتحاور معه بشان هذا الموضوع و سأحاول هنا أن أوجز كلامه دون أن أغفل التفاصيل الهامة .
سأبدأ من حيث بدأت الضجة , من لجنة التقييم , هذه اللجنة قد شكلها وزير الاستثمار و رئيس الشركة القابضة المالكة لشركة عمرافندي بهدف اعداد تقييم استرشادي يعتمد في الأساس علي الأصول الثابتة , و تولي رئاستها أحد الخبراء الماليين و ضمت في عضويتها عددا من المستشارين الاقتصاديين بالاضافة لرئيس مجلس ادارة عمرافندي الذي كان رئيسا للجنة الفرعية للجرد وتقييم الأصول و ضمت أيضا رؤساء باقي شركات قطاع الأعمال و منهم رئيس شركة بنزايون المهندس يحيي حسين عبد الهادي .
يقول المهندس عزت محمود أن دور رؤساء الشركات الأخري – و منهم المنهدس يحيي حسين - كان استشاريا إلي حد كبير و في معظمه كان متابعة لعمل اللجنة , في حين أنه بصقته رئيسا للجنة الجرد و تقييم الأصول فهو الذي كان مكلفا باعداد و جمع التقارير التي تتضمن التقييمات لذا فانه يحفظ عن ظهر قلب تقريبا كيف تشكل رقم المليون و مائة مليون جنية التي انتهت اليها اللجنة , كما انه مسؤول عن هذا الرقم تحديدا بصفته رئيسا للشركة التي شاركت قياداتها بالاستعانة بمكاتب استشارية متخصصة في الوصول لهذا التقييم .
و لكنه يعلم أن هذا التقييم للأصول الثابتة ليس مطروحا كرقم للتفاوض لان من شروط البيع انه لن يسمح للمشتري بالتصرف في الاصول الثابتة الا يمقدار 20% كما انه لن يسمح بتسريح اي عدد من العاملين لكي يتسني بيع الاصول كاملة , لذا فان هذا التقييم استرشادي لكي يؤخذ في الاعتبار المكاسب التي يمكن للمشتري ان يجنيها بعد بيع جزء من الأصول مثلا و اعادة توزيع عامليه علي باقي القطاعات .
اذن يمكن اعتبار اي حديث عن ان هذا التقييم قد تم بغرض تحديد سعر للتفاوض عليه تحديدا في عملية البيع هو عدم فهم لطبيعة اللجنة من الأساس .
الأمر الآخر أن المهندس عزت محمود يتساءل بناء علي دوره الكبير في هذا التقييم , لماذا لم يسمع – مجرد السمع – عن هذه الضغوط التي يتحدث عنها المهندس يحيي حسين , و التي من المفترض منطقيا أن تمارس عليه أولا , و يتساءل كيف يمكن أن تمارس ضغوط علي يحيي حسين بينما لم يكن دوره كبيرا في اعداد التقييم ؟
حتي ذلك الاقتراح الذي اقترحه مسئولو الشركة القابضة علي اللجنة بأن توصي بالجمع بين تقييمها و التقييم الاقتصادي ( أقل من نصف مليار ) ...رفضه المهندس عزت و قال ان اللجنة مسئوليتها محدودة بالتوصية بالاستفادة بما قامت به , و انه لا دور لها في تبني تقييم اقتصادي تقديري يتحمل مسئوليته من قام به و أوصي به .
و استجاب مسئولو الشكرة القابضة و حذفوا هذا الاقتراح .

لماذا اذن لم يتحدث المهندس عزت الي الصحافة نافيا وجود تلك الضغوط ؟
عندما تقدم يحيي حسين ببلاغه الي النائب العام , و تلقفت الصحافة هذا البلاغ وبدأت في كتابة دور البطولة , لم يكن أمام المهندس عزت اذا اراد ان يقول الحقيقة التي لن يصدقها أحد إلا ان يكتب دور الشر , من صدق اذن نفي الوزير محمود محيي الدين و نفي رئيس الشركة القابضة .. من احترم قرار النائب العام بحفظ التجقيقات لانه لا شئ هناك .... لا أحد تقريبا, رغم أن هذه هي الحقيقة فيما أعلم , الا لو يسعفنا المهندس يحيي حسين باجابات عن التساؤلات السابقة .
و لان المهندس عزت لم يكن يعلم يقينا ماذا يمكن أن يجري في الخفاء , فانه فضل الصمت حتي لا يخوض معركة بجانب أي من الطرفين , و لان ما يعتقد انها المصلحة العامة لن تجني شيئا من جراء تلك المعركة .
كما أن المهندس عزت التزاما بواجبات منصبه من المفترض ألا يعلن عن تفاصيل عملية التقييم لانه ببساطة يجب أن يظل أي تقييم شأنا سريا, لانك اذا كنت تتفاوض لتحصل علي اعلي سعر , وعلم الطرف الآخر القيمة التي حددتها فلن يزيدها مليما .
( طبعا هذه الارقام الان متداولة , و لذا فاني غير متفق معه في هذا التبرير)

موقف المهندس يحيي حسين غامض إذن , علي ما يبدو هو لا يدري تحديدا الغرض من اللجنة التي كان عضوا بها , يتحدث عن ضغوط مورست علي اللجنة لا وجود لها – بحسب المهندس عزت – كما انه يتهم الوزير و رئيس الشركة بالفساد ثم يعود و يبرئهما من ذلك , كما أنه بالأساس غير معارض لعملية البيع , بل انه يطرح في بعض حواراته الصحفية فكرة بيع كل فرع علي حدة و هو حل غير مطروح الا بنسف شركة عمرافندي التي تعد العلامة التجارية لها احد اهم نقاط التميز في التفاوض علي بيعها , كما ان هذا الحل ينطوي علي ضرورة تسريح عدد كبير من عامليها الذين يعملون في الادارات المركزية و القطاعات المتخصصة و عمال المخازن غير المرتبطة بفروع بعينها .

المهندس عزت يري أن المهندس يحيي حسين رجل نظيف كما عهده و يستبعد كونه يلعب لصالح هذا أو ذاك ,ولكنه يتساءل عن حقيقة ما يقول و لماذا يتهم أشخاصا في ضمائرهم في بلاغ رسمي , ثم يعود مصرحا بعكس ذلك , وهو من حقه أن يختلف معهم سياسيا أو فنيا بشان قراراتهم بلا اتهامات أخلاقية .

بعيدا عن قضية المهندس يحيي حسين , فان المهندس عزت يخشي أن تضيع قضية عمرافندي .
المهندس عزت علي عكس معظم رؤساء الشركات الأخري لم يأت من خارج هذه الشركات – من القوات المسلحة أو من هيئات أخري اقتصادية أو أكاديمية – و لكنه بدأ حياته المهنية مهندسا في عمرافندي و كان عضوا منتخبا بصندوق العاملين بالشركة عن قطاع المشروعات , و لانه عامل في الشركة و ظل كذلك طيلة حياته المهنية و لا يزال , فانه متضامن مع اللجنة النقابية بشان عدم التفريط في حق اي عامل , و يشهد أن وزير الاستثمار تعهد بالالتزام بذلك في عقد البيع .
و لكنه من جانب آخر , يعتقد عن قناعة و خبرة عمر بضرورة بيع الكثير من القطاع العام و لا يعارض البيع من حيث المبدأ , يعترف بالحجم الضخم للفساد الذي ينخر في جسد القطاع العام و الذي لا يمكن لأحد مهما بلغت سلطته ان يقتلعه بضربة واحدة .
و يري ان طبيعة عمل القطاع العام لا تتسق و التجارة التي تقوم علي المغامرة و المخاطرة , التي لا يمكن لموظف في الدولة ان يقوم بها بينما أجهزة رقابية سوف تحاسبه في حال فشلت مغامرته او مخاطرته و تتهمه بتعريض المال العام للتبديد .

و بالنسبة لكيفية البيع , هو يطرح بديلا مغايرا لما يطرحه وزير الاستثمار , فالوزير يري ضرورة البيع الفوري , و لا يريد ان يتحمل مهمة ادارة القطاع العام و لو لعدد قليل من السنوات .
بينما يري المهندس عزت أن اعادة هيكلة للشركة ربما تكون الأنسب لعدة سنوات قادمة قبل طرحها للبيع .
و اعادة الهيكلة في رايه تقضي ببيع بعض الاصول التي يمكن ان تدر سيولة كبيرة ( بنايات في اماكن مميزة او أراض في اماكن مميزة عليها مخازن يمكن نقلها الي اماكن أرخص ) و التي يمكن توزيع عمالها علي الفروع الاخري و بضخ الأموال التي ستدخل خزينة الشركة يمكن القيام بعملية تطوير و تحديث للشركة بعدد اقل من الفروع , و استهداف زيادة ارباحها لكي يمكن طرحها في البورصة كأسهم يشتريها المصريين أو علي الأقل تكون صفقة عمرافندي مغرية لعدد أكبر من المستثمرين المصريين .
المهندس عزت يتبني هذا الحل علي استحياء و يطرحه احيانا كمجرد راي , لانه ليس خبيرا اقتصاديا و هو يترك للاقتصاديين دراسة هذه الحلول و الآراء , و لانه ايضا ملتزم بحدود وظيفته و لانه ليس سياسيا ليطرح رؤي لما لا يقع تحت اختصاصه .
كما أنه من المفترض أن يظن البعض انه منتفع بالبقاء لمدة أطول في منصبه, لذا فانه قد يعارض البيع السريع لاسباب شخضية , و هو يري أن من حقه تجنب مثل هذه الشبهات بالرغم من أن اعلان راتبه من منصبه سوف يبدد هذه الشبهات تماما , و لكن يظل تجنبها واجبا فالراي العام يعرف جيدا ان الراتب هو آخر مصادر تكوين ثروات الكثير من المسؤولين في هذا الأيام و في القطاع العام و الحكومة تحديدا .
و هو يمكن ان يري رؤية مغايرة لرؤية الوزيربشأن أسلوب البيع و لكنه يشهد أنه نظيف اليد و لا يمكن ان يتهمه احد بتسهيل الاستيلاء علي المال العام لانه يطبق سياسات يراها صالحة و هي تمثل توجهات عامة للدولة , و من يريد ان يطرح بديلا سياسيا فليقدمه و يناضل خلفه بدلا من أن يتكيء علي اتهامات بالفساد غير صحيحة و لا دليل عليها.
المهندس عزت شخصيا لا يحب السياسة و لا أكثر أهلها , و يعتقد أن قضيته التي سوف يناضل خلفها من موقعه , هي بيع عادل براع تقييم الاصول الثابتة و امكانية استغلالها من قبل المشتري , و حفظ لكامل حقوق العاملين .
و هو يتمني ممن يؤيدون أو يعارضون البيع ان يساهموا في تقديم البدائل و طرح الحلول التي تستهدف المصلحة العامة بدلا من الانشغال بتكريم أبطال مفترضين أو تجريس فاسدين مفتري عليهم . و يري أن عدم الاشتباك الواقعي الجدي مع صفقة هامة مثل هذه هو الذي يمكن أن يلقي بها في براثن أطراف كثيرة فاسدة تحاول التدخل لمصالحها الخاصة .
إلي هنا انتهت شهادته , و أنهي انا حديثي أني أشهد أني في هذه اللحظة معارضا للنظام القائم و سياساته , و لكني لا أحب أن أتحاز لمعارضة ديماجوجية بلا عقل , و أنا ان كنت لا أعارض الخصخصة من حيث المبدأ, و لكني أري أن الوقوف في طرف المعارضة الناقدة يمكن أن يمثل سندا عمليا للدفاع عن حقوق العمال و محاولة تفادي أيه محاولات لاستغلال البيع لصالح أطراف بعينها بدلا من أن تصب في المصلحة العامة .
كما أني أشهد أني في هذه اللحظة أيضا معارض لوالدي فيما يتعلق يتخوفه من السياسة و أهلها , و معارضته لما أقوم به أحيانا من المشاركة في أنشطة سياسية تنتمي الي جانب المعارضة .
رأيي أنه من الواجب أن ينزل كل المواطنين إلي ساحة الفعل السياسي بأشكال و أقدار مختلفة , دفاعا عن مصالحهم و عن رؤاهم التي يعتقدون أنها لصالح هذا البلد , هذا بجانب أن يناضل كل في موقعه باتقان عمله, و مقاومة و فضح الفساد و الفاسدين .
حاجتنا الي معارضة حقيقة تعرف اين تضع اقدامها ليس أقل ولا أكثر أهمية من حاجتنا الي اصلاح مجتمعي شامل , و لا يغني أحدهما عن الآخر.

و الله علي ما قلت و ما قال أبي و كل ما قيل شهيد !

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:34.