صوت ديمقراطي جذري

خارج الحدود

مدخل إلى تصور ديمقراطى للسياسة الخارجية: إعادة قراءة التاريخ والمفاهيم

شريف يونس

هذا المقال يحاول أن يقدم مساهمة نحو إعادة قراءة تاريخ المنطقة والبلاد، من منطلق ديمقراطى جذرى. موضوعه بالتحديد هو عهد الاستعمار، فحركة التحرر الوطنى، ثم دولة ما بعد الاستعمار وأزمتها الحالية، وظاهرة الاستعمار الجديد. وهدفه تقديم رؤية أخرى، ديمقراطية، تواجه طرح التيار القومى (والدينى) الذى يواجه الاستعمار الجديد بمنطق سلطوى، يضحى بكل رحابة صدر، وشغف، بالدولة الديمقراطية فى سبيل المواجهة التى يراها محتومة.

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:48.

بيروت : عام علي العدوان الإسرائيلي و النصر الإلهي

هل مازال هناك ما لم يتم إحراقه؟

عمرو عبد الرحمن

 

 

عاشت
لبنان يومى 23 يناير و14 فبراير من هذا العام سيناريو الحرب الأهلية بكامل
شخوصه التاريخية وأشباحه. ميليشيات حزب اللـه تنتشر فى الطرقات تسأل الناس
عن هوياتهم وتفتش فى نواياهم، هل هم فى طريقهم إلى العمل أم "ملتزمون"
بالإضراب، حواجز وإطارات محروقة وفوق ذلك كله اشتباكات دامية على خطوط
التماس المذهبية فى العاصمة المتوترة أصلاً، وفرق من الشباب السنى تسمى
نفسها فهود الطريق الجديدة مسلحة بالعصى والأسلحة البيضاء تستمع لخطابات
زعماء 14 آذار رافعة شعارات مثل "الثأر لأبى بهاء". هذه المشاهد مثلت
قطيعة فى مسيرة اعتصام قوى المعارضة المستمر منذ خمسة أشهر، إذ شكلت نقلة
نوعية فى اتجاه طرح سيناريو الحرب الأهلية على بساط البحث بمنتهى الجدية
بعد أن كان شبحاً يتم استدعاؤه للتذكير بمخاطر الدعاية الطائفية وتنبيه
الفرقاء إلى أن لبنان قد يكب على وجهه جراء حصاد ألسنتهم.

 

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:39.

اليسار الديمقراطي الفلسطينى.. إلى أين؟

بيسان عدوان

كان ظهور مصطفى البرغوثى مرشحا قويا فى الانتخابات الرئاسية الفلسطينية علامة بارزة على نشأة تيار يسارى ديمقراطى فلسطينى إلى جوار سلطة فتح والتيار الإسلامى. فى هذا المقال تلقى بيسان عدوان الضوء على تشكل هذا التيار وبرنامجه والمشكلات التى يواجهها وآفاق حلها.

منذ فترة زمنية ليست بالقصيرة تشهد الساحة الفلسطينية الداخلية حالة من الاستقطاب السياسي بين تيار السلطة بقيادة حركة فتح وبين تيار الإسلام السياسي بقيادة حركة حماس، وقد تعمق هذا الاستقطاب في الآونة الأخيرة بعد حوار القاهرة ونتائج الانتخابات المحلية وتشكيل هيئة للإشراف على ملف الانسحاب من غزة، بما أصبح يشكل تهديدا للقضية والشعب الفلسطينيين بدخوله في المحرمات كالاقتتال، وتجاوز الخطوط الحمراء المتعارف عليها وطنيا.
فى ضوء ذلك، هناك شعور واسع الانتشار ورغبة عميقة فى الأوساط التي تقع بين التيارين وخارجهما، والتي تملك رؤية مغايرة لرؤيتهما، قائمة على ضرورة العمل لبناء تيار أو ائتلاف واسع وعريض يتميز برؤية ديمقراطية بأبعادها السياسية والاجتماعية والحقوقية. وبرغم تشكل بوادر لهذا التيار الثالث أو القوة الثالثة في الحياة السياسية منذ الانتخابات الرئاسية في يناير 2005 وخوضها غمار الانتخابات، إلا أن بناءها لم يكتمل حتى الآن لأسباب مختلفة، منها ما يتعلق بالأفراد داخل هذا الجسم ومنها ما يتعلق بالمناخ السياسي السائد في الساحة الفلسطينية.
لقد شجعت تطورات الجسم السياسى الفلسطينى على تشكل هذا التيار الثالث. فمن جهة استشرت حالة التفتت داخل الجسم الفتحاوي كما تبينها الاستقالات الجماعية خلال عامي 2004 -2005 وتراجعت شعبيته داخل الشارع الفلسطيني. لقد تكبدت فتح خسائر كبيرة بحكم إدارتها للبلاد في السنوات العشر الماضية وبسبب الفساد المتفشي في مؤسسات السلطة واستفحال مراكز القوى في السلطة وسعيها وراء المصالح الذاتية، مرورا بالانفلات الأمني وغياب القانون والعدالة، وانتهاءً بعدم إنجاز المشروع الوطني. ومن جهة أخرى وصلت حركة حماس إلى نقطة لم تعد تكسب بعدها أرضا جديدة أو إنجازا جديدا يحل مشاكل الناس المتراكمة بفعل فساد السلطة وبفعل القمع والاغتيالات والتدمير المنهجى من قبل الجبروت الإسرائيلي المدعوم أمريكيا على الشعب الفلسطيني. هذا بالإضافة إلى أن حماس غير مرغوب فيها كتيار ديني من شأنه إقلاق دول الجوار، مما أغلق أمامها أفق السعى إلى الفوز بالسلطة وتطبيق برنامجها. كما أن عزوفها عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية وعن تدعيم مرشح المعارضة الديمقراطية (مصطفى البرغوثي) كطريقة لتغيير النهج السابق، أظهرها وكأنها تبتعد عن الدفاع عن مصالح الناس والتصدي للإصلاح. فكان موقفها بمثابة تأييد لاستمرار فتح في السلطة.

تشكل التيار الثالث الديمقراطي
برغم محاولات البعض تجاهل التحولات التي حدثت على صعيد الخارطة السياسية الفلسطينية، ظهرت قوة التيار الديمقراطي في تحالف "المبادرة الوطنية" واللجان العمالية المستقلة و"الجبهة الشعبية" والمستقلين في تجربة الانتخابات الرئاسية وما تلاها من انتخابات المرحلة الثانية للمجالس المحلية، إضافة إلى استطلاعات الرأي التي تصدر عن مؤسسات مهنية، والتي أشارت جميعها إلى وجود قوة ثالثة كبيرة على الساحة السياسية الفلسطينية اتسمت بتميز في طرح موقفها السياسي والاجتماعي بعيدا عن الاستقطاب بين خطابى فتح وحماس السائدين. كما ظهرت قبل ذلك في التحالفات الديمقراطية التي نشأت في النقابات المهنية المختلفة. حصلت هذه القوة على قرابة العشرين في المائة من الأصوات في "انتخابات الرئاسة" فى يناير من هذا العام، وعلى عضوية أكثر من عشرين مجلس محلي في الضفة الغربية. والواقع أن استطلاعات الرأي تشير منذ عدة سنوات إلى وجود أغلبية صامتة لا تقل عن 40% - 45% من الناس، ممن ليسوا جزءا من الاستقطاب بين "فتح" و"حماس". ومن الواضح أن الانتخابات الرئاسية قد أثبتت وجود تيار ثالث ديمقراطي قوي ومؤثر استطاع مرشحه الحصول على حوالى 22% من الأصوات الصالحة رسميا، وما يصل إلى 30% من الأصوات، إذا حذفنا الآثار الناجمة عن خرق القانون والتصويت المتكرر الذي جرى في الساعات الثلاث الأخيرة، وتبعثر جزء من الأصوات بين عدد من المرشحين . وترافق مع ذلك بروز حركة كفاحية نشطة وعالية خلال سنوات الانتفاضة الحالية، عملت فى قضايا مقاومة بناء جدار الفصل، والوقوف إلى جانب قطاعات واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني، مثل المعلمين، العمال، الأطباء وغيرهم، تعاني نتائج سوء إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية لموارد البلد الاقتصادية.
وقد ارتبط البروز القوي لهذا التيار بالإعلان عن تشكيل "المبادرة الوطنية الفلسطينية" وتعزز بتطور مهم وتاريخي بتحالف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع المبادرة الوطنية واللجان العمالية المستقلة خلال الانتخابات الرئاسية، إضافة إلى الدكتور عبد الستار قاسم الذي سحب ترشيحه للرئاسة لصالح مرشح هذا التيار.
يتشكل هذا التيار من مجموع الفصائل الوطنية الديمقراطية (الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب والنضال وفدا والمبادرة الوطنية) ومن الهيئات والمؤسسات المجتمعية، بما فيها النقابات ومنظمات المجتمع المدني، ومن الشخصيات العامة الديمقراطية. وكان بروز "المبادرة الوطنية" كمعبر عن هذا التيار قد اكتمل في الانتخابات الرئاسية الماضية ، حيث صيغت الأهداف الرئيسية لهذا التيار منذ عام 2002 وأُعلن عنها في بيان المبادرة في يونيو 2002.
وكان إعلان الجبهة الشعبية عن دعم مرشح الرئاسة مصطفى البرغوثي والتحالف مع المبادرة الوطنية تحولا مهما وإيجابيا فى فكرها وممارستها السياسية، تتوقف أهميته على مدى قدرته على اختصار الطريق لنشوء تيار وطني ديمقراطي واقعى، بحيث تكون ملامحه واضحة ومميزة بالفعل والعمل في الواقع وليس في الخطاب فقط، عن طرفى الاستقطاب. وتكمن أهمية الدعم الذي منحته الجبهة الشعبية لمرشح الرئاسة البرغوثي في نقطتين:
أولا: سد احد النواقص التي كانت تعاني منها حملة مصطفى البرغوثي، وهو البعد التاريخي النضالي وإرث الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير (وشارك فى ذلك أيضا دعم الدكتور حيدر عبد الشافي الزعيم التاريخي المستقل والعضو المؤسس للمنظمة).
ثانيا: ترافق إعلان الجبهة الشعبية لدعم البرغوثي مع إصدار بيان مشترك يحدد معالم برنامج وطني ديمقراطي سيحكم هذا التحالف، يرتكز إلى رؤية سياسية مشتركة ومنهج لقيادة النضال الوطني للشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى رؤية متكاملة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية، تهدف إلى إجراء تغيير شامل في نهج إدارة عملية التنمية الاجتماعية بما يحقق حرية وكرامة المواطن ويؤمن استقراره، مما سيساهم في تقوية وتعزيز المجتمع الفلسطيني وقدرته على الصمود في وجه التحديات التي تواجهه.
والواقع أن مبرر وجود تيار ثالث يكمن في قدرته على طرح موقف وطني متماسك، يرفض كلا من طرح الحقوق الأساسية (التي تمثل الحد الأدنى الوطني) للمساومة، والحفاظ عليها كأيقونة مقدسة دون القدرة على تحقيقها بسياسة عملية؛ وطرح موقف ديمقراطي متماسك يطالب بالاحتكام إلى الشعب بصورة دائمة، وليس حسب الحاجة والمصلحة الفئوية، وإلى القانون؛ وباحترام حقوق الإنسان وحرياته العامة والخاصة؛ والمساواة بين المرأة والرجل؛ والعدالة والتقدم والتنمية. والواقع أن الاتجاه الثالث لن يولد فعلا إلا عندما يثبت دعاته أن القضيتين الوطنية والديمقراطية مترابطتين ولا يمكن فصل الواحدة منهما عن الأخرى، وتكون المسافة بينه وبين الاتجاهات الأخرى واضحة، فلا يغازل اتجاها ما على حساب برنامجه، بل يعمل على بلورة نفسه بصورة مستقلة.

البرنامج اليسارى الديمقراطى:
دعت "المبادرة الوطنية" إلى التصدي للضغوط الإسرائيلية والخارجية واستمرار الكفاح الوطني من أجل إنهاء الاحتلال والاستيطان وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة على كامل الأراضي المحتلة عام 1967، وحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، والعمل على كسر الحصار الإسرائيلى وإفشاله. كما طالبت بإصلاح جذري حقيقي وشامل يتجنب أنصاف الحلول، ويتم برؤية فلسطينية كفاحية متفائلة بهدف تعزيز الصمود الوطني والوحدة وإعادة الثقة للمواطنين والمناضلين الفلسطينيين وأبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
ودعت المبادرة إلى إنشاء قيادة طوارئ وطنية ترسم استراتيجية وتضع أهدافا وطنية مشتركة وتلغي كل ازدواجية في الخطاب السياسي وتحقق الوحدة والالتزام على قاعدة المشاركة الفعلية في صنع القرار، وتعد لانتخابات ديمقراطية حرة ومباشرة وتنفيذ خطة لدعم الصمود الوطني بمساندة الفقراء ودعم العائلات الفقيرة ومكافحة البطالة وتلبية احتياجات التعليم والصحة. كما طالبت بحماية تضحيات الانتفاضة والشعب الفلسطيني الغالية وتحويلها إلى منجزات سياسية.
ونستطيع أن نرصد ما يميز هذا التيار من حيث موقفه المتماسك والواقعي من القضية الوطنية، وضربه المثل في تجسيد الديمقراطية الحقيقية، من خلال استعراض برنامجه. يبدأ البرنامج بالمطالبة بإنشاء قيادة طوارئ وطنية موحدة ترسم استراتيجية وتضع أهدافا وطنية مشتركة يلتزم بها الجميع على قاعدة المشاركة الكاملة في صنع القرار، وتخضع فيها الاعتبارات الفصائلية والتنظيمية والذاتية للمصلحة الوطنية العليا. ويترافق ذلك مع بناء سياسى ديمقراطى يتمثل فى مقرطة مؤسسات منظمة التحرير، بما في ذلك إجراء انتخابات لمجلسها الوطني. أما الشق الثالث فهو المطالب الاجتماعية متمثلة فى تلبية احتياجات الفقراء والمحتاجين، ومساندة الفئات المتضررة، على أن يتم الإصلاح بشكل ديمقراطى، بتعزيز وتوسيع تشكيل اللجان الشعبية الوطنية واللجان القطاعية والمؤتمرات الشعبية لتتولى مهام دعم الإصلاح الحقيقي وتعزيز الصمود الداخلي، وتحقيق المشاركة والرقابة الشعبية في توجيه ومراقبة أموال ومشروعات إعادة الإعمار وتوزيع المساعدات بعدالة كاملة وشفافية مطلقة وتخطيط تنموي سليم.
ومن الناحية الإجرائية يطالب البرنامج بإجراء انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة ودورية لكافة المؤسسات الوطنية، بما في ذلك الرئاسة وبرلمان الدولة الفلسطينية والمجالس البلدية والقروية، على أن تجرى في ظل وجود دولي يضمن نزاهتها ويحول دون أية تدخلات إسرائيلية فيها، بما في ذلك إخراج القوات الإسرائيلية. ويقرر أن الانتخابات الديمقراطية جزء من مقومات بناء الدولة الفلسطينية ويجب التعامل معها كقضية مقاومة كفاحية لفرض الاستقلال الوطني الفلسطيني ليشمل سائر الأراضي المحتلة وفي مقدمتها مدينة القدس الشرقية المحتلة، رابطا بذلك بين الديمقراطية والقضية والوطنية.
وتلى ذلك النقاط التفصيلية التى تم جمعها تحت عناوين رئيسية، أولها: فصل السلطات وتوازن أدوارها واحترام استقلالية الهيئات التشريعية والقضائية في التطبيق الفعلي. بما يحقق الشفافية وإلغاء المحسوبية فى شغل الوظائف ورفع كفاءة المؤسسات لتحقيق خدمة كريمة للمواطن، ومقرطة النظام بتعزيز دور المجالس البلدية والقروية المنتخبة وتحقيق استقلال ميزانيتها، وبصفة خاصة تلبية احتياجات المناطق الأقل تطويرا والأكثر فقرا، وخاصة المناطق المهددة بالاستيطان، وتأكيد دور المواطنين كمرجعية لعمل هذه المجالس. ويتطلب هذا كله إلغاء تعددية الأجهزة الأمنية والحد من سطوتها بمنع قادتها من التدخل في الأمور السياسية والإعلامية وتقييدهم بقرارات القيادة الشرعية المنتخبة، وابتعادهم الكامل عن الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، مع تحديد موازنة رسمية واضحة لهذه الأجهزة.
والعنوان الثانى هو سيادة القانون واستقلال القضاء وتحقيق الأمن والأمان للمواطنين، الأمر الذى يتطلب إصلاح الجهاز القضائى والقوانين ذاتها، بما فى ذلك إلغاء محاكم أمن الدولة. والثالث هو مكافحة البطالة وتشغيل العمال والعاطلين عن العمل. ويشمل هذا العنوان أيضا إلغاء كافة الاحتكارات الاقتصادية، وتأمين حرية الاستثمار بشكل عادل ومتساوٍ لكافة الفلسطينيين، أى وقف تلاعب النفوذ الإدارى والعسكرى بالنشاط الاقتصادى الحر. أما الرابع فهو تأمين العيش الكريم والصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وحماية حقوق المرأة، بإقامة نظام شامل للتأمين الصحى وإقراض طلبة الجامعات وتعزيز التعليم، إلى غير ذلك من المطالب النوعية.
يتناول البرنامج أيضا قضية الإفراج عن الأسرى والسجناء المعتقلين فى سجون الاحتلال وتفعيل دور الجاليات الفلسطينية فى الخارج وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني واستقلاليتها ودورها التنموي وتكريس مبادئ الديمقراطية والشفافية في عملها، ومواصلة وتوسيع حملة التضامن الشعبية الدولية مع الشعب الفلسطيني ونضاله العادل.
على هذا النحو يربط البرنامج بوضوح النقاط الوطنية والاجتماعية بإصلاح ديمقراطى عميق للسلطة الفلسطينية، بما يجعل المطلب الديمقراطى بفروعه المختلفة محورا لكل القضايا الأخرى.

مشكلات التيار الثالث وآفاق تجاوزها
برغم النجاح الذى حققه التيار الثالث فى الانتخابات الرئاسية فإنه فشل فى استقطاب أصوات المستقلين فى الانتخابات البلدية، خاصة في مرحلتها الثانية، التي شهدت استقطابا ثنائيا حادا بين حركتي "فتح" و"حماس"، حيث استطاعت هاتان الحركتان بكل الطرق الممكنة ضم القسم الأكبر من المستقلين في قوائمهما بحيث حصلتا على حوالي 90% من المقاعد والأصوات، بينما لم تحصل كافة الفصائل الأخرى والمستقلون وكل ممثلي التيار الثالث سوى على أقل من 10%، الأمر الذى يدفع إلى توقع فشل التيار الثالث فى الحصول على أصوات المستقلين في الانتخابات التشريعية القادمة، والتي تعد التحدي الأهم في الحياة السياسة الفلسطينية. وفيما يتعلق بالمعيقات والتحديات التي تواجه هذا التيار عموما فيمكن إيجازها في عدة نقاط كالتالي :
- يظل مفهوم الأبوية والعصبية راسخا في بنية الأحزاب اليسارية الديمقراطية، فهى نتاج ثقافة مجتمع أبوي عنوانه التعسف، ولا يحمل في طياته النظرة الموضوعية الطبقية. وما زالت قيادة التيار الديمقراطي تعمل ضمن النهج القديم من فئوية وشخصانية ومصلحة خاصة مغيبة البعد الوطني العام.
- عدم ترسخ روح الديمقراطية في داخل الأحزاب اليسارية، وعدم تداول السلطة داخلها.
- محدودية القاعدة وضعف العضوية الحزبية.
أما فيما يخص مشاركة هذا التيار في الانتخابات التشريعية القادمة والتحديات التي يواجهها فيمكن أن نقول إن أهمها هو تفتته بسبب عدم وجود صيغة تنظيمية خلاقة مرنة تتجاوز الصيغ البيروقراطية التي شهدتها الساحة الفلسطينية، وتبتعد عن الهلامية المائعة الموجودة في الأطر التنظيمية التي لدينا، تتفق مع متطلبات المرحلة بشقيها، سواء المتعلق بمهمات التحرر الوطني، أو المتعلق بمهمات البناء الديمقراطي.
فبرغم الاتفاق حول ضرورة وجود تيار ديمقراطي يساري إلا أن الاختلاف بين القوي والشخصيات التي تشكل هذا التيار قد برز منذ انتخابات الرئاسية الماضية وأصبح واضحا للعيان مع البدء بتشكيل قوائم انتخابية في انتخابات المجلس التشريعي القادم، مما حال حتى الآن دون بلورة تيار ديمقراطي ثالث في الحياة السياسية الفلسطينية، يكون في استطاعته أن يكون شريكا في النظام السياسي الفلسطيني ، وقادرا على كسر الثنائية السياسية داخل الحياة الفلسطينية.
نشرت الصحف الفلسطينية منذ أسابيع أخبارا عن لقاءات واجتماعات لقوي متعددة قيل أنها تيار ديمقراطي جديد، وأنها في طور إقامة شكل نهائي لقوي هذا التيار. إلا أن الحديث كان عن تشكيل قوائم لتيارات "ثالثة" للانتخابات التشريعية وليس عن تيار ثالث واحد. لقد أصبح واضحا للعيان أن هناك محاولات تجري لتفكيك التيار الديمقراطي من خلال بعض الأعضاء الجدد عليه، وقد برزت تجليات هذا بوضوح خلال الانتخابات الرئاسية مع وجود أكثر من مرشح للرئاسة يتنافس على موقع الرئاسة، وكان رفض تنازل اثنين منهم لصالح المرشح الأكثر حظا وحضورا بين الجماهير مؤشرا على ذلك، بعد أن أغلقا الطريق والفرصة لإنجاح الحوار وتجاهلا غياب مصلحة التيار الديمقراطي في وجود أكثر من مرشح في هذه المعركة الحاسمة، ومدى انعكاس ذلك على مستقبل استكمال بناء وتطوير التيار الديمقراطي.
هناك جملة من العوامل الذاتية والفردية داخل التيار تحول دون اتفاق أطراف التيار الثالث وتوحيد صفوفه. فالعصبوية التنظيمية والمصالح الخاصة والشخصية والتنظيمية الأنانية، وضيق الأفق، والأوهام والمراهنات التي ستثبت الأيام بطلانها، ما زالت تحول دون استمرار الحوار بين الفصائل وتحقيق الآمال التي عقدها المخلصون من أبناء هذا التيار. وإذا لم يستطع التيار الثالث أن يوحد صفوفه لخوض الانتخابات التشريعية، وخاضت فصائله الانتخابات بصورة منفردة فربما يصاب بضربة قاتلة، حيث سيعجز العديد من فصائله وشخصياته عن تحقيق تمثيل فى المجلس التشريعي القادم أو ستحصل على تمثيل ضعيف، حيث يساعد القانون على إنجاح ممثلي الفصائل الكبيرة، وما تكتله من عائلات وعشائر.
كيف يمكن أن يخرج هذا التيار من أزمته والأزمات اللاحقة لتجنب اندثاره وتفتته، خاصة في الانتخابات التشريعية القادمة؟ ربما يجب التركيز على القضايا التالية:
أولا: على التيار الديمقراطي أن يهتم بصياغة برنامجه السياسي الاجتماعي خاصة قضايا الفقر والبطالة وترسيخ قيم العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والفوضى واعتبار أن سيادة القانون معركة لا تقل أهمية عن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي مع ضرورة الحفاظ على الثوابت الوطنية.
ثانيا: أن يتمسك بضرورة التوحد مهما كلف الأمر، بحيث يتجاوز المحاصصة لصالح تقاسم المواقع بطرق ديمقراطية، والاتفاق على آليات وإجراءات واضحة في هذه العملية، وتبنى منهج الشفافية في حملاته الانتخابية .
ثالثا: أن يقدم هذا التيار شخصيات تتسم بالوطنية والأخلاق والقدرة على المساهمة في حياة برلمانية ديمقراطية، وأن يكون الجمهور الفلسطيني على ثقة من أدائها واستعدادها للالتزام ببرنامج ورؤية التيار الوطني الديمقراطي، وامتلاك آليات واضحة لمراقبة ومحاسبة ممثليه داخل البرلمان.
لا شك أن قوة هذه التيار ستتعزز إذا نجح فى ضم كل قوى المعارضة الديمقراطية، كما أن قبول جميع الفصائل الفلسطينية بوقف الأنشطة العسكرية، وإعلان التهدئة وانضواء الحركات الإسلامية في النظام السياسي يفتح الباب على مصراعيه لتطور نمط المقاومة والكفاح الشعبي الجماهيري الذي برزت من خلاله قدرات القوى الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:20.

الانسحاب الإسرائيلى من غزة: خطة شارون والفرص الفلسطينية

خالد فهمى

تبدو واقعة وجود أكثر من 3.5 مليون فلسطينى، متمسكين بتمايزهم عن المشروع الصهيونى، وما يسفر عنه ذلك من ضغوط دولية على إسرائيل، التحدى الأساسى أمام هذا المشروع العنصرى. يبين خالد فهمى فى هذا المقال كيف أن إصرار شارون على إتمام الانسحاب من قطاع غزة وجزء من شمال الضفة يمثل حلا مؤقتا لمجابهة هذا التحدى، يبين فى نفس الوقت حدود قدرات الدولة الإسرائيلية، والآفاق الممكنة لتحقيق مزيد من الخطوات نحو استعادة ما يمكن الحصول عليه من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى.

فاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلى، أرييل شارون، العالم أجمع عندما أعلن فى ربيع 2004 عن خطته أحادية الجانب لـ"فك الارتباط" مع قطاع غزة. وقد انتهى المحللون الغربيون إلى أن تحولا مهما قد طرأ على تفكير شارون، حيث اقتنع برؤية منافسيه فى حزب العمل لإمكانية التسوية مع الفلسطينيين وبمبدئهم القائل بضرورة التنازل عن الأرض مقابل السلام. وبالتالى ظهر شارون كمن يمتلك بالفعل رؤية تاريخية لحل هذا الصراع الدامى الذى امتد لما يزيد على قرن من الزمان.
وفى داخل إسرائيل نفسها أحدثت خطة فك الارتباط لغطا كبيرا نظرا لأنها جاءت من رجل عُرف عنه دائما إيمانه بـ"أرض إسرائيل الكبرى" وتبنيه للاستيطان كأهم الوسائل لفرض حقائق جديدة على الواقع استباقا لأية تسوية سياسية مع الفلسطينيين. وسرعان ما تعالت الأصوات من اليمين المتدين ومن غلاة المستوطنين بمقاومة أية محاولة لاقتلاع مستوطنى قطاع غزة من "ديارهم"، وعدم شرعية الخطة حسب قراءاتهم التوراتية، وبالتالى حض جنود الجيش على عصيان أوامر إخلاء المستوطنين بالقوة.
أما على الجانب العربى فقد أحدثت خطة شارون ارتباكا كبيرا فى صفوف الفلسطينيين ولدى الحكومات العربية المعنية وبخاصة المصرية. فخطة شارون هى حسب نصها نفسه خطة "فك ارتباط" أحادية الجانب وليست خطة "انسحاب" مبنية على اتفاق بين جانبين. وبرغم اقتناع الكثيرين بالإخطار المخيفة الكامنة فى الخطة أعلنت السلطة الفلسطينية مرارا أنها ترحب بأى انسحاب إسرائيلى من أية بقعة فلسطينية. ومن ناحيتها سعت مصر لوضع خطة فك الارتباط فى إطار خارطة الطريق التى التزم بها الرئيس الأمريكى جورج بوش، ولكن دون نجاح كما سنوضح لاحقا.
ويحاول هذا المقال التعرف على الملامح العريضة للخطة ووضعها فى سياقها التاريخى وربطها بالأزمات القانونية والأخلاقية والديموجرافية التى تعانى منها إسرائيل، ومن خلال ذلك يحاول أن يبرهن على أن الخطة لا تنبع من تسليم شارون بعدم شرعية الاحتلال وانعدام أخلاقيته، أو حتى اقتناعه بأهمية الانسحاب من الأراضى الفلسطينية المحتلة لتحقيق السلام، بل رغبته فى التخلص من صفة "الاحتلال"، الموصومة بها إسرائيل، عن طريق انسحاب جزئى مشروط، وكذلك وأد محاولة إقامة الدولة الفلسطينية التى يزداد الإجماع الدولى حولها. وأخيرا يحاول المقال أن يقدم اقتراحا بما يمكن للفلسطينيين عمله إزاء هذه الخطة الخبيثة مبنيا على التجربة المصرية فى مقاومة الاحتلال البريطانى.

ملامح الخطة وأهدافها:
فى صدر نص الخطة كما أعلنها مكتب شارون فقرة ملفتة تقول إنه "إذا تم الوصول إلى أية اتفاقية دائمة فى المستقبل لن يكون هناك تواجد إسرائيلى فى قطاع غزة. ولكن [تضيف الفقرة سريعا] من الواضح أن بعض المناطق من يهودا والسامرة [الاسم الذى تطلقه إسرائيل على الضفة الغربية] ستظل جزءا من إسرائيل".
كما تنص مادة أخرى على أن "دولة إسرائيل ستقوم بمراقبة الحدود الخارجية [للقطاع] وستشرف عليه، وسيكون لها، دون غيرها، الحق فى التحكم فى المجال الجوى، كما ستواصل عملياتها العسكرية قبالة ساحل قطاع غزة." وتؤكد الفقرة التالية على أن القطاع سيكون منزوع السلاح كلية. ثم تضيف مادة ثالثة أن "دولة إسرائيل تحتفظ لنفسها بحق الدفاع عن النفس، ويتضمن هذا القيام بإجراءات وقائية بالإضافة إلى استخدام القوة ضد تهديدات نابعة من داخل القطاع". وينطبق نفس الشىء على النذر اليسير من الضفة الغربية التى انسحبت منه إسرائيل (وهو أربع مستوطنات: "جانيم" و"كاديم" و"صا- نور" و"هومش").
وهكذا فإن الخطة أبعد ما تكون عن إعادة السيادة إلى الفلسطينيين على هذه القطعة من أرضهم، ولا تقوم بأى حال على مبدأ السعى لحل سياسى للصراع التاريخي الطويل يقوم على مبادئ العدالة أو القانون الدولى. أما الأهداف التى يبتغيها شارون من وراء تلك الخطة، ومواطن الخطر فيها، فهى إنهاء صفة الاحتلال، وشراء الوقت، والأخطر وأد مشروع الدولة الفلسطينية:

(1) إنهاء صفة الاحتلال
من أهم دوافع الخطة محاولة تخفيف الضغط الأخلاقى الذى تتعرض له إسرائيل مؤخراً والذى يصورها كدولة محتلة. وهذا عامل مهم، وإن كان ليس أهم العوامل؛ فإسرائيل شديدة الاهتمام بصورتها الدولية، وحريصة على إسباغ الشرعية على أفعالها. وبرغم أن هذا الضغط ليس جديدا، إذ تحثها مختلف القرارات الدولية على التخلى عن الأراضى المحتلة منذ حرب 1967، فإن وتيرته زادت بشكل كبير مؤخرا فى المحافل الدولية وفى الدوائر الليبرالية الغربية (مثل الجامعات والمراكز البحثية والصحف اليسارية). وجاءت فتوى محكمة العدل الدولية بخصوص الجدار الذى تقيمه إسرائيل على الأراضى الفلسطينية التى صدرت فى الصيف الماضى (4 يوليو 2004) لتعيد التأكيد على صفة الاحتلال وعلى عدم مشروعية بناء الجدار من وجهة نظر القانون الدولى.
وبالرغم من أن الكثير من المراقبين والمحللين الإسرائيليين كانوا قد توقعوا ألا يكون رأى المحكمة الاستشارى مؤيدا لهم، إلا أن صيغة هذا الرأى ولغته وحيثياته القانونية المسهبة، إضافة إلى تطرقه إلى نقاط لا ترتبط بالجدار مباشرة (مثل التأكيد على حق تقرير المصير للفلسطينيين) - كل ذلك أجبرهم على إدراك حرج موقفهم الأخلاقى والقانونى فى المحافل الدولية، وأن ركوبهم لموجة "الحرب على الإرهاب" التى توجهها الولايات المتحدة، وإن كان قد ساعدهم فى قمع الفلسطينيين، فإنه لا يكفى لإلغاء وضعهم كدولة محتلة.
وبخصوص قطاع غزة فقد ازدادت فى الآونة الأخيرة مطالبة إسرائيل إما بالانسحاب من القطاع (ومن سائر الأراضى العربية المحتلة في حرب 1967) أو بتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بالأراضى المحتلة وبالتزامات دولة الاحتلال تجاه الشعب الواقع تحت الاحتلال، الأمر الذى نجحت إسرائيل فى تحاشيه حتى الآن. ومن هنا جاء فى نص الخطة أنه بعد تنفيذها "لن يكون هناك أي أساس للادعاء بأن القطاع أرض محتلة". وسعت إسرائيل منذ إعلان الخطة للترويج لأنها تعفيها من مسؤوليتها كدولة احتلال، وتنقل تلك المسؤولية إلى السلطة الفلسطينية أو المجتمع الدولى.
غير أن هناك مشكلتين أساسيتين فى هذا الزعم. فقطاع غزة والضفة الغربية يشكلان فى نظر القانون الدولى وحدة ترابية واحدة، وقد قبلت إسرائيل بذلك بتوقيعها على اتفاقية أوسلو، وبالتالى لن يزيل الانسحاب من جزء واحد فقط من هذه الوحدة الترابية صفة الاحتلال قانوناً. ولكن حتى بالنسبة للقطاع ذاته، فإن القانون الدولى قد حدد (فى اتفاقية لاهاى لعام 1910) مفهوم الاحتلال قائلا أن "العبرة فى الحكم بزوال الاحتلال ليس توقف سلطة الاحتلال عن ممارسة سيطرتها على المنطقة وإنما قدرتها على فرض هذه السيطرة". وبالتالى فإن احتفاظ إسرائيل بحقها فى مراقبة الحدود الخارجية [للقطاع] والإشراف عليه والتحكم فى المجال الجوى، الخ ما مر بنا، يبقى على صفة الاحتلال فى عرف القانون الدولى.
ومما يثير الدهشة حقا غياب الجهود العربية الداعمة للفلسطينيين فى هذا المجال الحقوقى والقانونى، الذى هو من أقوى الأوراق فى أيدى الفلسطينيين والعرب عموما فى المحافل الدولية وفى المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، إضافة إلى أهميته فى التواصل مع الرأى العام الغربى. فلم تسع الحكومة المصرية مثلاً إلى التأكيد على أن صفة الاحتلال سوف تظل لصيقة بإسرائيل حتى بعد تنفيذها لبنود الخطة.
وبشكل عام يلاحظ فى الفترة الأخيرة انتقال الملف الفلسطينى من الخارجية المصرية إلى جهاز المخابرات بشكل كامل، سواء فيما يتعلق بما يسمى "التنسيق بين الفصائل الفلسطينية" أو مسألة مراقبة الحدود المشتركة. وهو الأمر الذى اعترف به وزير الخارجية، أحمد أبو الغيط، فى حديث له مع جريدة الحياة اللندنية فى 16 يوليو 2005. وفحوى تسليم للملف للمخابرات تغلب الرؤية الأمنية القائمة على التخوف من ظهور دولة "حماسية" على الحدود الشرقية لمصر، على حساب أية معايير أخرى بما فيها القانون الدولى، ناهيك عن الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطينى.

(2) شراء الوقت:
الهدف الثانى من أهداف شارون هو محاولة حل المشكلة الديموجرافية التى باتت تهدد المشروع الصهيونى برمته. فكما هو معروف تقوم الصهيونية على مقولة أساسية وجوهرية وهى حق اليهود الأبدى والأزلى فى "أرض إسرائيل"، ذلك الحق الذى لا يمكن أن يوصف إلا بأنه حق عنصرى. وإزاء حقيقة وجود شعب آخر يعود تاريخ وجوده على نفس تلك البقعة إلى مئات السنين فقد حاولت الصهيونية التشكيك فى وجود هذا الشعب بتصويره كمجرد أفراد وجماعات "لاجئة"، يتحمل العرب، لا إسرائيل، مسؤولية توطنيهم، أو القول بأنه شعب ليس له حق تاريخى فى فلسطين. وساند هذه المقولات أكاديميون أمريكيون وبريطانيون وغيرهم. ولكن تصدى لهم باحثون آخرون، منهم الباحث اليهودى نورمان فينكلستين، أثبتوا تلفيق مزاعمهم.
على أن أنجح محاولة صهيونية فى التعامل مع معضلة وجود شعب فلسطينى هو الاعتراف بوجود أشخاص غير يهود على أرض إسرائيل، لهم بعض الحقوق المدنية والسياسية، ولكنهم محرومون من حقوق أخرى بحكم أنهم ليسوا يهودا، وفقا للإيديولوجيا الصهيونية المؤسسة للدولة، التى لا تقوم على حق المواطنة مثل القوميات الليبرالية الغربية.
وقد جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية لتوضح للإسرائيليين مدى صعوبة نفى وجود شعب بأكمله. فبرغم نجاح المشروع الصهيونى فى القرن الماضى فى خطته الاستيطانية وتشريد جزء لا يستهان به من الشعب الفلسطينى، تبقى داخل حدود إسرائيل عند إقامتها عام 1948 نحو ثمانون ألفا من الفلسطينيين بلغ عدهم الآن حوالى المليون. وبعد حرب 1967 أضيف لهم فلسطينيو الضفة والقطاع ويبلغ عددهم الآن حوالى ثلاثة ملايين.
وبحسبة سريعة تأخذ فى الاعتبار ارتفاع نسبة الزيادة السكانية لدى الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين اليهود نستطيع أن ندرك مدى القلق الذى يشكله هؤلاء "الأغيار" على الهوية اليهودية لإسرائيل وعلى المشروع الصهيونى ككل. إذ يمكن الجزم بأن غير اليهود سيشكلون أغلبية السكان فى إسرائيل بحلول عام 2020. وحتى وقت قريب كان هناك حلين اثنين لتلك المعضلة، يتمثل الأول فى إدماج فلسطينيي الضفة والقطاع داخل إسرائيل ومعاملتهم كأمثالهم من فلسطينيي الداخل، أي أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين لا يتمتعون بنفس الحقوق التى يتمتع بها اليهود ولكن يتمتعون بحق الانتخاب والترشيح، الأمر الذى يطرح إمكانية وصولهم للحكم عن طريق صناديق الاقتراع ليضعوا نهاية ليهودية الدولة. أما الحل الثانى فهو إنهاء احتلال الضفة والقطاع وإعطاء الفلسطينيين حقوقهم (منقوصة بالطبع). على أن هذا الحل يستلزم مفاوضات جادة مع الفلسطينيين والتنازل عن معظم الأراضى المحتلة عام 1967، وهو الحد الأدنى الذى يستطيع أى زعيم فلسطينى أن يقبل به وأن يسوغه لشعبه.
هنا تتمثل عبقرية شارون فى التكتيك فى طرحه لخطة فك الارتباط، فالخطة فى فحواها محاولة للتخلص من 1.3 مليون فلسطينى يسكنون القطاع. وقد قصد شارون بذلك أولا تجزئة القضية الفلسطينية، بأن يعزل ثلث الفلسطينيين عن إخوانهم فى الضفة والقدس (هذا إضافة إلى عدم اكتراثه أساسا بالملايين التى تعيش فى المنفى وكثير منهم متمسكون بحق العودة). وهو، ثانيا، يحقق ذلك بالتخلى عن 1% فقط من مساحة فلسطين التاريخية. وهو، ثالثا، يحتفظ لنفسه أيضا بحق التدخل فى القطاع وقتما يريد. ورابعاً وهو الأهم، يؤخر اللحظة التى يتمكن فيها الفلسطينيون من تشكيل أغلبية سكانية مدة نصف قرن.
وبطرحه لهذه الخطة يكون شارون قد أدرك أخيرا منطق شيمون بيريز فيما كان يقوم به منذ عشرين عاما. وقد طور شارون مفهوم بيريز القائم على مبدأ "الأرض مقابل الأمن" إلى "الأرض مقابل الوقت"، هذا علما بأنه يحتفظ لنفسه بحق إعادة الاستيلاء على تلك الأرض كما بينّا.

(3) وأد مشروع الدولة الفلسطينية:
أما ما يمكن أن يعتبر ثالث أهداف شارون وأخطرها، فهو قتل إمكانية قيام دولة فلسطينية. ومن المثير للسخرية أن الخطة نفسها توضح ذلك صراحة كما بينّا، أى النص على ضرورة الاحتفاظ بأجزاء من الضفة الغربية.
وقد يكون من نافلة القول التذكير بأن أعداد المستوطنات فى ازدياد مضطرد منذ بداية ما يسمى بـ"عملية السلام" فى أوائل التسعينيات من القرن الماضى. وحسب آخر إحصاء بلغ عدد المستوطنين حوالى 364 ألف مستوطن (بما فى ذلك مستوطنى القدس الشرقية) يقطنون 474 مستوطنة تقطع أوصال الأراضى الفلسطينية وتحول الضفة إلى مجموعة من الـ"بانتوستانات" الشبيهة بتلك التى عُزل فيها السود على أيدى نظام الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا، بما يحول دون إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على الضفة الغربية.
وقد أجمع المجتمع الدولى على عدم شرعية المستوطنات، وأكدت الولايات المتحدة نفسها والإدارات الأمريكية المتعاقبة على أن هذه المستوطنات هى العقبة الكئود ضد قيام دولة فلسطينية مستقلة وتحقيق حل الدولتين. ولا شك أن شارون قد أزعجه تبنى الرئيس بوش لرؤية الحل القائم على دولتين وخارطة الطريق. ولذلك سعى جاهدا حتى يفرغ هذا التعهد من أى محتوى. وأثناء زيارته لواشنطن فى إبريل 2004 قدم شارون لبوش خطته لـ"فك الارتباط عن غزة" فى مقابل توقيع بوش على خطاب ضمانات كان قد صاغ مسودته دوف فايسجلاس، مدير مكتب شارون وصديقه الحميم، يعترف فيه الرئيس الأمريكى بأن من حق إسرائيل الاحتفاظ بـ"تجمعات سكانية" فى الضفة، فى تحول حاد عن الخط الذى انتهجته كافة الإدارات الأمريكية السابقة. وبذلك فاز شارون مقابل خطة فك الارتباط تلك بتعهد أمريكى بإسباغ الشرعية على المستوطنات، فأفرغ تعهد الرئيس بوش بإنشاء دولة فلسطينية من أى محتوى.
ومرة أخرى لا يحتاج المرء أن يبذل مجهودا كبيراً للتأكد من أن منع قيام الدولة الفلسطينية هو الدافع الرئيسى من وراء خطة شارون، فقد أعلن عن ذلك صراحة فايسجلاس فى حديث أدلى به لصحيفة هآرتس فى 8 أكتوبر 2004. حيث أوضح أن الهدف من خطة فك الارتباط تجميد عملية السلام والتخلى عن خارطة الطريق: "عملياً، لقد محونا تماماً أية إشارة لما يسمى بالدولة الفلسطينية من أجندتنا... وقد تمكنا من القيام بذلك بمباركة الرئيس الأمريكى وتصديق الكونجرس بمجلسيه". فـ"العملية السياسية، كما تعلم، ... تعنى إنشاء دولة فلسطينية مع كل المخاطر الأمنية المترتبة عليها. العملية السياسية معناها إخلاء المستوطنات وعودة اللاجئين واقتسام القدس. كل ذلك تم تجميده الآن".
ولكن العجيب هو ذلك الصمت المطبق الذى استُقبلت به تلك التصريحات فى مصر، فلم يكلف وزير الخارجية المصرى نفسه عناء استدعاء السفير الإسرائيلى والاستفسار منه عن موقف بلاده من العملية السلمية التى ترعاها مصر بقوة ويدعمها جهاز المخابرات المصرية. وكل ما طالعتنا به الصحف المصرية هو خبر صغير يقول أن "الولايات المتحدة رفضت التصريحات الإسرائيلية الخاصة بتجميد عملية السلام... [وأنها] طلبت من تل أبيب تقديم إيضاحات حول ما أعلنه دوف فايسجلاس...".
بدلا من ذلك قررت الدولة المصرية تقديم العون لشارون حتى يمرر خطته. فقد أعلنت مصر عن إعادة سفيرها لإسرائيل الذى كانت قد سحبته بعد اندلاع الانتفاضة الثانية. وقامت أخيرا بتوقيع إتفاقية لتوريد الغاز الطبيعى لإسرائيل على مدار العقود القليلة القادمة. كما أعلن الرئيس مبارك عن عزمه لزيارة إسرائيل فى نهاية العام الحالى بعد فوزه المتوقع فى إنتخابات الرئاسة (وكل ما طالب به مبارك فى المقابل، حسب ما أعلنه مراسل صحيفة يديعوت أحرونوت الذى أجرى المقابلة، ألا يلتهم شارون خرفان مزرعته وحده وأن يترك له جانبا منها). والأدهى من ذلك، وعدت مصر أن تقدم المساعدة للإسرائيليين فى إحكام الطوق حول فلسطينيي القطاع. فقد نصت خطة شارون بوضوح على أن إسرائيل تأمل فى أن تعاونها قوات الأمن المصرية فى إحكام السيطرة على ممر صلاح الدين الضيق (الذى تطلق عليه إسرائيل ممر فيلادلفى) الذى يفصل القطاع عن الأراضى المصرية. وبالفعل أبرم عمر سليمان، رئيس المخابرات العامة، اتفاقاً تقوم مصر بموجبه بنشر قوة من 750 فردا على طول ممر صلاح الدين.
أما الخارجية المصرية فقد حاولت أن تؤكد أن فك الارتباط ليس سوى مرحلة من المراحل التى أعلن عنها الرئيس بوش فى خطته المعروفة بخارطة الطريق، ولكنها فشلت فى ذلك. وأثبت شارون أنه قادر على تجاهل هذه الأصوات المصرية الخافتة. صحيح أنه يحتاج لتعاون قوات الأمن المصرية (وليس الجيش)، إلا أنه لم يضطر لأن يقدم للمصريين أى شيء مقابل ذلك، نظرا لأنهم متوجسون أصلا من استئثار حماس بالسيطرة الفعلية على القطاع وتحويله إلى دويلة يحكموها بالفعل بعد الانسحاب الإسرائيلى، الأمر الذى يزعج الدولة المصرية بشدة نظرا لتأثيره المحتمل على جماعات الإسلام السياسى فى مصر وعلى رأسها الإخوان. وبمعنى آخر فقد تعاملت الدولة المصرية مع خطة شارون بمنظور ضيق للغاية، مضحية بالمصالح الفلسطينية نظير تحقيق قدر ضئيل من مصالح النظام المصرى، وليس حتى المصالح القومية المصرية أو دفاعا عن الأمن القومى المصرى.

الخلاصة:
لا شك فى أن شارون يأمل بتمريره لخطة فك الارتباط عن قطاع غزة أن يحقق عدة أشياء، منها إعادة امتلاك زمام المبادرة فى التعامل مع الفلسطينيين، والنجاح فى التخلص من الضغط الأمريكى والدولى الهائل الذى مثلته خطة "خارطة الطريق"، فكما بين فايسجلاس: "ستصبح أنظار العالم كله منصبة على الفلسطينيين وليس علينا. والعالم كله يتساءل عما ينوون عمله فى تلك الشريحة من الأرض". وهو، ثالثا، يأمل فى إقناع الأمريكان بأن هناك بديلا عن الضفة الشرقية لنهر الأردن، أى البديل الأردنى الذى ظل يدعى لسنوات عدة أنه الوطن القومى للفلسطينيين، حتى جاءت الاتفاقية الإسرائيلية الأردنية لتقوضه. هكذا يتمنى شارون أن يحول غزة إلى وطن دائم للفلسطينيين إضافة إلى جزء صغير من الضفة على أن تكون السيادة فيهما لإسرائيل.
وبالتالى يتمثل التحدى الرئيسى الذى يواجهه الفلسطينيون فى هذه اللحظة المحورية من نزاعهم مع الصهيونية فى كيفية إجبار إسرائيل على ألا يكون هذا آخر انسحاب تقوم به إسرائيل كما يأمل شارون. ويمكن للفلسطينيين أن يستلهموا التجربة المصرية ليس فى التعامل مع إسرائيل ولكن فى التعامل مع الاحتلال البريطانى. فحين واجهت بريطانيا بعد احتلالها لمصر مقاومة شعبية متنامية أدت إلى ثورة عارمة عام 1919 اضطرت فى النهاية إلى إعادة النظر فى طبيعة سيطرتها على مصر. ونظرا لأنها لم تكن مستعدة إلى إنهاء الاحتلال بشكل كامل وغير منقوص، فقد قامت بخطوة أحادية الجانب أعطت مصر بموجبها استقلالا منقوصا (تصريح 28 فبراير 1922). صحيح أن مصر قد قبلت بهذا التصريح وأنها تحولت إلى دولة ذات سيادة يحكمها نظام ملكى برلمانى إلا أن القوى الوطنية المصرية قد قبلت بهذا التصريح كحد أدنى وليس كحد أقصى وعملت جاهدة على تعديله. وفى مواجهة المقاومة الشعبية المتواصلة أُجبرت بريطانيا على توقيع إتفاقية 1936 وفى النهاية اضطرت فى عام 1954إلى توقيع اتفاق بالجلاء عن مصر نهائيا.
وبالمثل على الفلسطينيين أن يقبلوا الانسحاب من غزة ليس كنهاية لصراعهم مع الصهيونية كما يأمل شارون بل كخطوة هامة من هذا الصراع. وبمعنى آخر يمكن للفلسطينيين من أن يستفيدوا من إزدياد اقتناع المجمتع الدولى بعدالة قضيتهم لكى يواصلوا الضغط على إسرائيل حتى تقوم بإحدى خطوتين: إما إدماج كافة الفلسطينيين كمواطنين فى دولة واحدة يتساوون فى الحقوق والواجبات مع مواطنيهم اليهود، أو أن تنسحب من الضفة الغربية وليس فقط من قطاع غزة حتى يتسنى للفلسطينيين أن يقيموا دولة مستقلة كاملة السيادة قادرة على البقاء والازدهار، وأن يكون هذا الانسحاب بناء على مفاوضات تقوم على مبادئ القانون الدولى. إن محاولة شارون الالتفاف حول هذين البديلين بطرحه لخطة "فك الارتباط" يجب أن ينظر إليها ليس كدليل على إعادة إمتلاك زمام المبادرة أو كدليل على تحول جذرى فى فكره الاستراتيجى بل على أنها محاولة يائسة منه لإنقاذ المشروع الصهيونى برمته.
فالمشروع الصهيونى كمشروع استيطانى قد يكون قد نجح فى الادعاء بأنه قد وجد حلا للمشكلة اليهودية فى أوربا الشرقية، لكنه أوجد مشكلة أخرى، هى المشكلة الفلسطينية، فشل فشلا ذريعا فى التعامل معها. فمنذ اللحظة التى ادعت فيها الصهيونية أن الشعب الفلسطينى لا وجود له إلى اللحظة التى اضطرت فيها إلى الاعتراف بوجود هذا الشعب، بل وبما يشكله من خطر ديموجرافى على يهودية الدولة العبرية، ومواجهة إجماع العالم على أن له حقوقا سياسية... بين هاتين اللحظتين يمكن مشاهدة مدى التراجع الذى شهدته الصهيونية. فحتى على الصعيد العسكرى أدركت إسرائيل أنها برغم تفوقها النوعى على كل الجيوش العربية فى كل المواجهات العسكرية، فإنها لا تستطيع أن تستخدم آلتها العسكرية الجبارة فى فرض حل سياسى على الفلسطينيين. ويمكن هنا أن نرى فى انتصار إسرائيل فى حرب 1967 أوج انتصاراتها وتوسعها، ولكن يمكن أيضا أن نرى أنها فى تراجع مستمر منذ تلك اللحظة؛ فقد اضطرت إلى التنازل عن سيناء لمصر عام 1979 مقابل ضمان خروج مصر من النزاع المسلح، ثم اضطرت إلى الانسحاب من الجنوب اللبنانى دون أن تتمكن من توقيع معاهدة سلام مع بيروت أو دمشق، وأثناء مفاوضات كامب ديفيد الفاشلة فى عام 2000 تطرقت المفاوضات إلى وضع مدينة القدس التى كانت إسرائيل تعتبره خطا أحمر لا يجب حتى مناقشته، وهى أُجبرت الآن أن تتعدى خطا أحمر آخر وهو تفكيك المستوطنات وكسر الحاجز النفسى لدى الشعب الإسرائيلى الذى منعه من أن يفكر أصلا فى هذه الخطوة كخطوة ضرورية نظير أى تسوية سياسية، وهى، أخيرا، تضطر الآن إلى الانسحاب من قطاع غزة على أمل أن يكون ذلك هو آخر الانسحابات. ويجب على الفلسطينيين وعلى كل القوى المحبة للعدل والسلام فى العالم والمقتنعين بعدالة قضيتهم أن يعملوا ليس على مساعدة الصهيونية فى التخلص من أزمتها الوجودية بتقديم الدعم الدبلوماسى واللوجستى لخطة شارون بل على ألا يكون الانسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات فيها هو آخر الانسحابات، ولكن مجرد انسحاب واحد من سلسة طويلة من الانسحابات التى بدأت قبل ربع قرن والتى ستنتهى حتما بأفول الصهيونية، تلك العقيدة القومية المتطرفة التى تنتمى إلى القرن التاسع عشر بقومياته البغيضة، لا إلى القرن الحادى والعشرين.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:19.

إيران... معركة السياسة في ساحات القضاء؟

ريم وسيم

في إيران يخوض بعض المحامين معركة مع السلطة تدور أحداثها في ساحات القضاء ومؤسساته، ومحورها هو الدفاع عن حقوق وحريات المواطنين في مواجهة تعسف الجهاز التنفيذي. و حتى إذا لم يسفر نشاط المحامين السياسي عن نتائج ملموسة تكشف عن تحول ديمقراطي في إيران - مثل ترسيخ استقلالية و حياد القضاء أو تعديل التشريعات في صالح تأمين الحقوق و الحريات- فإن ثمة نجاح أحرزته الحركة الحقوقية قانونية الطابع يتجلى في اختراق مفرداتها الحقوقية لخطاب السلطة، التي أصبحت تتحدث هي أيضاً بلغة الحقوق وليس فقط بلغة الدفاع عن الأمة ضد الامبريالية. ريم وسيم تكتب من طهران.

كان انتخاب محمد خاتمي للرئاسة في مايو 1997 مؤشرا هاماً على تحولات تجري في المجتمع الإيراني، ولعبت فترة حكمه دوراً في ترسيخ تلك التحولات. وبرغم خيبة أمل الكثير من منتخبيه من شباب ونساء ومثقفين، لا يجدر بنا تجاهل التحولات البنيوية التي طرأت على الدولة في إيران خلال السنوات الثمانية السابقة. ويسعى هذا المقال لقراءة التحولات -مؤسسية كانت أو خطابية- في قواعد ومحتوى التفاوض السياسي المستمر بهدف تحديد العلاقة بين الدولة والمجتمع في إيران. ويهمنا تحديداً انتقال الصراع السياسي -المتمثل في ضغوط المجتمع المدني من أجل المزيد من المشاركة والحريات من جهة ومحاولات المحافظين والفئة الحاكمة للسيطرة عليها واحتوائها من جهة أخرى- إلى قاعات المحاكم، وإلى تصريحات وانتقادات يتبادلها المحامون والقضاة والمسئولون داخل الجهاز القضائي، وإمكانية أن يترتب على ذلك نشوء دولة القانونEtat de droit في إيران.

انحسار العناصر الإصلاحية في جهاز الدولة لا يعني تراجع المشروع الإصلاحي
وفي حين يعلو صدى المتفائلين بعملية التحول الديموقراطي في إيران يأتي انتصار محمود أحمدي نجاد الأخير في الانتخابات الرئاسية مفاجئة ودعماً لتبشير المتشائمين بقصر عمر وسرعة تهاوي الحركة الإصلاحية في إيران. فليس من هو أجدر من نجاد في تجسيد جيل المحافظين الجديد الذي نشأ في أحضان مؤسسات الثورة العسكرية ذات الأيديولوجية الإسلامية المحافظة. ولا يستعصي على المحللين فهم هذا الانتصار للمرشح المحافظ -بعد أن كانت أجندة خاتمي الإصلاحية الأكثر شعبية في الانتخابات السابقة في 1997 و2001- حيث بات اسم رفسنجاني مقترنا بالطبقة البازارية شديدة الثراء وبتفشي الفساد في الفئة الحاكمة، وفي الوقت ذاته لعب أحمدي نجاد على الوتر الأكثر رنيناً بالنسبة لضحايا البطالة وارتفاع الأسعار بالتركيز على أحد أهم شعارات الثورة وهي العدالة الاجتماعية. ففي الوقت الذي زادت فيه أسعرا البترول وبالتي عائداته، فقد تدهور مستوى المعيشة لدى أبناء الطبقة الوسطى وانتشرت البطالة بينهم. ويأتي تركيز حملة نجاد على إعادة توزيع عوائد البترول ومحاربة الفساد في الوقت الذي بات الإصلاح الاقتصادي أكثر ضرورة وإلحاحا من الإصلاح السياسي في نظر الكثير من الشباب. و من ناحية أخرى جاء انتصار نجاد في الانتخابات مؤشرا على ضجر الإصلاحيين من مفارقة التصفية المسبّقة للمرشحين و عزوفهم عن هذا النوع من المشاركة السياسية باعتباره لا يعدو عن كونه ديموقراطية شكلية.
والصفحة الجديدة التي يفتحها نجاد كرئيس للجمهورية الإسلامية تعبر عن استمرار تقلص العناصر الإصلاحية في مؤسسات الدولة. فقد بدأ هذا الانحسار بأحداث الانتخابات البرلمانية لعام 2004، حيث تسبب استبعاد "مجلس صيانة الشريعة والدستور" لمعظم المرشحين الإصلاحيين في مقاطعة الإصلاحيين للانتخاب. أدى ذلك إلى غلبة المحافظين في عضوية البرلمان السابع -بمعدل مشاركة في الانتخابات لا يزيد عن 50%- بعد أن اتسم البرلمان السادس بهيمنة الاتجاه الإصلاحي. وحتى الجهود التشريعية الإصلاحية لأعضاء البرلمان السادس فقد حال دون التصديق عليها تعنت وتكرر اعتراض "مجلس صيانة الشريعة والدستور" وانحياز "مجمع تشخيص مصلحة النظام" للأخير. ومن ناحية أخرى ظلت الأحزاب المعارضة عرضة لهجمات الميليشيات شبه النظامية، وأدى قمعها المستمر واستبعاد مرشحيها من قوائم الانتخابات الرئاسية و التشريعية والزج بممثليها وأعضائها إلى السجون إلى عدم صلاحية الأحزاب كشكل مؤسسي لتداول السلطة ولتمثيل المعارضة. وفي ضوء ذلك التراجع في تواجد الإصلاحيين في مؤسسات الدولة التشريعية -بجانب عدم قدرة الأحزاب على القيام بدورها المؤسسي المشروع- لم يتبقى للإصلاحيين إلا اللجوء للمأوى الأخير: القضاء. فصحيح أن العناصر الإصلاحية في مؤسسات الدولة في حالة تراجع ولكن اقترن هذا الانحسار بمزيد من النشاط السياسي على صعيد آخر و هو ساحة الصراع القانوني.

القضاء في صالح من؟
والواقع أن التحالف المحافظ الحاكم الذي يضم فئة البرجوازية التجارية البازارية والمؤسسة الدينية كان قد لجأ أيضاً إلى استخدام الجهاز القضائي في محاولة لاحتواء الحركات الإصلاحية بعد حصول الإصلاحيين علي غالبية الأصوات في الانتخابات التشريعية لعام 2000. ترتب على ذلك سياسة السيطرة الكلية على مؤسسات المهنة القانونية، بدءً من التعيين الانتقائي لقضاة موالين للنظام وخاصةً في المحاكم المختصة بالملفات السياسية مثل المحاكم الثورية -التي نشأت أساساً مع الثورة كمؤسسة مؤقتة لتطهير عناصر النظام القديم- إلى محاولات شتى للسيطرة على أجهزة تدريب وتأهيل المحاميين، حتى وصل الأمر بمنح الجهاز القضائي (وفقاً لقانون الميزانية لعام 1999) حق إعطاء رخص محاماة لأفراد لا يستوفون شروط التأهيل الخاصة بنقابة المحاميين، بحجة ضرورة خلق وظائف جديدة والسماح للمتعثرين بتوكيل محامي أقل أجرا.
ومن المعروف في أوساط المحاميين أن المحكمة الثورية رقم 26 تتناول القضايا السياسية الشائكة، فدائماً ما يرأسها قاضي ذو تاريخ طويل في العمل لحساب التحالف الحاكم. هذا دون أن تصنف تلك الملفات بسياسية، وذلك لتجنب أي تشريع يسعى لتعريف قانوني للجريمة السياسية. ويأتي رفض "مجلس صيانة الشريعة و الدستور" -الذي له حق النقض على تشريعات "مجلس الشورى الإسلامي" (البرلمان) حتى وإن حصلت على تصويت الأغلبية- لمشروع قانون لتعريف الجريمة السياسية قدمه نواب إصلاحيين في نوفمبر 2001 ليكرس سيطرة المحافظين على القضاء واتخاذهم له كأداة لقمع المعارضين. ومن المثير للاهتمام والسخرية أيضاً اللجوء المستمر لرئيس القضاء محمود هاشمي شهرودي لعلة قانونية بحتة في الرد على المنددين بالاعتقالات السياسية -ورغبةً في تبرير القضاء من تهمة عدم الاستقلالية- وهى انه لا يوجد بإيران معتقلون سياسيون لأنه ليس هناك تعريف قانوني للجريمة السياسية! وبالفعل تتراوح الاتهامات التي تزج في السجن بكثير من المعارضين والمفكرين والصحفيين والنشطاء في مجال حقوق الإنسان بين تعاطي المخدرات والزنى والفساد ونشر الأكاذيب والإخلال بالأمن القومي والتجسس لصالح جهة خارجية.
وفي رأينا أن هذا المنحى القضائي التي تأخذه لعبة التفاوض على حدود الدولة والمجتمع المدني- ونعني هنا تحويل الخطاب الحقوقي والمناورات السياسية بين السلطة والمعارضة لخطاب قانوني يكاد يكون تقني الطابع- جاء كنتيجة للجوء المعارضة لمبادئ الدستورية وسيادة القانون وخيار خوض المعركة السياسية على الساحة القضائية عن طريق رفع الدعاوى على أشخاص بعينهم في الجهاز التنفيذي بدلاً من خيار انتقاد سياسة النظام وعسكريته ككل. وقبل أن نشرع في تحليل عوامل ونتائج وآفاق هذا اللجوء للمعيار القانوني يجدر بنا سرد بعض الأحداث الرئيسية التي تعبر بوضوح عن هذا المنحى القضائي.

سياسة المحامين في معركة سيادة القانون
يمثل المحامون في إيران فئة شديدة التسيّس حتى أن حوادث القبض المتتالية على من يعمل منهم بالملفات السياسية باتت أمر معتاد. ومن الدلالات على أهمية النشاط السياسي للمحاميين في إيران، حصول المحامية شيرين عبادي (كانت قاضية حتى منعت حكومة الثورة تولي النساء منصب القاضي) على جائزة نوبل للسلام في أكتوبر 2003 لنشاطها في مجال حقوق الإنسان، و هي صاحبة الكثير من الأبحاث والمقالات التي تنتقد العديد من التشريعات الإيرانية باللجوء إلى حجج دستورية وبنفي نسب تلك البنود القانونية للشريعة الإسلامية. ولم تفلت عبادي من سلسلة اعتقالات المحاميين -التي تكاثرت بإدراك رجال النظام لخطورة تسيّس المحاميين ولجوئهم للقضاء لتسوية النزاعات السياسية- فتم القبض عليها في الوقت الذي كانت تدافع فيه عن طلاب أحداث 1999 وهي الفترة التي شهدت تظاهرات طلابية ضد قمع الصحافة، ردت عليها قوات "أنصار حزب الله" (قوات شبه نظامية) بهجمة شرسة علي المساكن الجامعية مما أسفر عن موت أربعة طلاب وإصابة كثيرين وحرق وتدمير بعض غرف الطلبة. ورُفعت الدعاوي ضد الطلبة الذين شاركوا في المظاهرات في حين لم يحاكَم منظمي ومنفذي الهجمات. فمثلاً حُكم على الطالب أحمد باطبي بالإعدام، ثم تم تخفيف العقوبة لخمسة عشر عاماً من الحبس بسبب صورة نشرتها الصحيفة الإنجليزية The Economist لتظاهرات الطلبة كان فيها يرفع قميص زميله الملطخ بالدم، وكانت تهمته "الاخلال بالأمن القومي". كما تم القبض على حوالي 400 طالب باتهامات مختلفة لا تقل عبثاً. وفي أثناء العمل على ملف الطلاب تلقت شيرين عبادي زيارة من فرشاد ابراهيمي -أحد مرتكبي الهجمات- الذي اعترف لها بدوره في الهجمات كما أفشى أسماء المسئولين المتورطين فيها، وتم تصوير اعترافه، فكان شريط التسجيل هو سبب اعتقال المحامية بتهمة "الإساءة للرأي العام". كما قررت المحكمة منعها من ممارسة مهنة المحاماة لمدة 5 أعوام، ولم ينج المعترف أيضاً فتم حبسه هو الآخر. واستمرت عبادي بعد خروجها من الحبس في انتقاء الملفات الحساسة سياسياً فدافعت عن العائدين من مؤتمر إصلاحي دولي في برلين بعنوان "مستقبل الإصلاحات في إيران" في أبريل 2000 والذين اتُّهموا "بالتآمر ضد نظام الجمهورية الإسلامية" ومنهم الكاتب الصحفي أكبر غانجي وعدد من رجال الدين الإصلاحيين والطلبة. كما ترأس شيرين عبادي رابطة محاميين باسم "جمعية المدافعين عن حقوق الإنسان"، وهي تضم العديد من المحاميين الذين اختاروا التخصص في الملفات السياسية ومعظمهم دون الحصول على أي أجر من عائلات المعتقلين وأكثريتهم سبق أن أُعتقلوا في أثناء دفاعهم عن المعارضين مثل المحامي عبد الفتاح سلطاني ومحمد شريف ومحمد علي دادخاه و سيف زاده... وللمرة الثالثة تم القبض على عبد الفتاح سلطاني محامي عائلة الصحفية الكندية -الإيرانية الأصل- التي تم القبض عليها أثناء تصويرها سجن إفين وتوفت إثر ضربة على رأسها في قسم الشرطة. وقد تكاتف المحامون أيضاً للدفاع عن الكاتب الصحفي أكبر غانجي الذي تتدهور حالته الصحية بشدة -في أثناء كتابة هذه السطور- في مستشفى سجن إفين بعد انقضاء 58 يوماً من إضرابه عن الطعام -للاعتراض على حبسه الذي دام 5 سنوات بتهمة "إفشاء أسرار بهدف الضرر بالأمن القومي" إثر كتابته لمجموعة من المقالات تدين كبار المسئولين في سلسلة القتل التي استهدفت العديد من الكتاب والمفكرين الإصلاحيين في 1998. وفي حين تزداد مطالبات الطلبة والمثقفين بالإفراج عن غانجي يأتي رد رئيس الجهاز القضائي بوجوب طلبه العفو حتى يكون الإفراج قانونياً! ولكن غانجي يرفض طلب العفو لأنه متمسك بمحتوى مقالاته ويفضل الموت جوعاً. وكان مصير ناصر زرفشان -محامي عائلات من استهدفتهم عمليات القتل المنظمة- مماثلاً، فهو معتقل بسجن إفين حالياً ومضرب عن الطعام. كما دافع المحامي صالح نكبخت عن العديد ممن اُعتقلوا بسبب التعبير عن فكرهم مثل الكاتبين الصحفيين الإصلاحيين عباس عبدي و عماد الدين باقي الذين سبق اتهام أولهم "بنشر الأكاذيب وإهانة المقدسات" وثانيهم "بالتجسس وبيع معلومات لجهات خارجية" ومثل المدرس الجامعي هاشم آغاجري، الذي ارتبط اسمه بما سماه البعض الحركة البروتستنتية الإسلامية، والذي تحدث أمام الطلبة ضد سلطة رجال الدين قائلاً "لا يجب أن نطيع رجال الدين مثل القردة" مما تسبب بالحكم عليه بالإعدام في 2003 وهو الأمر الذي تراجعت عنه المحكمة إثر اعتراض الطلبة الشديد و تظاهرهم.
ولا تقتصر نشاطات المحامين السياسية على تطوعهم بالعمل في الملفات السياسية -الأمر الذي يهددهم بانقطاع مصدر رزقهم بسبب إثارة نشاطهم لعداء القضاة وما يترتب عليه من لجوء المتضررين لمحاميين بدون سوابق سياسية- بل يلجأ أكثرهم للكتابة في العديد من الصحف عن مظالم جهاز العدل وعدم تماشى قراراته وأحكامه مع القانون، بل ويذهب البعض للتشكيك في قانونية القانون ودستورية الدستور. ولهؤلاء المحاميين أنشطة أخرى تهدف إلى تكريس استقلالية نقابة المحامين عن الدولة، وفي مكاتب المحاماة الخاصة بهم تكثر الندوات و النقاشات السياسية-القانونية، كما يفتحون أبوابهم لتدريب الخريجين وبعضهم يمارس التمييز الإيجابي لصالح تدريب الفتيات.
ومما سبق يمكن للقارئ التعرف على حجم وأهمية نشاط المحاميين الإيرانيين السياسي ودرجة تنظيمهم بهدف التحدث باسم الحقوق السياسية والحريات. وبإمعان النظر والاستفسار عن هؤلاء يتبين لنا أن أكثريتهم كانوا نشطين سياسياً في فترة دراساتهم الجامعية قبل الثورة ولهم تجارب سابقة ليس فقط في التنظيم السياسي ولكن أيضاً في معتقل الشاه وحكومة الثورة على السواء. وهم لا ينحدرون فقط من مهنيين من الطبقة الوسطى بل أيضاً من الطبقة العاملة التي زاد من تسييسها المد الثوري في السبعينات. وقد يكون اختيار الالتحاق بكلية الحقوق قرار سياسي الدافع في الأصل، ففي إيران تراث طويل للحركات الإصلاحية قانونية الطابع منذ اندلاع الثورة الدستورية عام 1906. ويشير هذا اللجوء إلى القضاء وتفعيل دور المحامين في الحركة الإصلاحية إلى تحول آليات النشاط السياسي من التراث الثوري الطابع إلى السعي لإصلاح النظام من الداخل عبر الآليات القانونية المتاحة والمواجهات القضائية.
الصحافة تنقل القضاء إلى مركز الاهتمام العام
لا ينبغي أن نغفل عن الدور الرئيسي الذي لعبته الصحافة في هذا التحول. لقد شهدت الصحافة في إيران نهضة ملحوظة تمثلت في ظهور صحف جديدة على الساحة الإعلامية في منتصف التسعينيات تستخدم أساليب جديدة في اجتذاب القراء وتعنى بالمظهر الجمالي للصحيفة. وتطور محتواها بفضل لجوءها المستمر للمصادر الأولية للأخبار، وهو ما كان نادراً في الصحف الرسمية التي أصبحت مجرد أداة دعائية للحكومة. وتميزت تلك النهضة الصحفية بصغر سن اللاعبين الأساسيين من ناقلي الأخبار و المصورين. واكتسبت الصحف الجديدة مصداقية تفتقر لها وسائل الإعلام الرسمية مما أدى لارتفاع ملحوظ في أرقام مبيعاتها. وبرغم أحكام القضاء بإغلاق ما يتجاوز المائة جريدة، اعتاد العاملون بالجريدة المقرر إغلاقها أن يطبعوا صحيفتهم -في اليوم التالي من الحظر- تحت اسم جديد. ويمكن القول بأن للصحافة دور رئيسي في تشكيل وعي الحركة الإصلاحية و خلق الحيز العام publicité الذي يعتبره كانط وفلاسفة التنوير الشرط الأساسي لنشوء دولة القانون. فالحوارات التي تدور من خلال الصحف اليومية عن القانون والقضاء تفترض مشروعية اعتبار العقل مصدراً رئيسياً للتشريع، كما تتيح آليات سلمية لتفعيل دور المجتمع المدني. فعلى سبيل المثال، قامت الصحف الإصلاحية بتغطية محاكمة الطلبة الذين تظاهروا سلمياً للاعتراض على حظر الجريدة "سلام"، كما قامت بمتابعة هجمة قوات "أنصار حزب الله" على الطلبة في مساكنهم الجامعية، وأوضحت كيف يتم التنكيل بالطلبة في الوقت الذي تتقاعس فيه السلطات عن معاقبة المتحرشين. كما كرست جريدة "نشاط" عدة صفحات يومياً لمتابعة الأحداث ونشرت مقابلات مع أعضاء "اللجنة القومية للتحريات" المسئولة عن تعقب الجناة. كما نشرت الصحف الكثير من الخطابات المفتوحة التي وجهتها الروابط الطلابية لرئيس المحكمة الثورية بطهران لتذكيره بأن المذنبين هم منظمي ومنفذي الهجمات وليس من اعترضوا سلمياً عليها من الطلبة. ونقلت نفس الصحف عن رجال الدين المتشددين تصريحاتهم مثل ما قاله آية الله مصباح يزدي تعقيباً عن الحادث: أن لأي مسلم الحق في معاقبة وقتل أي شخص ينتهك المقدسات بدون حاجة للمحكمة. وهكذا أصبحت الصحافة الساحة الرئيسية للنقاش عن العدل وسيادة القانون، ولعبت دور رئيسي في تعميم publicisation الحوارات القانونية وإعلام القراء بتفاصيل المحاكمات والنزاعات التي تنشأ في قلب الجهاز القضائي، الأمر الذي جعل رجال القضاء مسئولين أمام الرأي العام وأعطى الفرصة للخبراء بالقانون وللمتضررين من انحياز أحكام القضاء أن يعبروا في الصحف اليومية عن شكواهم وانتقاداتهم، حتى أن أكثرية الصحف بما فيهم الأكثر توزيعا تخصص صفحة كاملة بعنوان "قانون" أو "حق" وتضم تقارير تفصيلية عن محاكمات جارية وأبواب للتوعية عن الحقوق التي يكفلها الدستور والقانون الإيراني والمواثيق الدولية ومقالات ينتقد فيها الخبراء بنود قوانين بعينها. وكثيراً ما تنشر خطابات مفتوحة من المتهمين السياسيين أو وكلائهم إلى رئيس القضاء. ولم تعكس الصحافة فقط ما يدور من نقاشات عامة بل خلقت الحيز العام public sphere -تلك المساحة التي أشار إليها هابرماس كأساس للتحول الديموقراطية. كما أن اهتمام الصحف بنشر تفاصيل المحاكمات أدى إلى خروج الحقل القضائي إلى المجال العام، أي أن القضاء أصبح تدريجياً في مركز اهتمام المجتمع وأصبحت أحداثه ومفرداته أكثر تداولاً.

آفاق و حدود الإصلاح من خلال الساحة القانونية
صحيح أن من يتطلع إلى الأحداث السابق ذكرها تتراءى له صورة شديدة القتامة عن وضع العدالة الإيرانية، فهي تبدو وكأنها أداة في يد المحافظين من الفئة الحاكمة، مثلها مثل أي جهة تنفيذية، لا تتسم بأي استقلالية. وهذا صحيح لحد كبير، خاصةً إذا ما نظرنا لعملية تعيين القضاة والتي تخضع كليةً لقرار رئيس الجهاز القضائي، الذي بدوره يتم تعيينه بقرار من المرشد -الوليّ الفقيه آية الله سيد علي خامنئي. وغني عن الذكر إن تولي منصب الوليّ الفقيه -الذي يملك اليد العليا في سياسة إيران الداخلية والخارجية- يتم بقرار من مجلس الخبراء، ولا يترك هذا المنصب شاغله إلا بوفاته. وهنا لنا أن نتساءل إذا كان اللجوء للعنف بقتل القاضي المحافظ مسعود مقدسي في شهر أغسطس الماضي -والذي حكم في أكثر القضايا السياسية حساسيةً- ينم عن فشل الجهود القانونية للمطالبة بصيانة حقوق المواطنين السياسية. هل قتله أحد أقارب أو أصدقاء ضحاياه؟ هذا ما لا نعرفه حتى الآن. ولكن من الممكن أن يؤدي يأس الناس من قدرة القانون على الحد من تعسف السلطات إلى لجوء بعضهم لعمليات انتحارية.
وللإجابة عن السؤال المتعلق بمدي نجاح استراتيجية اللجوء للقضاء يتعين لنا أن نبحث عن تأثير السياسة الحقوقية الجديدة للمجتمع المدني -ليس فقط على مؤسسات الدولة بل على خطاب رجالها. فلا يصعب على من يتابع تصريحات المسئولين في إيران أن يلاحظ انتشار المفردات القانونية legality وحقوق المواطنين بل كان شعار سيادة القانون أهم شعارات حملة خاتمي في الانتخابات الرئاسية. و كما رأينا فإن المتابعة الجيدة التي قامت بها الصحف لتفاصيل ما يدور في المحاكم و مؤسسات تطبيق القانون جعل رئيس الجهاز القضائي محمود هاشمي شهرودي لاعبا رئيسيا في الساحة السياسية يوجه تصريحاته للرد على أسئلة وانتقادات المعسكر الإصلاحي. ففي أبريل 2004 أصدر شهرودي مشروع إصلاح في صيغة "توجيهات" وجهها للقضاء والشرطة ورجال المخابرات بهدف تعزيز حقوق المواطنين. وتحتوى التوجيهات على 15 نقطة -منها وجوب احترام مبدأ البراءة حتى تثبت الإدانة، ومراعاة حق المقبوض عليهم في توكيل محامي، والامتناع عن التعذيب وسوء المعاملة. وبرغم أهمية ما تمثله تلك "التوجيهات" من اعتراف -الأول من نوعه- عن حقيقة التعذيب في السجون الإيرانية،لم تلق توجيهات شهرودي أي ترحيب من جهة المحامين بسبب تجنبها تحديد وسائل وطرق الإشراف على تطبيقها ومعاقبة منتهكيها. وذهب المحامي محمد شريف إلى حد نقد مبادرة شهرودي قانونياً إذ أن الدستور الإيراني يحتوي على نفس النقاط المذكورة، بعبارة أخرى أجدر بالسلطات أن تقوم باديء ذي بدء بتطبيق الدستور قبل إصدار توجيهات.
ممكن أن تكون مبادرة شهرودي مجرد تظاهر بالرغبة في إعلاء مبدأ سيادة القانون و ترسيخ استقلالية الجهاز القضائي، ولكنه يعبر عن واقع الضغوط التي تواجهها السلطة في مواجهة المطالبة بالإصلاح. والمثير للتساؤل هو ما تلى مبادرة شهرودي ببضعة أيام من سماح القضاء لعدد من المعتقلين السياسيين بالخروج المؤقت منهم الطالب أحمد باطبي والصحفي أكبر غانجي بالاضافة إلى مجموعة من الليبراليين المتهمين بالتآمر لقلب النظام. وتزامنت تلك الإفراجات المؤقتة مع نقل الصحف للجدل الدائر عن الاعتقال السياسي الذي أثاره طرح النواب الإصلاحيين لتعريف للجريمة السياسية في البرلمان. وأثناء محاضرة للرئيس خاتمي أقر فيها بوجود معتقلين سياسيين "تم حبسهم بسبب أفكارهم" -وقال انه عبر عن امتعاضه من خلال كتابته لخطابات للمسئولين- اعترض شهرودي على تصريحه بحجة أن مصطلح المعتقل السياسي غير وارد في تشريعات إيران! إذن يمكننا القول بأن مبدأ القانونية و احترام الحقوق الدستورية قد فرض نفسه على خطاب السلطة وإن حاولت السلطة اللجوء إليه في بعض الأحيان للتحايل على القانون.
إذن يمكن القول أن تسيس القضاء من ناحية وفرض طابع قضائي judiciarisation على النزاع السياسي من ناحية أخرى كان له تأثير لا يمكن تجاهله على قواعد ومحتوى اللعبة السياسية في إيران. وبعيداً عن التوهم بأن أجهزة الدولة بإيران تخضع أخيراً وتدريجياً لواقع التحول الديموقراطي، يتبين لنا من الخطاب الذي تتبناه السلطة بما فيها عناصرها الأكثر محافظة أن ثمة مفردات وحجج تكتسب شرعية وتفرض نفسها حتى على إجراءات الفئة الحاكمة لقمع معارضيها، فتلجأ لمراوغات مستندة على قراءات حرفية للقانون أو تلجأ لخطاب ذو مفردات ديموقراطية دون المساس بالمؤسسات السلطوية وآلياتها، الأمر الذي يوقعها في شباك تناقضاتها.
وحتى إذا كان التحول الذي طرأ على سياسة الدولة خطابي بحت وغير مؤسسي، فانه يستمد أهميته مما يشير له من تغير جذري في مصدر شرعية الحكم في إيران وتحوله من دور المقاومة للعدو الخارجي وللإمبريالية وخدمة مصلحة النظام الإسلامي إلى دور الصائن لحقوق المواطنين وللديموقراطية ولحرية الفكر والتعبير. ويتحول الخطاب السياسي من الدعوة للاتحاد من أجل مقاومة الشر الخارجي إلى خطاب يفترض أن مصدر العلل داخلي وأن على المواطنين المشاركة في صياغة السياسات. وبناءً عليه يزداد الحديث عن الحقوق والمواطنة ويتراجع خطاب واجبات الرعايا. وبالتوازي تتحول المعارضة عن الخطاب الثوري إلى الإصلاحي. وتنضم حجج الإصلاحيين لمبدأ كانط بأن التشريع يجب أن يخضع لسيادة الشعب وما يملي عليه عقله، و أن المرجعية النهائية للتشريع ما هي إلا الإجماع العام public consensus. كما ينطوي خطابهم على إعلاء حقوق الإنسان وتجاوزه اتهامات الاغتراب والإمبريالية. وبرغم العثرات التي يواجهها المجتمع المدني في إيران في ظل رفض خضوع السلطة للقانون، يمكن الجزم بأن الخطاب الحقوقي ومبدأ سيادة القانون اكتسبا الشرعية اللازمة لوضع قواعد ومعايير جديدة للعبة السياسية هي – بالتعريف - في صالح الإصلاحيين.

نشره البوصلة يوم جمع, 03/23/2007 - 12:17.

حماس .. متى تحسم ترددها لصالح الفلسطينيين؟

فوز حركة "حماس" الساحق جعلها تنفرد بالمشهد السياسي الفلسطيني بعد أكثر من 40 عاما من سيطرة حركة "فتح". ولكن وفقا لرؤية المشهد من بعيد تجعل الواقع الفلسطيني الجديد هو بمثابة تحول كيفي طبيعي لتغيرات كمية تراكمت عبر نحو 12 سنة من ابرام اتفاقات أوسلو. ويمكنني وصفه بشروق شمس جديدة طال انتظارها للبعض ولكن الشمس ان لم تكن رفيقة فإنها تعمي الابصار وتحرق النبت الصغير وتجفف المياه القليلة في البئر.
تباينت ردود افعال بشأن فوز "حماس" في الانتخابات الفلسطينية بين المرحبين بشدة ومعبتبرنها فوز للمقاومة واخرى متشائمة ترى فيها انتصار للديماجوجية السياسية وللصوت العالي في السياسة العربية غير كونها بداية لعملية استلام الاسلاميين للسلطة في المنطقة. فالبعض وصل إلى إلى اعلان وفاة "السلام" و "الأمل" في الشرق الأوسط وبين المروجين لجنة جديدة في شرق نهر الأردن بقيادة "حماس". ولتجاوز هذه الرؤى الانفعالية علينا ان نضع انتصار "حماس" في سياقه الداخلي والاقليمي ، وكذلك ان نضع استراتيجية وخطاب ونخبة الحركة تحت عدسة مجهر التوازنات وقياس العلاقة الجدلية بين الخطاب والامكانيات والممارسة، وصولا لوضع الحدث في إطاره الواقعي.
بداية ؛ فإن سيطرة "حماس" على الساحة السياسية الفلسطينية تأتي على ضوء متغيرين اساسيين: الأول هو غياب شارون عن الساحة الإسرائيلية وطرح ايهود اولمرت الجزء الثاني من خطة فك الارتباط ووضع خريطة نهائية لإسرائيل قبل 4 اعوام مما يعني تسابق الفلسطينيين على الارض مع الزمن للحيلولة دون انهاء قضية الحدود نهائيا بدون مشاركتهم، والثاني انتقال حركة ''حماس'' ذاتها نحو مزيد من البراجماتية والاعتدال منها استعدادهم للتوصل إلى هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل تقوم على انسحاب هذه الأخيرة إلى حدود 1967 ، والأكثر من ذلك لم تستبعد ''حماس'' إمكانية التفاوض مع إسرائيل أو تعديل ميثاقها الذي مازال يدعو إلى القضاء على الدولة العبرية، وهو ما عبر عنه وزيرالخارجية محمود الزهار في حوار اخير مع الجزيرة بالتأكيد على عدم رفض وجود وسطاء دوليين للتفاوض مع إسرائيل، وهو ما لا ينفي في الوقت ذاته استمرار الجناح المتشدد "بالخارج" متمثلاً في خالد مشعل الذي يعلنها صراحة برفض التفاوض ووصل به الأمر لاتهام "فتح" بالخيانة" مما تسبب في صراع داخلي "دموي" داخل غزة .
في الوقت نفسه، فقد طرح صعود "حماس" اسئلة صعبة مثل الصراع بين الحكومة ومؤسسة الرئاسة، وتغير توجهات السياسة الخارجية للحكومة من قبلة مصر إلى البحث عن قبلة جديدة في دمشق وطهران. إلى جانبالزمات المالية الخانقة ومنع المساعدات عن الفلسطينيين.
إلا أن المهم لنا التأكيد على أن "حماس" ليست هي البديل الذي يقبله اليسار الديمقراطي بدون نقد، فهو نموذج للحركات الاسلامية ذات الخطاب القومي الديماجوجي، ولكن في الوقت نفسه يجب علينا التعاطي ايجابيا على تغيراتها السياسية ومشاهدة اثر تحولها إلى سلطة في الخطاب والممارسة لخدمة الشعب الفلسطيني بالفعل وليس الخطاب الايديولوجي الجامد.
فالتغير يأتي عبر الصراع ، وبالتالي فإن التحولات في "حماس" لن تصل المحطة مثل قطار على قضيب، بل ستشهد تموجات يمينا ويسارا قد تجعلها تفقد في النهاية المحطة لتترك المكان لبديل اخر اكثر عقلانية ولاصحاب مشروع الدولة الفلسطينية العلمانية الديمقراطية، ولكن هذه امانينا التى لا يجب ان نسقط في خطأ فرضها على الواقع السياسي.

لماذا انتصرت "حماس"؟

"من له أذنان فليسمع .. من له عينان فليري".
هل يمكن لعاقل ان يجد في فوز "حماس" بالانتخابات الفلسطينية انقلاباً في الحياة السياسة الفلسطينية فكافة الدلائل في الشارع الفلسطيني خلال السنتين الاخيرتيين تتدلل على هيمنة "حماس" على الشارع الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة بشكل شبه مطلق، في المقابل فإن "فتح" منقسمة بشدة، وتطالها اتهامات بالفساد وقصور قيادتها شاهد على "موتها الاكلنيكي" وسط بيوت وعشش الفلسطينين الذي يزرح نحو 60% منهم تحت خط الفقر، فكيف للناخب ان يصوت لصالح اثرياء (النضال والسلام) ، وحلم التسوية لم يأت إلا كوابيس، والانفلات الأمني وهز الاستقرار تباشره بنادق مناضليهم الصغار المنفلتين والغاضبين. في المقابل فإن اليسار الفلسطيني يحتفظ باحلامه بأن تحمله الجماهير على الاعناق في لحظة سرمدية غير منظورة سوى في كتاب (10 ايام هزت العالم)، والبدائل الاخرى تحتفظ ببدلها النظيفة ورابطات العنق الجميلة في تصور واهم ان الخطاب العقلاني يقنع جمهور يبحث عن رغيف خبز ويعيش يومه بيومه بين بنادق الاحتلال وضغط الفقر القاتل.
قد يروج البعض هنا لوصفة "التصويت الاحتجاجي" الشهيرة التى نقلها المحللين العرب من كتب وتحليات الديمقراطية الغربية ليشددوا على ان الجمهور الذي انتخب "حماس" لم يصوت للحركة الإسلامكية بل احتجاجا على فساد "فتح" . ولكنى اطال هؤلاء العباقرة من المحللين بتكملة قراءة التحليلات الغربية عن التصويت الاحتجاجي وان يكفوا عن قراءة النظريات بطريقة (لا تقربوا الصلاة) العربية الشهيرة. فالتصويت الاحتجاجي يعبر عن نفسه بالتصويت لخيار غير منافس على السلطة بمعني انه قريب من وضع ورقة الانتخاب بيضاء او ابطالها احتجاجا على المتنافسين الكبار. ولكن عندما يكون هناك حزبان كبار يتنافسان ولم يصعد طرف ثالث في النتائج فهذا يبطل تماما وجود تصويت احتجاجي.
هكذا كان المنطقي ان تفوز حماس فالقارئ المتوسط يعرف ان هذه الحركة هى الأكثر شعبية اليوم بين الفلسطينيين فهذه معلومة عامة لا تحتاج لتفسيرها عبر التبرير والتوزير (العقلي) بالقول ان الجمهور أكثر عقلانية من اختيار التيار "الحماسوي" ولكنه فقط غاضب وسيعود لرشده، وكأن العقلانية الوحيدة ان يصوت الناخبين لمن يرغب فيه القابضين على "جمرة" الإعلام العربي.
هكذا كان من الطبيعي والمنطقي ان تفوز "حماس" في انتخابات حرة تحسب لمحمود عباس (ابو مازن) الذي يحاسب للاسف على أخطاء سلفه ياسر عرفات. ولكن هذا الفوز طعمه في حلق قيادت "حماس" مثل العلقم ، فطعمه مر حتى لو حاوله وضع قطع سكر ولكنها تذوب سريعا لتبقي المرارة.
"حماس" اخطأت مرتين ، المرة الأولي أنها لم تعلن موقفها من اوسلو صراحة قبل الانتخابات في الوقت التى رسخت فيه فعليا شرعية "اوسلو" بدخولها الانتخابات، والمرة الثانية انها "تجملت" وهي تقول انها ضد السلام، فيما جعلتها الانتخابات العمود الاقوي الذي ترتكز عليه التسوية منذ وفاة عرفات بتحويلها إلي الحاكم الفعلي للسلطة الفلسطينية.
فواقعيا لقد كسبت التسوية "حماس" وخسر"ت الحركة" كل عاطفية خطابها عن التحرير الكامل ولاءات "الخرطوم" الشهيرة (القمة العربية في أغسطس 1967 التى اكدت على رفض التفاوض مع إسرائيل).
لقد اصبحت "حماس" رضت ام ابت ليس فقط جزء من عملية التسوية (المعطلة مؤقتاً) بل لاعب رئيسي فيها، فقيادتها للسلطة يلزمها على التعاطي مع استحقاقات اوسلو وباريس وشرم الشيخ لتستطيع ادارة شؤون الفلسطينيين اليومية بدءاً من نقل مريض لمستشفي في القدس مرورا بعبور العمالة لبناء مستوطنات جديدة ودخول المواد الغذائية... الخ.
كانت حماس تحلم ان تمنحها الانتخابات وزارات خدمية في حكومة تقودها "فتح" فتزيد قدراتها على توفير الخدمات من شعبيتها وفي نفس الوقت تغسل يديها من مصافحة الإسرائيليين والعملية السلمية، ولكن الانتخابات جاءت بما لا تشهي السفينة فاوصلتها للشاطئ مبكرا عن موعد الوصول واصح على القطبان ان يرسو بها والا ثار الركاب عليه.
وهكذا وجدت "حماس" نفسها مطالبة بمنع "كوادرها على الاقل" من ضرب المستوطنات الإسرائيلية بالصواريخ ، ومنع مظاهر التسلح للحفاظ على الاستقرار الذي هو قاعدة اي إمكانية لتوفير الوظائف لمئات الالوف من العاطلين الذين ينتظرون عملا توفره السلطة الجديدة.
وواقعيا، هناك تقف ثلاث معضلات اساسية يجب على "حماس" حلها لتجاوز الهوة بين ما تدافع عنه ايديولوجيا وما ستقوم به علي الارض لترسو بالسفينة وهي ميثاقها المتشدد ونخبتها المترددة وقواعدها المتحمسة.
فلا يمكن ان تقود "حماس" السفينة الفلسطينية في عام 2006 وحتى 2010 وهي تحمل ميثاقا يري ضرورة القضاء على إسرائيل هدفاً استراتيجيا. فان أراضت أن تبقي فعليها ان تقوم مثل "فتح" بتغير ميثاقها وهي الوضعية التى ظهرت بوادرها في تصريح قبل 4 اشهر لمحمد نزال عضو المكتب السياسي لحماس والتى اكد فيه ان الميثاق ليس قرآناً ويمكن تغيره. ولكن فزع القيادة من الضغوط جعلها تتراجع عنه بل وتنتقده بعد اقل من 24 ساعة في مهرجان جماهيري في رام الله. ثم جاءت خلال الشهرين الاخيرين التصريحاتالمتناقضة بين الميل للتشدد القادم من دمشق مقر خالد مشعل، والميل للتهدئة وللواقعية على لسان رئيس الوزراء اسماعيل هنية ووزير خارجيته محمود الزهار.
صحيح انه ليس هناك بعد تبلور للمواقف المتباينة داخل "حماس" ولكن هذا لا ينفي ان كافة الدلائل والمؤشرات تقود إلي وجود معسكرين في التعاطي مع الواقع الجديد وعل دائما الأكثر تشددا هو الاكثر بعدا عن الحياة اليومية للفلسطينيين الذي يدرك اي معايش للوضع ان العلاقة مع الإسرائيليين حيوية للمواطن العادي وان حاول تجنب هذه الحقيقة فسيتذكرها عندما يشتري مآكله بالشيكل الإسرائيلي!.
في المقابل ، هناك القاعدة المتحمسة والمندفعة والتى تضغط دائما (بفعل طبيعة التنظيمات السياسية الراديكالية) نحو التشدد والمواجهة، وهي القاعدة الشبابية التى لا توزن الامور بميزان السياسة بل بقوة العاطفة والحماسة ، وهنا يطرح هل تتمكن قيادة حماس التى فقدت باغتيال الرنتيسي، وهو عقلها الأكثر حنكة، أن تتجاوز هذه المعضلات ام انها ستدخل في ازمة "المراوحة " التى قد تشل ( ولو مؤقتاً) ليس فقد الحركة ولكن أيضاً المجتمع الفلسطينية.
وهنا فإن على القوى العقلانية والديمقراطية ان تستعد للحظة "الشلل" القادمة وللكن الا تساهم في الاسراع بقدومها، حيث ان المطلوب ان تنضج تجربة "حماس" وتسقط مثل التفاحة بعد ان تنضج تماما على الشجرة، فاسقاطها عنوة سيقويها ويعلى من الخطاب الراديكالي "الفرغ" الذي يهدد مستقبل القضية الفلسطينية بمجملها. وهنا انتهي بقول ايهود اولمرت رئيس الوزراء الإسر