ملف : التنظيم و العمل الجماعي

إعادة الاعتبار للفرد في بناء التنظيم

النظام الداخلي لحركة اليسار الديموقراطي في لبنان

تقديم :أكرم ألفي

"الفرد ليس رقماً داخل الجماعة بل هو عنصر غنى ومتميز ومبدع داخل الجماعة" هذه الجملة تمثل جوهر مشروع النظام الداخلي لحركة اليسار الديمقراطي في لبنان. فهذه الحركة التى تنطلق من رحب اليسار الديمقراطي الواسع والمتجدد تعيد في نظامها الداخلي الاعتبار للفرد بصفته مبدع وصاحب خصوصية يجب احترامها واستغلالها من اجل اغناء العمل الجماعي.
فعلي النقيض من الحركات الشمولية اليسارية والقومية والاسلامية في العالم العربي التى ترى في الفرد مجرد عامل في نجاح المجموع والمشروع السياسي، بمعني ان العمل الجماعي يحقق نفسه من خلال الافراد. ينطلق اليسار الديمقراطي الجديد في العالم العربي من مفهوم مغاير يرى ان الفرد يحقق ذاته من خلال العمل الجماعي، وان العلاقة الجدلية الايجابية بين المجموع والفرد هي القادرة على الحفاظ على تجدد فكر وممارسة هذا التيار السياسي الذي يعيدي ولادته في العالم العربي اليوم.
وفي إطار اهتمام "البوصلة" في التفاعل مع تيارات اليسار الديمقراطي في العالم العربي، وبعد ان قدمنا الوثيقة الاساسية لليسار الديمقراطي في لبنان، نعود في هذا العدد لنعرض مشروع النظام الداخلي لهذه الحركة، في محاولة للاستفادة "النقدية" من تجارب الآخرين.
إن عملية التنظيم تمثل مسرح للجدل بين كافة التيارات السياسية في العالم ، فاي فعل سياسي واجتماعي هو في جوهره عمل جماعي وبالتالي يحتاج لتنظيم العلاقة بين افراده، وينطلق مشروع النظام الداخلي لليسار الديمقراطي اللبناني من رؤية ان التنظيمية لها أهمية بالغة في تسهيل أو تعقيد تطور المجموعات البشرية في حركتها. وهي رؤية صحيحة بالطبع فقد رأينا كيف ان البنية التنظيمية للاحزاب الشيوعية التقليدية اعاقت تطورتها وجمدت فكرها وممارسها عند حدود تجربة الثورة البلشفية في 1917 ورؤي لينين "القاصرة" وذات الطابع الديكتاتوري.
فالتنظيم ليس فقط تحديد للعلاقة بين الفرد والجماعة بل الاهم هو انعكاس للمشروع السياسي ، فالمشروع السياسي لاسامة بن لادن والزرقاوي يعكس نفسه في تنظيم
"القاعدة" القائم على الطاعة العمياء للقيادة على اساس انها ممثلة الله على الأرض، واساسه هو الخلايا العنقودية التى لا تناقش المشروع بل تنفذ التعليمات بدقة وبدون ارتباط بين اعضاء التنيظم لعدم كشفه ولتنفيذ عمليات ارهابية فردية لنشر الرعب. ففكرة بن لادن هنا ان دور الفرد وتنظيم "القاعدة" هو تحقيق اكبر قدر من العنف وليس تطوير جماعي للفرد ، فالفرد هنا هو شهيد وليس اداة لتطوير الحركة والمجتمع. وهي الصيغة التى ترى بشكل "اقل حدة" في التنظيمات الاسلامية التى تنطلق من فكرة الحاكمية لله وبالتالي فالفرد ينضم للتنظيم لتحقيق ارداة الله ممثلة في قيادات التنظيم ، فعل اداة وليس شريك ، فالتنظيم الاسلامي الراديكالي هو باب الجنة ومن يرغب في الجنة عليه بالطاعة.
أما في التنظيمات اليسارية الراديكالية في العالم العربي فالعضو في التنظم هو شخص افاق من غيبوبته الفكرية وتم تطهيره ومنحه الفكر الثوري "المتعالي" ليتحول من فرد في المجتمع إلى طليعة بحكم انتمائه لاصحاب نظرية الثورة. وبما انه لا جدال في الثورة فالجدل يكتفي به في تفاصيل كيف اداء العمل والمهام اليومية في إطار "المركزية الديمقراطية" التى تقيد الفكر ولكن ترضي افرادها بحرية "مقيدة" في مناقشة التفاصيل، ومنكون الثورة هي في ادمغة القادة فالمعارضة الداخلية هي اما انتهازية او خيانة او انحراف (يميني أو يساري).
في المقابل يرى اليسار الديمقراطي ان عملية التغيير هي عملية تجميع لمبادرات ومساهمات ورؤي تجمعات فرعية وفردية، فاليسار الديمقراطي لا يرى أن هناك خطة موضوعة مسبقا مثل الإسلاميين والشيوعيين للتغيير ، ومن هنا يرتفع دور الفرد في التنظيم.
ويبلور المشروع التنظيمي لليسار اللبناني هذه الفكرة بالتأكيد على أن "مسار التطور الديموقراطي للمجتمعات والاوطان والمؤسسات الى اهمية التوازن بين الفرد والجماعة، وكلما كانت العلاقة بين الطرفين متسامحة ورحبة، كلما كانت امكانات التطور متاحة. الفرد ليس رقما داخل الجماعة بل هو عنصر غني ومتميز ومبدع داخل الجماعة. من هذا المنطلق لا يجوز الغاء علاماته الفارقة، وتميزاته، لانها هي مصدر الابداع والطوعية لديه، وبقدر ما تفسح التشكيلات الجماعية للفرد في ان يتطور ويغتني ويمارس طوعية انتمائه، بقدر ما تكون قادرة على الاستجابة لمتطلبات الادراك الموضوعي لعملية التغيير المستمر. وبقدر ما تنغلق هذه التشكيلات وتلغي مميزات الافراد وتمارس التعسف الجماعي على افرادها، بقدر ما تساهم في افقار طوعية الافراد وفي مقدرتهم على الاغناء والعطاء، وهذا ينعكس تخلفا على المؤسسة ودورها الفعلي مهما علا صراخ المزاعم. ومن يعتقد ان مثل هذا الفهم يمكن ان ينتج الفوضى، فهو زعم مغرض او واهم، لان الفهم المقترح يحل الالتزام الطوعي في القوانين بديلا لكل انواع الطاعة والرضوخ. ان مثل هذا الفهم لابد ان يترك بصماته على مفهوم الوحدة الحزبية، وعلى مفهوم الاكثرية والاقلية وعلى مفهوم القناعة والتنفيذ".
وتنعكس هذه الرؤية في تصور الوحدة الحزبية كذلك :"فعلى نقيض التنظيمات المركزية التى تتعامل بعنف مع مبدأ الاختلاف، وتسعى الى جعل التنظيم بنيانا متراصا متماثلا، يذيب الفرد في الجماعة، ويلغي كل الصفات المميزة للافراد. الفرد في الكل، والكل هو محصلة محو الافراد. الكل ليس محصلة تفاعل الميزات المتنوعة للافراد، وانما هو كائن جديد يغتذي بسلب الافراد ميزاتهم الخاصة الغنية بتنوعها ومفارقاتها. يغادر الفرد في التنظيمات المركزية آخر فعل طوعي ملتزم يوم يعلن انتماؤه، تحل الطاعة مكان الطوعية والالتزام، ويبدأ التبشير بقيم التنازل عن الانا وعن الذات وعن الفردية، وبقدر ما يمحى الفارق بين الفرد والجماعة بقدر ما تتعزز الشكلانية الثورية لدى الطرفين. ان مثل هذه الوحدة ليس فقط لن تقيم وزنا للاختلاف، ولا للرأي ولا للتنوع، ولا للتيارات، بل ستسعى رغم المناداة بالديموقراطية وحرية الرأي، ستسعى الى التطهر من كل مظاهر احترام الفرد، وكل مظاهر التشكل على اساس القناعة، بالاضافة حكما الى عدم الاعتراف بمبدأ الاكثرية والاقلية، وتعميم مفهوم الالتزام على مستوى التنفيذ والقناعة. الأكثرية المركزية تلغي الاقلية عبر الزامها بقناعة الاكثرية بالاضافة طبعا الى تعميم التنفيذ القسري لارادتها، رغم ان الاقلية في الفهم الديموقراطي، تنفذ قرار الاكثرية طوعا انطلاقا من معيار ترجيحي لقيمة الاكثرية، ولمشروعية مصالحها، وقناعة منها ان الاكثرية هي دائما اكثرية مؤقتة قابلة للتغيير.
إن هذه الرؤية تعد رؤية مغايرة لما تعارف عليها السياسيون المصريون الذين يرون في الالتزام القسري بتنفيذ التعليمات ثم مناقشتها فيما بعد هي جوهر التنظيم وتبحث عن تماثل وهمي وغير عقلاني بحكم انها قابضة على جمرة الحقيقة. إن هذا الغرور الذي تنطلق منه الرؤي التنظيمية في التيارات الاسلامية والقومية والشيوعية ينكسر على واقع قيامه على افراد لهم بحكم تكوينهم رغبة كامنة في الاختلاف. فما لا تدركه هذه الرؤي ان الفرد ينتمي للتنظيم "في بعده السيكولوجي" بحثاً عن الاختلاف والتمرد، فتقوم هذه الاشكال التنظيمية بقتل روح الاختلال والتمرد داخله بوصف المعترضين بالخيانة وتحريم تعدد الأراء، وهنا لا تقوم هذه التنظيمات بجريمة تجاه القادم الجديد بل بحق المجتمع الذي تحول هذه التنظيمات دون استفادته من طاقة الاختلاف والتمرد في قسم مهم من افراده عبر قتلها داخل الهياكل التنظيمية الحديدية.
وعودة لمشروع اللائحة نجد أنه يؤكد على أن "التماثل لن يحصل الا في حالة الموت، ولحماية الوحدة التنظيمية ، ستعمد القيادة دوما لسلب الافراد والمجموعات داخل الحزب حقوقها في الاقناع والتعبير والاختلاف معرضة اياهم دوما لاختيار جائر بين التخلي عن آرائهم في قضايا محددة مختلفة عن قناعة القيادة او الاكثرية، اما هذا، او التخلي الكلي عن العلاقة بالتنظيم. ومثل هذا الخيار الجائر لن يكون دائما سهلا ومتوفرا لدى الغالبية من اعضاء التنظيم، وغالبا ما تحصل المساومة المؤلمة، عبر التخلي عن الرأي، سواء بالنسبة للفرد او للجماعة. وبهذا يخسر التنظيم احد اهم مصادر غناه، أي الاجتهاد، وأحد اهم مبررات وجوده، أي الالتزام الطوعي الحر او القناعة الملتزمة، ويبدأ تدريجيا في الخروج من نبض الحياة الاجتماعية، ليتحول الى عصبة متعصبة منغلقة على تقديس جملة افكار مثالية بالمعنى الفلسفي، ومنفصلة عن تطورالواقع. وتبقى الحقيقة الصارمة ماثلة في كون هذا النموذج التنظيمي يسلب افضل المواطنين حقوقهم، أولئك الذين يحاولون الالتزام لتغيير الواقع، فاذا بالتزامهم في هذا التنظيم يعرضهم لسلب جزء من حقوقهم كمواطنين، بدل ان يسهم ذلك في تفتح شخصيتهم، واغتنائهم كأفراد وكمواطنين".
إن الرؤية التى تطرحا حركة اليسار الديمقراطي في لبنان في مشروع نظامها الداخلي جديرة بالبحث والنقش، في سياق تعزيز والتأكيد على مركزية "الفرد" في مقابل مركزية "القيادة" التى قامت عليها غالبية محاولات البناء التنظيمي في السياسة العربية خلال الخمسين عاماً الماضية. وربما كان من الهام جدا تعميق هذه الرؤية بنقد كافة التصورات التنظيمية المطروحة اليوم على الساحة السياسية، وهذا ليس دور المشروع الذي نقدمه للقارئ في هذا العدد بل دور المثقفين من اليسار الديمقراطي والليبراليين.
ولعل هناك تحية واجبة لزملائنا في اليسار الديمقراطي اللبناني على هذا المشروع ، ولا ينتقص من هذه التحية الالتفات إلى توغل المشروع التنظيمي في أكثر من ثلثية في بنود تنظيمية تجعله اسير مدرسة التفاصيل التنظيمية الشيوعية. ورغم حرص القائمين على كتابة المشروع في عدم تناقض المواد التنظيمية مع الفكرة الجوهرية القائم عليها المشروع إلا أن كثر التفاصيل قد تغيب الفكرة الاساسية في كثير من الاحيان. مثل الاسهاب في بنود العقوبات وكيفية اسقاط العضوية ومحاسبة الاعضاء.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:22.

الإنتاج التعاوني كبديل للاقتصاد الرأسمالي و لاقتصاد الدولة

عندما درست التعاون فى السنة الأولى فى كلية الحقوق جذبتنى الفكرة وتبنيت فكرة مجتمع يمارس أفراده كل أنشطتهم عبر التعاونيات بحيث لا يبقى للدولة من وظائف تؤديها إلا مهامها السيادية التقليدية فى الأمن الداخلى والدفاع والتمثيل الخارجى والعدل والمالية العامة، و لكن هذا الانجذاب ظل مكبوتا لسنوات طويلة، وذلك لثلاث أسباب هى : الأول سوء الفهم السائد حول فكرة التعاون، و الثانى التطبيق المشوه للتعاون ، والثالث النفوذ الفكرى لاشتراكية الدولة سواء فى جناحها الشيوعى أو فى جناحها الاشتراكى الديمقراطى.

عدت مجددا لدراسة التعاونيات، بالتخلص من تأثير تلك الأسباب، و أكتشفت أنها الأداة الوحيدة الممكنة لتحقيق حلم الحرية والمساواة والتقدم ، ولكن بشرطين الأول استقلالها عن الدولة والرأسمالية، و الثانى تخلصها من التشوهات البيروقراطية والرأسمالية التى قد تشوب تطبيقاتها أحيانا، وهما شرطان لايتناقضان مطلقا مع المبادىء الرئيسية للتعاون بل يتطابقان مع جوهر تلك المبادىء ،والحقيقة أن الحركة التعاونية تتنازعها ثلاث ميول، ميل سلطوى يميل لتحويل التعاونيات إلى جهاز من أجهزة الدولة فى إطار خططها للتنمية، وميل رأسمالى يعتبر التعاونيات مؤسسات رأسمالية يجب أن تهدف للربح ، وميل ثالث لا سلطوى و لا رأسمالى يحرص على أن تكون التعاونيات منظمات مدنية وديمقراطية وشعبية مستقلة تماما عن الدولة والرأسمالية.

تأثرت التعاونيات دائما بتدخل البيروقراطية الحكومية فى شئونها مما أفقدها طابعها الطوعى والديمقراطى والمدنى فى كثير من الأحيان، و قد حول هذا التدخل بعضها فى النهاية إلى مؤسسات بيروقراطية شبه حكومية كما فى مصر وشبيهاتها من الدول، مما ساعد على أن ينخر فيها الفساد و على أن تفقد شعبيتها، ومن هنا ترفض التعاونيات السويدية على سبيل المثال أى تدخل حكومى فى شئونها، فى حين أن التدخل التشريعى لتنظيم التعاونيات فى مصر يساعد على افساد التعاونيات تلقائيا حيث يحدد جزءا لا يتجاوز 10% من العائد لصالح أعضاء مجالس الإدارة ، برغم إن الإدارة فى التعاونيات لابد وأن تكون بلا امتيازات حرصا على عدم فسادها،و من هنا يفضل أن تدار التعاونيات بالنظام الذى يقترحه مايكل ألبرت المسمى "حزمة الوظائف المتوازنة" الذى يتيح لجميع الأعضاء المشاركة فى الأعمال الإدارية. والجدير بالذكر أن القانون المصرى يسمح بتعين موظفى الحكومة فى التعاونيات لإداراتها وانتدابهم للعمل فيها على غير رغبة أعضاء التعاونيات أصحاب السلطة الوحيدة فى أى تعاونية.

تتأثر التعاونيات بالعلاقات الرأسمالية السائدة فى المجتمع سواء من حيث استخدام التعاونيات أحيانا للعمل المأجور أو من حيث تأثرها بالسوق الرأسمالى وما يحكمه من قواعد المنافسة، و برغم من أن التعاونيات يجب أن لا تهدف مبدئيا للربح فإن منطق الإنتاج من أجل الربح الرأسمالى السائد جعل من التعاونيات فى بعض الأحيان مؤسسات شبه رأسمالية.

نقاء التعاونيات من تشوهها بيروقراطيا أو رأسماليا و اعتبارها علاقة إنتاج مستقلة ومتميزة عن العلاقتين البيروقراطية والرأسمالية مرهون بتحررها من كل من سيطرة البيروقراطية والرأسمالية على السواء، وهذا أمر يمكن تصور حدوثه فى المستقبل عندما تتحول هذا العلاقة من وضع الهامشية الحالى لوضع السيادة فى المجتمع.وهى عملية تحتاج لنضال اقتصادى وسياسى واجتماعى وثقافى دؤوب و طويل الأمد.

جوهر الرأسمالية هو عبودية العمل المأجور وهو ما خلقته الرأسمالية وتبقى عليه، و مما لاشك فيه أن أى حركة تحرر ترغب جديا فى تجاوز الرأسمالية لابد وأن يكون جوهرها هو تحرير البشر من عبودية العمل المأجور، وكل أنواع العبودية الأخرى، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا فى نمطين من أنماط الإنتاج هما الإنتاج الفردى لصغار الفلاحيين والمهنيين والحرفيين و الإنتاج التعاونى.

انغمست الحركة العمالية بجناحيها الثورى والإصلاحى، لقرن من الزمان فى تجربتى اشتراكية الدولة المختلفتين، الشيوعية المهزومة والإشتراكية الديمقراطية المأزومة، وبرغم ما تحقق على أيديهما من مكاسب هائلة لاتنكر للطبقة العاملة وكوارث مروعة لا تنسى وقعت على الطبقة العاملة أيضا، فإنهما برغم ذلك لم يحققا للعمال المأجورين التحرر من عبوديتهم المأجورة، ذلك أن هذين اللونين من الاشتراكية أنحرفا عن جوهر التحرر من العبودية المأجورة، واقتصرا على إشباع احتياجات العمال المأجورين المادية الذى سهل بعد ذلك حرمانهم منها فى السنوات الماضية، كما أنهما سلبا أحيانا تلك الحرية النسبية المتمثلة فى القدرة على التفاوض على شروط العمل والحياة التى وفرتها الرأسمالية لعبيدها ، فتدهوروا من وضع أكثر حرية لأوضاع الأقنان لدى الدولة، وهو وضع أسوء حتى و لو كانوا حققوا بتلك الاشتراكية درجة أكثر من الاشباع المادى.

يقوم التعاون على عدد من المبادىء التى أقرها الحلف التعاونى الدولى وهى أولا عضوية الجمعية طوعية ومفتوحة، بغضّ النظر عن الجنس أو العرق أو الآراء السياسية أو الدين أو الوضع الاجتماعي وثانيا ديمقراطية الإدارة، فلكل عضو صوت واحد مهما بلغت أسهمه ، ثالثا الاستقلالية عن كل من الدولة و رأسالمال باعتبارها منظمات مستقلّة تساعد نفسها بنفسها، ويديرها أعضاؤها بأنفسهم، رابعا مشاركة العضو اقتصادياً بشرط أن تكون الفائدة محدودة على رأسالمال المساهم به، وأن يوزع العائد إما على معدلات الإنتاج فى التعاونيات الإنتاجية، وإما على معدلات الاستهلاك فى التعاونيات الاستهلاكية، خامسا التعاون بين التعاونيات ، سادسا التعليم والتدريب المستمرين للأعضاء وحرية الحصول على المعلومات، سابعا الاهتمام بتنمية المجتمعات المحلية.

القواعد التعاونية ليست مقدسة بحيث لا يمكن تطويرها أو تغيرها، فقد كانت القواعد السابقة للحلف التعاونى الدولى لا تتضمن مبدأى تعاون التعاونيات والاستقلال عن الدولة ورأسالمال، ولما كان هذا الحلف ليس له مرجعية مقدسة أساسا، فالحركة التعاونية يمكن أن تتحول إلى حركة تحرر ذاتى من عبودية الأجر لا مجرد حركة تنمية اقتصادية أو كحل للأزمات التى تسببها الرأسمالية كما تريد لها الحكومات، بل يمكن تحويلها لحركة مناهضة لكل من الرأسمالية والبيروقراطية تحارب من أجل الانتصار الكامل عليهما تدريجيا كما وسبق للرأسمالية أن انتصرت على الإقطاع تدريجيا، وعبر إثبات التفوق الاقتصادى للتعاونيات على المؤسسات الرأسمالية، وهذا يعنى تطوير هذه المبادىء نفسها ودعمها بمبادىء أخرى تضمن هذا التوجه اللاسلطوى واللارأسمالى للتعاونيات.

يقال أن التعاون لايصلح إلا فى مجالات الإنتاج والخدمات التى تعتمد على وحدات صغيرة ومحلية، وهذا ليس صحيحا لأن من أهم مبادىء التعاون الجديدة أن تتعاون وتتكامل التعاونيات فيما بينها وتتحد من أعلى لأسفل لكي يمكنها تغطية كل الأنشطة البشرية، ومن هنا فإن بعض المرافق العامة والصناعات الكبيرة فى الكثير من البلاد تدار وفق نظام الريجى التعاونى، وهى منظمات تعاونية بين التعاونيات لا الأفراد . استطاعت أن تشق طريقها فى أعمال البنوك،وفى توريد المياه، و فى النقل، وفى إنتاج الكهرباء وتوريدها، وفى إدارة الموانى و السياحة و تكرير البترول و صناعة السكر..الخ. وقد حققت فى ذلك نجاحا لم تحققه غيرها من المنظمات، فالتاريخ يشهد أن واحدا منها لم يتعثر أو يقع فى هوة الإفلاس وحتى فى أوقات الشدة والأزمات استطاعت أن توازن ميزانيتها وأن تؤدى خدماتها على أكمل وجه.
يتهم البعض التعاونيات أنها مؤسسات رأسمالية لأنها تحافظ على حقوق الملكية الخاصة المتمثلة فى مبدأ الفائدة المحدودة على رأسالمال، وهو مبدأ لا تأخذ به التعاونيات فى ألمانيا وبلجيكا والسويد على سبيل المثال، فالمساهمة فى هذه الحالة مساهمة تبرعية من طالب العضوية لتأسيس التعاونية ودعمها وكمقابل للعضوية، إلا أن من يأخذون بمبدأ الفائدة المحدودة على رأسالمال ، يدافعون عن رأيهم بأن الرأسمال يؤدى دور خادم لنشاط التعاونية، وليس بهدف الاستثمار فيها، حيث أن العائد فى معظمه يوزع على أساس المعاملات، فضلا عن أنه مبدأ مفيد لتشجيع تجميع المدخرات والملكيات الفردية الصغيرة وتحويلها لملكية تعاونية، و من ثم توسيع رأسمال التعاونية ودعم نشاطها، كما أن جزءا كبيرا آخر من العائد يكون احتياطى الجمعية وهو لا يقل عن 20% وفق القانون المصرى ، و يكون نتيجة تراكمه رأسالمال الاجتماعى للتعاونية و هو غير القابل للتجزئة، فهو ملك للجمعية و لايصح أن يوزع على الأعضاء. فضلا عن أنه عند انسحاب العضو من الجمعية فأنه يحصل على قيمة أسهمه فقط، ومن ناحية أخرى يمكن اعتبار أن الفائدة على رأسالمال فى هذه الحالة نوع من التعويض عن انخفاض سعر العملة بسبب التضخم ، وهذه الفائدة لا تتجاوز 6% من القيمة الأسمية للسهم وفقا للقانون المصرى ، كما لا يجوز أن يتجاوز نصيب فوائد الأسهم 15% من إجمالى العائد وفقا للقانون المصرى، و فى النهاية لايجوز توزيع أى أرباح على الأسهم إلا فى حالة تحقيق أرباح للجمعية، و من ثم يمكن القبول مؤقتا بهذا المبدأ كخيار واقعى فى المراحل الأولى للتعاونيات باعتبارها نمط هامشى يجب دعمه، بحيث يمكن التخلى عنه فى المستقبل عندما تتوفر الشروط الموضوعية المناسبة التى تجعلها نمط سائد.

يعيب البعض على التعاونيات التى تنتج الخدمة أو السلعة، أنها يمكن أن تحقق أرباحا من تشغيل عمال مأجوريين من غير أعضاء التعاونية فتتحول بذلك لمشروعات رأسمالية، وهو ما يجيزه قانون التعاون المصرى فى سياق تشويهه للفكرة التعاونية وابتذالها،وهذا وضع غير صحيح مبدئيا حيث تتميز الجمعيات التعاونية بأن كل عضو فيها يعتبر عاملا وشريكا فى الوقت نفسه، فإذا فقدت الجمعيات إحدى هاتين الصفتين فلا تعتبر جمعية تعاونية، وهذه الخصيصة مستفادة من الغاية التى تهدف إليها هذه الجمعيات، فهى تهدف إلى تحرير العمال ليكونوا جميعا شركاء يمارسون وظيفة المنظم فى المشروع الرأسمالى، و يمكن مقاومة هذا الميل بترسيخ مبدأ تعاونى جديد هو مبدأ عدم تشغيل العمل المأجور، و بدلا من ذلك تسهيل شراء الأسهم و من ثم العضوية للراغبين فى العمل فى التعاونيات، و هذا يساعد فى توسيع رأسمال التعاونية وتمويلها و دعم نشاطها.

يعيب البعض على الجمعيات التى تبيع الخدمة أو السلعة أنها تحقق أرباحا أيضا عندما تبيع الخدمة أو السلعة لغير الأعضاء، وهذا العيب يمكن تلافيه بالالتزام بمبدأ تعاونى جديد هو عدم بيع الخدمة أو السلعة لغير الأعضاء فى التعاونيات التى تبيع السلع والخدمات، و الالتزام بهذا المبدأ سوف يشجع كل من يرغب فى الاستفادة من انخفاض أسعار خدمات التعاونيات وسلعها فى أن يكون عضوا بها بالمساهمة فى رأسمالها، و هذا يساعد فى توسيع رأسمال التعاونية وتمويلها و دعم نشاطها، إلا أنه من الجدير بالذكر إن جزءا من عائد التعاونية لا يقل عن 20% وفق القانون المصرى يعود على المستهلكين من غير الأعضاء وفقا للمبدأ التعاونى الخاص بالاهتمام بتنمية المجتمع المحلى الذى يضم غالبا هؤلاء المستهلكين الذين حققوا ربحا للتعاونية بالتعامل معها، و بهذا المبدأ يعاد للمستهلكين جزء من الأرباح التى تسببوا بها.

التعاونيات مثلها مثل الإنتاج الفردى نمط إنتاج هامشى ضعيف بالطبع فى مواجهة كل من بلطجة بيروقراطية الدولة و استغلال الرأسماليين، وهو يتأثر بهما بشدة، مما يجعل من مسألة استمراره نقيا بلا تشويه بل ونجاحه فى الإلتزام بمبادئه أمر فى غاية الصعوبة، ولكن من قال إن الأمر سهلا، وهل كان سهلا أن يستولى الشيوعيون على السلطة بالقوة، أو أن ينتزع الاشتراكيون الديمقراطيون السلطة عبر البرلمانات فى غرب أوروبا. مقابل ذلك فالميزة فى التعاونيات أنها يمكن أن تحرر فورا قطاعات يمكن أن تتزايد تدريجيا من العمال وصغار المهنيين والفلاحيين والحرفيين دون انتظار لثورة سياسية لا يعرف أحد متى تأتى، و عندما تأتى فقد تحررهم جميعا أو تعجز عن تحريرهم.

على من يؤمنون بالفكرة التعاونية باعتبارها طريقا للتحرر والمساواة أن يطرحوا مهمة نجاحها واستمرارها كمهمة كفاحية طويلة الأمد على أنفسهم كحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد التى مازال يتبناها البعض، فهى تحتاج مثلها إلى بذل جهودا خارقة وابداعات عبقرية إلا أنها غير دموية، و ذلك لإنجاحها اقتصاديا فى مواجهة الرأسمالية، و نضالا سياسيا من أجل استقلال التعاونيات التام عن الدولة ومواجهة بيروقراطيتها، ونضالا اجتماعيا يربطها بحل مشكلات الواقع المحلى الذى تعمل فيه، ونضالا ثقافيا يطور من وعى البشر ليلائم هذا النمط، حتى يصبح دعم التعاونيات فى مواجهة الرأسمالية موقف رأى عام اجتماعى ، وحتى يستهجن الوعى السائد عبودية الأجر كما يستهجن الآن العبودية الكاملة والقنانة، و حتى يستهجن غالبية البشر الملكية الخاصة كما يستهجنوا الآن أكل لحوم البشر.

بالرغم من الصعوبات التى لا تنكر أمام نجاح التعاونيات إلا أن نقطة قوتها الأساسية فى مواجهة نقطة ضعف المشروع الرأسمالى، هو أنها يمكن أن تبيع سلعها وخدماتها بأسعار أقل كثيرا مما هو سائد فى السوق الرأسمالى، وذلك بخصم معظم ما يحصل عليه التجار والوسطاء والمقرضون من سعر السلعة أو الخدمة، والاكتفاء فى هذه الحالة بالبيع بأسعار أعلى قليلا من أسعار المنتج للسلعة أو الخدمة لتحقيق هامش بسيط للعائد يغطى المصروفات الإدارية و تكوين الاحتياطى والخدمة الاجتماعية، وذلك فى حالة التعاونيات التى تبيع السلعة أو الخدمة، ومن ناحية أخرى فى التعاونيات التى تنتج السلعة أو الخدمة، فأنه يتم بيع السلعة أو الخدمة بسعر أقل مما يبيع به الرأسمالى سلعه أو خدماته، وذلك بخصم صافى ما يحصل عليه الرأسمالى من أرباح من سعر السلعة أو الخدمة بعد تغطية التكاليف والاحتياطى، وجدير بالملاحظة أنه يمكن توفير الكثير من التكاليف غير الضرورية المحملة على سعر السلعة أو الخدمة التى يتطلبها المشروع الرأسمالى فى إطار منافسته مع المنتجين الآخريين كتكاليف الدعاية والإعلان مثلا، و كل هذا يعطى التعاونيات قدرة هائلة فى مواجهة المشروع الرأسمالى.

يبدأ طرح التعاونية كحل لمشكلات كل من العمال فى التحرر من عبوديتهم المأجورة و من الاستغلال الرأسمالى ، و المتعطلين عن العمل والمهمشين من أجل إيجاد فرص عمل حرة وكريمة بدلا من التسول من الدولة والأغنياء، و صغار المهنيين والحرفيين والفلاحيين فى التحرر من البلطجة الحكومية وغير الحكومية، ومن الاستغلال الرأسمالى على السواء ، و بالطبع يحتاج الأمر نضالا لتجميع هؤلاء وتنظيمهم و إرشادهم، ومساعدتهم من أجل تدبير الرأسمال الكافى لممارسة نشاطهم، وهى عمليات ليست بالهينه بل تحتاج لإبداعات لكنها غير مستحيلة، حيث أن أى مشروع يمكن أن يبدأ صغيرا وينمو كما قد يفشل، و عليهم والحال هكذا أن يعتبروا أن نجاحهم الاقتصادى فى مواجهة متطلبات السوق الرأسمالى والتدخل الحكومى مهمة حياة أو موت بالنسبة لهم، وفى نفس الوقت أن يدعموا السياسات التى تحقق استقلالهم و نجاحهم وتلبى مصالحهم.

يبدوا أن الحلف التعاونى الدولى تنبه إلى الصعوبات التى تواجه التعاونيات فى ظل ظروف المنافسة الرأسمالية السائدة، فأضاف مبدأ تعاونيا جديدا وهو تعاون التعاونيات، وهو يعنى الحرص على أن لا تنشأ أى منافسة بين التعاونيات، بل و أن تتعاون التعاونيات المختلفة و تتكامل فيما بينها محليا وكوكبيا، حتى يتطور الأمر بعد توسع الحركة التعاونية إلى حد كافى يتيح للتعاونيات أن تقرر ألا تتبادل سلعها وخدماتها إلا فيما بينها، فتحقق أسلوبا للتبادل التعاونى بين المنتجين والمستهلكين التعاونيين مستقلا عن السوق الرأسمالى، وفى هذه الحالة يمكنها فحسب أن تثبت تفوقها على الرأسمالية، من حيث الكفاءة فى اشباع الاحتياجات البشرية، وقد ناقش الحلف التعاونى الدولى مؤخرا بمناسبة مرور مئة وخمسين عاما على إقامة أول تعاونية فى روتشديل بانجلترا عام 1844،إمكانية إقامة اتحادات تعاونية متعدية الجنسية لتحقق هذا التكامل فيما بين التعاونيات كوكبيا، فى مواجهة المؤسسات الرأسمالية متعدية الجنسية التى تستفيد من اتساع السوق الكوكبى.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:19.

4 كوادر و4 رؤى لتحديات التنظيم

ندوة "البوصلة" حول التنظيم والعمل الجماعي

عبد الغفار شكر:
"عندما تقدت بورقة لإصلاح هيكل الحزب، سخر مني رفعت السعيد".

د. هبة رؤوف
التنظيم طاقة خلقها ربنا وهي لا تفنى.

تامر وجيه
الحزب ما هو إلا وسيلة تسعى من خلالها قوى اجتماعية أن تخوض صراعاتها بكفاءة.

رحمة رفعت:
الحزب لا ينقل الوعي للحركات الاجتماعية، بل يتحالف معها.

كانت الفكرة وراء عقد ندوة عن قضية التنظيم ترمي إلى تجميع مراقبين وفاعلين في القضية من أجل تبادل الرأي والخبرات حول أهم مشكلات العمل الجماعي والتنظيم في مصر. وقد حاولنا في هذه الندوة أن نراعي التنوع. فبعد أن اعتذر البعض لضيق الوقت، أصبحت الورشة تضم 4 أشخاص من خلفيات مختلفة، بالإضافة إلى بعض هيئة تحرير البوصلة وهم عمرو عبد الرحمن، سامر سليمان وزياد العليمي. لقد ضمت الندوة الأستاذ عبد الغفار شكر، أمين التثقيف في حزب التجمع اليساري، وهو له خبرة تنظيمية طويلة من أيام منظمة الشباب التي تأسست في أواخر العهد الناصري وضمت ألاف الشباب الذين أصبحوا فيما بعد قطاعاً نشطاً في الحياة السياسية المصرية. كما شاركت د. هبة رءوف وهي هي أستاذة جامعية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وهي في نفس الوقت باحثة وناشطة سياسية من أصول إسلامية. هذا بالإضافة للأستاذة رحمة رفعت وهي محامية شاركت في تأسيس وتشارك في إدارة دار الخدمات النقابية في حلوان، وهو مركز متخصص في دعم الحقوق النقابية للعمال. وأخيراً ضمت الندوة الأستاذ تامر وجيه أحد مؤسسي تنظيم الاشتراكيين الثوريين وهو عضو نشط في مركز الدراسات الاشتراكية. وسنعرض هنا لملخص مداخلات.
لقد ساهم المشاركون في الندوة بالإجابة عن اشكاليات التنظيم الأكثر إلحاحاً من وجهة نظهرهم. ولكننا طرحنا عليهم من البداية مجموعة من المعوقات أمام العمل الجماعي تعتقد هيئة تحرير البوصلة أنها تمثل تحديات كبيرة أمام نمو وتطور التنظيمات في مصر، مثل قضية تمويل الأحزاب وكيفية تعبئة موارد مالية كافية للقيام بوظائف الحزب، ومثل ظاهرة زيادة النزعة الفردية والأنانية في المجتمع المصري، الأمر الذي يضع أمام العمل الجماعي تحدي كبح روح الفردية.

عبد الغفار شكر: نحو تنظيم غير هرمي
للأستاذ شكر ورقة في إصلاح التنظيم بحزب التجمع منذ 1989 تحمل العديد من الأفكار. للأسف لم تأخذ خطة الأستاذ شكر حظها من المناقشة داخل التجمع، فوفقاً شكر، سخر د. رفعت السعيد، أمن عام الحزب في ذلك الوقت، من الورقة . ولهذا فنحن لا نعرف مدى قابليتها للتنفيذ. ما زال شكر يعتقد أن المشكلة التنظيمية لحزب التجمع تكمن في طابعه الهرمي الذي تتعدد فيه مستويات أو "طوابق" الحزب (مثل الوحدة، المركز، القسم، المحافظة، الخ) إلى الحد الذي يعوق تدفق المعلومات والأفكار من قاعدة الحزب إلى القمة والعكس. والحقيقة أن حزب التجمع استعار شكله التنظيمي من تجربتين تاريخيتين، تجربة الكتلة السوفييتية ونموذج الاتحاد الاشتراكي العربي. تكمن مشكلة حزب التجمع التنظيمية تكمن أيضاً في أن فكرة المركزية الديمقراطية (التي صاغها لينين) تحولت في الواقع العملي إلى مركزية بدون ديمقراطية، فخضع المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى، وفشل المستوى الأدنى في إيصال رسائله إلى المستوى الأعلى، وأدى ذلك إلى تدهور الوحدات القاعدية في الحزب، تلك الوحدات التي تعمل كحلقة وصل بين الحزب والشعب. ويستدل شكر على ذلك بحقيقة أن المستويات القاعدية في حزب التجمع لم تعد ترسل بتقارير للمستويات العليا، كما أن قدرات المستويات العليا على متابعة القاعدة عن طريق الزيارات المباشرة أصبحت صعبة لاعتبارات عديدة خاصة عامل التكلفة المالية التي يتطلبها انتقال قيادات من المقر المركزي إلى المحافظات. حتى النشرة الداخلية لحزب التجمع "التقدم" التي كانت تقوم بدور أحد قنوات الاتصال في الحزب قد توقفت بدون أن ينتبه أحد. والغريب أن تطور الانترنت لم يدفع الحزب إلى تطوير موقع للحوار الداخلي على النت، وهو الذي كان من الممكن أن يعوض غياب نشرة "التقدم". يرى شكر أن المستقبل سيكون للأحزاب غير الهرمية التي تتمتع بمرونة تنظيمية، وهو في هذا الصدد يشير إلى بتجربة حزب الكرامة الذي اقتصرت مستوياته التنظيمية على "الوحدة الأساسية" و"المؤتمر المركزي".
يعتقد شكر أن أحد أهم أزمات التجمع هي الأزمة المالية، فالحزب لم ينجح في تأمين تدفق مالي يساعده على القيام بوظائفه. وفشل الحزب في تدوير أي استثمارات تعود عليه بعائد. ويذكر هنا تجربة الاستثمار في ميكروباس، والتي فشلت تماماً، فالسائق لم يكن مؤهلاً فأغفل متابعة زيت الموتور، مما أدى إلى احتراقه، هذا بالإضافة إلى أن الحزب كان يحتاج إلى شخص أخر يراقب السائق لضمان توريده حصيلة الميكروباس. يقارن شكر هذا الفشل بنجاح الإخوان في مجال تأمين مواردهم المالية، فهم كانوا يدفعون أعضائهم للعمل بالسعودية على أن يسددوا عشرين بالمائة من دخلهم، ناهيك عن العديد من أعضاء الجماعة الذين يعملون بنجاح في التجارة. والنتيجة الآن أن المرشد، وفقاً لشكر، يستطيع أن يتوجه لأحد أعضاء جماعته ويطلب منه 5 مليون جنيه بدون مشكلة. على أية حال يرى شكر أن قانون الأحزاب يعيق قدرة التنظيمات على تعبئة الموارد المالية لأن هذا القانون يجرم أي نشاط استثماري للأحزاب إلا في مجال النشر.
والحل الذي يطرح شكر لمشكلة التجمع التنظيمية هو ما ورد في ورقته المُشارة لها سلفاً. فهو يرى وجوب تشكل التنظيم الحزبي من ثلاثة مكونات أساسية هي:
أولاً الفروع الإقليمية، وهو هنا يرى أنه ليس من الضروري أن تتبع هذه الفروع التنظيم الإداري للدولة، المهم هو اختيار 30 أو 40 موقع بها تجمعات جماهيرية. ثانيا المنظمات الاجتماعية النوعية تضم قيادات جماهيرية لمختلف الفئات الاجتماعية بهدف زيادة تأثير الحركة الجماهيرية على الحزب ومن أهم هذه المنظمات يطرح شكر رابطة المثقفين التقدميين، التجمع العمالي النقابي، اتحاد الشباب التقدمي، واتحاد النساء التقدمي. يضيف شكر أن هذه الهيئات يجب أن تكون ممثلة مباشرة في المؤتمر العام. ثالثا المؤسسات المركزية، وهي لها وظائف عدة منها إعداد القيادات والتنسيق والمتابعة وتضم الهيئات التالية: مركز البحوث والمعلومات، معهد إعداد القادة، دار الأهالي للنشر، والصندوق المالي.
إذن الحل الأساسي الذي يطرحه شكر هو تفكيك مركزية وهرمية حزب التجمع. وهو يرى أن ذلك يتوافق مع التغيرات التي حدثت في الاقتصاد في السنوات الماضية. فالمجتمع الذي قامت عليه فكرة المركزية الحزبية كان مجتمع صناعي كبير. والوضع في مصر يبتعد عن هذا النموذج. فالقطاع العام ينحل، وتحل محله شبكة من الشركات الصغيرة الخاصة.

د. هبة رءوف
الإسلام بطبعه ديانة "فوضوية" anarchic لا سلطوية
بدأت هبة بالتأكيد على أن اهتمامها بموضوع التنظيم هو اهتمام نظري وأنها لا ترتبط بصلة مع التنظيمات الإسلامية. تقول هبة أن التنظيم يعكس طاقة خلقها ربنا في المجتمعات الإنسانية، وهي طاقة لا تفنى، بهذا المعنى ليس هناك سلبية سياسية شاملة في مصر كما نعتقد، والمشاركة السياسية موجودة في أشكال غير مباشرة يجب على الباحث أن يستكشفها.
مشكلة التنظيم اليوم مرتبطة بتحول في طبيعة الأفراد في عالمنا، فالفرد حدث له نوع من التشظي أو التفتت، فالرأسمالية فتتت الأماكن وفتتت الأفراد أيضاً. من الصعب اليوم التنبؤ بمسارات تطور الأفراد كما كان من قبل.
مشكلة التنظيم مرتبطة أيضاً بالحجم، فالكبر يؤدي للترهل، والأشكال التنظيمية الصغيرة فيها ميزة الثقة المبنية على المعرفة المباشرة بين الناس وبعضهم البعض. فالولاءات في الأشكال الصغيرة تكون من النوع القوي. وتذكر على سبيل المثال، أن الأمانة كانت أقوى في الماضي عندما كانت تعاملات الناس المالية غير مرتبطة بإيصالات. والحقيقة أن كبر الحجم يؤدي بالضرورة إلى ظهور فكرة التمثيل، أي أن يتحدث شخص بالنيابة عن آخرين.
ترى هبة أن الإسلام بطبعه ديانة "فوضوية" anarchic لا سلطوية، تقوم على الانتشار العرضي وليس الرأسي أو الهرمي. لذلك فهو لا يتوافق مع التنظيمات الهرمية والمركزية.
تعتقد هبة أن رأس المال الأساسي للإسلاميين هي الشحنة الروحية التي تحركهم، والنشاطات المشتركة في العبادات التي تزيد من اللحمة بينهم. وهي ترى هبة أن الحاجة ماسة للتفكير في آليات معاصرة في التنظيم. لكنها في نفس الوقت تحذر من الاعتماد الزائد على وسائط حديثة مثل الانترنت، لأن بإمكانها أن تتحول إلى مساحة تعويض بالمعنى النفسي، أي أن يخلق الفرد عالم متخيل على الانترنت يصبح بديلاً للعالم الواقعي.
تلفت هبة النظر إلى بعض التجارب التنظيمية الجديرة بالدراسة مثل تجربة الاتحاد الحر في الجامعة، وهو ذلك الاتحاد الذي أسسه التيار الإسلامي كبديل عن الاتحاد الرسمي الذي مُنعوا من المشاركة الانتخابية فيه بواسطة الأمن.

تامر وجيه: الطليعة الثورية الباحثة عن الاندماج مع الجماهير
بدأ تامر كلامه بالقول أن التنظيم لا يظهر بالصدفة، كما أنه لا يأتي بمحض إرادة الناس. فكما يؤكد جرامشي، كل حركة سياسية أو طبقية تطرح مسألة الحزب على قائمة اهتماماتها، فالتنظيم تعبير ضروري عن الصراع الاجتماعي، وهو تعبير قد يكون مكبوتاً في بعض الأحيان. الحزب ما هو إلا وسيلة تسعى من خلالها قوى اجتماعية أن تخوض صراعاتها بكفاءة. والأحزاب، وفقاً لتامر، تنشأ الأحزاب أحياناً خارج الحركات الجماهيرية ثم ترتبط بها. وإذا ظهرت الأحزاب خارج الصراع المباشر بين الطبقات الاجتماعية تصبح اشكاليتها الرئيسية أن تتحول إلى تنظيم لتيار اجتماعي ما.
يرى وجيه أن ما قاله لينين عن التنظيم لا يزال مهم. المشكلة أن لينين كثيراً ما يُفهم بشكل خاطئ، فكتاباته تحمل أفكار عامة صالحة للانتقال لمجتمعات أخرى، وأخرى خاصة بالواقع الروسي. هذه التفرقة مهمة جداً حينما للتعامل مع اللينينية.
الفكرة الأساسية التي ركز عليها تامر، وهي فكرة لينينية، أن التنظيم يعبر عن مصالح طبقة اجتماعية محددة، ولكي يعمل هذا الحزب بكفاءة يجب ألا يضم كل أبناء هذه الطبقة، ولكن فقط القسم المتقدم منها، أي القسم الأكثر وعياً وكفاحية، وهو يؤكد أن هذا القسم من الطبقة يجب أن يكون متقدم في صفوفها ولكن ليس فوقها أي ليس متسلطاً عليها. مهمة الحزب في اللحظات الاستثنائية، أي لحظات التحركات الجماهيرية، أن يكسب المتذبذبين إلى النضال وأن يعزل المعادين.
أما عن مشكلة زيادة الفردية في المجتمع المصري وإعاقاتها للعمل الجماعي، وهي مشكلة طرحناها عليه، يقول وجيه أن الرأسمالية بالطبع تنمي من الروح الفردية للناس، لكنها في نفس الوقت تخلق نقيضها, وهو العمل الجماعي. أما عن التكنولوجيا، فقد أكد تامر على نفس فكرة هبة أن وسائط الاتصال مثل الانترنت هي وسيط ولا يجب أن تكون بديلاً عن الواقع الفعلي. وهو يقول أن الجماعة التي ينتمي إليها تقدر أهمية هذا الوسيط ولكنها للأسف ليس لديها الإمكانيات ولا الموارد التي تجعلها تستخدم هذا الانترنت بالكفاءة القصوى.
التحدي الأكبر الذي يواجه التنظيمات اليسارية بالنسبة لتامر هو الانقسام. لقد كان كل خلاف يؤدي إلى تفجير الأشكال التنظيمية. ولكنه يعتقد أن جماعته قد تجاوزت إلى حد كبير هذه المشكلة لأن بعد الإصابة بعدد متكرر من الانقسامات أصبح لديهم حصانة ضدها. فالكل يعلم خطورة هذه المسألة، لذلك هناك قدرة أكبر على إدارة الخلافات الداخلية بشكل لا يؤدي إلى الانقسام.

رحمة رفعت: أزمة النقابات العمالية في مصر جزء من ظاهرة عالمية
تعتقد رحمة أن التجربة الشيوعية لم تحل مشكلة التنظيم للطبقة العاملة. ففي التجربة العملية تم إلحاق كل منظمات الطبقة العاملة بالحزب الشيوعي، هو ما أدى إلى فقدان استقلاليتها. فالحزب في النظرية اللينينية هو وعاء الوعي الطبقي وهو يذهب للطبقات العاملة لكي يلقنها هذا الوعي. تطرح رحمة نموذج مختلف للعلاقة بين الأحزاب والحركات الاجتماعية وهي علاقة تحالف وليس علاقة نقل الوعي.
تعتقد رحمة أن الأزمة التي تمر بها النقابات والحركات العمالية هي أزمة عالمية لا تقتصر على مصر، فالنقابات العمالية في العالم تشهد بشكل عام انحسار العضوية. فهناك تحولات في بنية الطبقة العاملة تجعل منها مختلفة عن تلك الطبقة التي قامت عليها النقابات التقليدية. وفي العالم الثالث ومنه مصر تشهد الطبقة العاملة المنظمة تناقصاً في نسبتها إلى إجمالي الطبقات الكادحة. فالعمل غير المنظم زاد في السنوات الأخيرة بشكل لافت. وذلك يطرح إشكالية: كيف يمكن أن ينتظم هؤلاء في أشكال غير نقابية. تقول رحمة أن حجم ما يسمى بالبروليتاريا الرثة في مصر مرتفع. ولا شك أن الفردية هي أحد النتائج الطبيعية لزيادة نسبة العمل غير المنظم.
كما أشارت إلى أن سياسة الخصخصة ومن قبلها الاعتماد على القطاع الخاص في الاستثمار قد زادت من نسبة عمال القطاع الخاص إلى إجمالي الطبقة العاملة. وهذا في رأيها له جانب سلبي لأن القطاع الخاص يعمل في ظل شروط عمل غاية في السوء، كما أنه مقطوع الصلة بالخبرات النقابية التي تراكمت في القطاع العام. ولكن على الجانب الأخر هناك إيجابيات لزيادة نسبة العمال في القطاع الخاص. فحقيقة أن هؤلاء العمال مقطوعو الصلة بتراث القطاع العام، يحميهم من التشوش الذي يصيب عمالة القطاع العام بسبب طابع الملكية فيه، والتي من المفترض أن تكون رسميا هي ملكية الدولة أو ملكية الشعب. فذلك يعوقهم في بعض الأحيان عن الرؤية الواضحة للطبقة الممسكة بهذا القطاع. أما في القطاع الخاص، فالمسائل واضحة. بالإضافة إلى ذلك فإن حقيقة سوء شروط العمل في القطاع الخاص وتعرض العمال لخطر الفصل في كل لحظة قد خلق لديهم قلوب ميتة لا تخشى الفصل، كما هو الحال في القطاع العام. تقول رحمة أن هذا هو الوضع الذي كان يسود في الأربعينات حينما كان العامل ينتقل من مصنع إلى أخر، فالفصل لم يكن نهاية الحياة.

خلاصة:
تعكس مداخلة المشاركين الهموم الخاصة بالتيارات والأحزاب القادمين منها. فتركيز الأستاذ شكر على قضية الهرمية في حزب التجمع تعكس نمو البيروقراطية وسيطرتها على هذا الحزب، كما تعكس تصلب الشرايين الذي أصاب التجمع وهو الذي يحيله شكر لمشكلة المركزية المعيقة للمبادرات. كما أن تركيز د. هبة على الطابع اللاسلطوي للإسلام يعكس هموم "الإسلاميين الجدد" ببناء أشكال تنظيمية رحبة لا تقوم على مبدأ الخضوع والسمع والطاعة الذي يميز الإخوان. أما تامر وجيه، فالهم الأساسي الذي يؤرقه هو كيفية الالتحام بالجماهير في صراعاتها من أجل كسب العناصر الجيدة المكافحة من بينها، الأمر الذي يعكس موقعه داخل جماعة الاشتراكيين الثوريين التي أسسها مجموعة من المثقفين تحاول أن تعطي محتوى اجتماعي للتنظيم الذي أسسوه. أما رحمة رفعت فما يشغلها هو إقامة علاقة شراكة وتحالف مع الحركات الاجتماعية، فهي على اتصال دائم مع العمال من خلال مركز الدراسات النقابية، ولكن الهدف هنا ليس نقل الوعي لهم، ولكن التفاعل معهم، وتقديم الخدمات لهم. وإذا كان لها أن تشارك في حزب سياسي، فسيكون النموذج الذي ستطرحه للعلاقة مع العمال هو التحالف معهم وليس قيادتهم.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:06.

هل تتجه الطبقة الوسطي إلي تعددية المراكز

لا يمكن الحديث عن تطور ديمقراطي في المجتمع المصري أو تحديثه بدون تناول الدور الذي يمكن أن تقوم به منظمات غير حكومية تمارس نشاطاً يعلي من قيم المبادرة والعمل الجماعي، سواء كان هذا النشاط يسعى لتحمل مسئولية أكبر في إدارة شئون فئات بعينها من المجتمع كي يصبح جزء كبير من هذا المجتمع مدار ذاتياً ، أو يستهدف ممارسة الضغوط على السلطة لتحقيق مصالح بعينها لهذه الفئات. كما لا يمكن الحديث عن دور للمجتمع المدني بدون تفعيل مؤسساته الرئيسية مثل الجمعيات الأهلية والنقابات العمالية والمهنية وشركات الأعمال والغرف التجارية والصناعية، و غيرها من المؤسسات التي يجمعها الاستقلال عن الإشراف المباشر للدولة، ويميزها إلى جانب هذا الاستقلال تنظيمها التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية، والعمل التطوعي، و الإعلاء من قيم مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من هذه المؤسسات. فمنذ ما يزيد على العامين والقوى الديمقراطية واليسارية تخوض معركة التغيير الديمقراطي في مصر و هنا تزداد أهمية المجتمع المدني لما يمكن أن تقوم به مؤسساته من دور في تفعيل مشاركة عدد أكبر من المواطنين في تقرير مصائرهم والتفاعل مع السياسات التي تؤثر في معيشتهم سواء بمواجهة تلك السياسات التي تنال من حرياتهم وأوضاعهم الاجتماعية أو الدفع بسلسلة أخرى من السياسات التي يمكن أن تؤثر إيجاباً على حياتهم، وهذا التفعيل هو الضمانة الوحيدة كي لا تكون الحكومة المصرية والمؤسسات الأمنية هما الطرفان الوحيدان الفاعلان في عملية التغيير الديمقراطي وما يتبع ذلك من محاولات هذه الحكومة وتلك المؤسسات لتفريغ التغيير المنشود من محتواه . و بالنظر للدور الذي ينبغي أن تقوم به القوى التقدمية في هذا التوقيت نجد أنه صار لزاما عليها العمل من أجل تفعيل هذه المؤسسات والاهتمام بالمنظمات ذات القدرة العالية على الحشد ـ مثل النقابات المهنية والعمالية والمنظمات الفلاحية والتعاونيات واتحادات الطلاب والمنظمات الحرفية ـ والاستفادة من إمكانياتها البشرية في دعم المطالب الديمقراطية والاجتماعية لهذه الفئات كي تتحول هذه المنظمات لحركات اجتماعية ذات جذور شعبية. التنظيم الأكبر للطبقة الوسطى : هنا تظهر النقابات المهنية باعتبارها أكبر شكل تنظيمي يضم المتعلمين من أبناء الفئات الوسطى في المجتمع ، فهي تضم حوالي أربعة ملايين عضو في 23 نقابة مهنية . وأصبح المحامون المصريون هم رواد النقابات المهنية في مصر عندما أنشئوا منظمة المحامين أمام المحاكم المختلطة عام 1876 ، ثم نقابة المحامين عام 1912 ، فنقابة المحامين الشرعيين 1916 وما لبث أن تبعهم باقي المهنيين المصريين فأنشئوا نقابة الأطباء 1940 ، و تلاهم الصحفيين 1941، ونقابة المهن الهندسية عام 1946، ثم أطباء الأسنان والصيادلة والأطباء البيطريين في 1949، فالمعلمين عام 1951 . و بعد إلغاء المحاكم الشرعية ألغيت نقابة المحامين الشرعيين عام 1955 ، و في ذات العام أنشأت خمس نقابات مهنية أخرى هي نقابة المهن التمثيلية ، والمهن السينمائية، والمهن الموسيقية، ونقابة المحاسبين والمراجعين، وبعد تسع سنوات أنشأت نقابة المهن العلمية. ومع مطلع السبعينيات في عام 1973 أنشأت نقابة المهن الاجتماعية ، و نقابة المهن التطبيقية 1974، فالفنانين التشكيليين ونقابة الفنون التطبيقية و نقابة مهنة التمريض عام 1976. وفي بداية الثمانينيات و بالتحديد عام 1983 تأسست نقابة المرشدين السياحيين، ثم نقابة الرياضيون 1987. وفى التسعينيات ظهرت نقابة مستخلصي الجمارك 1993، و نقابة العلاج الطبيعي 1994. السيطرة على هذا التنظيم : و يبدوا أن السلطات المصرية وعت أهمية هذه المؤسسات التي تعتبر أكبر شكل تنظيمي لأبناء الطبقة الوسطى ، فسعت السلطة في مصر الناصرية لإعطاء النقابات المهنية بعض السلطات في مقابل دمجها في التنظيم السياسي للدولة واعتبارها أحد أجنحتها الشعبية، فاشترطت فيمن يرشح نفسه لعضوية مجالس النقابات أن يكون عضواً عاملاً في الاتحاد القومي، و من بعده الاتحاد الاشتراكي، و كان لا بد من القضاء على فكرة التعددية النقابية حتى تتمكن السلطة السياسية من الهيمنة على هذه النقابات. و في عام 1977 و مع بداية التجربة الحزبية في مصر تم إلغاء المواد التي تشترط أن يكون المرشح لمجلس إدارة النقابات المهنية عضواً بالاتحاد الاشتراكي، و لكن تم الإبقاء على القيود التي تجعل إنشاء النقابات درباً من دروب المستحيل، إلا إذا كانت برغبة حكومية حيث أبقوا على أن يتم إنشاء النقابات المهنية بقانون. و منذ هذه اللحظة والسلطات المصرية تحاول تأميم العمل النقابي وتحويل هذه النقابات إلى مؤسسات شبه حكومية تسيطر من خلالها على أبناء المهنة الواحدة، إلى أن شهدت نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات نجاح الإسلاميين في السيطرة على مجالس أكبر النقابات المهنية في مصر ومحاولة تأميمها لصالح التنظيمات الإسلامية، وخاصة الإخوان المسلمون، فكانت النقابات المهنية بالنسبة لهم الحزب الذي حرموا منه و شبكات المصالح التي يربطون بها أعضاء التنظيم ويزيدون بها عدد المتعاطفين معه، فنجحوا في أن يجعلوا النقابات المهنية بالنسبة لأعضائها مجرد مشروع علاج مخفض وعمرة ومعرض سلع معمرة و مصيف مقابل اشتراك يدفع سنوياً، وانصرفوا بالمهنيين المصريين عن تطوير المهنة والدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ، وساعدهم على ذلك رغبة المهنيين المصريين في الخلاص من سنوات طويلة من فساد ممثلي الحكومة في مجالس هذه النقابات. فما كان من السلطة المصرية إلا أن حاولت السيطرة مرة أخرى على هذه النقابات فأصدرت القانون 100 لسنة 1993، و الذي نص في مادته الثانية على ضرورة تصويت نصف عدد أعضاء الجمعية العمومية المقيدة أسماؤهم بجداول النقابة ممن لهم حق التصويت لصحة انتخاب النقيب وأعضاء المجلس ، وإذا لم يكتمل النصاب تعاد الانتخابات ويكون الحد الأدنى لصحة الانتخاب تصويت ثلث الأعضاء وإذا لم يتوافر هذا النصاب يتم تعيين لجنة لإدارة النقابة بإشراف قضائي، فكانت النتيجة المباشرة لهذا القانون تجميد الانتخابات في أكبر عشر نقابات مهنية وهي الأطباء ، المهندسين ، أطباء الأسنان ، الصيادلة ، الزراعيين ، التطبيقيين ، المعلمين ، الرياضيين ، التجاريين ، وأخيرًا المحامين الذين نجحوا في فض الحراسة عن نقابتهم العامة بينما لم يستطيعوا إنهائها في العديد من النقابات الفرعية حتى الآن. سلطة أخرى و ليست جماعة ضغط : و بالنظر للمشكلات التي تعوق عمل هذه المؤسسات نجد أن هناك أزمة هيكلية تقف صداً منيعاً بين النقابات المهنية و الدور المنوط بها القيام به ، فالقوانين المنشئة لمعظم النقابات المهنية المصرية جعلت من تنظيم أوضاع المهنة و إعطاء أعضائها رخصة لمزاولتها المهمة الرئيسية لهذه النقابات ، و بهذا تضمن السلطة أن يقف دور النقابات عند هذا الحد دون أن يمتد هذا الدور إلى الدفاع عن المطالب الاقتصادية و الاجتماعية لأعضاء النقابة ، و ما يمكن أن يقتضيه هذا من مطالب و ضغوط على الدولة في بعض الأحيان . فأصبحت النقابات المهنية في مصر تمارس دور سلطوي جعلها تعلي من شأن دورها المتعلق بتنظيم أوضاع المهنة على حساب الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية لأعضائها و الارتقاء بالأداء المهني لأعضائها ، وأصبحت هذه النقابات سلطة فوق أعضائها يتقيدون بقوانينها التي لم يضعوها بأنفسهم و تقرر الشروط الواجبة لممارسة المهنة و طرق الترقي المهني و ليست شكل تنظيمي يضم أبناء المهنة الواحدة للدفاع عن مصالحهم و العمل على تطويرها بالشكل الذي يرونه. كما أن الربط بين عضوية معظم النقابات المهنية و مزاولة المهنة جعل انضمام أعضاء النقابة لها انضماماً قسرياً ، فجميع خريجي كلية الحقوق مطالبون بالانضمام لنقابة المحامين ليصبحوا محامين و كذلك جميع خريجي كلية الطب يجب عليهم الانضمام لنقابة الأطباء ليصرح لهم بممارسة مهنة الطب و غيرها من النقابات التي تربط بين العضوية و مزاولة المهنة ، و هذا الانضمام القسري جعل أعضاء النقابة يرون عضويتهم بالنقابة الضمانة الوحيدة لممارستهم العمل ، فلم يعد هناك من يرى أن انضمامه للنقابة يعني الانضمام لجماعة مهنية تدافع عن مصالحه و تضغط من أجلها ، و بالتالي فدوره يقتصر على الانضمام لهذه النقابة دون أن يكون له أي يد قي صياغة برامجها و تغييرها و العمل من أجل أن تكون منبراً يعبر عنه و عن أبناء مهنته الذين يمارسون الضغوط سوياً من أجل الحصول على مكاسب اقتصادية و اجتماعية لهم . مصالح متناقضة : يضاف إلى ذلك أن كون النقابات المهنية هي التي ترخص لممارسة المهنة يجعل منها المنظمة التي تجمع جميع أبناء هذه المهنة حيث يكون عليها صياغة برنامج موحد لهذي المصالح المتعارضة ، فمصالح مرتضى منصور المحامي تتعارض مع مصالح صغار المحامين الذين يعملون بمكتبه و مصالح المهندس أحمد محرم تتعارض مع مصالح صغار المهندسين الذين يعملون بشركة محرم و باخوم كما أن مصالح الدكتور حسام بدراوي تتعارض مع مصالح صغار الأطباء و كذا بالنسبة لمصالح حازم حسن و المحاسبين العاملين بمؤسسته ، و يقاس على ذلك وضع باقي المهنيين . هذا الوضع جعل من صياغة برنامج اقتصادي و اجتماعي مطلبي لأعضاء أي نقابة درب من دروب المستحيل ، و أصبح على من يحاول التصدي لبرنامج اقتصادي و اجتماعي نقابي أن يختار بين الضحايا ، فإما أن يطالب برفع أجور صغار المهنيين و يضحي بمصالح كبارهم و إما أن يطالب بدعم المؤسسات المهنية الكبيرة فيكسب أصحابها و يضحي بأبناء المهنة العاملين فيها . كل هذا جعل الدور الذي يجب أن تقوم به النقابات المهنية باعتبارها جماعة ضغط تدافع عن مصالح أعضائها يتآكل لصالح بعض الأدوار الخدمية مثل مشروع العلاج و المصيف المدعم و غيرها من المشاريع الخدمية التي لا يكون من شأنها إثارة الكثير من التناقضات بين المصالح المختلفة ، و جعل النقابيين المصريين إما أن يبعدوا عن أي اهتمام بالجانب الاقتصادي و الاجتماعي حتى و لو كان خدمي في الأساس مثل زيادة الدمغات لصالح زيادة المعاش أو أن يتبنوا خطابات ديماجوجية مستحيلة التحقيق لأنها ببساطة تتصدى للدفاع عن مصالح متعارضة . كل هذا جعل النقابات المهنية مقيدة و عاجزة ، لا تستطيع أن تعبر عن مصالح كافة أعضائها لأنها في الأساس مصالح متعارضة كما أنها لا تستطيع أن تُفعِّل الأداء المهني لأعضائها و تدعمه لأنها مطالبة بإعطاء الاهتمام الأكبر لتنظيم أوضاع المهنة . الطريق للتعددية النقابية : كل هذه العوائق الموضوعة في طريق تنمية و حفز طاقات النقابات المهنية جعلنا نؤمن بأن أى برنامج ديمقراطى يفترض أن ينطلق من مطلب تعدد المراكز النقابية كحل للخروج من أزمة النقابات المهنية في مصر ، و كطريق وحيد لتفعيل عضوية هذه النقابات و حشدها في دعم المطالب الديمقراطية والاجتماعية لهذه الفئات ، فتصبح النقابات المهنية المصرية معبر حقيقي عن مصالح اجتماعية لأعضائها و تتحول من منظمات شبه حكومية تنظم أوضاع بعض المهنيين و تشرف على تنفيذ القانون ـ الذي وضعته الحكومة لتنظيم هذه المهنة ـ إلى منظمات ( أو حركات ) اجتماعية ذات جذور شعبية لها مطالب معينة و تمارس ضغوطها بأشكال مختلفة لتحقيق هذه المطالب . و يدعم فكرة التعددية النقابية أنه مادام هناك مصالح متضاربة لأبناء المهنة الواحده فلا بد من وجود أكثر من شكل تنظيمي يعبر عن هذه المصالح ، و من ثم يمكن أن تنشأ نقابة للمحاميين أصحاب الشركات القانونية الدولية تدافع عن مصالحهم في منع شركات المحاماة الأجنبية في العمل داخل مصر و لا تهتم بأوضاع المحاميين العاملين بها و أخرى لشباب المحامين تدافع عن مصالحهم في أن يكون هناك حد أدنى للأجور و يكون همها الأول وضع عقود عمل نموذجية و الضغط على أصحاب العمل ليلتزموا بهذه العقود ، و كذا نقابة للمهندسين أصحاب المكاتب الاستشارية الكبرى التي تحاول الضغط على الحكومة لكي تقصر مناقصاتها على المكاتب الاستشارية المصرية ، و أخرى لشباب المهندسين تعمل من أجل تنميتهم مهنياً و دعم إقامة مشاريع تعاونية يتم توظيفهم فيها ، و بذلك يمكن أن يصبح الدور الرئيسي للنقابات المهنية هو الدفاع عن مصالح أعضائها ، و يصبح من حق كل مهني أن يختار النقابة التي تدافع عن مصالحه لينضم إليها . كما أنه يجب استلهام الخبرات الموجودة في أنحاء العالم فيما يتعلق بالفصل بين هذا الدور الذي يجب أن تقوم به النقابات و بين تنظيم أوضاع المهنة و الترخيص بمزاولتها ، فيمكن أن تشترك كل النقابات العاملة في مهنة واحدة في صياغة الشروط العامة الواجب توافرها فيمن يمارس هذه المهنة و يتم تضمين هذه الشروط في اللائحة المنظمة لكل نقابة تضم من يعملون بهذه المهنة ، كما يتم تنظيم أوضاع المهنة الواحدة بإنشاء هيكل يضم مندوبين عن كل نقابة للاتفاق على ميثاق شرف لهذه المهنة ينظم أوضاعها . و لتصبح الدعوة لفكرة التعددية النقابية ممكنة داخل النقابات المهنية المصرية يجب على القوى التقدمية استكمال الدور المطلوب منها داخل النقابات المهنية الحالية ، فعلى هذه القوى أن تسعى للتنسيق بين النقابات المهنية المختلفة و ممارسة الضغوط من أجل تحرير هذا القطاع من قطاعات المجتمع المدنى ، والتصدى على الأخص لمنطق وفكرة "إنشاء النقابات بموجب قانون "، حيث يكتفى لتنظيم هذه النقابات باللوائح التى يضعها أعضاء النقابة بأنفسهم ، والذين يكون بوسعهم تغييرها أو تعديلها كلما دعت الحاجة إلى ذلك ، لينتقل المهنيون المصريون من موقع المفعول به الذي يخضع لقواعد تنظيم مهنته دون أن يكون طرفاً فى مناقشة هذه القواعد وتطويرها .. إلى موقع الفاعل الذي يشارك فى تطوير مهنته و يستطيع الدفاع عن مصالحه من خلال الأدوات التنظيمية الملائمة. كما يمكن للقوى الديمقراطية أن تسعى لبناء وتطوير أشكال حركية وأدوات تنظيمية مختلفة داخل النقابات المهنية ، تتبنى برامج اقتصادية و اجتماعية مختلفة وفقاً لمصالح الشرائح والفئات الاجتماعية التى تعبر عنها ، حيث يمكن لهذه البؤر التنظيمية المتعددة أن تعمل بمثابة جماعات ضغط ، وجماعات المصالح المتمايزة داخل النقابة الواحدة. ربما يكون فى ذلك سبيلاً لتفجير الطاقات المختلفة وتطويرها .. وهو إلى ذلك أيضاً يمكن أن يساهم فى جذب أعداد أوسع من المهنيين إلى ساحة العمل النقابى ، ودفع الحيوية فى شرايين هذه النقابات على النحو الذى يساهم فى انتزاعها درجة أعلى من الاستقلالية ، والديمقراطية. إن تطوير النقابات المهنية وحفزها من أجل أن تصبح حركات اجتماعية شعبية مستقلة وضاغطة من شأنه أن يدعم حركة المجتمع المصري من أجل تحقيق الديمقراطية ، على الأخص وأننا نتحدث عن أربعة مليون مهنى مصرى من حقهم أن يجدوا المساحة الكافية للتعبير عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ، بعيداً عن السيطرة ، والمنطق الشمولى.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 01:03.

وداعا لينين ... هل من جديد ؟ - اليسار ومشكلة التنظيم

اليسار يمر بأزمة تنظيمية، فقد أصبح معظم أفراده يعملون بشكل فردي، أو في مجموعات صغيرة بدائية من الناحية المؤسسية مثل اللجان الشعبية. ليس هناك تنظيمات أو أحزاب يسارية قوية هذه الأيام. فكرة لينين عن حزب الطليعة القائدة للجماهير تجاوزها معظم اليسار في العالم، وهو ما يحدث في صمت بمصر. إلا أن بديل اللينينية لا يزال في مرحلة التشكل.

لكي ينتظم الناس في عمل مشترك يجب أن يتوفر لهم مجموعة من الشروط أهمها هدف أو أهداف يتوافقون على تحقيقها، موارد مالية للإنفاق على التنظيم، موارد معنوية وفكرية، تنظم العقل وتشحذ الوجدان، مجال للحركة يسمح لهم بالنشاط والعمل واجتذاب عضوية جديدة. في ضوء هذه الشروط سنناقش الأزمة التنظيمية لليسار المصري.
التنظيمات اليسارية تشتمل على حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وهو الحزب اليساري الوحيد الذي يحظى بوضع قانوني، كما تضم بعض المجموعات الأخرى شبه السرية مثل "الحزب الشيوعي المصري" (وثيق الصلة بحزب التجمع)، "الاشتراكيون الثوريون" (أنظر المقالة المرفقة) وحزب "الشعب الاشتراكي". ربما يكون هناك مجموعات أخرى لا نعرف عنها شيئاً، فبعض المجموعات اليسارية تغرق في السرية لدرجة أن لا يعلم عنها أحد إلا مكتب مكافحة الشيوعية بمباحث أمن الدولة. هذه المجموعات هي ما تبقي من الأحزاب اليسارية. فقد أتت التسعينات لكي تضع حداً لتنظيمات شبه سرية نشطت في السبعينات وتراخت في الثمانينات، مثل حزب العمال الشيوعي، و8 يناير، والتيار الثوري. لكن التنظيمات التي صمدت أمام الزمن تشهد هي أيضاً حالة من الأفول. لندرة المعلومات لا يمكننا متابعة التنظيمات شبه السرية بشكل موثق. نحن لا نعرف أحوالها الداخلية، ولكن ثمرة عمل هذه التنظيمات تشي بأنها تعاني من تراجع عنيف في حجم ونوعية العضوية.
أزمة اليسار على المستوى التنظيمي تشمل الجميع، من يمتلك رخصة قانونية ومن لا يمتلك. فحزب التجمع الذي انطلق في السبعينات بشكل قوي (150 ألف عضو) واجتذب العديد من النقابيين العمال، مثقفين وفنانين، تراجع في الثمانينات وانزوى منذ التسعينات. حجم ونوعية العضوية اللذان انهارا يشهدان على ذلك. سيطرة البيروقراطية الحزبية عليه، وحالة جريدة الأهالي المتردية والتي كانت أفضل صحيفة معارضة في السبعينات والثمانينات لا تدع مجالاً للشك. رغم ذلك يظل التجمع أكبر تنظيم يساري من حيث الحجم، ومن حيث الانتشار الجغرافي، ومن حيث التمثيل في المؤسسات النيابية. وفقاً للأستاذ عبد الغفار شكر، أحد قيادات التجمع، شارك في الانتخابات الأخيرة للتجمع حوالي 8 ألاف عضو. ولكن ليس كل هؤلاء نشطين. يقول شكر أن العضوية النشطة تبلغ حوالي 2000، وهو بالطبع رقم بالغ التواضع بالنسبة لشعب يبلغ عدد سكانه أكثر من 70 مليون نسمة.
باختصار الحالة التنظيمية في اليسار متدهورة، وهو الأمر الذي سنحاول أن نجمل أسبابه في الآتي:

أولاً: غياب مجال سياسي للحركة
الأسماك تموت لو خرجت من الماء

اليسار تيار حداثي، لذلك فهو يعمل عموماً من خلال تنظيمات حديثة لا تقوم على الأسرة أو القبيلة أو الطائفة الدينية ولكن تتأسس على روابط المصلحة أو الأفكار المشتركة (الإيديولوجيا). الأحزاب السياسية في مصر مُجرمة ومحرمة إلا ما اعتقد الأمن في لحظة ما أنه لا ضرر منها. الرخصة الوحيدة التي أعُطيت لحزب يساري كانت لحزب التجمع في السبعينات، ثم أغُلق الباب بعد ذلك. والحقيقة أن حالة الأحزاب "الشرعية" مثل التجمع لم تشكل حافزاً للمجموعات اليسارية في القطاع "غير المنظم" كي تحاول الحصول، هي أيضاً، على رخصة. لذلك استسلمت المجموعات اليسارية للعمل "السري"، وهو الأمر الذي وضع اليسار في مأزق. فهذه المجموعات تعمل في السياسة كما يعمل الباعة الجائلين في القطاع غير المنظم. تتركهم الحكومة يعرضون بضاعتهم على الأرصفة، وهم بذلك يستطيعوا جذب الزبائن ببضاعة زهيدة الثمن، وإن كانت "مضروبة" في بعض الأحيان. ولكن كما ينطلق الأمن لكي يطارد الباعة الجائلين في الشوارع من وقت لأخر، ينطلق نفس الأمن لكي يطارد اليسار غير المنظم بشكل دوري. وكما يحدث للباعة الجائلين حين يهاجمهم جراد الشرطة، فيحملون الطاولات على رؤؤسهم ويجرون بها إلى الحواري الضيقة، ويصطدمون بالمارة الذين يضعهم حظهم العاثر في طريق الباعة الفارين، فبالمثل.. عندما تهاجم ذئاب الأمن اليسار غير المنظم، يفر إلى الشوارع الضيقة وفي بعض الأحيان يصطدم بالآخرين. والحقيقة أن السبب الرئيسي لحالة السرية التي يعاني منها اليسار تكمن في قانون الأحزاب المصري الذي يُحرم قيام الأحزاب على أساس اجتماعي/طبقي، في حين أن فكرة اليسار تنطلق أساساً من وجود جماعات اجتماعية محرومة تحتاج إلى تنظيم نفسها داخل المجال السياسي. والغريب أن اليسار عمل طوال السنة الماضية وراء أهداف عامة طموحة مثل إسقاط النظام الاستبدادي، ولكنه لم يعمل لمواجهة النص الذي يشكل الأساس القانوني لطرده من المجال السياسي المنظم والشرعي. حتى "النضال القانوني"، وهو أضعف الإيمان، لم ينخرط فيه أحد لفرض شرعية قيام أحزاب على أسس اجتماعية. لم ينم إلى علمنا أن أحداً قد حاول الطعن في دستورية هذه المادة من قانون الأحزاب.
السرية هي آفة التنظيمات اليسارية. لأن السياسة مثل التجارة.. فالتجارة تحتاج للعلنية حتى يلتقي البائعين والمشترين في مكان محدد، بشروط محددة في مواعيد محددة فيخرج كل من الطرفين غانماً سالماً من عملية التبادل. أما التنظيم السري فليس له عنوان واضح يمكن الذهاب إليه، هذا بالإضافة إلى أن العلاقة معه يشوبها عدم اليقين لأن قواعد اللعبة غير واضحة. والسرية تؤدي إلى ظهور أمراض مستعصية، مثل سيطرة الثقافة الأمنية أو "الفوبيا" الأمنية على الأعضاء. فالنظام الحاكم لا يتعامل مع المجموعات شبه السرية إلا من خلال أجهزة الأمن (هو يفعل ذلك عموماً حتى مع المنظمات العلنية القانونية)، وبالتالي يصبح الهاجس الأمني هو الهم الأول للمجموعة "السرية"، الأمر الذي يكرس من حس سياسي يقوم على الشك والريبة، بل والتخوين في بعض الأحيان. كما أن السرية تحول دون الشفافية وديمقراطية المعلومات داخل التنظيم. وهي تجعل تقييم أداءه من جانب أعضائه وأصدقائه، ناهيك عن المحللين، مسألة بالغة الصعوبة، فلكي تُقيم شيئاً يجب أن تتوفر لك معلومات عنه. الأصل في السرية المؤقتة التي يضطر إليها حزب ما هو إخفاء نشاطات معينة عن الأمن. أما السرية المزمنة فهي تؤدي في بعض الأحيان إلى إخفاء عدم وجود نشاطات من الأصل.
قد تكون السرية في بعض الأحيان مطلوبة، فهناك أحزاب تضطر أن تنزل تحت الأرض لتحاشي ضربات أمنية تقوم بها أنظمة بوليسية. ولكن عندما تطول مرحلة السرية، وعندما يستسلم تيار لها باعتبارها قدراً، هنا تكون المشكلة. فالسياسة السرية مثل العادة السرية التي يمكن اللجوء إليها في بعض الأحيان لتلطيف الاحتقان والكبت الجنسي انتظاراً لظروف أفضل، ولكن التفنن فيها والاستسلام لها يؤدي في الأجل الطويل إلى العزلة الموحشة. وهو ما تعاني منه المنظمات اليسارية شبه السرية.
لقد دفعت حالة النشاط السياسي النسبي خلال السنة الماضية المنظمات السرية إلى محاولة كسر دائرة السرية كما زادت من إقبال اليساريين على العلنية. ينطبق ذلك حتى على التنظيمات شبه السرية خاصة الاشتراكيين الثوريين، الذين باتوا يعلنون عن وجودهم بشك صريح. والحقيقة أن المناقشات داخل اليسار حالياً تكشف عن ميل أكثر فأكثر إلى العمل العلني. وإذا تطورت حالة الزخم التي أصابت اليسار في السنة الماضية بسبب "الحراك السياسي" يمكنها أن تفضي في النهاية إلى العمل المشترك للوصول إلى هدف فرض شرعية قيام أحزاب يسارية علنية وقانونية.
إذا كنا نقول أن السرية هي آفة التنظيمات اليسارية، كيف لنا أن نفسر تحقيق الإخوان والجماعة الإسلامية (في الثمانينات والتسعينات) لنجاحات ضخمة في التجنيد والانتشار بينما هم يفتقدون لأحزاب قانونية. الحقيقة أن هناك فارقاً ضخماً بين التيار الإسلامي واليسار. فالمساحة التي يتحرك فيها الإسلاميون لا تقتصر على المجال السياسي، فهذا التيار ينشط سياسياً في الجوامع وفي المساحات الدينية، لأنه تيار يقوم على المزج بين الدين والسياسة. لذلك فضيق المجال السياسي لم يزعج الإخوان والجماعات الإسلامية كثيراً، بل قد يكون قد أراحهم من منافسين محتملين. لا يملك اليسار بطابعه العلماني أن يعمل بالسياسة في المساحات الدينية. لكن في الحقيقة كان لليسار أن يعمل أكثر في المجال الاجتماعي للهرب من مشكلة ضيق المجال السياسي. أعتقد أن أحد مشاكل اليسار المصري هي أنه تيار مسيس بشكل زائد عن اللزوم، في مجتمع تعرضت السياسة فيه للإخصاء منذ الخمسينات. وبهذا فإن تركيز اليسار على المجال السياسي فقط قد أصابه في النهاية بعقم الحياة السياسية المصرية.
مشكلة المجال السياسي، الماء الذي يتنفس فيه السمك، لا تقتصر على أنه مغلق دون تيارات وتنظيمات يسارية تضطر للعمل تحت الأرض. فالحزب الذي يعمل في العلن وفي ظل القانون، أي التجمع، يظل في حالة أزمة. فالمجال السياسي الرسمي في مصر ضيق جداً، والأحزاب محاصرة في مقراتها، وأجهزة الأمن تكاد تسيطر على كل شيء. إذن فأزمة حزب التجمع ترجع جزئياً إلى ضيق المجال السياسي المصري. وكما أننا لا يمكن أن ننتظر ظهور لاعبين مهرة بدون عدد كبير من الملاعب تستوعب الأطفال، فلا يمكن انتظار ظهور أحزاب قوية أو كوادر عظيمة بدون ملاعب سياسية. لقد عالجنا قضية ضيق المجال السياسي المصري في الأعداد السابقة بحيث لا نحتاج هنا للتفصيل فيها.

ثانياً: مشكلة انهيار العضوية كماً وكيفاً
أحد أهم مؤشرات تردي التنظيمات اليسارية هو الانخفاض الكمي والنوعي في العضوية. من الملحوظ اليوم، أن معظم أبناء هذا التيار هم أفراد وليسوا أعضاء في أحزاب سياسية، ومعظمهم عازف عن التورط في أية تجربة تنظيمية جديدة تعيد إنتاج المنظمات الفاشلة التي دخلوها من قبل. ومشكلة التنظيمات لا تتعلق بالكم فقط، أي بحجم عضويتها، وإنما في عجزها إلى حد كبير عن اجتذاب العناصر الجيدة. كم من القيادات العمالية النقابية تضمها التنظيمات اليسارية، بما فيه حزب التجمع؟ كم من قيادات نقابات الطبقة الوسطى ومن الكتاب والفنانين تضمها هذه التنظيمات والأحزاب. قليل جداً؟ هذا بعد أن كانت التنظيمات الشيوعية في الماضي، خاصة في الأربعينات والخمسينات تضم نخبة من قيادات العمال والكتاب والمحامين، الخ.
كانت التنظيمات اليسارية تتغذي في الماضي على التيار اليساري الواسع. يجب التفرقة بين التيار والحزب. فالتيار، أي تيار، هو أفراد ومجموعات وأدبيات مكتوبة وشرائط مسموعة وأفلام وشركات، وجمعيات اجتماعية، الخ. التيار إذن أكبر من التنظيمات التي فيه. فالتيار الإسلامي على سبيل المثال أكبر من الإخوان المسلمين، وبنفس المعنى التيار اليساري أكبر من التنظيمات اليسارية. أزمة التنظيم اليساري إذن هي من أزمة التيار اليساري عموماً. فالتنظيمات اليوم عندما تعمل في الواقع لا تجد تربة مهيأة مهدها لها التيار اليساري الواسع. اليسار كان حاضراً في المجال الثقافي والطلابي والعمالي، لذلك كانت التنظيمات تستطيع العمل على أرضية مواتية من أجل كسب أعضاء جدد. ولكن التيار اليساري نفسه ضعف. لا مجال هنا للاستفاضة في موضوع أزمة التيار اليساري لأن أسبابه باتت معروفة مثل: تأسيس دولة إسرائيل، الفورة النفطية في المنطقة العربية وما أدى إليه جزئياً من انتشار الفكر والممارسات المحافظة خاصة عند التيار الإسلامي، الدولة الناصرية التي صاغها النظام لكي تكون أداته في السيطرة على العمال بإعطائهم بعض الحقوق الاقتصادية في مقابل تخليهم بشكل تام عن كل الحقوق السياسية، هذا بالإضافة بالطبع إلى سقوط تجربة البناء "الاشتراكي" في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والعالم الثالث، الخ.

ثالثاً مشكلة التمويل
كأي نشاط إنساني، يتطلب النشاط السياسي أموالاً للإنفاق على حملات الدعاية، المطبوعات، تكلفة انتقالات، تكلفة إعاشة سكرتارية دائمة للتنظيمات، الخ. على كل فاعل سياسي أن يتدبر كيفية الإنفاق على نشاطه. يمثل التمويل مشكلة مزمنة لليسار. فالتمويل الخارجي مرفوض من الناحية الأخلاقية، فضلاً عن خطورته السياسية المتمثلة في فقدان المصداقية أو الوقوع تحت طائلة الأمن الذي يميل في بعض الأحيان إلى التنكيل بالسياسيين المعارضين من هذا المدخل. كانت هناك في الماضي بعض الإشاعات عن تمويل تلقاه بعض الشيوعيين من الاتحاد السوفييتي، ولكن هذا لم يتم التحقق منه، ربما يكون ذلك مجرد دعاية خصوم أو دعاية أمنية.
في الأربعينات والخمسينات كان اليسار يضم العديد من أبناء الأثرياء الذين كانوا ينفقون بسخاء على تنظيماتهم. يبدو أن الوضع تغير منذ السبعينات وذلك حين أصبح الطلاب والطبقة الوسطى هم عماد تنظيمات اليسار، فهذه الفئات مواردها المالية محدودة. هذا بالإضافة إلى أن شروط الحياة القاسية تجعل من وقت الفراغ المخصص للعمل التنظيمي محدوداً. اليسار بالتأكيد يواجه مشكلة توفير موارد مادية.
لم يدخل اليسار في نقاش جدي حتى الآن حول قضية التمويل. لقد انحصر النقاش أساساً في قضية "تمويل المجتمع المدني" الذي نشط منذ التسعينات. المشكلة أن بعض اليساريين أسسوا جمعيات ومراكز لحقوق الإنسان تتلقى تمويلاً من جهات أوروبية، سواء كانت جمعيات مستقلة أو جهات حكومية، خاصة من الدول الاسكندنافية أو من الاتحاد الأوروبي. لقد فجرت هذه القضية أزمات عديدة وانقسامات داخل اليسار. فالتيارات "الراديكالية" كانت تعتقد أن هذا النوع من التمويل مرفوض تماماً لأنه يفتح الباب أمام الفساد، كما أنه يحرف الحركة اليسارية المناضلة ضد المجتمع الطبقي إلى مجرد حركة حقوقية. ولكن بمرور الوقت خفت المقاطعة التي فرضتها بعض الأوساط اليسارية على المتلقين تمويلاً خارجياً وأصبحت المقاطعة، إذا وُجدت، مقتصرة على قيادات منظمات المجتمع المدني وليس العاملين فيها. وأصبح السؤال الخاص بالتمويل يدور غالباً حول ممن ولأي غرض.
والحقيقة أن القضية قد عولجت بشكل خاطئ، لأنه منذ البداية لم تتم التفرقة الواضحة بين تلقى أموال من الخارج للقيام بنشاط سياسي وهو ما يجرمه القانون ويدينه السياسيون في مصر، حتى ولو كان بعضهم قد تورط في ذلك، وبين تلقي أموال للقيام بنشاط حقوقي متماس مع السياسة. والحال أن الدفاع عن المعتقلين ورصد انتهاكات حقوق الإنسان هو عمل، شأنه شأن أية عمل أخر، يستحق المرء عليه عائداً مادياً، شأنه شأن الكتابة في الصحف أو الغناء أو التعليم، أو الهندسة الخ. هذا النشاط الحقوقي يخضع للقانون. بالطبع هناك تجاوزات وفساد في بعض جمعيات حقوق الإنسان، شأنها شأن كل القطاعات الأخرى في المجتمع. ولكن أن يكون هناك تجاوزات، لا يعني أن المهنة كلها غير شريفة. والحقيقة أن احتواء اليسار على ناس يعملون في المجتمع المدني لا يفجر مشاكل طالما هناك فصل واضح بين أموال المنظمات الاجتماعية والتشكيلات السياسية. بعبارة أخرى بعض اليساريين يعملون في القطاع العام، والبعض الأخر في القطاع الخاص، والثالث في القطاع الخاص الأجنبي. هذه مهن يأكل منها الناس عيشاً. ولا ضير في ذلك طالماً كانت المهنة شريفة، ولا شك أن متابعة جرائم التعذيب ومساعدة ضحاياها هي في الأصل مهنة شريفة طالماً أداها المرء بإخلاص. المهم أن يضمن اليسار ألا تختلط أموال منظمات المجتمع المدني وهي تنتمي إلى المجال الاجتماعي الخدمي، مع أموال التنظيمات السياسية التي تنتمي إلى مجال أخر هو المجال السياسي، غير مقبول و غير مسموح للقطاع الأجنبي أن يستثمر فيه. وهذه القاعدة يجب أن تنطبق على كل التيارات السياسية، فالتمويل السياسي من العراق ومن سوريا وليبيا ومن السعودية مذموم شأنه شأن التمويل من "الغرب".
لكن في الواقع العملي تبدو القضية أكثر تعقيداً. فبعض منظمات المجتمع المدني تخلط بين العمل الاجتماعي والسياسي، ربما لأن القائمين عليها ناس شديدو التسييس يريدون المشاركة في السياسة من خلال جمعياتهم المدنية، خاصة أن المجال السياسي شبه مغلق، مما يؤدي إلى تحول الطاقة السياسية إلى مجالات أخرى. فكما أدى إغلاق المجال السياسي إلى هروب السياسة إلى المجال الديني، أدى في نفس الوقت إلى هروب السياسة إلى المجال الاجتماعي الخدمي. لكن هذه المشكلة ستخف وطأتها مع زيادة مساحات العمل السياسي بمصر. أضف إلى ذلك أن تطور المجال السياسي لابد وأن يؤدي إلى قدرة أكبر لدى الفاعلين السياسيين القادمين من المجتمع المدني على التفرقة بين أدوارهم المختلفة: كعاملين بأجر في المجتمع المدني، وكعاملين طوعاً في المجال السياسي.
إذا قارنا التنظيمات اليسارية بالتنظيمات الإسلامية، سنجد أن هذه الأخيرة تمتلك موارد هائلة. بغض النظر عن الدعم الذي قد يقدمه "أخوة إسلاميين" في الخارج، نستطيع القول أن التنظيمات الإسلامية كانت أكثر كفاءة في تعبئة الموارد المالية داخلياً. فالإسلاميين، بعكس اليسار، ليست لهم أية مشكلة مع المال أو مع الرأسمالية من حيث المبدأ. والكثير من أعضاءهم يمتلكون مشروعات كبيرة ومتوسطة يساعدون بها التنظيمات الإسلامية. وهذا ما ليس عند اليسار.
إن قضية تمويل التنظيمات اليسارية أخطر من أن تترك خارج الجدل العلني لليسار. لأن مصداقية أي تنظيم سياسي تعتمد في جزء كبير منها على توفير موارد مادية بشكل شفاف، معلوم للكافة، طبقاً لمعايير تم التوافق عليها بين أبناء التيار. وبما أن المرحلة التي نمر بها هي مرحلة الخروج من السرية إلى العلنية، فقضية التمويل على رأس الموضوعات التي يجب أن تطرح للمناقشة والدراسة. وهو ما لم يحدث حتى الآن، فالقضية لا زالت تُناقش من مدخل "أخلاقي" مزيف في كثير من الأحيان، مدخل يفتح الباب لممارسات غير أخلاقية مثل التشهير بالآخرين، والتعالي عليهم لأنهم يعملون في المجتمع المدني.
والأسئلة المطروحة كثيرة مثل ما هي الأطراف في المجتمع الذي يجب أن يسعى إليها اليسار لكي تتبرع له بالمال؟ وما هي شروط تلقي تبرعات؟ نحن لا نتكلم عن الشروط القانونية التي ينص عليها قانون الأحزاب، ولكن عن شروط سياسية تضمن ألا يضر التمويل بمصداقية وسمعة اليسار، وألا يخالف القيم الأساسية لهذا التيار. لكن في كل الأحوال يجب ألا تقتصر جهود اليسار على تنمية مصادر تمويله من جانب مجموعة من الميسورين. فالجنيه الذي يدفعه العامل لتمويل الحزب اليساري يساوي مليون جنيه تأتي من شخص ميسور. لأن هذا الجنيه هو رمز لعلاقة تعاقدية تنشأ بين حزب اليسار وبين العامل، يصبح بمقتضاه العامل داعماً للحزب بما يملك، مقابل أن يدافع الحزب عن مصالحه ومصالح أقرانه.

رابعاً: مشكلة فلسفة التنظيم
اللينينية انتهت، فمن يورثها؟
التنظيم في نهاية الأمر أداة لتحقيق هدف أو مجموعة أهداف. المشكلة الكبرى للتنظيمات اليسارية هي التوافق على هدف أو مجموعة أهداف واضحة متسقة مع بعضها البعض ومتسقة مع شكل وبنية التنظيم. هل يبني اليسار تنظيماته استعداداً للحظة الثورة التي ستقوم فيها الجماهير للإجهاز على الرأسمالية بقيادة الحزب الذي يضم خيرة العمال والمثقفين، كما يعتقد أتباع لينين، أم أن الحزب أساساً يخوض حروب مواقع مع الناس لتحرير منطقة منطقة؟ هل يكسب الحزب بالضربة القاضية أم بالنقاط؟ من الممكن حل التناقض بين الموقفين ظاهرياً بالقول أن حرب المواقع هي مقدمة للحرب العظمى، وأن كسب عدة جولات يرهق الخصم بحيث يمكن في النهاية الإجهاز عليه بالضربة القاضية. المشكلة أن هناك تناقضات عملية بين المنهجين. التنظيم اللينيني في الواقع يدخل في الصراعات المختلفة ليس لأنه يعتقد في إمكانية حسمها، بل هو يؤكد أنه لا حلول جزئية، ولا حل إلا الحل الجذري، أي الخلاص من الرأسمالية. ولكن لأن هذا الحل استراتيجي لذلك يجب الاستعداد له بمهام يومية، وهي الانخراط في الصراعات الهامة من أجل اجتذاب العناصر الجيدة إلى الحزب، ومن أجل تدريب كوادر الحزب نفسه، ومن أجل رفع وعي الجماهير. هذا ما يجعل حجم العضوية الأمثل بالنسبة لهذا النوع من التنظيمات بضعة ألاف، لأن إذا كان للحزب أن يشارك في ضبط إيقاع الثورة عندما تقع، يجب أن يكون له حداً أدني من العضوية النشطة والنافذة في قلب الفئات الاجتماعية الحيوية، خاصة العمال. فالنظرية اللينينية تقوم بالضرورة على فكرة الطليعة التي ستقود الجماهير.
لقد انفصل الكثير من اليساريين المصريين عن اللينينية، خاصة من يرى أن اللينينية تؤدي بالضرورة إلى الستالينية، وخاصة من يعتقد أن فكرة الطليعة القائدة للجماهير تؤدي بالضرورة إلى الاستبداد، وأن العلاقة بين الحزب والفئات الاجتماعية التي يتوجه إليها هذا الحزب هي علاقة تحالف، ليس لطرف فيها أن يقود الأخر معتبراً نفسه مخزن الوعي. ولكن من نبذ اللينينية لم يبلور نظرية أخرى للتنظيم، نظرية تحدد أهدافه، العلاقات بين أعضاءه ومختلف مستوياته، علاقاته بالجماعات الاجتماعية التي يتواصل معها. وفي ظل غياب رؤية واضحة لمسألة التنظيم، مال اليسار غير المنظم إلى المشاركة بقوة في لجان ومجموعات، أهمها بالطبع "اللجنة الشعبية لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني"، هذا بالإضافة إلى أجيج (المجموعة المصرية لمناهضة العولمة)، الحملة الشعبية من أجل التغيير، الخ، علاوة على مشاركة اليسار في حركات أخرى مثل كفاية. الأصل في هذه الم