برلمان

انتخابات مجلس شعب 2006 .. ضجيج بلا طحن

الانتخابات البرلمانية الأخيرة لم تحمل مفاجآت، ولكنها أكدت على مجموعة من الحقائق يعرفها كل ذي عقل وفطنة، من توحش الأمن على المجتمع، ومن عقم السياسة، ومن هيمنة التيار الإسلامي، ومن ضعف التيارات المدنية المعارضة، يسارية أو ليبرالية. يحاول المحامي أحمد فوزي هنا التذكرة بهذه الحقائق من خلال تعرضه لتفاصيل المعركة الانتخابية التي شارك في المراقبة عليها.

ترددت كثيراً قبل أن أكتب عن الأنتخابات البرلمانية 2005، وأعدت ما كتبته أكثر من مرة، فما كتب أو قيل عن الأنتخابات اللأخيرة كثير ولدى شعور أن الموضوع قتل بحثاً، ولكن ربما يكون إلمامي بتفاصيل دقيقة عن الانتخابات بسبب مشاركتي في الرقابة عليها مبرراً للخوض في موضوع تعرض له الكثيرون من قبل.
أول سؤال يدور فى ذهنى عن الأنتخابات هو هل تستحق منا كل هذا الأهتمام ؟ هل تستحق أن يراق دم 14 قتيلا؟ وهل تستحق أن يصرف عليها مليارات من الجنيهات؟ ولما لا؟ أليس المجتمع المصري محروماً من حق التنظيم وحرية أبداء الرأى وحق تداول المعلومات، وبذلك تصبح الانتخابات "لحظة خاصة جدا" ومكثفة تستطيع فيها القوى والتيارات السياسية نشر برامجها (إن كان هناك برنامج)، كما تحاول فيها مراكز البحث والدراسات رصد تغييرات قد حدثت فى المجتمع المصرى سياسياً واقتصادياً واجتماعيا خلال خمس سنوات. والانتخابات أيضاً مناسبة قد تختبر فيها مؤسسات الدولة نفسها فى إدارة مناسبات ضخمة كالانتخابات، وقد تحاول من خلالها بعض الكتل المهنية والأجتماعية تحقيق مكاسب خاصة بالضغط على الدولة بمناسبة الانتخابات كما فعل القضاة.
ولكن هل الانتخابات البرلمانية في مصر مهمة؟ هل تسهم فى عملية الأصلاح الأقتصادى والسياسى مثلا؟ وهل يشعر المواطن أنها تؤثر على حياته اليومية؟ وهل من الممكن أن تلعب دور فى تغيير نمط إدارة الحكم في مصر؟ اعتقد لا، للأسباب التالية:
أولاً: لأن الانتخابات في مصر لا تهم الطبقات التى قد تكون صاحبة مصلحة حقيقية فى التغيير، فلا يشارك فيها سوى 25% من إجمالي المقيدين في الجداول الانتخابية، أي 8 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم من 32 مليون مواطن مقيدين بالجداول النتخابية وهم فى الأصل لا يمثلون سوى 40% من مواطنى هذه الدولة، مع العلم أن تلك هى النسبة الرسمية التى أعلنتها الدولة عن طريق لجنتها العليا وزارة الداخلية. ,وإذا كان عدد الأصوات 6 مليون صوت فإن فهناك العديد من البطاقات الانتخابية مزيفة لا أصل لها واستخدمت في التصويت أكثر من مرة. أما من غالبية من صوتوا فقد فعلوا ذلك إما لأسباب قبلية أو لكونهم موظفين ف الجهاز الإداري للدولة وقطاع الأعمال أو من موظفي القطاع الخاص الذي يرتبط أصحاب شركاته بمصالح مع رموز من الدولة أو من التيار الإسلامي. هذا بخلاف أصوات تم شرائها بالمال. قليل هو من ذهب لدوافع أيدولوجية أو سياسية واكثرهم من انصار الخوان المسلمين الذى صوت مناصريهم والعاطفين عليهم للهوية الدينية. باختصار نحن أمام انتخابات لم يشارك فيها أحد.
يرجع عدم المشاركة إلى أن الكتلة الطافية الأكثر فقراً والمنتشرة في ريف وقرى صعيد مصر ووجهها البحرى والمناطق العشوائية المحيطة بالمحافظات الكبرى والتي تمثل نسبة لا بأس بها من مواطني تلك الدولة البائسة، لاتهتم من قريب أو من يعيد بأى أمور السياسة، هذا إذا اعتبرنا أن العملية الانتخابية فى مصر لها علاقة بالسياسة من الأصل. فهم يعتبرونها ليس لها أى تأثير أو علاقة بإدارة شئون حياتهم اليومية وهي لا تعنيهم فى شىء، بل أكاد أجزم أن الكثير منهم لا يعرف من الأصل أن هناك انتخابات، فهم يعتبرون أنفسهم خارج المعادلة، فتلك الطبقات الأكثر فقرا "وتهميشا" تعتمد على نفسها فى تدبير شئون حياتها اليومية، وهي فهى محرومة من الحاجات الأساسية لمواطنى الدولة الحديثة من السكن وتعليم وصحة، الخ. إن شكل علاقتها بالدولة وجماعات الإسلام السياسي تنحصر في استغلالها. مع احترامي لكل من يدعى معرفته بمشكلات بالجماهير، فنحن في الحقيقة لا نعلم عن تلك الطبقات شيئاً، وأنا هنا لا ابالغ، فعلاقة النخب بتلك الكتلة لا تتعدى بعض الدراسات المحدودة، فالمناطق الأكثر فقراً في المجتمع لا يصلها الباحثون والدارسون ولا القوى السياسية العقلانية، فهى محكومة من قبل الدولة وبالذات أجهزتها الأمنية. كل ما تتمناه هذه الكتلة الطافية من الدولة هو ألا تتعرض للتنكيل أو للعقاب أو فرض الرسوم والضرائب أو فرض الإتاوات من قبل رجال الأمن أو الإدارة المحلية. لقد اختارت تلك الطبقات طريقة فى أدارة شئون حياتها اليومية لا تعتمد فيه على الدولة.
إن علاقات هذه الطبقة بالانتخابات الأخيرة تتلخص في استخدامها من قبل الأجهزة الأمنية بحشدها للتصويت لمرشحي الحزب الحاكم أو لرجال الأعمال أو استخدامها من قبل التيار الإسلامي الذي يقدم خدمات خيرية تعليمية وصحية لها. وفى الحالتين يتم الحشد بلا ثمن حقيقي وبلا أي وعى، فالأكثرية من ناخبي تلك الطبقات يجهلون القراءة والكتابة والآخرون لا يمتلكون بطاقات انتخابية. كان بعض الناخبين يسأل القضاة "من سنختار يا باشا"، أما الآخرون فكانوا يسألون عمن سيمنحهم البطانية أو العشرة جنيهات. كما استخدمت الأجهزة الأمنية مواطنى المناطق العشوائية من المسجلين الخطر والمحكوم عليهم كبلطجية وأبضيات يمنعوا من خلالهم دخول الناخبين إلى اللجان. تلك هى في الحقيقة علاقة الطبقات الأكثر فقرا بالأنتخابات البرلمانية وأى أنتخابات أخرى تجرى فى مصر .
أما الطبقة المتوسطة بشرائحها المختلفة، في تعتمد على الدولة فى تدبير شئون حياتها، فالدولة بالنسبة لها هي بابا وماما وأنور وجدى، كما تقول المسرحية الكوميدية الشهيرة، فهي تعتمد عليها فى مسكنها ومأكلها وعلاجها وإيجاد فرص عمل لأبنائها، وتعتبرها ملاذها وملجأها من تقلبات الحياة، هذا بالإضافة إلى أنها تحميها من خطر الكتلة الطافية عليها، إنها طبقة بطبيعتها محافظة تخشى التغيير ولا تستطيع تصور وجود بديل عن الدولة لحماية مصالحها، وهى تعي أكثر من غيرها أن الدولة منذ 1952 ليس لديها أى أرادة للتغيير، وهي لا تثق في المؤسسات التشريعية بمختلف مسمياتها (مجلس أمة- مجلس شعب- مجلس نواب) أو بطريقة الانتخابات ( فردية- قائمة- خليط) كما لا تثق في من يشرف عليها (الداخلية، القضاء، لجنة عليا أو واطية)، فكلها أشياء لا تقدم أو تؤخر، فالبرلمان بالنسبة للدولة ديكور قد تكافىء بعض الأشخاص كما تكبح جماح البعض الآخر بعضويته. ما تريده الدولة سوف يحدث سواء ذهب الناخب للصندوق الأنتخابى ليدلى يصوته أو لم يذهب، لذا سيصبح الذهاب الى الانتخابات قلة قيمة وبهدلة ومذلة، فالتزوير والتزييف حاصل حاصل. لا يذهب أبناء الطبقة المتوسطة للتصويت، ومن يذهب يتم حشده من قبل الدولة لكونه موظف فى الجهاز الإداري أو في احد شركات قطاع الأعمال أو في شركات قطاع الخاص التي ينتمي أصحابها للتيار الإسلامي. والمدهش أن الدولة كانت تحشد موظفيها للتصويت لحزبها فيصوت الموظفون لمرشحي الإخوان المسلمين، مهل ما حدث من موظفي جامعة الأزهر بدائرة مدينة نصر أو وزارة الزراعة بدائرة الدقى، أو موظفي الوزارات المختلفة فى المحافظات (عدل، صحة، تعليم) أو موظفى الأحياء والإدارات المحلية. ربما يكون الجديد الذي يستحق الدراسة هو نجاح الإخوان المسلمين في دفع عدد من أبناء تلك الطبقة للذهاب والتصويت، سواء كانوا من المهنيين أو الشباب من صغار السن فى المدن الكبرى وهو مما أدى لأرتفاع نسبة التصويت فى تلك المدن. لذا أعتقد أن انتخابات مجلس شعب تدور بلا شعب، فأهم طبقاته لا تصوت، ولا يعنيها الأمر فى شيء، ولا تذهب للتصويت إلا لأسباب طائفية أو أمنية.
ثانياً: لا انتخابات بلا ديمقراطية، ولا ديمقراطية بدون حريات عامة. والديمقراطية لها معنى واحد هو أن تكون ضامنة للتدوال السلمى للسلطة، لكن البرلمان فى النظام شبه الرئاسي الذي تُحكم به مصر يضع السلطات في يد رجل واحد هو رئيس الجمهورية ليختار من يشاء ليساعده فى إدارة الدولة. والبرلمان له بعض السلطات الشكلية مثل حق الرقابة المنقوص وحق سن وتشريع القوانين وأعطاء تفويضات لرئيس الجمهورية فى أمور تتعلق بالأمن القومى، وليس أكثر من ذلك، فالبرلمان فى مصر ليس طريقاً للمشاركة فى الحكم. فلو افترضنا مثلاً تشكيل الإخوان أو الوفد أو لتجمع للأغلبية البرلمانية فهل هناك ضمانة لتشكيلهم لحكومة أو لمشاركتهم في إدارة الدولة؟ لا طبعاً، فمن المستحيل السماح بذلك، كما أنه لاتوجد ديمقراطية بلا حريات عامة، فإن حق الاعتقاد والرأي والتعبير وتداول المعلومات والتنظيم وتكوين أحزاب وجمعيات ونقابات إما محرمة فى القوانين المصرية او عليها قيود تفرغها من مضمونها .
فى مصر بنية تشريعية وقانونية مهترئة لا تصلح معها ممارسة الديموقراطية أو تنظيم أية انتخابات حرة أياً أن كان من يشرف عليها، لذا فإن معركة أشراف القضاة على الانتخابات وتصويرها على أنها معركة حياة أو موت لم يصبها التوفيق وأخذت الكثير من الوقت وحملت القضاة مالا يتحملوه وشغلتهم عن معركتهم الرئيسية بتحقيق استقلال حقيقى للسلطة القضائية. فبدون إرادة حقيقية للتغيير وبدون تشريعات ضامنة للحريات العامة ماذا يفعل القضاة؟ فمصر دولة يحكمها دستور معيب مدموغ بالشمولية، يفرض قيوداً وضوابط تجعل السلطات جميعهاً فى يد شخص واحد وهو رئيس الجمهورية رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس المجلس الأعلى للشرطة ورئيس المجلس الأعلى للقضاء وراعى الرياضة و الرياضيين وراعى الفن والفنانين. وهو ما يجعل البرلمان مجرد ديكور فيه 50% عمال وفلاحين (ولاهم عمال ولاهم فلاحين) وأنفار قليلة تمثل أدوار المعارضة لها حدود وخطوط لا يمكن أن تتعداها، وهناك من يلعب دور القبطى ومن يلعب دور المرأة. وتفرض قوانين بواسطة هذا البرلمان تقيد الدولة فيها كل الحريات وتصر على إدخال جهات إدارية تعمل لديها تسيطر وتؤمم أى عمل أهلى سياسى أو نقابى، فهذا المجلس الذى قتل بسببه 14 مواطن وأنفقت عليه الأموال وانشغلت به مراكز البحث والدراسات والميديا والقوى و التيارات السياسية لا يلعب أى دور رقابى أو تشريعى، ولائحته والقوانين المنظمة لعمله جعلت منه ديكور وجعلت من أعضائه عرضحالجية يوقعون طلبات من الوزراء بتوظيف الواد وتجهيز البنت وإدخال الكهرباء وإصلاح "عفشة المية"، كل تلك الأشياء تجعل من هذا المجلس وانتخاباته ضجيج بلا طحين.

لم تحمل الانتخابات بالنسبة لنا مفاجآت، ولكنها أكدت على مجموعة من الحقائق, نجملها هنا في ستة تأكيدات.

أولاً: تأكيد الطبيعة الشمولية للنظام
على الرغم من أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة جرت فى أجواء جعلت الكثير يتصور أنها ستكون أكثر نزاهة وحيادية فهى لاحقة على أول انتخابات تعددية رئاسية فى مصر يسمح لها للمواطن بانتخاب رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح، وقد جرت تلك الانتخابات في ظل ضغوط دولية غير مسبوقة على النظام المصرى وغيره من الأنظمة التى تحكم منطقة الشرق الأوسط حاولت من خلالها الولايات المتحدة وأوروبا ممارسة ضغوط على حكومات تلك المنطقة للدفع فى تقديم تنازلات فى ملف الإصلاح السياسي والديمقراطي. ولكن الحقيقة أن الأوروبيين ودون الدخول فى التفاصيل تربطهم مصالح إقتصادية مع أنظمة الحكم فى منطقة الشرق الأوسط ولا يتصورون بديلاً جاهزاً عن تلك الأنظمة إلا البديل الإسلامى الذى لا يفضلون التعامل معه، والأمريكان فى حقيقة الأمر دعاويهم للإصلاح السياسي فى المنطقة وإن كانت أكثر جدية من الإتحاد الأوروبى إلا أنها ليست حقيقية، بل يمارس فيها أكبر نوع من الإبتزاز والضغوط على الأنظمة الحاكمة لتقديم مزيد من التنازلات فى العديد من القضايا الإقتصادية والسياسية فى المنطقة. وقد أثبت النظام المصرى بما لا يدعى مجال للشك قدرته على التفاوض وأثبت أن لديه ما يتفاوض به ويقدم فيه تنازلات تحميه من المطالبات المستمرة بالإصلاح السياسي، فهو لديه حضور واضح فى القضية الفلسطينية وعلاقات بالأطراف الرئيسية فيها (فتح وحماس) وعلاقات وثيقة بإسرائيل ولديهم من العلاقات ما يسهم به فى حل مشكلات إقليمية فى العراق والسودان ولديه فزاعة أسمها التيار الإسلامى يستطيع اللعب بها فى مواجهة دعاوى الإصلاح الغربية. والحقيقة لا أستطيع أن أتصور أن يفوز الإخوان ب 88 مقعداً فى الانتخابات المصرية وأن تفوز حماس فى الانتخابات التشريعية الفلسطينية بأغلبية ساحقة دون مباركة وموافقة من الأمريكان وقوى كبرى فى المنطقة كان النظام المصرى يلعب دوراً وسيطاً فيها.

ثانياً: تأكيد طائفية وتعصب المجتمع المصري
جاءت الانتخابات وما سبقها من أحداث كاشفة عن طبيعة المجتمع المصرى فقد أصبح أكثر رجعية وعنصرية، وجاءت الانتخابات لتؤكد وجود مشكلة طائفية حقيقية فى مصر. فأنا أدعى أنه لم يصوت مسلم واحد لمسيحي أو العكس وهكذا لم يصوت مسيحى لمسلم. وتلك هي القاعدة والاستثناءات عليها قليلة. فهل لنا أن نتخيل أن قوائم معظم الأحزاب الرئيسية فى مصر قد جاءت خالية من ترشيح الأقباط بمنطق برجماتى خشية من سقوط المرشحين الأقباط حيث أنه ليس من المتوقع أن تصوت لهم الأغلبية المسلمة. وكانت إجابة صفوت الشريف أمين عام الحزب الوطنى لسؤال طرحه الأعلامى مجدى مهنا فى برنامجه الشهير على قناة دريم عندما سأله عن خلو قوائم الحزب الوطنى من المرشحين الممثلين للأقباط والمرأة أنه يهمه الفوز بالأغلبية المطلقة وأن ثقافة المجتمع المصرى منافية لإختيار المرأة لتمثله فى البرلمان وأنه لا وقت للفلسفة فنحن فى انتخابات، وبطبيعة الحال ما ينطبق على المرأة ينطبق على الأقباط. ولكن السيد الأمين العام "اختشى" من قولها. هل نتخيل انسحاب مرشح قبطى من الإعادة فى دائرة المطرية وعين شمس بسبب "حرصه على الوحدة الوطنية وعدم حدوث فتن"؟ هل نتخيل ما حدث لمرشح الحزب الوطنى فى دائرة الرمل والأحداث الشهيرة لل CD؟ هل نتخيل ما حدث مع وجيه شكرى مرشح التجمع فى دائرة بندر المنيا والإتهامات الطائفيه المتبادلة بينه وبين منافسيه والاتهامات الموجهة له باستخدام شعارات طائفية أمام ناخبيه؟ كل هذا يحدث دون أدنى إهتمام من أى أحد وكأن الموضوع أصبح عادياً!!

ثالثاً: تأكيد مأزق الحزب الوطني
كشفت الانتخابات عن أزمة حقيقية لحزب الدولة، والأزمة لا تعبر عنها النتائج، فالحزب حقق النتائج المرجوة بأغلبية مطلقة. المشكلة تكمن في الصراع المكتوم على السلطة فى مصر بين الحرس القديم والجديد في معركة تكسير عظام حقيقية، يحاول فيها كل منهما القضاء على نفوذ الآخر وإثبات فشله فى إدارة ملفات وكلت له. والخطورة أن أجهزة الدولة المختلفة يستقطبها كل طرف فى معركة أنت لا تعلم مع من فيها، وفي الحقيقة هي وليست معركة سياسية بل هى معركة مصالح ونفوذ بقيادة فريقين، الأول يتزعمه أمين السياسات جمال مبارك المعتمد على مجموعة من رجال الأعمال وبعض النخب السياسية ترى أنه لا إصلاح إلا من داخل حزب الدولة كما ترى أن الدولة فى مصر لا يمكن أن تدار بشكلها القديم وأن ثمة تغييرات دولية وإقليمية طرأت لا يصلح معها إدارة الدولة بعقلية العمد والمشايخ. وقد حاولت تلك المجموعة تسييس حزب الدولة ونجحت فى انتخابات الرئاسة، كما نجحت فى معركة اختيار قيادات المؤسسات الصحفية الكبرى وفي إدخال عناصر بارزة تنتمى لها فى التشكيل الوزارى الجديد، وخاصة في المجموعة الاقتصادية، ونجحت فى إدارة لعبة كأس الأمم الأخيرة وإظهار قوتها بإرتباطها بمجموعات من الشباب الذين حضروا تلك المباريات والقادمين من الشرائح العليا للطبقة المتوسطة العاملة فى مجال البترول وتكنولوجيا الاتصالات. ولكن هذه المجموعة تعرضت لضربات متلاحقة فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة ووجه لها الحرس القديم عدة لكمات فى بعض الدوائر، وأسقط رموزها فى الريف ومدن الصعيد، حيث أن هناك إرتباط وثيق بين برجوازيات الريف والصعيد والحرس القديم. ومع ذلك فقد نجح حزب الدولة فى تحقيق نسبة 70% في الانتخابات الأخيرة. ولست مع من يتصور أن سقوط المرشحين المسمين على قوائم الحزب الوطنى يعنى سقوط للمرشحين المنتمين للدولة، فالحقيقة أن جميع المرشحين بخلاف مرشحى التيار الإسلامى ومرشحى أحزاب المعارضة الرسمية والمرشحين المستقلين المحرومين من حق التنظيم للتيار القومى أو اليسارى أو الليبرالى هم فى الأصل مرشحى حزب الدولة يؤمنون بطريقة إدارة حزبها للحكم ويرتبطون بمصالح إقتصادية وسياسية وثيقة بقيادة تلك الأحزاب وأجهزته الأمنية. فلا يمكن تصور أن نجاح عبد الرحيم الغول أو شاهيناز النجار أو هشام مصطفى خليل هو سقوط للحزب الوطنى أو ما سماه البعض من الطيبين أنه تصويت عقابى للحزب الوطنى. فمن اختار هؤلاء يعلم جيداً أنهم سينضمون للحزب الوطنى، فهم نجحوا بمساعدة أجهزة تابعة للدولة، والحقيقة أن كل هؤلاء سواء المستقلين أو المرشحين الرسميين على قوائم الحزب الوطنى لا يرتبطون بروابط أيديولوجية أو سياسية بحزب الدولة، ومن هنا تأتى الخطورة إذ أنه فى الأصل لا يوجد حزب، بل أن هناك أجهزة تنفيذية وأمنية الأمور بروابط المصالح والولاء، وهناك صراع حاد بين تيارين للسيطرة على تلك الأجهزة وإستمالتها للامساك بمقاليد الأمور فى الدولة، وقد خرجت رموز من التيارين خاسرة من تلك المعركة، وليس فى هذا أى عجب فالمعركة ليست سياسية.

رابعاً: التأكيد على طغيان الأجهزة الأمنية
أكدت الانتخابات البرلمانية الأخيرة على تغول سلطة الأجهزة الأمنية المصرية على إختصاصات كل السلطات الأخرى، فلا صوت يعلو على صوتها، والأمور تدار فى الدولة بمنطق الأوامر والتعليمات والبلاغات والتوجيهات، فالدولة منذ 1952 لا تعتمد فى إدارتها إلا على أجهزتها الأمنية بإختلاف شخص رئيس الجمهورية. إلا أن توحش الأجهزة الأمنية وخاصة التابعة لوزارة الداخلية فى العقدين الأخيرين وسيطرتها على مناحى الأمور الحياتية المصرية إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً منذ معركتها مع جماعات الإسلام السياسي المسلحة. واقتصادياً يوكل لها فقط الموافقة على تأسيس أكثر من 40% من شركات الأشخاص والأموال. فبحكم عملى كمحامى أعرف أن هناك العديد من المشروعات والشركات الإقتصادية لا يتم إشهارها إلا بموافقة الأمن، ويوكل للأمن تنظيم جميع المناسبات فى مصر الدينية والرياضية والفنية والإجتماعية، فهو المنظم لمهرجانات السينما والمباريات الرياضية ومن حقه الإعتراض أو الموافقة على دخول أشخاص، ويتحكم فى الدعوات والزائرين فى المنتديات الثقافية، وينظم الجمعيات العمومية للنقابات المهنية ومن حقه منع المرور فى أى شارع أو زقاق أوحارة بدعاوى الحفاظ على الأمن. ولا يتولى أى شخص وظيفة قيادية فى مصر إلا بموافقة الأمن حتى إختيار الوزراء أصبحت للأجهزة الأمنية دور هام فيه. ولذكر مثال واحد، وصل الأمر أنه فى محاكمة أيمن نور، ومحاكمة خط الصعيد حسن حنفى فى محكمة مدينة نصر أن فرض كاردون أمنى يحيط بالمحكمة ويمنع تجوال المواطنين على بعد كيلو منها، ويمنع دخول المحامين والموظفين إلى المحكمة ويمنع مرور السيارات للمقيمين بجوار المحكمة. قد شاهدت أحد وكلاء النيابة يتوسل لضابط أمن صغير وربما يكون أمين شرطة للدخول لمحكمة مدينة نصر أثناء قضية أيمن نور. ذلك الجبروت الأمنى لا يستند فقط إلى القوانين الاستثنائية مثل الطوارئ. فما علاقة حالة الطوارىء بالشركات الإقتصادية أو تنظيم كرة القدم؟ لقد تركت مؤسسات السلطة التنفيذية كل شيء فى يد الأمن.
ليس هناك أى مادة من مواد قانون مباشرة الحقوق السياسية الخاصة بتنظيم الانتخابات فى مصر إلا وستجد الأمن طرفاً فيها، كقاعدة وليس كاستثناء، فأى لجنة مشكلة لإدارة العملية الانتخابية حتى ولو كانت قانونية لفحص سلامة إجراءات أوراق الترشيح مثلاً أو إعطاء الرموز أو حتى قبول الطعون إلا وممثل فيها مندوب عن وزارة الداخلية، ويكون هو صاحب الكلمة العليا فيها. فالمرشح عندما يقدم أوراق ترشيحه فهو يتقدم إلى مديرية الأمن التابع لها. وهنا نتساءل مثلاً عن دور لجنة الانتخابات فلا تجدها، وتمنع قوات الأمن المرشحين من الدخول إلى مديرية الأمن لتقديم أوراق ترشيحهم وتصعب عليهم الإجراءات وتمنع قبول أوراق بعضهم دون أى دور للجنة المزعومة،كما فتعطى كل أعضاء الحزب الوطنى جملاً وهلال دون أى إعتراض من أى جهة، والمذهل أن الجميع يتعامل مع الأمر على أنه أمر واقع.
ثم نأتى إلى مرحلة الدعاية، فالأجهزة الأمنية فقط دون غيرها هى التى تحدد ما هى الدعاية الممنوعة والمسموح بها، ولا تسأل فى ذلك عن القانون، فتسمح لمن تريد بمسيرات وتمنع الأخرى، وتسمح بلافتات عليها شعار الإخوان المسلمين الإسلام هو الحل والسيفين والمصحف فى بعض المحافظات ومحافظات أخرى لا تسمح، وكل من يريد بث دعايته وعقد مؤتمراته عليه التقدم إلى قسم البوليس فى أحسن الأحوال أو إلى فرع أمن الدولة التابع له الدائرة الانتخابية ويدخل فى مفاوضات شاقة مع مسئول أمنى صغير ليتوسل إليه لوضع لافتات أو عقد مؤتمر والجميع يتعامل مع هذا على أنه أمر واقع فلا وجود للقانون ولا للجنة العليا. كما يتحكم الأمن فى توزيع القضاة المشرفين على اللجان الانتخابية، فيحدد من يترأس اللجان العامة واللجان الفرعية وهو ما أعلنه صراحة المستشار هشام البسطويسى نائب رئيس محكمة النقض فى أكثر من حديث وتصريح صحفى ولم يرد عليه أو يكذبه أحد.
يتحكم الأمن فى إعطاء التوكيلات العامة وتوزيع المناديب، ويعطى أوامره بعددهم فى مخالفة للقوانين المنظمة للعملية الانتخابية والكل يتعامل مع الموضوع على أنه أمر واقع. كما يتحكم فى سير يوم الانتخابات وتنظيمه منذ بدء إجراءات الإقتراع حتى مرحلة الفرز فينظم دخول الناخبين وخروجهم ويسمح لمن يريد بتوزيع الدعاية خارج اللجان ويمنع ذلك عن آخرين، يحرم المواطنين من الدخول إلى لجان التصويت فى الوقت الذى تنفق فيه وزارة الإعلام من أموال الدولة إعلانات تحث المواطنين على التصويت بل وتفرض غرامة على من يدلى بصوته.
أما عن مرحلة الفرز فحدث ولا حرج فهى تسمح لمن تشاء بالتواجد فى حجرة إجراء الفرز وتعطى أوامرها لرؤساء اللجان الذين تختارهم بعناية فى قواعد تنظيم الفرز، ففجأة يطلب رئيس اللجنة من الجميع مغادرة حجرة الفرز حتى المرشحين، ويبقى شخص واحد فقط هو المندوب الأمني، وأعتقد أنه لم تعلن نتيجة أى دائرة فى مصر دون رضا وموافقة الأجهزة الأمنية.
إن ما ارتكبته الأجهزة الأمنية فى الانتخابات الأخيرة وخاصة في الجولة الثالثة هو مؤشر خطير على أن الدولة تتهالك وتترك لعساكرها ومخبريها إدارتها دون أدنى تفكير فى خطورة ذلك على النظام نفسه، فهى تقتل 14 شخص بدم بارد ثم تعتدى على القضاة المنتفضين فى الأصل وتعتقل وتعتدى وتسحل الصحفيين المنتفضين فى الأصل، وهذا يعني أنها دولة فقدت الرشد. وأخيراً هناك حادثة لا يمكن تجاهلها أثناء الحديث عن أداء الجهاز الأمنى فى الانتخابات الأخيرة، ففى دائرة بولاق أبو العلا وهى الدائرة التى كان يتنافس فيها اللواء بدر القاضى (ضابط أمن دولة سابق) وترددت شائعات قوية أن أوامر نجاحه جاءت من السيد وزير الداخلية نفسه، وبين مسعود القاضى أحد رجال الأعمال البارزين، حدث في مدرسة الرملة ببولاق وهى أحد مراكز الإقتراع أن ظل أحد المراقبين التابعين للجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية يصف لى طوال 4 ساعات أحداث لا يمكن تصورها إلا فى الأفلام الكاوبوى الأمريكية، فأنصار بدر القاضى يعتدون بشكل متواصل على أنصار باقى المرشحين ويمنعون الناخبين اللذين لا يدينون لهم بالولاء من الدخول، ويعتدوا على جميع الإعلاميين المنتمين لقنوات إخبارية بارزة مثل النيل للأخبار والعربية والجزيرة فى حراسة السيد المأمور ورئيس المباحث، بل أنهم كانوا لا يأخذوا موقف الحياد السلبى وهو المصطلح الذى اخترعته وسائل الإعلام الحكومية بل أنهم كانوا يأمرون البلطجية بالاستمرار في الضرب. وخطورة تلك الواقعة تؤكد أن الأجهزة الأمنية للدولة أصبحت تمتلك ميليشيات مسلحة مدنية مكونة من المسجلين خطر والمحكوم عليهم تحركهم كيفما تشاء ويفعلون أى شىء يُطلب منهم من إعتداء أو تحرش أو قتل، هذا في الوقت الذي يتساءل فيه المحللون ببراءة عن المتسبب في ظواهر البلطجة!!

خامساً: تأكيد سطوة التيار الإسلامي
أكدت الانتخابات تنامى نفوذ التيار الإسلامي، ففوز الإخوان ب 88 مقعداًً ليس مفاجأة، فالمفاجأة الحقيقية تكمن فى تلك النخب التى لم تقدر قوة الإخوان. وقد تناسوا ما حدث فى انتخابات النقابات المهنية وحصدهم مرتين على التوالى لحوالي 80% من مقاعد نقابة المحامين وفوزهم بأغلبية ساحقة في أخر انتخابات أجريت فى نقاباتى المهندسين والأطباء، أى أنهم يحوزون ثقة أبناء الطبقة الوسطى من المهنيين، بل أنى لا أبالغ إن قلت أنه لو أجريت انتخابات حرة وشفافة وفقاً للمعايير الدولية وارتفعت نسبة مشاركة أبناء الطبقة المتوسطة لحصد الإخوان المسلمين أغلبية مطلقة فى البرلمان. وليس من المفاجأة حصولهم على مقاعد نقابة السينيمائيين والممثلين، فقد تابعت بعض تصريحات الفنانين الشبان عن فوز الإخوان بالانتخابات وخطورة ذلك على الفن هؤلاء هم الفنانين الذين يتحدثون عن السينما النظيفة الخالية من القبلات، السيدة حنان ترك رضى الله عنها ورضاها عندما سألها الإعلامي عمرو أديب فى برنامجه القاهرة اليوم عن رأيها فى حصد الإخوان ل 88 مقعد، وهل يشكل ذلك خطورة على الفن فأجابت "وأيه يعنى"، وهلفطت بكلام لا تفهم منه شيء مثل هى الناس عايزة إيه من الإسلام؟ وليه بيربطوا بينه وبين الإرهاب؟ فالمجتمع المصاب بالشيزوفرنيا يشعر مواطنيه بأنهم فاسدون وأنهم يتطهروا بمحاولة إنتخاب ممثلين الإسلام. وفى أكثر من حوار لي مع سائقى الأجرة اللذين يعتبروا من أبرز من حصل على رشاوى ليدلوا بأصواتهم أكدوا أنهم حصلوا على أموال من أشخاص فاسدين وأنتخبوا الإخوان لأنهم بتوع ربنا وعلشان يحللوا القرشين اللى خدوهم من المرشح اللى إداهم الفلوس.
من يدعى المفاجأة والدهشة لحصد الإخوان ل88 مقعد عليه أن يتوجه بالزيارة لأى مؤسة حكومية من مؤسسات الدولة (العدل – التعليم – الصحة ) ويرى كيف يتوقف العمل نهائياً فى أوقات الصلاة، ويشاهد حصائر الصلاة المنتشرة فى الطرقات والأعداد الغفيرة للمصلين خلف إمام من أحد كوادر الإخوان أو العاطفين عليهم الذى يختم صلاته دائماً بأدعية دينية تحض على كراهية الآخر والدعوة بالإنتصار على الكافرين من اليهود والنصارى، أو أن يتجول فى الطرقات أى من تلك المؤسسات ويشاهد الملصقات التى تحض على الحجاب وتعتبره فريضة وتهدد بالويل والثبور لكل من تسول له نفسه بمخالفة تعليمات الإسلام التى تتلخص فى النهاية بتأييد طهراء اليد وعففاء اللسان من الإخوان المسلمين، أو أن يتوجه بالزيارة لأى مدرسة ثانوى ويفتح حوارات مع طلابها ليرى مدى إجلالهم وتقديرهم لشعار الإسلام هو الحل، أو يركب أى وسيلة مواصلات حتى وسائل النقل المملوكة للدولة ويسمع شرائط الكاسيت الإسلامية، ثم بعد كل ذلك يجيب لى على سؤال من سيأتى نتيجة هذا المناخ المحموم؟ ولماذا فوجئ بحصول الإخوان على 88 مقعد؟ ويزيد من نفوذ هذا التيار تلك المواجهة الغبية من الدولة ومثقفيها والتى تستمر على وتيرة واحدة لتوجيه بعض الضربات الأمنية تزيد من شعبية الإخوان بين المواطنين، أو إختيار مثقفين (نص لبة) يعايرون الإخوان بحوادث النقراشى التى مر عليها نصف قرن وأسئلة غبية من نوع "ماذا ستفعلون مع البنوك فى حالة نجاحكم؟" حتى أن عبد المنعم أبو الفتوح قال لأحد المحاورين بسخرية "هانعمل أيه يعنى؟" أو الآخر الذى يسأل عن البرنامج السياسي للإخوان (قال يعنى حد عنده برامج) وقد قال عصام العريان لأحد قيادات المشهورة فى ندوة أجريت بحزب التجمع "أنتم دخلاء على المجتمع ولا تعرفون عنه شيء." والله عنده حق.
والحق أنه على الرغم من الإختلاف مع رؤية الإخوان إلا أنك لا تستطيع إلا أن تحترم فى هذا التنظيم كفاحيته وإصراره الشديد على الوصول إلى غايته وإستخدام كل الأساليب ببرجماتيه وتقديمه لنماذج محترمه فى مجتمعها المحلى وعلى المستوى القومى لم تتورط فى الفساد وتعرف جيداً التعامل مع الناس وكيفية مخاطبتهم وكيفية مخاطبة أقرانهم من التيارات السياسية المختلفة. ينطبق هذا بالذات على الجيل الإصلاحي داخل الإخوان مثل عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وأقرانهم من جيل السبعينات، فهم يتعاملون بذكاء وفطنة ويكتسبون مزيداّ من الأنصار طوال السنوات الماضية. عليك أن تتابع ذلك الدأب من كوادر شابة تنتمى للإخوان فى الانتخابات على الرغم من الضغوط الأمنية التى مورست عليهم واعتقال الآلاف منهم. الق نظرة سريعة على تلك التظاهرات المنظمة أمام لجان الفرز والهتاف للقضاة وحثهم على عدم التزوير، وإستعراض القوة فى الدوائر المختلفة، وظهور السيدات المنتمين المنتمين للجماعة والعاطفين عليها وإستخدامهم بشكل ذكى فى الدعاية، والأخطر من ذلك تحليله لطبيعة الصراع بين أجنحة الدولة واللعب على تلك المتناقضات بذكاء شديد وإستخدام الضغوط الدولية وحركات الإحتجاج فى مصر من مختلف القوى لصالح حركاتهم.

سادساً: التأكيد على أزمة التيارات المدنية
كشفت الانتخابات الأخيرة عن أزمة التيارات المدنية. والأزمة هنا ليست أزمة حزب الوفد وحده أو أزمة التيار الليبرالى ولا أزمة الناصريين والتيار القومى ولا اليسار بتوجهاته المختلفة، بل هى أزمة البديل المدنى التى وجهت له الدولة الضربات الموجعة الواحدة تلو الأخرى منذ 1952 وحتى الآن، فالحرمان من حق التنظيم وفرض القيود على حركة التنظيمات المنتمية للتيارات السياسية والمدنية وحرمانها من العمل فى أوساط الطلاب والإحتكاك بالجماهير فى المصانع والمزارع والمؤسسات الجماهيرية، بالإضافة إلى رضا قيادات التنظيمات الشرعية الثلاث بتلك القيود والخنوع لها بل والتحجج بأنها سبب رئيسى لمشكلاتها دون محاولة تقديم تضحيات حقيقية لفك تلك القيود، والإعجاب الشديد بالدور الذى تلعبه كمعارضة رسمية يمنحها حزب الدولة الخصم الرئيسي لها مكافآت عن ذلك الخنوع.
لقد راهن بعض رموز التيار الليبرالى فى مصر على الاشتباك مع مشروع جمال مبارك أمين السياسات متصورين بأن الإصلاح سيتم من داخل حزب الدولة، ثم فوجئت تلك العناصر بأن هذا رهان وهمى (أسامة الغزالى حرب)، وعلى الجانب الآخر فالمتابع لأداء حزب الوفد فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة يعى جيداً كيفية قيام أجهزة تابعة للدولة بتخريب تنظيمات سياسية رسمية، في ظل رضا قيادات تلك التنظيمات بذلك، فقيادة الوفد الممثلة فى رئيسه المخلوع يفتخر مثلاً أنه محامى السيد يوسف والى أمين عام الحزب الوطنى، وأنه يخشى مخاشنه رئيس الجمهورية فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة. لقد تخلت قيادات الوفد عن مبادىء الليبرالية، فهل تتخيل مثلاً أن حزب الوفد الليبرالى العريض يرفض قانون الخلع فى مجلس الشعب؟ أو يؤيد عمليات المقاومة المسلحة ذات الطابع الإرهابى فى العراق؟ هل تتخيل أن حزب الوفد العريض يشحذ مرشحيه فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة فيوافق على نزول شخصيات على قوائمه مفصولة من الحزب الحاكم؟ ويوافق على نزول أشخاص هم معارضين لأفكاره الليبرالية؟ فمثلاً فى أحد الدوائر التى فاز فيها المرشح (طارق سباق) وهو مرشح على قوائم الوفد أخذ مؤيديه يهتفون بعد نجاحه إسلامية ..إسلامية، فى مواجهة مرشح قبطى. حزب الوفد (حزب الهلال والصليب والوحدة الوطنية) أصبح يضم بين أنصاره منتصر الزيات محامى الجماعات الإسلامية،في الوقت الذي يتخلى فيه الحزب عن مساندة منير فخرى عبد النور أو محمود أباظة فى الانتخابات. وعندما تتابع شعارات مرشحى الوفد وبنامجهم فلا تجد كلمة واحدة عن التسامح الدينى أو الوحدة الوطنية أو الدفاع عن الأفكار السياسية والإقتصادية لتيار الليبرالى فإننا نصل إلى مرحلة التهريج .
أما عن اليسار وأعنى هنا بالطبع اليسار من أصول ماركسية أياً كان توجهه، فأنا لا أعتبر التيار القومى بتوجهات المختلفة يسار، فمصر هى الدولة الوحيدة التى يطلق فيها على القوميين يسار، على الرغم من أنهم يمثلون أقصى اليمين فى كل دول العالم. عندما نتحدث عن اليسار، فإننا نتحدث عن حزب التجمع وهو الحزب الرسمى، أو المراكز التى تسعى لبناء أحزاب بديلة (المركز المصري الاجتماعي الديمقراطى – العدالة – أو العديد من مشروعات الأحزاب اليسارية الجديدة) وبالطبع التنظيمات شبه السرية مثل الاشتراكيين الثوريين. لم تحدث أية كارثة لليسار فى الانتخابات، وأشباه اليساريين الذين تحدثوا عن أزمة اليسار فى الانتخابات هم كالشخص الذى لديه عزيز من أسرته مريض بالسرطان لسنوات طويلة ويعلم أنه معرض للموت فى أى لحظة وعندما يتوفى يشعر وكأن مفاجأة قد حدثت. لي أن أتساءل: أية هزيمة تلك التى حدثت لليسار فى الانتخابات؟ ومنذ متى يحصد اليسار من خارج التجمع مقاعد قى البرلمان؟ وما هو عدد مقاعد التجمع فى البرلمان؟ هل كان 60 مقعد فأصبح مقعدين أم أنها كانت 6 فقط فأصبحت مقعدين؟ وهل كان اليساريون من خارج التجمع الذين لا يكفوا عن توجيه السباب والإنتقادات له يعتبرون حصد التجمع 6 مقاعد إنتصاراً، وإن حصده لمقعدين هو هزيمة لليسار.
إن أزمة اليسار أكبر من ذلك بكثير والحوارات التى تتم حول هزيمته فى الانتخابات مضحكة، فمنذ متى حقق فيها انتصار؟ أما عن تفسير "الهزيمة" بالتجمع أو بأن التجمع وقيادته تدخل فى صفقة مع الدولة، وأن التجمع هاجم الإخوان قبل الانتخابات البرلمانية فهي مقولات مثيرة للسخرية. لا أفهم ما هو المطلوب من التجمع؟ هل المطلوب كسب ود الإخوان التيار المعادى لليسار والذى ساهم فى إسقاط رموز له؟ وإذا كانت المصيبة أو الكارثة فى التجمع فماذا عمن هو خارجه، لماذا لم يتقدمون للانتخابات ويحصدون المقاعد؟ أليس لديهم البرنامج الثورى الذى تحتاجه الجماهير؟ ألم يغازلوا الإخوان المسلمين؟ وما هى النتيجة سوى حصد 600 صوت .
أزمة اليسار لا علاقة لها بالانتخابات، ولكن فى بعده عن القضايا التى تحتاج فيها الجماهير لليسار، أزمة اليسار فى إصراره على الإرتباط بأفكار قومية وإسلامية لا يستفيد منها سوى غيره. عندما تقرأ برنامج التجمع فى الانتخابات الأخيرة لا تملك سوى أن تتعجب من قدرة واضع البرنامج على تجاهل القضايا الرئيسية التى تخص اليسار وإغراقه فى خطاب شعبوى قومى، والمدهش أن من وضع البرنامج هو الذى تحدث بعد ذلك عن أزمة التجمع والإصلاح داخله.
إن أزمة اليسار فى التنظيم وأزمته فى تقاعسه عن مراجعة أفكاره وتقديم تضحيات حقيقية وتقديم نماذج محترمه لدى الجماهير والإرتباط بعلاقات حقيقية معه. وإذا أراد الانتخابات فى مصر فيجب أن يعلم أنها ليس لها علاقة بالسياسة، فالانتخابات هى قيد فى الجداول الانتخابية، الانتخابات خدمات، الانتخابات علاقات بعصبيات وقبليات وطوائف، وهى كلها أمور يتعامل معها اليسار بتعالى وتأفف وهو يتعامل مع الانتخابات على أنها (يوم الانتخابات وما قبلها بشهر على الأكثر من دعاية، يرمى مجموعة من الأوراق على الناخبين لا يفهمون منها شىء ويسبهم ويلعنهم لأنهم اختاروا بديله. تلك هى أزمة اليسار والتمسح بالتجمع وإعتباره سبب أزمته تعنى أن اليسار فقد بوصلته ومهارته الأساسية فى قدرته على التحليل وإستنباط النتائج .
أما عن التجمع فأزمته بالفعل عميقة، فقد ربط نفسه بقيادات أنتهى عمرها الإفتراضى ساهمت فى فض الكوادر اليسارية من حوله، وهي تصر على وضع الخيوط كلها فى يدها وأصبح يشكل فى بعض الأحيان بداخله بؤراً من الفساد والمصالح فى غياب الديمقراطية الداخلية. فلك أن تتخيل أن نائب مثل حسن المهندس وهو نائب خدمى لا يجد مقر يصلح لإستقبال الجماهير وليس لديه أموال لصيانة مقر الحزب فى سوهاج، ولم تنفق على معركته سوى ملاليم فى مقابل دوائر أخرى تم الإنفاق عليها فى معارك وهمية تقدم فيها عمر المرشح فى السن ولا أمل من تجهيزه لمعارك قادمة.
ومع هذا فأن اليسار بذل العديد من التضحيات فى الفترة السابقة، فكان وقود المعارك فى الحركات النخبوية الإحتجاجية فى الشارع المصري، وقاد بكل جرأة تلك الاحتجاجات ولا ينتظر منها عائد، وفي يوم تنصيب "الزعيم" ويوم إعلان ترشيحه كان أول من نزل بحركاته الإحتجاجية عن طريق اللجان التى شكلها إلى الشارع، وقد انتقلت تلك الاحتجاجات إلى مناطق شعبية مثل شبرا وإمبابة، هو فعل وغيره حصد! وقد نجح أيضاً فى تقديم نماذج مشرفة فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فنجح محمد شعبان مثلاً لأربع دورات متتالية، والناخبين فى دائرته يعلمون أنه رجل شريف ومرشح ينتمى لحزب معارضة يسارى، فهو نموذج لنائب محترم، كما قدم اليسار العديد من النماذج التى من الممكن البناء على معاركها فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة مثل أحمد سليمان في بورسعيد، وعبد الحميد كمال بالسويس، سناء السعيد في أسيوط. وهنا وجب التنويه بالدعم الذي قدمه بعض أعضاء الحملة الشعبية فى تلك المعركة وتقديمهم دعماً مادياً ومعنوياً للكثير من مرشحي اليسار.
الفائز الأكبر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة كان منظمات حقوق الإنسان، فقد اكتسبت مشروعية ومصداقية لدى نخب سياسية كانت ترفض التعامل معها، وتعتبر قيادتها من الخونة والعملاء الحاصلين على تمويل، فجاءت مراقبة الانتخابات من قبل منظمات حقوق الإنسان لتفتح لها مجالاً جديداً للحركة. وإن كان من أهم عيوب مراقبة حركة حقوق الإنسان للانتخابات أن بعضها إنحاز أيديولوجياً لمرشحين من تيار بعينه. وهذا يكشف الخلط بين الدور الحقوقي لمنظمات حقوق الإنسان في مراقبة العملية الانتخابية وبين تورطها فيما لا يعنيها من شرعية الانتخابات أو بطلانها أو تقديم آراء سياسية عن تقدم الإخوان وسقوط اليسار على الرغم من أنها من غير المفترض أن تلعب ذلك الدور وأن المنوط بذلك هو القوى السياسية.
وأخيراً، قد تكون الانتخابات البرلمانية الأخيرة بمثابة إفاقة لرموز المعارضة المدنية اليسارية واليبرالية لمحاولة فهم ما حدث فيها ومدى ما يتعرض له وطنهم من خطر ومحاولة خلق تنظيمات جماهيرية وخوض معارك حقيقية تمكنهم من إيجاد بديل عن الدولة والتيار الإسلامي.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 00:46.

مجلس شعب 2005 .. برلمان لأقلية من شعب مصر

يتكون مجلس الشعب من 444 عضواً منتخباً، منهم 99% من الذكور، 99% من المسلمين، أكثرية من الأغنياء، الوجهاء وذوي النفوذ سواء جاءوا من القطاع العام أو الخاص. هذا في الوقت الذي لا يشكل الذكور إلا نصف المجتمع فقط، والمسلمين 90% من السكان فحسب، والأغنياء وذوي النفوذ 10% من الشعب على الأكثر. أي أن هذا المجلس ليس مجلساً للشعب، ولكن لأقلية منه، فهو ليس مجلساً للنساء، مسلمين منهم ومسيحيين، ولا للفقراء وقليلي النفوذ، مسلمين منهم ومسيحيين و لا للعاطلين أيا كانت ديانتهم ولا للمسيحيين أيا كانت انتماءاتهم السياسية والاجتماعية. لماذا تغيب الفئات السالفة الذكر عن مجلس الشعب؟ هل هي غائبة أم مغيبة؟ هل المشكلة تكمن في عزوف تلك الفئات عن المشاركة السياسية؟ أم أن هناك عوائق وحواجز تحول دون دخول هذه الفئات إلى البرلمان؟ الحقيقة أن تركيبة النظام السياسي والانتخابي المصري لم ولن تنتج إلا مثل هذا المجلس. هل نقع في نظرية المؤامرة إذا قلنا أن قواعد اللعبة مصممة لكي تستبعد كل هذه الفئات من التمثيل؟ وهذا بالرغم من أن هذه الفئات تظهر نشاطاً وحيوية ملحوظة في الفترة الأخيرة.

المستبعدين بسبب خلفياتهم الاجتماعية
لم يشفع للعمال أن الدستور يعطيهم مع الفلاحين نصف مقاعد مجلس الشعب على الأقل. فالدستور كعادته ترك تفاصيل تعريف العامل للقانون، الذي صك تعريفات تأتي بأشباه العمال في مقاعد العمال. كانت أحد طرائف الانتخابات يافطة كتب عليها أحد المرشحين "انتخبوا فلان الفلاني رجل الأعمال لمقعد العمال". العامل عموماً لا يملك ترف الاهتمام بالسياسة، لأن ذلك الاهتمام قد يؤدي به وبأسرته إلى التشرد أو المجاعة. ولكن افترض أن ذلك العامل استطاع أن يدخر بعض الأموال، وافترض أنه حصل على أجازة بدون مرتب لكي ينشط في حملته الانتخابية، كيف سيوفر المال الذي سيدير به حملته الانتخابية؟
لقد أدت التحولات الاقتصادية والاجتماعية إلى صعود قيمة المال كأحد أهم مصادر القوة السياسية التي تترجم نفسها في أصوات. وهذا الصعود يرجع أولاً إلى نضوب موارد الدولة ومن ثم تركز الأموال في يد رجال الأعمال، كما يرجع إلى انتشار الفقر الذي يجعل من السكان عرضة لشراء الأصوات، سواء بشكل فج في يوم الانتخابات أو بشكل أقل فجاجة عن طريق توزيع سلع وخدمات على الناخبين قبل الانتخابات بفترة. وبما أنه لا توجد قوانين مطبقة تعاقب من يتخطى في الإنفاق على حملته الانتخابية ذلك الحد الذي يتطلبه الاتصال بالناخبين لإقناعهم بشخصه أو ببرنامجه، فالنتيجة الطبيعة هي أن أبواب البرلمان لا تنفتح إلا لمن يملك الثروة، باستثناء أقلية من المرشحين مدعومين من أحزاب أو قوى سياسية.
ماذا عن عمال القطاع الخاص؟ هؤلاء مستبعدين غالباً من تعريف العامل في النظام الانتخابي المصري، لأن العامل لابد أن يكون عضواً في اتحاد نقابات عمال مصر، ذلك الاتحاد الذي يغيب عنه معظم عمال القطاع الخاص. وهذا لا يعني بالطبع أن الاتحاد يمثل عمال القطاع العام، فهو لا يمثل إلا أقلية منهم مرتبطة بالسلطة وبأجهزتها الأمنية. ماذا عن العاطلين؟ ليس لهم ممثل واحد في مجلس الشعب في حين أنهم يمثلوا على الأقل 20% ممن لهم حق الانتخاب.
هل هذه الفئات عازفة عن السياسة؟ غير صحيح. هذه الفئات هي أكثر قطاعات السكان من حيث التصويت. صحيح أن أعداداً منها تبيع أصواتها لمن يدفع أكثر، وصحيح أن نسبة منها يتم حشدها بالجزرة أو بالعصا لكي تصوت للوجهاء والأغنياء، سواء كانوا مدراء شركات قطاع عام، أو ملاك لشركات قطاع خاص، ولكن يظل أن هذه الفئات حاضرة في السياسة بالتصويت حتى ولو كانت غائبة عن الترشيح. والحقيقة أن ارتفاع سعر الصوت في الانتخابات الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة وإن كان يدل على فساد العملية الانتخابية، فإنه من ناحية أخرى يثبت أن صوت العامل أو الفقير أو العاطل أصبح له سعر، بعدما كان في الماضي لا يساوي أكثر من وجبة غذاء أو يوم أجازة. وليس هناك ما منع يبيع الشخص لصوته لشاري، ثم يتحايل لكي يصوت لشخص أخر يعتقد أنه الأفضل, كما أنه ليس هناك ما يمنع أن يتطور الناخب في المستقبل من منح صوته لمن يدفع أكثر الآن، لكي يمنحه لمن يدفع أكثر للمستقبل، أي المرشح أو التيار السياسي الذي يستطيع جلب المنافع لأهالي دائرته. فسيادة منطق المصلحة في العملية الانتخابية هو تعبير عن عملية تحديث موضوعية تجري في المجتمع المصري، بمقتضاها تضعف الولاءات القبلية والعائلية. وهو الأمر المحمود حتى ولو أدى الأمر في بداياته إلى تحول الانتخابات إلى سوق للبيع والشراء المباشر.

المستبعدين على أسس دينية
تقوم الدعاية الانتخابية في مصر في جانب مهم منها على تدين وورع المرشح، وهو الأمر الذي يقلل من فرص غير المسلمين، أو المسلمين العاجزين عن تقديم "شهادات" تثبت ورعهم، أو هؤلاء الذين تعففوا من الأصل عن ذلك على اعتبار أن المنافسة الحقيقية في السياسة تقوم على الكفاءة والإخلاص في الدفاع عن مصالح العباد، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يستدل عليه بمدى تدين المرشح أو إدعاءه لعشق المعبود جل وعلى. وإذا كانت المنافسة الانتخابية في مصر تقوم على استخدام الدين فذلك لأن النظام السياسي يسمح، بل هو يقوم على الاستخدام غير المحدود للشرعية الدينية من أجل تبرير استمراره في الحكم، وهو في ذلك ينافسه التيار الإسلامي في استخدام الدين لإضفاء قداسة على أهداف ومطالب سياسية. ليس هناك أية موانع قانونية تحول دون أن يهين المرشح الآيات والرموز الدينية باستخدامها في زخرفة خطاب سياسي رديء أو غير موجود من الأصل. فلا غضاضة في أن يدفع أحد المرشحين ب "إن ينصركم الله، فلا غالب لكم" في مواجهة خصومه. وهنا تقع المزايدة ويصبح على كل مرشح النضال لكي يثبت ورعه، بدلاً من العمل على إثبات أنه أقدر على تمثل مصالح العباد. وبما أن المزايدة الدينية هي القاعدة في العملية الانتخابية يصبح من المنطقي أن يغيب المسيحيين عن الجلوس ب"مجلس الشعب"، إلا من نجح منهم في الحصول على دعم النظام (يوسف بطرس غالي) أو على شهادة من التيار الإسلامي تثبت أنه من خيار "النصارى" الذين هم أقرب للمسلمين من اليهود، مثل حالة جمال أسعد في الثمانينيات وأوائل التسعينات، ومنير فخري عبد النور في انتخابات 2000.
لم ترشح التيارات السياسية نسب معقولة من المسيحيين على قوائمها إلا اليسارية واللبرالية منها، وبما أن هذه التيارات ضعيفة ومهمشة لذلك فهي لم تستطع أن تأتي بأي مسيحي إلى البرلمان، كما كان حزب الوفد القديم يفعل ذلك في المرحلة شبه الليبرالية قبل 1952. أما الحزب الوطني الحاكم فإنه لا يرشح مسيحيين على قوائمه إلا نادراً باعتبار أنه نجح في إقناع قطاعات واسعة منهم أن البديل الوحيد للنظام الطائفي القائم هو طائفية أشد ضراوة سوف تطبقها "وحوش ضارية" من الإسلاميين ومن المتعصبين. وهكذا أصبح الخيار الأساسي أمام المسيحيين هو انتخاب الحزب الوطني رغم أن الطائفية وكراهية المسيحيين يخترقانه من القمة إلى القاع. وحتى إشعار أخر يثبت فيه الإسلاميون أنهم أقل طائفية من الحزب الوطني (وهذا يحتاج إلى عمل دءوب وتحول راديكالي داخل هذا التيار)، أو يثبت فيه التياران اليساري واللبرالي أنهما يمثلان بديلاً واقعياً لكل من النظام والإخوان، فسيظل الحزب الوطني مهيمناً على المسيحيين.
على أن الانتخابات الأخيرة أتت بظاهرة جديدة، وهي ظهور كتلة تصويتة مسيحية مستقلة عن الحزب الوطني تنبئ بتصاعد المشاركة السياسية وسط المسيحيين. لأول مرة في تاريخ انتخابات مجلس الشعب نجح 6 من المسيحيين المستقلين في دخول جولة الإعادة. هؤلاء نجحوا بدون مساندة من الكنيسة. فالكنيسة كانت تدعم مرشحي الحزب الوطني. ووصل التطبيق الحرفي لهذه السياسة أن بعض الكنائس كانت تطرد منها مرشحي المعارضة، بل ومستقلي الوطني!! وبما أن الكنيسة لها تأثير كبير على الأقباط، فيمكن القول أن ما أعلنه العديد منهم أنهم أخذوا من المسلمين أضعاف ما أخذوا من المسيحيين قابل للتصديق. وهذا يعني أن موقف الكنيسة الموالي للحزب الوطني قد جعل من مرشحي المسيحيين يكسبون أصوات بعيداً عن الكنيسة. وهذا يلطف من الميل الطائفي لدي المرشح المسيحي. فالطائفية الدينية للكنيسة، أي دعم الكنيسة للمرشح المسيحي لم تكن إلا في خدمة مرشحي الوطني، الحزب الطائفي الذي لم يرشح إلا اثنين من المسيحيين على قوائمه بحجة أنه ليس منهم من يصلح لكسب معركة الانتخابات. الحقيقة أن معظم المرشحين المسيحيين الذي دخلوا الإعادة كانوا من مستقلي الوطني. إذن فالوطني يظل حزباً للمسلمين، في الوقت الذي تعلن الكنيسة الولاء له. فهنيئاً لهما ببعضها البعض. وهذا معناه أن من يريد أن ينجح من المرشحين المسيحيين لابد وأن يجد دعماً غير الكنيسة والحزب الوطني. شكراً للوطني وللكنيسة على دفع المسيحيين بعيداً عن الطائفية.

المستبعدين بسبب الجنس
لا تفسح قواعد اللعبة الانتخابية المصرية مكاناً كبيراً للنساء. يعتمد النجاح في الانتخابات على عدة ملكات، كثير منها تفتقده النساء، خاصة العنف والدين والمال. فالنساء بالطبع أقل قدرة على استخدام العنف من الرجال، ودخولهن المنافسة الانتخابية يعرضهن للتحرش وللعنف، كما أن الحضور الطاغي للخطاب الديني المحافظ في العملية الانتخابية لم يكن أبداً في صالح النساء، لأن هذا الخطاب، وإن كان قد تخلى في معظمه عن حرمانية العمل السياسي بالنسبة للمرأة، إلا أنه لا يزال يعتقد أن المجال الطبيعي لنشاط النساء هو المنزل. وقد تم استخدام الخطاب الديني المحافظ في مواجهة بعض المرشحات مثلما فعل مرشح الإخوان في دائرة ... ضد هيام عبد العزيز، حين زعم أن الإسلام لا يجيز ولاية المرأة. أضف إلى هذا أن النساء لا يمتلكن من المال ما يتوفر لدى الرجال، وكما قلنا فيما سبق أن المال رأس مال مهم جداً في المنافسة الانتخابية بمصر.
لكل هذه العوامل كان من الطبيعي أن تكون نسبة النساء في البرلمان 1% بالرغم من أن نسبتهن في السكان حوالي 50%، وبالرغم من أن حضورهن في النشاط الاقتصادي يزيد بصورة ملحوظة، وهو الذي يشهد عليه ارتفاع نسبة الأسر التي تعولها سيدات. لم تستطع النساء انتزاع مقاعد أكثر بالرغم من أن هناك حركية سياسية تخترقهن تشهد عليها تقارير صحفية وتلفزيونية كان من أهمها صور لسيدات يتسلقن الأسوار من أجل تخطي الحواجز الأمنية التي حالت بينهن وبين صناديق الانتخاب. لم تترجم هذه الحركية السياسية إلى زيادة نسبة النساء في مجلس "الشعب" للعديد من الأسباب أهمها استمرار هيمنة الحزب الوطني الذي لا يرشح من النساء إلا أقل القليل. هذا بالإضافة إلى أن التيار المعارض الذي حقق نمواً في البرلمان، أي الإخوان، لا يميل هو أيضاً إلى ترشيح النساء على قوائمه إلا بنسبة تقل عن 1%. لم ينجح ارتفاع نسبة النساء على قوائم التيارين الليبرالي واليساري (الوفد، الغد والتجمع) في تصحيح تمثيل المرأة في البرلمان، لأن هذه التيارات كانت الخاسر الأكبر في الانتخابات الأخيرة. لكن يظل أن اتجاه هذه التيارات إلى زيادة مرشحيها من النساء، بالمقارنة بالانتخابات السابقة، يثبت أن هناك إدراكاً متزايداً لديها لتصاعد أهمية "الصوت النسائي". حتى الإخوان المسلمين عبروا على لسان مرشدهم العام عن أسفهم لأن مرشحات الإخوان لم يزدن عن واحدة، وقد فسر ذلك بأن أزواج الأخوات لا يشجعوا تعرض زوجاتهم لمشاق ومخاطر المنافسة الانتخابية.

المستبعدين لأن بإمكانهم تقديم "البديل الثالث"
يكاد يغيب عن التمثيل في مجلس الشعب تياران كانا من أهم القوى السياسية في مصر قبل 1952، وهما اللبراليون واليساريون. فلم يحصل التيار الليبرالي إلا على 8 مقاعد (6 للوفد و2 للغد). من الصحيح أنهم يعانون من العزلة والتشرذم الذي فُرض عليهم فرضاً سواء بالقمع المباشر أو بالقتل في المهد. والحقيقة أن القمع المباشر تجاههم قد خفت ليس لأنهم مهادنون (وإن كان منهم بالطبع هذا النوع)، ولكن لأن القمع المباشر لم يعد له ضرورة كبيرة بعد أن نجح النظام طوال فترة طويلة في قتلهم في المهد، بأن جفف المنابع التي تمدهم بالموارد. كيف يمكن ليسار أن ينشط وأن ينتج برامج سياسية في ظل غياب كامل لأي نقابات مستقلة عن الدولة؟ كيف يمكن للتيار اللبرالي أن ينشط في ظل سيطرة شبه كاملة من أجهزة الأمن على الجمعيات الأهلية وعلى الأحزاب؟ لقد حصل التيار الإسلامي على نصيب الأسد من القمع البوليسي لأن سياسة تجفيف المنابع لا تحقق نتائج مذهلة مع الإسلاميين كما تحقق مع اللبراليين واليسار، لأن النظام يستطيع أن يغلق الجمعيات والأحزاب تماماً ولكنه لا يستطيع ذلك مع المساجد.
على الرغم من أن سياسة تجفيف المنابع نجحت مع التيارات المدنية لفترة طويلة، فأحالتها للتقاعد أو عزلتها لكي تأكل في بعضها البعض، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت بداية صحوة في هذه التيارات. فالتيار اللبرالي شهد ظهور حزب الغد، كما يشهد تبلور مجموعات كثيرة، أشهرها مجموعة حزب مصر الأم، واستطاع أيمن نور فعلاً أن يبرز نفسه في انتخابات الرئاسة كبديل لحسني مبارك. لكن من الواضح أنه كان هناك قراراً أمنياً بإسقاط مرشحيه في الانتخابات وعلى رأسهم أيمن نور، وفي ذلك استخدم النظام كل الأوراق، ومنها التزوير الفاضح. هناك إصرار من جانب النظام على أن يكون طرفي المعادلة السياسية المصرية هما النظام والإخوان المسلمين فحسب.
التيار اليساري شهد أيضاً حركية عالية في السنوات الأخيرة. فبرغم تأكل عضويته إلا أن هذا التيار كان حاضراً في كثير من معارك السنوات الماضية، سواء في اللجان الشعبية للتضامن مع الانتفاضة، أو في حركات مناهضة الحرب على العراق، أو في التضامن مع العمال، أو مع السودانيين أو مع ضحايا الصدامات الطائفية، الأمر الذي أضاف عناصر شابة جديدة إلى الحركة كما أعاد عناصر كانت قد كفت عن المشاركة السياسية، هذا ناهيك عن ظهور أفكار مختلفة بداخله، تعبر عن نفسها في مطبوعات جديدة مثل "البوصلة" أو تعبر عن نفسها على مواقع الانترنت مثل التقدم ورزجار والحقيقة والوعي المصري. حتى تحالف الشامي مع المغربي، أي الاشتراكيين الثوريين مع الأخوان المسلمين (اليمين الديني مع اليسار "الراديكالي")، بكل ما فيه من انتهازية لأنه تحالف بلا غطاء فكري أو برنامج سياسي مشترك، هو دليل على ميل للمغامرة. والمغامرة تعني الحركة والفعل. لقد صبت الحركية السياسية المتصاعدة لهذه المجموعة في مواقف اكروباتية، لكن يظل أن هناك نمو كمي في حركيتهم، وربما يكون هذا النمو هو الذي دفعهم لمحاولة التغلب على مشكلة عدم مصداقية اليسار بسبب التشهير ضده باستخدام سلاح الدين، بالتحالف مع قطب أساسي من أصحاب التوكيلات بالحديث باسم الدين، أي الإخوان. هذه الحركية عبرت عن نفسها أيضاً في نزول أبرز رموزهم، كمال خليل، في انتخابات دائرة إمبابة.
على أن اليسار لم يترجم حركيته السياسية المتنامية في السنوات الأخيرة إلى تمثيل أعلى في البرلمان بل بالعكس انخفض التمثيل إلى عضوين فقط ينتميان لحزب التجمع. والأمر لابد أن يأخذ بعض الوقت لأن اليسار (خاصة خارج التجمع) يحتاج بعض الوقت لكي يعيد صياغة فعالياته السياسية كي تحتوي على "السياسة الانتخابية" والتي ابتعد عنها طويلاً لأسباب كثيرة يطول شرحها.

خاتمة
تفرض قواعد لعبة الانتخابات والسياسة في مصر تهميش قطاعات عديدة من المجتمع. مشكلة النظام الانتخابي المصري لا تقتصر على اعتماد التزوير فيه كآلية أساسية في الممارسة، يصعب نجاح المرشح بدون ممارسته. يمكن ضبط التزوير من خلال فرض الرقابة القضائية الحقيقية، وليس الرقابة "القضائية" المزعومة، كما حدث في الانتخابات السابقة. وإذا كانت إمكانيات وأعداد القضاة لا تسمح بضبط العملية الانتخابية يمكن الاستعانة بمراقبين من دول أخرى أو من منظمات أهلية أو دولية. المشكلة الأكثر تعقيداً من التزوير تتمثل في أن قواعد اللعبة السياسية المصرية لا تتيح تمثيلاً حقيقياً لمختلف فئات الشعب في البرلمان. وهنا لا بديل عن طرح قواعد جديدة للمنافسة السياسية والانتخابية، قواعد تحد من قدرة الأطراف على استخدام سلاح المال والدين والعنف والتحيز الذكوري ضد منافسيهم. ما هي هذه القواعد الجديدة؟ وهل المشكلة تكمن في نظام الانتخاب الفردي؟ هل يحل نظام الانتخاب بالقائمة النسبية المعضلة؟ كيف؟ هذه الأسئلة تحتاج لدراسة مستقلة سيأتي أوانها عما قريب.

نشره البوصلة يوم أرب, 03/14/2007 - 00:38.