تعانى الطبقة العاملة المصرية من حالة حادة من التراجع والتشتت والضعف. هل يمكن إحياء حركة الطبقة العاملة المستقلة مرة أخرى؟ يحاول سامح سعيد عبود أن يجيب على هذا السؤال بتتبع تاريخ الطبقة العاملة المصرية ودراسة أسباب انحدار حركتها، مستشرفا شروط انبعاثها مستقبلا.
صعود حركة الطبقة العاملة: تاريخ مختصر
لا شك أن معرفة قصة نشوء وتطور، ثم تدهور، الطبقة العاملة المصرية يعطينا دروسا يمكنا أن نستفيد منها إذا شئنا أن نحدد الوسائل الملائمة لكى تشهد هذه الطبقة نهوضا وتطورا جديدا فى طريق تحررها.
ظهرت بدايات الطبقة العاملة فى مصر فى أوائل القرن 19، وأقدم ماتم تسجيله من إضراباتها كان فى أوائل ثمانينيات نفس القرن. ومع نهاية القرن 19 ظهرت أول نقابة عمالية على إثر إضراب عمالى عام 1899، وتوالت الإضرابات العمالية وتشكلت النقابات، وبدأت محاولات احتوائها من قبل كل من الحزب الوطنى القديم والحلقات الاشتراكية المختلفة. ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وفى أثناء الصراع الوطنى من أجل الاستقلال الذى اشتعل بعدها، تكون أول اتحاد للعمال فى مصر، وكان يسيطر عليه الشيوعيون اللينينيون، وذلك على إثر حركة عمالية احتجاجية واسعة الانتشار، وصلت فى بعض الأحيان إلى حد احتلال المصانع، ولكن فى عام 1924 تم حل الاتحاد وسحقه من قبل حكومة الوفد الوطنية الليبرالية.
بعد سحق الاتحاد العمالى القديم بدأت محاولات الأحزاب الرأسمالية المختلفة، الليبرالية والمحافظة والفاشية، لاحتواء الحركة العمالية طوال الثلاثينيات لمصلحة تلك الأحزاب، وفى إطار أفكار التعاون الطبقى لا الصراع الطبقى. ومع الأربعينيات تصاعدت الحركة العمالية مجددا، ووصل الأمر لتكون جماعة سياسية عمالية علنية باسم لجنة العمال للتحرر القومى. وقد انتهت تجربة الصعود الثانى للحركة العمالية بتكون اتحاد عمالى ديمقراطى مستقل كانت تسيطر عليه فى ذلك الوقت المنظمات الماركسية الستالينية المختلفة، وبعد انقلاب 23 يوليو 1952، فقدت التنظيمات النقابية العمالية استقلاليتها عن الدولة كما فقدت طريقة تشكيلها الديمقراطية بعد فترة من القمع الدموى للحركة العمالية المستقلة ومنظماتها. إلا إن الصعود الثانى، وإن كانت طورته وقادته المنظمات الماركسية المتنافسة، فإنها شوهته بالخلط بين الصراع الوطنى والصراع الطبقى فى أحسن الأحوال، بل وإعلاء القومى على الطبقى فى أسوأها. وهو ما مهد الطريق للخلطة السلطوية الناصرية، ومثيلاتها فى المنطقة العربية. وهو الأمر المستمر حتى الآن بتلوينات مختلفة.
انحدار حركة الطبقة العاملة فى ظل نظام يوليو
تم تأميم الحركة العمالية فى 1957 بإنشاء اتحاد عمالى بيروقراطى واحد ينظم كل شئونه قانون يضمن سيطرة الدولة وأجهزة أمنها عليه، حتى أن رئيس الاتحاد كان يعين تلقائيا وزيرا للعمل. وكانت العضوية فى النقابات إجبارية لكل العاملين بالمنشئات التى بها لجان نقابية، والنقابات محرومة بحكم القانون وطريقة تشكيلها من تنظيم أى عمل احتجاجى أو تضامنى، ومجردة من إمكانيات التفاوض والضغط الجماعى، ولا تقوم فكريا على أساس تمثيل العمال فى صراعهم الطبقى ضد الإدارة وأرباب العمل، بل تقوم فلسفتها على أنها مؤسسة توفير خدمات للعمال، وفى سبيل ذلك تتعاون مع الإدارة وأرباب العمل لتحقيقها. كما تجمع النقابات العمالية بين العمال والإدارة فى المنشئات المختلفة مما يضفى عليها طابع المنظمة النقابية الفاشية بوضوح، وهو اتحاد تسيطر عليه تماما القوى الموالية للحكومة والمرتبطة بأجهزة الأمن فى قياداته العليا والوسطى على عكس الاتحادات والنقابات السابقة.
بعد خمسين عاما من الترويض بالعصا والجزرة وغسل العقول بالدعاية الديماجوجية من قبل الدولة الديكتاتورية الناصرية وما تلاها من تطورات وتنويعات أكثر ليبرالية نسبيا، فقدت الطبقة العاملة تماما قدرتها على الانتظام سياسيا ونقابيا واجتماعيا بعيدا عن جهاز الدولة البيروقراطى، حيث يحظر القانون إنشاء نقابات ديمقراطية مستقلة عن جهاز الدولة، ويرفض الساسة السلطويون المهتمون بقضايا الطبقة العاملة انتزاعها لهذا الحق الدستورى والإنسانى بتشكيل نقابات بديلة، بناء على حجج شتى، منها أن العمال يستفيدون بما تتيحه لهم النقابات الرسمية من مزايا خدمية، ومن ثم قد يفضلونها عن النقابات البديلة، فضلا عن أن هذا يهدد وحدة الطبقة العاملة كما يزعم بعضهم، ومن ثم يصرون على الاشتراك فى ألعاب انتخابات تشكيلات هذا الاتحاد السلطوى، ودفع العمال للمشاركة فى مهزلتها، فى حين تبتعد الحركة العمالية العفوية تماما عن هذا التنظيم النقابى ومهزله تشكيله، تعبيرا عن عدم ثقتها به. فكل الإضرابات خلال الأربعين عاما الماضية تمت بعيدا عن النقابات الرسمية، بل وفى مواجهتها.
ولم يواجه أحد بجدية خطورة التفتت الفعلى للوحدة العمالية، حيث تحول العمال إلى مجرد جموع غير منظمة وغير واعية طبقيا، تفتقر أفرادا وجماعات غالبا لفهم واقعها الاجتماعى من منظور كونها تشكل طبقة متميزة ذات مصالح مشتركة فى مواجهة كلا من الرأسمالية والدولة. ويتطلع الكثير من العمال للصعود إلى الطبقات الرأسمالية والالتصاق بها، كما يتعلقون بقيمها وأيديولوجياتها المختلفة، بل تنتشر بينهم الأفكار المعادية للطبقة العاملة والمتعالية عليها. ويتبنى معظم العمال مفاهيم متخلفة للعملية الديمقراطية فيما يتعلق بالترشيح والانتخاب، سواء للنقابات أو للجمعيات، فيعتبرونها هيئات للخدمات وتلبية الاحتياجات الشخصية وتحقيق المصالح الفردية، لا منظمات يتم النضال من خلالها من أجل تحقيق المصالح المشتركة للطبقة العاملة لتحسين ظروف حياتها. وينحصر وعيهم الطبقى فى أفضل الحالات فى فهم أطنان القوانين واللوائح التى تنظم علاقات العمل التى تقررها أجهزة الدولة، باحثين عما قد تحققه لهم من مكتسبات عبر رفع الدعاوى القضائية والتظلمات المستندة لتلك القوانين واللوائح.
ومن ثم أصبح العمال عموما فاقدى القدرة على الضغط لتحسين ظروف حياتهم وعملهم منتظرين ما تجود به عليهم كلا من البيروقراطية والرأسمالية من منح ومكتسبات، وأصبحوا فى ظل الظروف الاقتصادية العالمية الجديدة التى نزعت يد الدولة من الإنتاج والتدخل الاقتصادى والاجتماعى، كالأيتام على موائد اللئام. فمن ناحية فقدوا قدرتهم على انتزاع المكاسب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المختلفة أو المحافظة على ما فى أيدهم من تلك المكاسب التى تم منحها لهم خلال ربع القرن المجيد الذى أعقب الحرب العالمية الثانية من قبل حكومات الوفد الليبرالية أو الحكومات الناصرية، ولم يقاوموا سحب بعض تلك المكاسب منهم مع انتهاء تلك الفترة، عندما تغيرت الظروف الاقتصادية مع بدايات مرحلة الرأسمالية الكوكبية فى السبعينيات. ومن ناحية أخرى فهم يواجهون كل هذه الظروف غير المواتية لهم حاليا، وهم منزوعى سلاح الوحدة العمالية المنظمة، ووسائل النضال العمالى والوعى الطبقى. وفوق ذلك من المعروف أنه فى ظل أزمات البطالة والتهميش، والمتوقع تصاعدها بعنف عبر العالم كله، يفقد العمال عموما قدرتهم على الضغط على أصحاب العمل من أجل تحسين ظروف الحياة والعمل، حيث يصبحون مضطرين أكثر فأكثر لقبول شروطهم، بل ويصبح المناخ مواتيا أكثر فأكثر لتصاعد الفاشية والمحافظة والرجعية.
كانت هذه هى الأسس المادية فى تحويل الوعى لدى العمال من التضامن الجماعى فيما بينهم لتحسين ظروف عملهم وحياتهم، إلى وعى الحل الفردى على حساب التضامن الجماعى.
أدى هذا كله إلى سعى معظم العمال لتحسين ظروفهم المعيشية على نحو فردى، سواء بالعمل الإضافى أو الالتحاق بعملين أو ثلاثة معا، بحيث تصل عدد ساعات العمل اليومى للعامل إلى ستة عشر ساعة أحيانا، لتعويض ضآلة الأجر المدفوع مقابل يوم العمل الرسمى، أو الهجرة لبلاد النفط أو أوربا، أو الاستثمار فى المشاريع التجارية والحرفية الصغيرة كبيع بعض السلع لزملاء العمل وأعمال السمسرة والوساطة. وينخرط الكثيرون منهم فى أنشطة الاقتصاد غير الرسمى المختلفة بما فيها الأنشطة غير المشروعة. ولعل كل هذه التحايلات على ظروف الحياة الصعبة، تفسر كيف تعيش هذه الملايين من العاملين بأجر وأسرهم بهذه الأجور الرسمية التى لا تكفى أحيانا لشراء الخبز: فلو أخذنا بالبيانات الرسمية للأجور والأسعار لكان العمال المصريون يموتون جوعا فى حين أن واقع الحال لا يشير لذلك مطلقا.
حركة عمالية ديمقراطية مستقلة؟
هذا عن واقع العمال المصريين، ولأننى لا أومن بالحتمية فى التاريخ، ولست متفائلا على نحو ساذج، فإنه لا يسعنى سوى القول بأنه لا أمل فى تغيير هذا الواقع الذى يهدد بما هو أسوأ منه بمراحل، إلا بحركة عمالية ديمقراطية ومنظمة ومستقلة تماما عن كل من الدولة والبيروقراطية والرأسمالية والساسة السلطويين، حركة تنخرط فى الصراع الطبقى فى مواجهة هؤلاء جميعا لتحقيق مصالح الطبقة العاملة الجماعية. ويبقى السؤال كيف؟ المأزق الذى نحن بصدده يحتمل الكثير من الابداعات النضالية على مستويات متعددة، وإذا اتفقنا على هدف الاستقلال التام لكل النقابات العمالية عن كل من الدولة والرأسمالية والساسة السلطويين والبيروقراطيين، باعتبارها خطوة هامة وحيوية فى طريق التحرر النهائى للطبقة العاملة، فإننى أتصور محورين أساسيين ومتوازيين للخروج من هذا الوضع:
الأول: نضال سياسى يهدف لتحرير النقابات من الارتباط بالدولة ورأس المال، بإسقاط كافة القوانين والقيود التى تعيق حرية تكوين وعمل النقابات، وبإسقاط حق الدولة تماما فى وضع القواعد والقوانين المنظمة لتلك النقابات ليصبح حقا مطلقا لأعضائها.
و بالطبع يقع على عاتق العمال أنفسهم مهمة إسقاط تلك القوانين، سواء عبر الطرق القانونية للطعن بعدم دستوريتها، أو عبر المؤسسة التشريعية ممثلة فى مجلس الشعب، أو عبر ضغوط العمال الفعالة للتأثير على صانعى القرار. ولا يمكن أن يتم هذا إلا بتنظيم العمال سياسيا للنضال من أجل هذا الهدف تحديدا. ولا معنى لطرح أية أهداف أو مهام نضالية أخرى، إلا بعد إنجاز هذا الهدف. ليعود لهم سلاحهم بعد أن تم انتزاعه منهم، فعندئذ يمكنهم إنجاز أهداف أخرى.
و هذا يعنى العودة لأحكام القانون المدنى بشأن تنظيم النشاط النقابى حيث تكفل هذه المواد الحد الأدنى اللازم لمراقبة أداء النقابات سواء من خلال جمعيات عمومية تملك صلاحيات فاعلة فى محاسبة مجالس إداراتها المنتخبة على أساس ديمقراطى، أو من خلال الرقابة القضائية التى تتيح الفرصة لأعضاء النقابة أو لكل ذى مصلحة فى الطعن على القرارات المتخذة من جانب النقابة إذا ما تعارضت مع القانون أو إذا ما خرجت مجالس إدارتها عن قواعد الشفافية المحاسبية.
الثانى: هو المبادرة الجماعية من قبل العاملين بأجر فى تشكيل تلك النقابات بعيدا عن الدولة وبيروقراطيتها وبما تسمح به الظروف الراهنة، فيما يمكن أن نسميه بالنقابات البديلة. فالقادرون على التحايل فرديا على ظروف حياتهم الصعبة بالنشاط الاقتصادى غير الرسمى، وعلى إقامة بعض أشكال التضامن الجماعى البدائية، قادرين بلا شك، وعبر التحايل جماعيا، على ممارسة تضامنهم الجماعى الأرقى والأجدى عبر النقابات البديلة. والأمر ليس بالصعوبة التى يتخيلها ويزعمها الغارقون فى احترام النضال الشرعى والقانونى واحترام الدولة ومؤسساتها، وليس بالانتهازية التى يتخيلها المهووسون الذين لا يتخيلون العمل الثورى إلا فى النضال العصبوى السرى المكرس لعبادة النظرية والتنظيم على حساب الحركة الفعالة فى الواقع.
فيمكن أن يظل العمال أعضاء فى نقاباتهم الخدمية الرسمية مادمت مجرد مؤسسات تقدم لهم الخدمات، إلا أن هذا لا يمنع انضمامهم لنقابات نضالية حقيقية تقوم على أساس إدارة صراعهم الطبقى مع الرأسمالية. وللحق يتمتع المصريون الآن بدرجة من الحرية لم يتمتع بها آخرون تحت نير الفاشية والستالينية. بل أن السلطات المصرية تسمح بعلنية النشاط غير الخاضع لإشرافها وقوانينها أحيانا، فى حدود وشروط معينة بالطبع، مثل نشاط اللجنة الشعبية المصرية للتضامن مع انتفاضة الشعب الفلسطينى واللجنة القومية للدفاع عن حقوق العمال.
فالمشكلة فى اعتقادى ليست فى الدولة وقوانينها وأدوات قمعها بل فى العقليات التقليدية والمحافظة والمتحجرة السائدة لدى المناضلين ولدى الجماهير أيضا؛ عقليات تقدس الشرعية والدولة والسلطة والشكليات والبقرطة، وتجعل من تقديسها هذا عائقا أمام العمل الفعال.
يونيو 2005
علِّق