يكاد يُجمع زملاء د. محمد السيد السعيد فى مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية على أن دماغه تمثل معملا للأفكار. هو بالتأكيد من أهم وألمع المثقفين المصريين الذين يعيشون بيننا الآن. ولكن ليس ذلك فقط ما دفعنا للحديث معه. أهم ما يميز الدكتور محمد هو قدرته الكبيرة على التغير. فهو دائم البحث عن طريق جديد. انتقل من العمل فى صفوف حزب العمال الشيوعى
السرى إلى القطيعة مع الماركسية اللينينية، وإلى محاولة البحث عن طريق داخل المجتمع المدنى. ثم أخيرا إلى التشكك فى قدرة المجتمع المدنى على الدفع بالبلاد إلى مرحلة جديدة فى تاريخها السياسى. ومن ثم انتقل أخيرا للعمل السياسى من داخل حركة كفاية، واستطاع أن يجذب الاهتمام حينما طرح بقوة تصوره عن أهمية التحول الديمقراطى فى مصر أمام الرئيس مبارك. هذا حوار معه أجراه سامر سليمان ومحمد نعيم القناوى عن تطوره الفكرى وعن تصوراته بصدد "التيار التقدمي" فى مصر.
يكاد يُجمع زملاء د. محمد السيد السعيد فى مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية على أن دماغه تمثل معملا للأفكار. هو بالتأكيد من أهم وألمع المثقفين المصريين الذين يعيشون بيننا الآن. ولكن ليس ذلك فقط ما دفعنا للحديث معه. أهم ما يميز الدكتور محمد هو قدرته الكبيرة على التغير. فهو دائم البحث عن طريق جديد. انتقل من العمل فى صفوف حزب العمال الشيوعى السرى إلى القطيعة مع الماركسية اللينينية، وإلى محاولة البحث عن طريق داخل المجتمع المدنى. ثم أخيرا إلى التشكك فى قدرة المجتمع المدنى على الدفع بالبلاد إلى مرحلة جديدة فى تاريخها السياسى. ومن ثم انتقل أخيرا للعمل السياسى من داخل حركة كفاية، واستطاع أن يجذب الاهتمام حينما طرح بقوة تصوره عن أهمية التحول الديمقراطى فى مصر أمام الرئيس مبارك. هذا حوار معه أجراه سامر سليمان ومحمد نعيم القناوى عن تطوره الفكرى وعن تصوراته بصدد "التيار التقدمى" فى مصر.
متى وكيف شعرت بمشكلة فى تبنيك للماركسية؟
أنا من منتصف السبعينيات أو بعد منتصف السبعينيات بقليل كانت لدى قناعة بأن الإجابات الكبرى التى قدمتها الماركسية اضمحلت تاريخيا ولا بد من تجاوزها بصورة جذرية. لأنها إلى حد كبير إجابات لأسئلة النصف الثانى للقرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ولا تصلح كإجابات للنصف الثانى من القرن العشرين، وبالتالى بدأت عملية طويلة المدى للاضمحلال على الرغم من أن تلك الفترة هى التى شهدت توسع التجارب الاشتراكية.
وحتى السؤال الجوهرى الذى طرحته على نفسى كثيرا فى ذلك الوقت وسألته لبعض الأصدقاء والأساتذة ومنهم من هم بمستوى د.سمير أمين "ما هى الاشتراكية؟"، فشلت فى الحصول على إجابة عليه حتى بالمنطق المتجاوز للتجارب التى كانت موجود فى الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية والصين وكوبا. والواقع أنه من زمن ليس بقريب تحللت الماركسية إلى عناصر طيف واسع من المفاهيم والاصطلاحات السياسية أو القاموس السياسى والإيديولوجية، وكانت هناك طرق أخذ مختلفة من الماركسية، ومنها المأخذ الإيديولوجى الدينى الصرف الذى وصل فى مرحلته المتطرفة فى حالة بلد مثل كوريا الشمالية، حيث ما كان يُعبد بالفعل هو كيم إيل سونج الذى كان يغنى له الأطفال أنه الرجل الذى ينزل المطر من السماء، عبر تبرير إيديولوجى يستخدم الماركسية اللينينية. مما يعنى أن إجابات الماركسية اللينينية كانت قليلة جدا وزهيدة بل ولا شان لها بالتجارب التى نشأت بالفعل على أرض الواقع، فلا لينين كانت لديه أفكار بصدد ماهية الاشتراكية، ولا ماركس كان لديه تصور أكثر مما طرحه فى "نقد برنامج جوتا"، الذى كان نقدا عاما جدا ومعظمه كان محافظا، وليس على النحو العملى الذى أقامه ستالين.
التجارب الاشتراكية هى تجارب فعلية تشربت من ثقافات المناطق والبلاد التى نشأت وطبقت فيها، وتطلبت عبادة الشخصية فى معظم الأحوال وتمجيد الحزب أو تخريبه أحيانا، على غرار ما حدث فى الثورة الثقافية فى الصين عام 1965. وهى تجارب بِنت واقعها ووقتها أكثر منها بنت للماركسية. أدركت ذلك منذ منتصف السبعينيات، وتملكنى القلق الشديد والهول من التردى المذهل لهذه التجارب وتدمير إنسانية المواطن السوفيتى أو الصينى، وكان لدينا من المعلومات المريرة وقتها ما يكفى للتأكد مما يحدث من إيذاء للإنسان داخل تلك الدول.
كيف تمت القطيعة مع الماركسية؟
قطيعتى مع الماركسية كانت شديدة التدريجية والشخصية وأخذت وقتا ليس بقصير، وأبدا لم تأخذ شكلا عدائيا أو ثورة عليها كما حدث مع الكثير من المثقفين. لأن الماركسية فى رأيى تحولت إلى فضاء من المقولات بعضها انتهى تاريخه أو صلاحيته بالمعنى المبتذل، وبعضها لا يزال لامعا جدا وأساسيا فى أى تحليل عصرى للإشكاليات الأخلاقية والثقافية والإيديولوجية والمادية لواقعنا. ولكنها لا تكفى ولا بد أن تتداخل مع عدد لا بأس به من النظريات الأحدث المتلامسة مع واقعنا العالمى والوطنى، وبالتالى فهى مطروحة للوراثة وليس للتأبيد والتمجيد، أو الابتذال السوقى والتجارى السياسى.
إذا طُلب منك تعريف نفسك كاتجاه فكرى وسياسى ماذا تقول؟
لا يمكن أن أعتبر نفسى مفكرا عظيما، بمعنى أننى لا أشق طريقا جديدا، ولا لدى مدرسة فكرية كبرى. لست من هذا النمط أو المستوى، إنما لدى اجتهادات فى الشأن الوطنى والعالمى والاقتصاد السياسى والدين المقارن. وبالتالى فأنا أنتمى إلى ما يمكن أن أسميه كتلة الخطاب التقدمى، ولا يمكن أن أسميه اتجاها اجتماعيا ديمقراطيا، لأنه لفظ له مدلولات أكثر فى الواقع الأوربى. ولكننا عانينا من هذا الاتجاه الأخير محليا: فبرغم أنه قدم إسهامات مهمة فى أوربا، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، كانت له مواقف معادية للتحرر والاستقلال لشعوب العالم الثالث، وهو الموقف الذى ناضلت الماركسية ضده وكانت أكثر استقامة وحسما فى تأييدها لحق الشعوب المستعمرة فى الاستقلال.
وأرى أن احد أسباب انتشار الماركسية فى بلادنا أنها بدت لكثير من الوطنيين وقطاعات مهمة من المثقفين كإيديولوجيا أكثر راديكالية فى نسق الممارسة الوطنية. ويمكن الحديث عن نشأة الماركسية فى مصر من خلال مصدرين كبيرين، أولهما أنها المدخل الأكثر راديكالية فى الحركة الوطنية، وأغلبية من دخلوا الحركة الشيوعية كانوا فى الجوهر شعبويين لديهم غضب شديد على الاستعمار الغربى، وغير مستعديين للاستمرار فى تبنى فى أسلوب حزب الوفد فى التعامل مع قضية الاستقلال، وظلوا وطنيين شعبويين من الناحية الفكرية والفلسفية، وكانوا يميلون إلى التبنى المبتذل والمبتسر لمقولات ومصطلحات التحليلات الماركسية والقيام بتحليلات للواقع بشكل جزافى بدون فهم عميق لخصوصية الجدل التاريخى فى بلادنا.
القطاع الثانى دخل الماركسية من مدخل معرفى، وهذا القطاع ظل مؤثرا فى الثقافة المصرية، وظل متماسكا فى تبنى الماركسية أكثر من غيره، برغم رغبته فى تجاوزها. فقد تعرف على الماركسية باعتبارها الثقافة الأحدث داخل الثقافة الغربية الحديثة أصلا. بالنسبة لقطاعات شعبية واسعة مثل الطبقة العاملة أو المثقفين المسيسين كانت الماركسية مدخلا أساسيا للتعرف على الثقافة الغربية. وكان لها حضور ثقافى ومعرفى مهم، وعبرت عن نفسها من خلال أعمال إسماعيل صبرى عبد اللـه فى الاقتصاد السياسى وأحمد صادق سعد فى حقل التحليل الاجتماعى. ولكن عموما ظل النمط الأول من الماركسيين هو الأكثر عددا وحضورا.
إسهامى الشخصى فى العمل السياسى كان فى الحركة الطلابية فى السبعينيات. وقد شاركت فى تكوينها وبعثها وتطويرها بشكل جذرى من نطاق حركة 1968 إلى خطاب حركة 1972، بمعنى إعادة الاحترام للخطاب الوطنى الديمقراطى. وبالتالى أنا مثلى مثل غيرى التقيت مع الماركسية من المدخل الوطنى. ولكن جانب المثقف المهموم بالمعرفة بذاتها كان يسبب لى بعض التوتر.
فى ظل تغير الأوضاع ألا ترى أنه من الممكن تبنى الديمقراطية كمدخل للجذرية الوطنية؟
الاستبدال غير قائم، حيث الماركسية مقترب معرفى ونظرية فى التاريخ، أما الديمقراطية فنظام سياسى يمكن أن نقول أنه بديل لنسق الدولة الاستبدادية الشمولية، ولكنه ليس بديلا للماركسية. والواقع أنه حدث شقاق واسع خصوصا فى صفوف اليساريين فى مصر. فهناك من تبنى النزعة القومية وقطع فعليا مع المصادر المعرفية الماركسية، بصرف النظر عن استمرار تعريف نفسه كماركسى أم لا، وهناك من أعلن فعلا قطيعة مع الماركسية وتبنى إيديولوجيات دينية مصبوغة بصبغة وطنية مثل عادل حسين ومنير شفيق. فى حين ظل من تبنوا الماركسية من منطلق معرفى على علاقة أطيب مع الماركسية. وأنا انتمى إلى هذا الفريق الذى يرى أن مراجعة الماركسية أمر فى صالح أسسها بدلا من القفز بخفة فوقها لصالح نظريات أكثر تخلفا.
هل يمكن الحديث عن تيارات سياسية هى ديمقراطية بالأساس ؟
هناك طبعا المعانى الأساسية للحرية مثل حرية الاعتقاد والتعبير وقيم حقوق الإنسان والحقوق الثقافية للقوميات والأقليات، إلى جانب مستوى أخر وهو تقنيات الحكم، ومستوى ثالث هو الإصرار على نمط معين من السلطة والممارسة السياسية ألهمت مفكرى عصر النهضة، وهى متحققة فى الفكر السياسى الأمريكى والقائم على الحيلولة دون احتكار السلطة من جانب أى طرف ونشر السلطة وجعلها قريبة نسبيا للناس، مما يجعل هؤلاء الناس أكثر قدرة على السيطرة على شروط حياتهم. ومن وجهة نظرى الديمقراطية هى الكفيلة بالدفاع عن حقوق الطبقات العاملة والفقراء عبر مساومتهم هم أنفسهم عوضا عن خطابات تمثيل الجميع والحديث باسمهم كما فى النظم الشمولية.
ولكن الحقيقة أن الديمقراطية التى نتحدث عنها الآن لم تتحقق إلا فى أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، وبمعنى ما فى أمريكا قبل ذلك التاريخ، حيث كانت الديمقراطية السياسية قبل ذلك أشبه بديمقراطيات العالم الثالث الحالية وقائمة على تمثيلات عائلية ومصلحية مبتذلة. ولم تكن أبدا فى يوم من الأيام سعيا منفردا بذاته لطبقة من الطبقات الاجتماعية. فالحديث عن أن الثورة الفرنسية مثلا كانت ثورة ديمقراطية هو محض كلام فارغ.
هل باستطاعة ما يمكن أن نسميه "اليسار الديمقراطي" الذى يؤسس اتجاهه اليسارى انطلاقا من الديمقراطية أن يلعب دورا سياسيا فى مصر؟
لا يمكن فى الممارسة السياسية وضع أسوار صينية بين أطراف اليسار على الرغم من انقسامات عميقة نلحظها فى الموقف من غزو العراق للكويت والموقف من القطاع العام والممارسة السياسية نفسها. عموما حالة اليسار يرثى لها، فهناك انسحابات كبيرة منه منذ منتصف السبعينيات، بفعل ادعاء السرية فى تنظيماته وعجزه عن وضع تصورات سياسية فى مواجهة سياسات السادات واقتصاره على تبنى مواقف دفاعية واستعادية للماضى غير خلاقة. هذا بالإضافة إلى عوامل شخصية مثل العمل فى البلاد العربية. وجاء ختم انهيار الاتحاد السوفيتى ليخرج الكتلة الأكبر من اليسار من العمل السياسى.
أعتقد أن العمل السياسى هو مواقف محددة ودقيقة أكثر منه مقولات. ولكنى أرى أن اليسار الديمقراطى يستطيع التأثير على خطابات التيارات الأخرى بجعلها أكثر ميلا لتبنى مواقف أكثر حداثة. ومطلوب من اليسار أن يتصدى لحزمة من القضايا المعقدة منها التحول الديمقراطى.
ألقيت بقنبلة فى لقاء الرئيس بالمثقفين فى شهر يناير الماضى، وذلك حينما تكلمت بصراحة عن حتمية التحول الديمقراطى فى مصر. ما هى قصة كلمتك أمام مبارك؟
دائما هناك مشكلة فى لقاءات الرئيس مع المثقفين وهى أنها بالغة التردى والتدهور، على الأقل من جانب المثقفين. أغلب الأسئلة الموجهة للرئيس لها طابع استفسارى معلوماتى، ومعظمها عن أمور معلوماتها متوفرة. بل وصل الأمر إلى الحديث مع الرئيس عن شكاوى شخصية للمثقفين، بل أحيانا شكاوى متبادلة موجهة للرئيس بين أنصار الشعر القديم والحديث، واتهام كل طرف للآخر بالسيطرة على وسائل الإعلام الثقافى، وأمور ترقى لمستويات عالية من التفاهة والترهات الشخصية، ومستوى عالٍ من النفاق الشخصى للرئيس بغرض تثبيت مواقع أو الحصول على مكاسب شخصية.
وأغلب هؤلاء المشاركين فى الحوار ليسوا تعبيرا أمينا عن لوحة المثقفين والمبدعين وتياراتهم فى مصر، وأغلبهم رؤساء تحرير صحف ومجلات وعدد ملحوظ من مذيعى ومذيعات التلفزيون. وأدى ذلك إلى جعل تلك اللقاءات أقرب إلى الفضيحة السياسية والثقافية. وأحيانا كنت اسأل نفسى بإلحاح إذا كان من الأنسب أن أذهب أصلا إلى تلك اللقاءات أم لا. وهل يذهب المثقف ليقدم وجهة نظر ذات منطق متكامل عن الثقافة والسياسة وما يتطلب ذلك من أمانة وشجاعة وتعبير عن انتماء سياسى وفكرى معين. كان انطباعى أن ذلك لا يلقى استقبالا جيدا من الرئيس أو من معاونيه. لذلك كنت دائما مترددا فى حضور تلك اللقاءات.
فى أغلب اللقاءات كان الرئيس يستفيض فى شرح سياسات عامة أو وقائع ويخصص وقتا قليلا جدا للحوار معه. وكان يحتكر الحوار أناس مختارين بالاسم. ولكن فى العام الماضى أتيح لى الحديث مع الرئيس، وقد تكلمت معه عن موضوع الإصلاح الدستورى، ولكن كان ذلك فى نهاية اللقاء الرسمى وفى مدة زمنية قصيرة، وكان حوارا سريعا ولطيفا حيث سألته إيه المشكلة يا ريس فى وضع دستور جديد للبلد؟ فرد قائلا فيما أذكر "أن موضوع تغيير الدستور ليس فى أولوياته". فأجبته بأنه أولوية وأن قيامه هو شخصيا بتغييرات عميقة فى الدستور فى اتجاه الديمقراطية كفيلة بدخوله التاريخ. فرد وقال "بلا تاريخ بلا جغرافيا، أنا لا أهتم بهذا الكلام. أولوياتى هى كيف أطعم 70 مليون مصري". وقد حدثت استطرادات من جانبى من نوع أن الشعب فى حاجة لأشياء أخرى بجانب الطعام لا تقل أهمية، واستطرادات أخرى لا أتذكرها، ولكنى أتذكر عدم وجود قبول من جانب الرئيس للحديث عن موضوع التعديل الدستورى.
ولكن الجديد هذا العام هو أنه كانت هناك فسحة من الوقت للجدل مع الرئيس فى نفس الموضوع، وكان واضحا أيضا وجود روح حادة ومستنفرة عموما لدى الحضور من المثقفين، مما أعطى للحوار هذا العام طابع أكثر أهمية، حيث طرح أكثر من شخص رؤيته بوضوح وإسهاب، وكنت واحدا ممن طرحوا رؤيتهم بوضوح حول أهمية التغيير الدستورى العميق.
هل تعرضت لمضايقات بسبب موقفك خلال الحوار مع الرئيس؟
لا ولكن بعض مقالاتى فى الأهرام لم تُنشر بدون إبداء أسباب، كذلك مُنعت من التحدث فى ندوات لى بمعرض الكتاب.
يونيو 2005
علِّق