أحيانا يبدو الحال وكأن ربيع الديمقراطية فى مصر على مرمى البصر، ثم تأتى لحظة أخرى يبدو فيها أنه قد انتهى أو توقف. فى هذا المقال يحاول شريف يونس أن يقدم تحليلا لأزمة الديمقراطية فى أبعادها التاريخية والمؤسسية، فى الحزب الوطنى وقوى المعارضة. ويراهن المقال على حركة ديمقراطية جذرية طويلة المدى، تعيد إدخال قطاعات واسعة فى الفعل السياسى.
منذ عقد أو أكثر فطن البعض إلى أن قوى المعارضة تعانى من بعض أمراض الحزب الحاكم، مثل خلود الوجوه المؤسِّسة القديمة، وعجزها عن التجديد الفكرى، وغياب آليات الديمقراطية الداخلية أو ضعفها، والأهم افتقارها إلى ثقل جماهيرى معتبر، وبالتالى عدم قدرتها على ممارسة ضغط سياسى فعال على السلطة. وفوق ذلك يحمل العديد منها إيديولوجيات سلطوية بديلة، حتى وهو يطالب بالديمقراطية. فثمة من يريد الأسلمة أو إعادة الدولة "القوية" الشمولية، فى نفس الوقت الذى ينادى فيه بالديمقراطية.
أما "الحزب الوطنى"، فقد تبين منذ زمن بعيد أنه زائدة ملحقة بالجهاز الإدارى والبوليسى الذى يشكل عصب نظام الحكم. فحزب السلطة يحقق احتكاره لمعظم مقاعد التشكيلات "الشعبية" المنتخبة بخليط من التضييق على النشاط السياسى والجماهيرى عموما والقمع والتزوير، وكذلك الخدمات التى يقدمها الجهاز الإدارى للقوى المحلية على اختلافها عن طريق ممثليه فى هذه التشكيلات. ويشكل "الحزب" بذلك نوعا من وسيط مفيد ومستفيد بين السلطة و"الشعب".
والنقطة الأساسية هنا هى أن هذا النظام لم يكن ابن تيار سياسى منتصر، بل ابن مجموعة محدودة من الضباط استولت على السلطة عام 1952 واعتمد بقاؤها بالتالى على تصفية كافة القوى السياسية القائمة والمحتملة. وقد استطاع عبر خمسين عاما أن يُلحق كل الأنشطة الاجتماعية بالجهاز الإدارى، ويُخضعها لهيمنة الجهاز الأمنى، بما أتاح له التدخل، بلا رقيب من خارجه، فى كل صغيرة وكبيرة فى حياة الناس. وهى عملية لم يوقف نموها "انفتاح" ولا "رأسمالية"، ولا ارتباط بشرق أو غرب، وخلقت "تابوهات" فاعلة، محورها عقيدة "الخوف من الحكومة" الباطشة، المحصنة عمليا وواقعيا من كل حساب فعال، خاصة بالنسبة للطبقات الأدنى المسحوقة.
وهكذا كان الحل الذى قدمه النظام لمشكلة "الفراغ السياسى، الذى نشأ عن إلغاء الحياة الحزبية، هو تقليص المجال السياسى نفسه ليكون على مقاسه المحدود. وحين تقرر إقامة نظام حزبى، كاد يكون نظاما بلا أحزاب تقريبا (بمعنى مؤسسات تتمتع بقدرات تتيح لها محاولة المنافسة على الحكم).
ولم تتجاوز عقلانية السلطة فى أعلى ذراها السماح بحركة محدودة للناس تحت المراقبة، وقدر من حريات التعبير والتنظيم، خاضعة دوما للمراجعة والتعديل، لتكون بمثابة "مجسات" وبؤر لمطالب الناس ومعارضتهم، تتيح للنظام وزنها وقياسها والحد من مخاطرها فى الوقت المناسب، أو أخذ ما تفكر فيه وتعمل له بعين الاعتبار فى تقديره الخاص المنفرد للأوضاع، واتخاذ القرارات بما يحفظ ما يراه مناسبا لحياته من توازنات. وفى هذا الإطار أُجريت تجارب بدأت بهيئة التحرير وحتى الاتحاد الاشتراكى، ثم أخذت تتدهور حتى وصلت إلى الحزب الوطنى.
حزب السلطة اللا سياسى وأصوله
نشأ الحزب الحاكم ابنا للتيار الرئيسى من المنتفعين بالاتحاد الاشتراكى، الذى أُوكل إليه منذ نشأته أن يكون الواجهة "السياسية" للحكم، دون أن توكل له أية وظيفة سياسية حقيقية. فالحزب، المسمى حاكما، لا تقرر مناقشاته الخافتة، منذ عهد الاتحاد الاشتراكى، السياسات العامة، ولا تحالفات السلطة مع أحزاب أو تيارات فكرية أخرى من عدمه، وإنما يتحرك بأفق خدمى. ومنذ زمن بعيد أعلن الرئيس عبد الناصر أن السياسة هى "معرفة مشاكل الجماهير وحلها"، مرسيا بذلك المفهوم غير السياسى للسياسة، السائد حتى الآن.
وما زال "الحزب" الوطنى يضم فى كوادره العليا عددا كبيرا من التنفيذيين، فى خلط واضح بين الحزب والإدارة الحكومية، يحيط بهم نواب الخدمات الذين يستقبلون السياسات فيبصمون عليها شاكرين مهللين. والكلام عن سلطة للحزب الوطنى، من خلال لجنة السياسات أو غيرها، أدخل فى باب الأساطير. فهذه اللجنة وغيرها تستند فى وجودها نفسه، وما قد يكون لها من نفوذ، بل فيما تعرضه من مقررات رسمية صادرة عنها، إلى توازنات السلطة الحاكمة فى أضيق دوائرها، وبصفة خاصة ما يقرره الرئيس الجامع لكل الصلاحيات، سواء صلاحياته الشاملة فى إدارة الحزب، أو صلاحياته الأصلية الأشمل.
ومع ذلك توجد فى تاريخ هذه المنظمة متعددة الأسماء محاولة وحيدة لتشكيل كوادر سياسية، أى تؤيد النظام عن عقيدة، وإن لم تبتعد عن الارتباط بشبكة مصالح "خدمة الجماهير"، هى تجربة "منظمة الشباب الاشتراكى"، بما مارسته من تربية عقائدية، مهما كانت مقيدة أو محدودة بحدود النظام نفسه. ولكن التجربة أوضحت للنظام بجلاء خطورة هذه الخطوة، بما أفرزته من معارضة سياسية متنامية للنظام بعد 1967، دفعت فى النهاية إلى حلها رسميا، بعد إيقافها وإعاقتها فعليا. فهى، مثلها مثل انتفاضة 18 و19 يناير، إحدى المحددات التى تحكم سلوك النظام السياسى. فمنذ هذه اللحظة انتهت فكرة بناء كوادر سياسية، ولو سلطوية مدعومة بجهاز الدولة.
وكانت الخطوة الثانية هى خطوة "فك" تيارات الاتحاد الاشتراكى إلى أحزاب فى عهد السادات، وهى خطوة نبعت جزئيا من الرغبة فى إبعاد الجناح المعارض من الناصرية، الذى هُزم فى 1971، عن موارد النظام ومنظماته، وجزئيا من ثقة الرئيس الزائدة بإمكانياته فى المناورة السياسية، التى جعلته أيضا يدفع بالتيار الإسلامى لتصفية آثار تجربة تسييس الاتحاد الاشتراكى المحدودة. غير أن هذه العباءة الفضفاضة انقلبت إلى المعارضة بعد زيارة القدس 1977، والأخطر أنها أخرجت معظم التنظيمات الإسلامية، من جيل الإخوان الجديد إلى الجهاد، وأودت فى النهاية بحياة الرئيس ذاته.
وأفضت عواقب هذه التجربة بدورها إلى ما يسمى "التجربة الديمقراطية" التى نعيشها حتى الآن: إغلاق المجال السياسى برمته. ففيها أصبح شعار الحكم الوحيد هو ترديد "مصر.. مصر.. مصر" إلى ما لا نهاية. وباسم "مصر" الموحدة هذه جرت المحاولة لإقامة صلح مع الجميع، فتُرك لهم هامش إعلامى، بلا الوجود السياسى الفاعل، واعترف النظام بـ"وطنية" الجميع، أى المعارضة "الشرعية" كلها، وكذا رموزها التاريخية وكل من حكم مصر، بما فيهم الخديوى إسماعيل ومحمد نجيب وعبد الناصر والسادات.. فى إيديولوجية عجيبة ليس لها مضمون سوى تقديس الدولة كدولة من منطلق وطنى، أى اختصار بلد فى دولة استبدادية، أصبح نقدها فى الخارج يعتبر عيبا، وخيانة. وفى ظل هذه الإيديولوجيا أصبحت الدولة فوق الجميع، لا دولة الجميع.
من هنا أصبحت السياسة والإيديولوجيا ثغرة النظام. فلأنه بلا وجود سياسى وإيديولوجى يتخطى كلمات "مصر" و"الاستقرار" و"التنمية"، أصبح عرضة لحشد سياسى ونقد إيديولوجى لا يستطيع أن يخلق تعبئة سياسية تواجهه، لأن السياسة، بمعنى حلبة لتصارع قوى وأفكار سياسية، خارج ممكناته أصلا، واكتفى بحصارها داخل النخبة. لذلك حين ظهرت الآن بوادر معارضة ديمقراطية لها صوت، ولو محدود، فى الشارع، لم يجد تحت يده أدوات "سياسية" سوى خليط من المخبرين والبلطجية، بغرض فض النخبة نفسها بعد أن اخترقت الحظر الجماهيرى جزئيا. وفى معركة الاستفتاء الأخير لم يجد سوى أجهزته الإدارية التى ساقت الناس إليه سوقا، وهى حلول أظن أنها لم تزد أزمته السياسية إلا تفاقما.
وأدى هذا الوضع فى مجمله إلى انفصال حاسم بين السلطة والمسئولية. فالسلطة المستبدة بالقرار حلقة ضيقة غير مسئولة عمليا تجاه أى مخلوق أو جهة، بما فيها "الحزب" "الحاكم"، وتسترشد فى حركتها بقياس ردود الفعل، التى تتولى وحدها تقديرها. والموظفون كبارا وصغارا غير مسئولين لأنهم يعملون وفقا "لتوجيهات عليا"، والمعارضة غير مسئولة أيضا كما سنرى، إلا عن صورتها الإعلامية.
المعارضة فى إطار نظام لا سياسى: تاريخ تشكُّل
فى هذا الإطار الاستبدادى نشأت أحزاب المعارضة، التى لم يكن قرار إنشائها حصادا لـ"مد" ديمقراطى، كما يقول حسين عبد الرازق، وإنما جاء تاليا لتراجع معارضة النظام بعد حرب أكتوبر، لأسباب منها أنها قصرت مبررات المطالبة بالديمقراطية عمليا على القول بضرورتها لتحرير الأرض. ومع ذلك تبين أن شعور النظام بالأمان مبالغ فيه قليلا، حيث كسبت المعارضة ضد سياسات النظام الاقتصادية والخارجية شعبية متزايدة فى السبعينيات فى أوساط الفئات الوسطى المنهارة، فتم تحجيم نشاط الأحزاب الضارة واستيلاد أخرى، تمردت بدورها فتم الحد من حركتها، وأولت السلطة عناية أكبر بالفئات الوسطى.
ولكن المشكلة أبعد من نشأة الأحزاب بقرارات سلطوية، فهى تتعلق بطبيعة النظام اللا سياسى، الذى اكتنف تاريخها كله. فقد عزز مسلسل طويل من القمع والتضييق على أبسط حريات ما يعتبر كيانات سياسية شرعية عملية تطويع تدريجية للأحزاب لتقبل العمل فى حدود صحيفة ومقر. وعززت هذه العملية هيمنة العناصر الأكثر قبولا للتكيف مع ضغوط السلطة، والأكثر رغبة فى الحفاظ على "شرعية" الحزب، وبالتالى سادت نخب حزبية محافظة ضعيفة الرغبة فى النضال من أجل الديمقراطية. كما كان لتراجع الحركات الجماهيرية عموما فى معظم الفترة أثره فى تغليب البديل المحافظ المنصاع للأمن كبديل واقعى.
وبالتالى تكيفت الأحزاب المعارضة مع لعب دور "معاون" للسلطة – بتعبير نبيل عبد الفتاح – بالمساهمة فى إضفاء الشرعية على النظام مقابل حق المعارضة فى الصحيفة والمقر والبرلمان، وتأمين أعضائه من الملاحقة الأمنية الشرسة، كنخبة معزولة محرومة من أى جمهور. وفى هذا الإطار "عاون" الحكم بدوره بعض المعارضين فى الحصول على كراسيهم فى "البرلمان"، كما عين بعضهم مباشرة فى المجالس النيابية، وأمر جهازه الإدارى بتقديم خدمات لمواطنى دوائرهم، وأفسح لبعضهم فى بعض المناصب الإدارية العليا.. مفصحا بذلك عن طريقته فى "الإيمان بالديمقراطية".
ولما كانت هذه الأحزاب "محكوما عليها بالمعارضة" إلى الأبد، أصبح "التعاون" شرط وجودها. حتى أن المعارضين فى الأحزاب وخارجها، طرحوا معارضتهم، للتطبيع مثلا، باعتبارها مفيدة للنظام. كما قبلوا أن يعبروا عن معارضتهم بوسائل غير سياسية، برفع قضايا ضد بيع بعض شركات القطاع العام مثلا، بينما لجأ الإسلاميون للسلاح القضائى ضد خصومهم الإيديولوجيين، بدعاوى "الحسبة".
وترتبت على ذلك نتيجة خطيرة، وهى أن الإعلام أصبح الهامش الأساسى المتاح أمام المعارضة، سواء فى البرلمان، أو الصحف، أو الفضائيات أخيرا. وبالتالى لم تعد واقعية البرامج والمطالبات هى الفيصل فى صياغة توجهات الحزب، وإنما الشعارات الأكثر بريقا التى تميز رايته الإيديولوجية عن الآخرين، لعل وعسى، وللحفاظ على ما تبقى من ولاء الكوادر الراضية على مضض بالدور السياسى الهامشى المزمن للحزب. وهكذا تحولت المسئولية السياسية إلى "مسئولية إعلامية" تتعلق بالمفاضلة بين شعارات، لا سياسات. وظهر "تقسيم العمل الحزبى": الأبواق النخبوية لنا والسلطة للسلطة.
أزمة الديمقراطية بين الحلم المحافظ والرهان الجذرى
فى ضوء الوضع الحالى لما يسمى "القوى السياسية"، لا يبدو أن ثمة أمل كبير فى أن تتولى هذه القوى قيادة عملية إقامة نظام سياسى ديمقراطى. فالحزب الوطنى بحكم افتقاره إلى كوادر سياسية، وبوضعه الذيلى داخل السلطة، سيتقلص كثيرا فى ظل نظام ديمقراطى يضمن حريات التعبير والتظاهر السلمى والتنظيم السياسى والإضراب، وتكف فيه يد الإدارة الحكومية، والأمنية خصوصا، عن تهديد كل تحرك مستقل. ومن جهة أخرى تقف المطالب الديمقراطية معلقة فى الهواء بلا أسس تنظيمية، حيث تجمدت فاعلية ومصداقية أحزاب المعارضة التى ترفع شعارات الديمقراطية، كما رأينا. على هذا النحو أصبحت الديمقراطية أشبه بمقولة "الدور الذى يبحث عن بطل"، التى طرحها عبد الناصر فى "فلسفة الثورة".
وفى ظل هذا الوضع، تظل ثقافة النظام الاستبدادى هى الثقافة السائدة. فلا تتمتع المفاهيم الديمقراطية الأولية مثل حق الاختلاف وقبول مبدأ وجود أكثر من "حق" لأكثر من طرف، بشعبية كبيرة لدى معظم المشتغلين فى المجال العام، من صحافة وفن وسياسة وفكر. فالكثيرون يروجون لتابوهات لا يجب مسها، ناهيك عن نقدها، من قبيل "ثوابت" للأمة أو للفن أو للفكر أو للغة، الخ. فضلا عن أن القوة المعارضة الكبرى تتمثل فى الإخوان المسلمين بإيديولوجيتهم القائمة على السمع والطاعة "فى المنشط والمكره". وتواجههم القوى المعارضة الأخرى بمقدسات مقابلة، تتعالى فيها كلمات الوطن والشعب والعدالة والتنوير، لتبدو الساحة صراعا بين قوى تحمل إيديولوجيات ذات سمة إرهابية، لا ديمقراطية.
ولهذا، ثانيا، ينتشر الفكر والسلوك الشموليين فى قطاعات واسعة من الرأى العام نفسه، خاصة الشرائح الاجتماعية الوسطى، التى هى الفئة الأكثر إقبالا على تعاطى النشاط العام بأشكاله. وهكذا تكتمل صورة وضع ليس مؤهلا حاليا لتغيير ديمقراطى سريع (وهى مسألة نسيها أنصار فكرة "العصيان المدنى"). فالعجز السياسى المزمن للسلطة تقابله حالة من الفراغ السياسى، أصبحت تشكل العماد الرئيسى للنظام، فيحافظ عليها بالوسائل البوليسية المتاحة له.
ومصداقا لهذا كله، اتجهت بعض الآمال – "الديمقراطية" فيما يقال – لتنحصر فى "انقلاب قصر ديمقراطى"! ولهذه الآمال شكلين، أولهما الاقتراب من السلطة، على أمل الضغط عليها من الداخل. والمثال الأكبر تلك المجموعة العاملة فى "لجنة السياسات" التى تقبل عمليا تثبيت السلطة الاستبدادية مقابل مكاسب للقطاع الخاص وخطوات إصلاحية محدودة. وقد سبقهم فى هذه الخطوة منذ زمن نزوح جموع من المستثمرين من الوفد إلى الوطنى.
وثانيهما تحليلات وهمية للأزمة، تنتهى إلى أن الحركة الوحيدة الممكنة هى إصلاح فوقى للنخبة، إصلاحا غير سياسى فى جوهره، من قبيل "إعادة العقل"، متمثلة فى الاستعانة بالكفاءات من "أهل الخبرة"، أو نخبة جديدة، لا نعلم من أين تأتى (يقولون: من صفوف "المصريين الشرفاء")، تتولى تحقيق الديمقراطية فى "الوقت المناسب" من خلف ظهر المجتمع. وهى مقولة الباحثين عن دور، وغيرهم من المنتمين فى النهاية إلى فكرة بيروقراطية وصائية عن الإصلاح. كما تنهمر اقتراحات بسياسات تعتبر من وجهة نظر أصحابها "رشيدة"، تسلم ضمنا بـ"رشادة" وضع مفاتيح الموقف بأكمله فى يد الحكم السلطوى ذاته، أو فى يد نسخة أفضل منه، تنبعث بطريقة ما من داخله.
وتعرض مشاكل المعارضة الديمقراطية الأكثر تصميما أكثر أشكال أزمة الديمقراطية وضوحا. فهى مثلا تواجه مشكلة إيجاد شخص مناسب بصفاته الشخصية يستطيع أن يواجه الرئيس الحالى فى انتخابات تنافسية. والمشكلة هى أن أى بديل له يجب أن يأتى من سياق مختلف تماما عن السياق الحالى للنظام، أى من خارج البيروقراطية الحاكمة. وبمعنى آخر يجب أن يأتى من خلال مجال سياسى ما زال فى طور التشكل، وبالتالى أضعف من أن يقدم مرشحا يزيد دوره على أن يكون مجرد تشريفاتى فى ركاب الرئيس. ولهذا أيضا كانت حركة "كفاية" هى الأعلى صوتا فى المعارضة، فهى حركة موقفية، ترفض الحكم القائم، بالتمديد أو التوريث، فتعبر بذلك عن رفض القديم بغير أن تقدم جديدا محددا، لأن ذلك لم يتبلور بعد فى قوى سياسية. بل يمكن القول أن الحركة الديمقراطية عموما ما زالت ترتكز على انهيارات النظام القائم والسخط عليه، أكثر مما تستند إلى مشروع ديمقراطى يمتلك أدواته السياسية.
هذا الوضع، الذى نسميه أزمة الديمقراطية، أفرز قراءتين: من ناحية البرجوازية المحافظة، أدت الأزمة إلى تفاقم الخوف من دخول قوى جديدة بشكل مفاجئ وعنيف إلى الساحة السياسية، ومالت بالتالى إلى فكرة الإصلاح من داخل "الوطنى" كما مر بنا، آملة أن تدفع الظروف النظام إلى جلب قلة "متنورة"، مصفاة ومقطرة، تقيم ديمقراطية خالية من الصراع السياسى، لا يلوثها كفاح انتزاعها، ولا أيدى الجماهير الجاهلة غير المدربة. ديمقراطية هى "الرحمة المهداة" بعينها. ومشكلة هذا الخيار أن نفخ روح السياسة فى جسد حزب السلطة يكاد يكون مستحيلا بسبب طبيعته ذاتها.
ماذا إذن إذا لم يكن ثمة مناص من فتح الباب للمجهول؟ ماذا إذا كانت الديمقراطية لن تنبثق من الاستبداد بغير حركة سياسية واسعة، أى بغير ذلك الدخول غير المهذب لقطاعات أعرض من الناس إلى المجال العام، ليخلقوا بصراعاتهم ذاتها، بكثرتهم واختلافاتهم، المجال السياسى الذى يستولد أحزابا حقيقية؟ ماذا إذا لم يكن ممكنا إجراء "عملية جراحية نظيفة"، تحت رعاية "أطباء شعوب" مهذبين ومعقولين؟ ماذا إذا تبين أن قطاعات واسعة لن تتعلم الديمقراطية إلا بتخطى، وربما بتكسير، معلبات الحكمة الجاهزة؟
إذا قبلنا هذه الفكرة فإن طريق الديمقراطية طويل، سيمر على الأرجح بمنعطفات تلعب فيها إصلاحات محدودة من داخل النظام دورا، والضغوط المحلية والدولية دورا. ولكنه يتوقف فى النهاية على دخول قطاعات واسعة من الناس المجال السياسى.. ببساطة لأن اتساع المجال السياسى هو الأساس الوحيد للديمقراطية، إذا كنا نعنى بها مجالا سياسيا، لا تنازلات للنخبة فى مفاوضات مغلقة.
الديمقراطية إذن تتطلب نضالا صبورا وطويلا فى كافة مجالات العمل العام واهتمامات الناس، بتنظيمهم هم أنفسهم فى تيارات تحتضن أشكالا تنظيمية مختلفة، حتى يصبح ضغطهم أكبر من أن يتحمله نظام الاستبداد. وهكذا يبدو أنه ليس ثمة مناص من تشجيع فتح الباب للمجهول.. لديمقراطية جذرية.
وربما كان شعار "الجمعية التأسيسية" هو المطلب العام القادر على احتضان عملية طويلة كهذه. و"الجمعية التأسيسية" هى مجلس منتخب يوكل إليه أن يضع بذاته الدستور. فهو يمثل بطبيعته الحد الأقصى للمطالب الديمقراطية، وللنزعة الإصلاحية الديمقراطية، حيث يدعو بحد ذاته المجتمع ككل إلى مشاركة سياسية حقيقية فى أعلى صورها. فبينما تعتبر مطالب مثل: حرية الفكر والتعبير، حق الإضراب والتظاهر والاعتصام، انتخاب رئيس الدولة، توسيع سلطة البرلمان، حق التنظيم الفئوى والسياسى، وغيرها، عناصر من الحقوق الديمقراطية؛ فإن مطلب الجمعية التأسيسية يعنى ببساطة حق السكان جميعا فى تقرير مصيرهم السياسى.
وهو بوضعه هذا ثوب فضفاض واسع، يسمح بقيام جبهة ديمقراطية واسعة، وصراع سياسى بين القوى المختلفة حول ما يجب أن يوضع فى هذا الدستور. وبالتالى تعتبر شعبيته مؤشرا على مدى تقدم الكفاح من أجل الديمقراطية، ومدى اتفاق القوى السياسية المختلفة على طرح ديمقراطى جذرى.
يونيو 2005
علِّق