البوصلة تعاتب من سقط فى الطائفية

لا نريد إجماعا وطنيا فى السياسة بناء على انتماءات طائفية. لا نريد اتفاق شيخ الأزهر مع البابا شنودة على اتخاذ مواقف معينة فى السياسة الخارجية المصرية. السياسة الخارجية لا يجب أن تصاغ فى دور العبادة. وإلا سيكون ذلك خرابا لدور العبادة وللسياسة معا.

الأغلبية الساحقة من المصريين تشارك شعبان عبد الرحيم فى كراهيته لإسرائيل. والأغلبية متعاطفة قلبا وقالبا مع الشعب الفلسطينى لأنه صاحب قضية عادلة. من حق كل منا أن يعبر بطريقته عن هذا التعاطف.. ولكن بشرط ألا يدوس فى طريقه على مجموعة من القيم والمبادئ الأساسية التى لا يصح للمصريين أن يتخلوا عنها. نقول ذلك بمناسبة قيام المحامى ممدوح نخلة رئيس مركز الكلمة لحقوق الإنسان برفع دعوى قضائية أمام مجلس الدولة لتسليم معبد عزرا اليهودى بالقاهرة إلى الكنيسة المصرية الأرثوذكسية تعويضا لها عن استيلاء إسرائيل على دير السلطان المصرى بالقدس وتسليمه للرهبان الأحباش. نخلة اعتمد فى دعواه القضائية على مبدأ المعاملة بالمثل. فإذا كانت الدولة الإسرائيلية قد تواطأت على نزع حق ملكية دير السلطان من الكنيسة المصرية فيجب على الدولة المصرية أن تنزع ملكية معبد عزرا من اليهود المصريين وأن تسلمه للكنيسة المصرية على سبيل التعويض.

القضية المرفوعة ليس لديها أية فرص فى النجاح لسبب بسيط: مبدأ المعاملة بالمثل لا ينطبق فى هذه الحالة. يحق للدولة المصرية أن تعامل الإسرائيليين بمثل ما تعامل به الدولة الإسرائيلية المصريين. وهذا لا ينطبق على حالة معبد عزرا المملوك لليهود المصريين. لا يحق للدولة المصرية أن تعاقب مواطنين مصريين يهود بسبب جرائم ارتكبتها إسرائيل. اليهود المصريون مواطنون يحملون بطاقة هوية مصرية. وعلى هذا فإن حماية أمنهم وأملاكهم تقع على عاتق الدولة المصرية. من الناحية القانونية هم ليست لهم أية علاقة بإسرائيل. أن نعاقبهم انتقاما من إسرائيل لا يعنى إلا أننا نزعنا عنهم الجنسية المصرية. فهل هذا ما تطالب به يا أستاذ ممدوح؟ أليس هذا ما تفعله بالضبط بعض التيارات الأصولية الإسلامية حينما تهاجم المصريين المسيحيين بحجة أن "الغرب" يهاجم المسلمين؟ فهم أيضا فى هذه الحالة ينزعون عن المسيحيين انتمائهم للجنسية المصرية ويلحقونهم بهذا "الغرب".

إذا كانت القضية المرفوعة خاسرة مئة بالمئة فلماذا يرفعها السيد ممدوح نخلة. حسنا هو يريد الشهرة. ولكن فى طريقه للشهرة ارتكب عدة خطايا يجب أن نلفت النظر إليها. السيد ممدوح من المفترض أنه ناشط فى مسألة الدفاع عن حقوق المسيحيين فى مصر. ولكن ممارساته العملية تكرس الطائفية فى مصر لأنها تقبل بالمنطق الذى فرضته التيارات الأصولية على المسيحيين. هذه التيارات لا تنظر للمسيحيين إلا باعتبارهم مسيحيين، ولا تريد لهم أن يتكلموا فى السياسية إلا باعتبارهم مسيحيين. هكذا كانت العديد من وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية تحتفى بمواقف البابا شنودة المناهضة لإسرائيل. وفى زفة "الإجماع الوطني" على مناهضة إسرائيل نسى البعض أو تناسى أن تشجيع المسيحيين على اتخاذ مواقف فى السياسة الخارجية المصرية تبعا لقيادتهم الدينية هو خطيئة لا تغتفر. مواقف المواطن مسيحى الديانة فى السياسة الخارجية كما فى السياسة الداخلية يجب أن تكون مبنية على رؤيته وتفهمه لمصالح المجتمع ككل، وكذلك الأمر بالنسبة للمواطن المسلم.

لا نريد إجماعا وطنيا فى السياسة بناء على انتماءات طائفية. لا نريد اتفاق شيخ الأزهر مع البابا شنودة على اتخاذ مواقف معينة فى السياسة الخارجية المصرية. السياسة الخارجية لا يجب أن تصاغ فى دور العبادة. وإلا سيكون ذلك خرابا لدور العبادة وللسياسة معا. هناك مشاعر شعبية معادية لإسرائيل, ولكن يخطئ من يظن من المسيحيين أن مصلحته تكون فى مشاركته فى مناهضة إسرائيل بناءً على انتماءاته الدينية. لأن فى ذلك تكريس للطائفية السياسية التى لن تفيد لا المسيحيين ولا المسلمين ولا اليهود. إن لم تصدقنا انظر إلى العراق. الخاسر الأول من الطائفية السياسية هو شعب مصر كله. لهذا نلومك ونعاتبك يا سيد ممدوح نخلة.

يونيو 2005

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.