نظرة على النضال الديمقراطي في عام: وأد عملية الإصلاح أم تكشف الطريق الحقيقي للتغيير؟

     عمرو عبد الرحمن

 

أفتتح الجدل العام في أوساط النخبة المصرية وعبر كافة وسائل تشكيل الرأي العام منذ نهاية العام 2005 بما حملته من انتصارات برلمانية لجماعة الإخوان المسلمين بإعلان القلق من الاستقطاب الحدي بين جماعة الإخوان المسلمين والدولة المصرية وضرورة بروز قوى سياسية أخرى ليبرالية أو يسارية لملء الفراغ الماثل بين القوتين. وعلى الرغم من مرور ما يقارب العامين، مازال ذات القلق مشرعاً بصورة أكثر توتراً كرجع صدى لزيادة حدة الاستقطاب الدولتى الإخوانى كما تجلى في انتخابات مجلس الشورى الأخيرة. وعلى مدار تلك الفترة كان الفشل الذريع مصير المحاولات الدءوبة لتعبئة شرائح الطبقة الوسطي المصرية الغير منتمية لأي من طرفي الصراع. لم تختلف النتيجة سواء صدرت هذه المحاولات عن اليمين الليبرالي- مثل محاولة أسامة الغزالي حرب أو فلول حزب الغد- أو عن اليسار على اختلاف تلاوينه أو حتى عن الجماعات المطالبة بالتغيير والديمقراطية على تنوعها. وبالتوازي مع هذا الفشل لم يظهر دليل ملموس على استعداد الكتلة الحاكمة للتسامح مع أي تعبئة تستهدف تغيير قواعد اللعبة السياسية فى مصر لصالح جماعات مسيسة مثل القوى السابق الإشارة إليها أو لصالح بعض جماعات المصالح والتشكيلات النقابية مثل تحرك القضاة في منتصف العام الماضي.

استناداً إلى هذه المعطيات يحلو للجماعات السياسية والحقوقية المطالبة بالتغيير أن تطلق توصيفات على الفترة التي أعقبت الانتخابات البرلمانية من عينة "موسم وأد الإصلاح" أو "هزيمة حركات التغيير". على أننا نرى أن الوضع السابق الإشارة إليه لا يؤشر إلى انسداد أفق التغيير بقدر ما يكشف عن حقيقتين على قدر عالٍ من الأهمية عند إعادة النظر في استراتيجيات النضال الديمقراطي في مصر. الحقيقة الأولى هي أن أفق الإصلاحات السياسية التي تقدم عليها الكتلة الحاكمة – كما تؤشر له التعديلات الدستورية الأخيرة- مازال بالغ المحدودية ويقتصر على شرعنة الدور المتزايد لبرجوازية الأعمال والنخب التكنوقراطية المرتبطة بحركة السوق الرأسمالي العالمي في عملية صنع السياسة العامة والإقرار بنفوذها المتصاعد. ولكن هذه الإصلاحات لا تمس جوهر الحكم الاستبدادي القائم على تهميش الطبقات الخاضعة من دائرة الفعل السياسي بالمطلق. على العكس، فهذه التعديلات تنزع إلى تقليص هامش الحريات العامة التي انتزعتها بعض القوى السياسية خلال العامين الماضيين. ويعتبر إلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات وتغيير النظام الانتخابي نفسه على النحو الذي يحفظ احتكار الحزب الحاكم للسلطة خير دليل على هذا النزوع. الحقيقة الثانية مفادها أن تصورات الجماعات المطالبة بالتغيير عن هذا الإصلاح المزمع واستراتيجيات نضالها ذاتها لا زالت بالغة الخفة والهشاشة. فقد أصبح واضحاً بما لا يدع مجالاً للشك أن الرهان على سلسلة من التحركات الجماهيرية تقودها الطبقة الوسطي المتعلمة من نشطاء سياسيين ومهنيين تتبنى أجندة شاملة للإصلاح الدستوري والسياسي تفرض تغييرات جذرية على آليات عمل النظام القائم وتجهض سيناريو توريث السلطة قد وصلت لطريق مسدود وفشلت في تحقيق النذر اليسير من أهدافها. ولن نتناول هنا أطروحات بعض أصحاب الخيال الجامح التي راهنت على انتفاضة جماهيرية قوامها يتشكل من هؤلاء المتعلمين أنفسهم تنجح في تنحية مبارك عن السلطة وتتبنى أجندة نهضة شاملة تحت قيادة حكومة إجماع وطني! ويعود إخفاق هذا الرهان في نظرنا إلى أن الطبقة الوسطى المتعلمة حديثة التشكل -والتي تدين بوجودها إلى إجراءات التحول الليبرالي الجديد منذ بداية التسعينيات- قد تتضرر من الفساد المستشري في جهاز الدولة وما يصاحبه من غياب أي معايير رشيدة للترقي والإنجاز، إلا أنها بحكم موقعها ذاته قد استبطنت أوهام السوق الليبرالية في حيزها الخاص وأصبحت أسيرة أيديولوجية "الرشادة" و"الكفاءة" التي تراهن على الانضباط الشخصي وبناء القدرات الذاتية كسبيل وحيد للحفاظ على ذات الموقع الاستراتيجي ونمط الحياة المتميز الذي تتمتع به. وهو ما يفسر قصور نفسها السياسي وعجزها عن تطوير ثقافة وممارسة ديمقراطية أصيلة في حياتها اليومية.

وبين الحقيقتين الباعثتين "شكلياً" على الإحباط يمكن لمن يدقق النظر أن يرصد فعاليات أخرى تناقض فرضية "محلك سر" تلك. فقد أقفل العام الماضي على موجة من الاضرابات العمالية في منشآت القطاع العام وامتدادها لبعض الشركات التى تمت خصخصتها حديثاً أو المرافق العامة، مثل السكك الحديدية، هذا بخلاف مئات التحركات المقاومة الصغيرة في المراكز الحضرية والتي يتم تعبئتها على أجندة اجتماعية بالأساس مثل ارتفاع أسعار الوقود أو تدهور مستوى الخدمات. تبدو أجندة هذه النضالات للمراقب الخارجي متعلقة بترتيب المعاش اليومي وأبعد ما تكون عن مطالب الإصلاح الدستوري والتشريعي التي ترفعها القوى المطالبة بالتغيير. على أن التأمل الدقيق لميكانيزمات هذه التحركات يكشف عن جوهرها الديمقراطي حيث احتلت معضلة التنظيم الذاتي المستقل عن تنظيمات الدولة الادماجية المختلفة مكاناً محوريا في صيرورتها سواء من حيث تضمينه داخل أجندة مطالبها أو الشروع في تدشينه فعلاً. هذا الجوهر الديمقراطي العميق المتضافر مع المطالب المعيشية -ممكنة التحقق- كان كفيلاً بفرض تنازلات سريعة ومؤثرة على هياكل الحكم المحلى أو بعض إدارات المرافق العامة مما يدفع إلى التفاؤل بإمكانية مقرطة ميكانيزمات الحكم المحلية وآليات اتخاذ القرار، بل و خلخلة أبنية التسلط من أسفل كما تنبني في الحياة اليومية وتدشين ثقافة ديمقراطية عميقة، في حال تراكم هذه النضالات واكتسابها استقلالية حقيقية وعدم انجرافها لتبنى بديل شعبوى على الطراز الإسلامي. بعبارة أخرى قد تكون هذه النضالات كفيلة بإخراج قضية الديمقراطية من حيزها النخبوى الضيق لتصبح مطلب جماهيري مدعوم بالمصلحة فيها والوعي بها معاً. هذا هو التغيير الديمقراطي الجذري كما نفهمه: عملية تحرير اجتماعى شامل في مواجهة علاقات التسلط وتحويل الحياة اليومية لإطار لممارسة هذه الحرية بعد أن ظلت هذه الحياة اليومية سياقاً للإخضاع.

فلماذا فشلت تحركات الطبقة الوسطى؟ وما سر إحجام الكتلة الحاكمة عن البدء في إصلاحات جذرية على الطراز الذي يحلم به نشطاء التغيير؟ وما الذي يجعلنا نتفاءل بنضالات الطبقات الاجتماعية المقهورة القادمة من أسفل على الرغم من تبعثرها وعدم انتظامها؟ وما هو جدول أعمال اليسار للاشتباك مع هذه التحركات القاعدية على الوجه الذي يدفع بها باتجاه خيار الديمقراطية الجذرية؟

التعديلات الدستورية:

شرعنة الوضع القائم أم إعادة توزيع للسلطات؟

كما سبق أن أشرنا في المقدمة، تكشف التعديلات الدستورية المطروحة عن أفق الإصلاحات السياسية التي تقدم عليها الكتلة الحاكمة. فبالإضافة إلى اقتصار أثرها في مجملها على إضفاء الشرعية على دور برجوازية الأعمال الصاعدة في صنع السياسة العامة مع الإبقاء على نمط الحكم الاستبدادي، يعمل هذا النمط على كفالة احتكار الجدل السياسي بالكامل في أجنحة المتعلمين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية، وتصوير النشاط السياسي كمجال غامض حكر على أصحاب الكفاءة والمهارة القادرين على فك طلاسمه، ومن ثم يبنى أسوارا عالية في مجال صنع السياسات العامة يحول دون نفاذ أي تأثير قادم إليها من أسفل.

يتمحور القسم الأكبر من هذه التعديلات حول توسيع اختصاصات رئيس الوزراء في رسم السياسات العامة واختيار وتسيمة الوزراء، إلى جانب توسيع دور البرلمان في المحاسبة والرقابة على أعمال الحكومة، وخصوصا في مجال إقرار الموازنة العامة. أما ما يتعلق بإجراءات سحب الثقة من الحكومة أو سلطات الرئيس في حل مجلس الشعب والدعوة لانتخابات مبكرة، فبقيت التعديلات المطروحة شديدة الهامشية. على سبيل المثال، تنص أحد تلك الاقتراحات على ضرورة التشاور مع رئيس المحكمة الدستورية العليا قبل الإقدام على قرار حل مجلس الشعب بعد أن كان التشاور يقتصر على رئيسي مجلسي الشعب والشورى. أضف إلى ذلك أن حقيقة الإبقاء على موقع رئيس الوزراء بالتعيين يجعل الدور المتزايد لرئيس الوزراء في صنع السياسة العامة في يد شخص غير منتخب ولكنه مختار حسب التوجهات الرئاسية. يقترن بذلك عرض حزمة من الإصلاحات القضائية التي تضمن تشكيل محاكم اقتصادية متخصصة إلى جانب تسهيل إجراءات التقاضي فيما يتعلق بالمنازعات الاقتصادية هذا بخلاف التخلص من حمولة النصوص الاشتراكية التي لا تزال تزين ديباجة الدستور المصري. كل ذلك يعد بمثابة إضفاء شرعية دستورية على أوضاع تشكلت في العقدين الأخيرين أفضت إلى تدعيم موقع رئيس الوزراء في التشكيل الحاكم بحكم إشرافه على تنفيذ برامج إعادة الهيكلة والتحرير المالي وانتماؤه إلى البيروقراطية الحكومية البعيدة عن أي انحياز سياسي على النحو الذي لا يجعله طرفاً في مساومات حزبية قد تضعف من موقعه. كما تدعمت بمقتضى ذات التحولات مواقع برجوازية الأعمال وشرائح التكنوقراط المرتبطة بحركة السوق الرأسمالي العالمي وتشكيلها للوبي ضاغط أصبحت له كلمة مسموعة عند صياغة السياسة العامة على حساب النفوذ التقليدي للبيروقراطية المدنية والأمنية.

ولكن في المقابل تتجه نفس التعديلات إلى التضييق على الحريات العامة والحقوق المدنية للمواطنين بل وتعصف بالعديد من الضمانات التي كانت موجودة في الدستور الحالي مثل اشتراط الرقابة القضائية على الاعتقالات الإدارية بمقتضى قانون الطوارئ أو حظر رقابة التليفونات والبريد أو تفتيش المساكن بدون إذن قضائي. ولا تقترب التعديلات المقترحة بكلمة واحدة من القيود الواردة على حق تشكيل النقابات والجمعيات والأحزاب السياسية على الرغم من تصدى مجموعة ما يطلق عليه "الفكر الجديد" لصياغة هذه التعديلات وهى المجموعة التي تطنطن بشعارات الديمقراطية الليبرالية. فهل يمكن وهكذا الحال تخيل رئيس وزراء منتخب من حزب معارض يشارك رئيس الجمهورية في عملية صنع القرار؟! ولكن لا يتطلب الأمر كثيراً من الخيال لافتراض اختيار رئيس وزراء قوى- غالبا ما سيكون عضو مجلس إدارة أحد الشركات متعددة الجنسية- يتصرف بحرية في صياغة التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. أي أن التعديلات الدستورية المقترحة تأتى في سياق إعادة توزيع القوى والأوزان النسبية داخل الكتلة الحاكمة أكثر من كونها تستهدف إعادة توزيع للقوى بين سلطات الدولة الثلاث. وهذه العملية على الرغم من أنها تؤشر باتجاه تراجع الطابع الأمني البيروقراطي لعملية صنع القرار، والذي حول كافة مؤسسات الدولة لمجرد واجهة تمارس من خلالها أجهزة الأمن السياسي تسلطها، إلا أن ذات العملية تقلص نفوذ البيروقراطية الأمنية مقابل تحصين عملية صنع السياسة العامة ككل ضد أي تأثير اجتماعى قادم من أسفل. الأنكى من ذلك أنها توسع من صلاحيات ممثلين "مفترضين للشعب" غير منتخبين بالأساس وبنوا نفوذهم السياسي عبر علاقات معقدة مع ذات البيروقراطية الأمنية والمدنية المهيمنة مستفيدين من إغلاق كافة قنوات الحراك السياسي وسطوة الأجهزة الأمنية.

إفلاس حركات التغيير

وخسارة الرهان على الطبقة الوسطى الجديدة

إذا كان أفق ونطاق ما أقدمت عليه الكتلة الحاكمة من إصلاحات سياسية قد اتضح فإن النخب المصرية- وجلها قومي/إسلامي أو ليبرالي- لم تستطع هي الأخرى أن تتجاوز هذا الأفق المطروح: سلطات رئيس الجمهورية، مدة ولايته، آلية الخلافة السياسية، ضمانات إجراء انتخابات حرة ونزيهة. لا شك أن هذه الإجراءات بالغة الأهمية من حيث أثرها على إمكانيات تداول السلطة في المستقبل واستعادة ثقة المواطنين في العملية الانتخابية إلا أنها بحد ذاتها لا تشكل تحديا لجوهر الاستبداد القائم على مصادرة كافة أشكال التعبير الحر المنظم لهؤلاء المواطنين أنفسهم. طبعا تحتل قضية التنظيم المستقل مكاناً على أجندة حركات التغيير والقوى السياسية الليبرالية والقومية إلا أن وزنها النسبي مقارنة بقضايا التوريث ومدد رئاسة الجمهورية أو ضمانات الانتخابات لا يزال شديد الهامشية. يتطلب تفسير تهميش أطروحات الاستقلال الذاتي للمبادرات الجماهيرية المستقلة وتركيز جدل الإصلاح حول قضيتي التجديد لرئيس الجمهورية وتوريث السلطة لولده تشريحاً للحظة التغيير the momentum of change في مصر، أي طبيعة الظرف الإجتماعى/الثقافي الذي سمح بإمكان ظهور موضوعي الإصلاح والتغيير على أجندة كافة القوى السياسية وهيمنة هاتين المعضلتين على الجدل العام.

تشكل هذا الظرف نتيجة تقاطع رافدين في ذات اللحظة. الرافد الأول هو محاولة الانتلجنسيا الوطنية المصرية ممثلة في تياراتها الفكرية والسياسية المتعددة استعادة مكانتها الاستراتيجية المفقودة منذ التحول لاقتصاد السوق والانفتاح على المحور الأميركى/ الخليجي والتي تهدد ما تبقى منها إجراءات التحول لاقتصاد السوق. الرافد الثاني يتمثل في صعود نزعة نقدية في أوساط الشرائح العليا من الطبقة الوسطى التي استفادت من إجراءات التحول الإقتصادى ذاتها تعبر عن تذمرها من فساد جهاز الدولة وغياب أي معايير موضوعية للترقي الإجتماعى. وآخر هذه العوامل يتمثل في الضغط الدولي الهادف لدفع أنظمة هذه المنطقة لتبنى قدرا من الإصلاحات السياسية وكفالة بعض الحريات العامة. هذا التقاطع يشكل في نظرنا تغيراً محورياً ألقى بظلاله على الجدل العام بشأن مسألة التغيير فى مصر وأغلب الظن أنه سيستمر لمدة من الزمن في توجيه دفة هذا الجدل.

(أ) إنتلجنسيا وطنية تسعى لاستعادة دورها:

أفاض شريف يونس في العدد الثاني من البوصلة في تحليل دوافع الانتلجنسيا المصرية باتجاهاتها القومية والإسلامية لخوض معركة التغيير الديمقراطي على الرغم من الهامشية التي احتلتها قضية الديمقراطية تاريخياً في برامج هذه القوى. بالنسبة ليونس، شكل احتلال العراق اللحظة الفاصلة التي دفعت بالأجنحة المختلفة للإنتلجنسيا المصرية إلى المطالبة بتنحية مبارك عن السلطة والبدء في إجراءات الإصلاح الدستوري والسياسي الشاملة بوصفها السبيل الوحيد للحفاظ على النظام الإقليمي العربي ودوله الوطنية قائما، وهى الدول التي هدد الاجتياح الأمريكي بتقويض دعائمها. يعود استنفار الإنتلجنسيا الوطنية بالذات دونما باقي الطبقات والشرائح الإجتماعية إلى إحساسها المتأصل بملكيتها للدولة الحديثة في مصر ونظمها التعليمية المدنية التي سمحت للمتعلمين من الأفندية بالهيمنة على الجهاز الأيديولوجي والسياسي بالكامل لمدة عقود. وهذه الهيمنة شكلت الأساس التحتى لظهور مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية الحديثة من قومية مصرية وقومية عربية -ذات طبعات يسارية في بعض الأحيان- وإسلامية سياسية. وتشترك جميع هذه التيارات في استبطان نموذج دولة قوية متدخلة تصوغ الحياة الخاصة لمحكوميها وفقاً لنموذج هوياتى جمعي متخيل يصبح الانصياع له دليلاً على الانتماء والمواطنة. ومن ثم يشكل انهيار هذه الدولة أو تهديها خارجيا - كما كان الحال بعد غزو العراق- تهديداً مباشراً لمكانة هذه الانتلجنسيا ووجودها ذاته. وبالتالي فمهمتها الملحة هي إزاحة "جناح فاسد" من القلة الأمنية البيروقراطية الحاكمة وتعزيز "الشرفاء" داخلها على النحو الذي يستعيد دولة الهوية التدخلية ويحفظها من الانهيار. أما أهداف التحرر الذاتي للطبقات الخاضعة وقدرتها على إبداع بديلها الديمقراطي المستقل على حساب هذه الدولة نفسها فلم يكن على جدول أعمال هذه الانتلجنسيا. يعبر هذا الدافع السلطوي عن نفسه بصورة غامضة تحت شعارات الإنقاذ الوطني المتلازمة مع المطالبات بالديمقراطية التي تم اختزالها في التحليل الأخير إلى إزاحة مغتصبي السلطة عن مواقعهم التي هي ملك لهذه الانتلجنسيا القادرة على تمثيل الأمة تمثيلاً مجرداً. ومن ثم كان من المنطقي شن معركة شخصية على مبارك وولده وغيرهم من ممثلي الكتلة الحاكمة. ربما يفسر ذلك جزئياً الاحتفاء الغير مسبوق بتحركات القضاة الاحتجاجية في منتصف العام التي اعتبرها بعض الكتاب بمثابة حصان طروادة القادر على إجراء انقلاب من داخل مؤسسات الدولة ذاتها. ووصل الأمر إلى حد الترحيب المباشر بتدخل الجيش لوضع حد لحكم مبارك وتشكيل حكومة إنقاذ وطني من القضاة أنفسهم أو من ناحية أخرى دعوة الإخوان المسلمين إلى تعبئة قواعدهم بهدف إسقاط مبارك وإجراء انتخابات مبكرة.

(ب) طبقة وسطى جديدة تعارض النظام ولا تسعى لتغييره:

على أن تشكيل لحظة أو حساسية التغيير لم يكن حكراً على جهود الإنتلجنسيا الوطنية الساعية لاستعادة مكانتها المفقودة. اقتصر دور هذه الانتلجنسيا في الحقيقة على إنتاج أدبيات حركات التغيير الصاعدة أما سوق تداول هذه الأطروحات، إن جاز التعبير، فتشكل قطاعه الأكبر من الشرائح العليا من الطبقة الوسطى المصرية والتى استفادت من إجراءات التحول الاقتصادي منذ منتصف التسعينيات والتي تستعد قطاعات واسعة منها للتحول لبرجوازية ناجزة. هذه القطاعات هي التي التقطت أطروحات التغيير لتحولها إلى حديث عام يدور على صفحات الجرائد الإلكترونية ومواقع الإنترنت ورسائل الموبايل بل وحتى من خلال النكات والتعليقات السياسية التي لا تنتهي في "كافيهات" تلك الشرائح. أكثر من ذلك شكلت حوارات هذه الشرائح ما يمكن تسميته بالمزاج العام بخصوص قضية التغيير والذي تحول إلى مزاج مهيمن من خلال نفاذها إلى الفضائيات وشبكة الإنترنت وقدرتها كمستهلك على توجيه إيقاع التغطية الصحفية والإعلامية بها. في هذا السياق تشكل تجربة جريدة الدستور وبرنامج العاشرة مساءاً وجريدة المصريون الإلكترونية نماذج حية على قدرة هذه الشرائح على توجيه الذوق العام بشأن قضية التغيير. والاتجاه كان في هذه الأمثلة وغيرها إلى التركيز على موقع رئاسة الجمهورية وإمكانية توريث السلطة لجمال مبارك دونما غيرها من إشكاليات التغيير الديمقراطي في مصر وإن كان وفقاً لأسباب تختلف عن أسباب الانتلجنسيا الوطنية الناصرية واليسارية.

أفاد التحول نحو اقتصاد السوق قطاعات من المتعلمين تعليماً جيداً والمنحدرين من أسر راكمت ثروتها إبان حقبة الهجرة النفطية أو معتمدة على فترة الرواج التي أتت بها. ومن ثم كان استثمارها الرئيسي في بناء كفاءة أبنائها عن طريق الالتحاق بنظام للتعليم الأجنبي أو نصف الأجنبي. وعليه يمكن القول بأن الصعود الاجتماعي لهذه الشرائح كان منبت الصلة بآليات الصعود التقليدية اعتمادا على الاسم العائلي أو الأصل الأريستقراطى أو شبكات الزبونية التي شكلتها البيروقراطية الحكومية حول نفسها في الأحياء الفقيرة أو المناطق الريفية. وهو ما سيخلق فيما بعد نزوعاً لتقديس الكفاءة والمهارة الشخصيتين اللتين يتم إكتسابهما بالتعليم المؤسسي وما يتصل بهما من تقديس للاستمرارية والاستقرار اللذان يسمحان بتتالي عملية التعلم تلك. كما سيشكل حساً متعالياً واضحاً في مواجهة بيروقراطية الدولة التقليدية التي كسبت مواقعها بحكم صلات زبونية ولَى زمانها. ومن جهة أخرى، فانفتاح هذه الشرائح على الغرب يتشكل في موقع العمل الإداري دونما احتكاك مباشر بالغرب كبشر أو أنماط حياة. فالغرب يظل حاضر بوصفه رمزا للجدية والانضباط وليس رمزاً للتحرر أو التنوير أو حتى للانحلال الخلقي. الأمر الذي سيؤدى بدوره إلى استبطان قيم الرشادة والكفاءة والانضباط وثيقة الصلة بعمل السوق الرأسمالي وتحولها لما يشبه النسق القيمى الحاكم لممارسات هذه الشرائح على المستوى الشخصي. ومن جماع تلاقى المصدرين معاً انبثقت أنماط للحياة الشخصية مجسدة لهذه الروح العملية الطامحة إلى تأسيس حياتها والتخطيط لمستقبلها بناءاً على معايير موضوعية واضحة لا تحتمل المغامرة. وهو ما سيشكل الجذر التاريخي لصعود فكرة "الكاريير"-أي استهداف وإجادة تقليد مهني بعينه منذ التخرج يستمر فيه الموظف حتى نهاية حياته ولكنه يحتمل، بل يتطلب التنقل بين مؤسسات عمل مختلفة بحثا عن الفرص الأفضل. وهى الفكرة التي كانت غائبة بشكل كامل عن أسلاف تلك الشرائح. هذا النموذج الشخصي للنجاح المهني والشخصي انتقل سريعاً إلى المؤسسات التعليمية بوصفه الجائزة الكبرى التي تنتظر الطالب المجتهد إذا ما استوفى شروط بناء قدراته الذاتية.

احتكاك الطبقة الوسطى الجديدة بأجهزة الدولة من مواقع عملها كان بداية تحول نسقها القيمى من معيار منظم للحياة الشخصية إلى معيار للنقد الإجتماعى. شكل اكتشاف الفساد المستشري في جهاز الدولة وتحلل هياكلها الإدارية إلى حد يقارب الانهيار ما يشبه الصدمة المعممة في صفوف هذه الطبقة. الأمر الذي فجر موجة من الحوار العام حول موضوع الفساد والتحلل ذاك تعود بأصولها إلى منتصف التسعينيات تقريبا. محور هذه الحوارات هو القلق المعمم من "المستقبل"، أي خطورة تحلل جهاز الدولة على الصيرورة المستقيمة التي رسمتها الطبقة الوسطى الجديدة لحياتها المهنية والشخصية. لخصت عبارة واحدة هذا القلق المتصاعد: "ماحدش عارف البلد دى رايحة فين!". إلا أن الأمر سيستغرق نحو عقد كامل حتى تتحول تلك الحوارات إلى تقليد نقدي متميز ينتشر على نطاق واسع في الصحافة المستقلة الجديدة أو من خلال منتديات الإنترنت أو المعالجات الفضائية لقضية "التغيير" أو حتى على مستوى الحوارات اليومية. يسعى هذا التقليد لمحاكمة أداء الدولة في مصر وفقاً لمبدأ " الرشادة" المستعار من أدبيات الإدارة الاقتصادية. يركز هذا التقليد هجومه على جهاز الدولة من زاوية عدم كفاءته وإهماله للخبرات والمواهب الشابة هذا بخلاف فساده المستشري. ويتم تعريف هذا الفساد بشكل مجرد بوصفه يعبر عن أزمة ضمير معممة ناتجة عن تفشى المحسوبية وغياب الانضباط والكفاءة والإحساس "بأهمية الزمن" وهى الخصال المميزة لحياة الطبقة الوسطى الجديدة. بعبارة أخرى تعبر الطبقة الوسطى الجديدة بحديثها عن الفساد عن قلقها لغياب أى معايير رشيدة للإنجاز أو الترقي الإجتماعى وكذلك عن ضيقها الواضح من انغلاق الحلف الاجتماعي الحاكم على نفسه وتجديد دمائه من خلال شبكات أوليجاركية الطابع تتحكم في عمل المؤسسات المفصلية في الدولة دونما معيار واضح من كفاءة أو خبرة. وبالتالي بدأ الحديث عن حاجة مؤسسات الدولة إلى "تغيير".

على أن هذا النقد قد انصب بشكل كامل على ما تعرفت عليه الطبقة الوسطى عن قرب من فساد مؤسسات الدولة العاملة في مجال حركة رؤوس الأموال والإدارة الاقتصادية والنظام البنكي وغيرها. في حين أن هذه الطبقة لم تتعرف على -أو بالأحرى لم تتورط في- الجوانب الأخرى لعملية الحكم المتعلقة بإخضاع الطبقات العاملة وتهميشها من دائرة الفعل السياسي وهو الإخضاع الذي أمن تاريخياً صعود هذه الطبقة وتراكم مدخرات أسلافها البدائي (مثل اتحادات العمال والتعاونيات الزراعية وبعض الهيئات التي تتعامل مع الجمعيات الأهلية مثل وزارة الشؤون الاجتماعية والإتحاد العام للجمعيات الأهلية وقبل ذلك كله أقسام الشرطة). وبالتالي أضحى جوهر التغيير بالنسبة لهذه الطبقات الصاعدة متمثلاً في ضبط أداء الدولة و"المجتمع ككل" في مواجهة أنانية وفساد الكتلة الحاكمة دونما الاهتمام بتحرر الطبقات الخاضعة أو رفع الفيتو الدولتى الأمني على دخول ممثليها للمجال السياسي.

وبالتالي كان من المنطقي أن يحتل سيناريو "التوريث" مكانة محورية في حواراتها بوصفه التعبير الرمزي عن الطابع الإوليجاركى للسلطة وتفشى الفساد والمحسوبية وأنانية الكتلة الحاكمة التي "تدير شؤون مصر "كالعزبة" دونما سعى للاستزادة من "علم وكفاءة" الطبقة الوسطى الصاعدة. ومن ناحية أخرى يصل نزوعها إلى شخصنة قضية التغيير في شخص مبارك وولده ذراً غير مسبوقة مقارنة بالانتلجنسيا الوطنية التقليدية. المثال الأبرز على ذلك هو تعقب خطوات جمال مبارك وخطيبته في السهرات الرمضانية على مواقع الإنترنت أو جريدتي الدستور والمصريون. هذا بخلاف احتلال الاستفتاءات المتتالية حول "الكفاءة" المصرية التي يمكن أن تحل محل مبارك موقعاً متميزاً في جميع المواقع الإلكترونية والصحف المتحدثة بالتغيير. وعادة ما يتم تصميم هذه الاستفتاءات في أعقاب حديث صحفي للرئيس أو أي مسئول حكومي يذكر المصريين بخلو الساحة من أي بديل محتمل لمبارك. في هذا السياق عادت شخصية عمرو موسى لتحتل موقعاً لا بأس به من الجدل حول خليفة محتمل لمبارك. كذلك ظهرت أسماء "محمد البر ادعى" و"أحمد زويل" بوصفهما النموذج الناجح للتكنوقراطى أو الأكاديمي المصري عندما يعمل في مؤسسة دولية "تقدر كفاءته وعلمه وتحترمهما". بل إن بعض الصحف قد مدت التقليد المسلى على استقامته لتشكل حكومات كاملة مفترضة من الكفاءات تقوم بمهمة إدارة انتخابات نزيهة تسلم السلطة لمن يستحقها حتى يبدأ في برنامج نهوض وطني شامل محوره محاربة الفساد الحكومي.

على أن شخصنة الحديث حول الديمقراطية في مصر صاحبه نفور متنامٍ من "سلوك" ضباط الشرطة واتساع نطاق تدخل أجهزة الأمن السياسي في أنشطة أجهزة الدولة المختلفة بما يشوش على مبدأ الرشادة ويضطر أصحاب الكفاءة للخضوع لأصحاب الرتب الحاصلين على مواقعهم بحكم الشبكات الأوليجاركية. الرمز الأهم المستخدم في هجاء ضباط الشرطة هو تذكيرهم بحقيقة كونهم حاصلين على مجموع في الثانوية العامة - التي يعتبر التفوق فيها أيقونة الشرائح الوسطى الجديدة- لا يتجاوز الخمسين بالمائة وأنهم يدينون بموقعهم في كلية الشرطة إلى الواسطة والمحسوبية أو الرشوة. وفى هذا السياق تستدعى حوارات الطبقة الوسطى الجديدة فيديوهات التعذيب التي يكشفها النشطاء الحقوقيون لتجريس ضباط الشرطة وفضح انحطاطهم الأخلاقي، متجاهلة أن غالبية هؤلاء الضباط ينتمون لذات الخلفية الاجتماعية وأن ممارساتهم الوحشية تعود جزئياً إلى ما تشربوا به من اقتناعات حول الطبقات الأدنى والأسلوب الأمثل "للتعامل معهم" في بيوتهم وأسرهم، أو عبر شبكات الأقران التي قد تضم العديد من هؤلاء الذين يتندرون على "سفالة" الضباط.

ألقى التقليد النقدي المتمحور حول إيديولوجية الرشادة بظلاله على ما التقطته هذه الشرائح من تحركات احتجاجية لتهيمن على الجدل العام الذي يدور أصلا بين أجنحة هذه الطبقة نفسها. فحظي تحرك القضاة بالقدر الأكبر من التغطية الإلكترونية، بوصفه المثال النموذجي على إهدار الكفاءة وانعدام المعايير الرشيدة في إدارة المجتمع. كما أن بر وفيل الاحتجاج القضائي، المعتمد بالأساس على التلويح بحصانة القاضي ونزاهته وخروجه إلى الشارع مرتدياً وشاحه ومتجرداً من المصلحة، هو الأقرب لتصور هذه الشرائح عن الفعل السياسي بوصفه نهوضاً مثالي الطابع منزها عن المصالح والاعتبارات الدنيوية. بل إن هشام البسطاويسى نفسه لم يلبث أن دخل بورصة التوقعات ككفاءة مرشحة لخلافة مبارك.

في المقابل تتجاهل هذه الشرائح غالبية التحركات الجماهيرية التي تمس أساس الحكم القائم مثل الإضرابات العمالية والاحتجاجات اليومية في المناطق العشوائية وغيرها. ولا تحظى المقالات والتعليقات الحماسية التي يدبجها نشطاء حركات التغيير القادمين من خلفيات يسارية وقومية بأي اهتمام يذكر. لا تظهر هذه الاحتجاجات الجماهيرية في الحوار العام إلا في حالة اتساعها وخروجها من نطاق السيطرة الأمنية- كاعتصام عمال المحلة الكبرى الأخير. وبالتالي يتم إبرازها بوصفها دليلاً آخر على "إفلاس وضعف النظام" وعلى رأسه مبارك وولده أكثر من كونها درساً في الفعل السياسي ينبغي التعلم منه. يمكن الرجوع في هذا الصدد لعناوين جريدة الدستور التي لم تلتقط من وقائع الإضراب العمالي الأضخم في العقدين الماضيين إلا هتافات بعض العمال ضد جمال مبارك. الأهم من ذلك أن الموقف من مطالب غالبية هذه الاحتجاجات لا يتم الإعلان عنه بوضوح. مراجعة تعليقات زوار المواقع ذائعة الصيت -مثل المصريون أو عشرينيات- على أخبار الإضراب تظهر شماتة زاعقة في النظام وفى جمال مبارك شخصياً، وإن كان موقف المعلقين أنفسهم من مطالب الإضرابات ومدى عدالتها لا تكاد تحظى باهتمام. بعبارة أخرى، كانت مكانة الإضراب الكبير في مخيلتهم لا تتعدى الهامش الذي يظهر أسفل النص بغرض توضيح الفكرة الأصلية التي يجرى ترويجها، أي هجائية الدولة الفاشلة إدارياً والمخترقة بالفساد.

(ج) في التلاقي الغامض بين الانتلجنسيا الوطنية والطبقة الوسطى الجديدة:

على هذه الأرضية تتلاقى أدبيات كتاب وخطباء حركة كفاية وغيرها من نشطاء التغيير مع تأفف وتململ الشرائح الوسطى الجديدة الصاعدة إلى مصاف البرجوازية تلاقياً غامضاً وهشاً. على سبيل المثال، فبينما تصرخ القوى القومية واصفة مبارك بأنه خطر على أمن مصر تلتقط الطبقة الوسطى الجديدة هذه الصرخات بعد أن تؤوِّل "خطر مبارك" ليصبح نقدا للاحتكار الأمني للسلطة ولعجز مبارك ورجاله عن إنجاز التحول الليبرالي الجديد للمجتمع بشكل حاسم. إننا بصدد تلاقٍ مؤسس على سوء فهم لا على تقارب إيديولوجي.

دعم من فرص هذا التلاقي الغامض دفع الولايات المتحدة لأنظمة المنطقة في اتجاه تبنى قدر من الإصلاحات السياسية، لأنه خلق أوهاماً تثير الشفقة لدى العديد من الكتاب الذين لا يرون في مبارك إلا دمية أمريكية الصنع رفع عنها سيدها في البيت الأبيض الدعم بين ليلة وضحاها، ومن ثم أصبح الطريق مفتوحا لمظاهرات مليونية كفيلة بإسقاط هذا النظام (لم ينج كاتب سياسي وأكاديمي محترم مثل سعد الدين إبراهيم من وطأة هذه الأوهام في مقالاته المنشورة في المصري اليوم طوال عام 2005). ولكن مع التورط الأمريكي في العراق وتحول "نموذج الديمقراطية" الذي كانت الولايات المتحدة تحاول تعميمه في المنطقة إلى كابوس طائفي، ناهيك عما تمخضت عنه الحرب اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة من تعاظم للنفوذ الإيراني، أصبحت حاجة واشنطن إلى حلفائها العرب أكثر من أي وقت مضى، ومن ثم تراجعت المطالبات بالإصلاحات السياسية تاركة النخبة المصرية وحيدة مع أحلامها المليونية، التى لم يتبق منها إلا الرهان على تحول قطاعات من الطبقة الوسطى المنغمسة في حوار التغيير إلى الفعل السياسي المباشر الذي يملأ الفراغ بين جهاز الدولة والإخوان المسلمين.

إلا أن الإنتليجنسيا الوطنية -والليبرالية هذه المرة- تخطئ مرة أخرى في تقدير كفاحية عناصر الطبقة الوسطى الجديدة. لأن هذه الطبقة، برغم هوسها بتوسيع الحلف الاجتماعي الحاكم، مرتاحة لنمط الحكم القائم بشكل عام ومتمسكة بالطبع بقناعاتها شبه الدينية بشأن صحة مسار التحرير الاقتصادي على الطراز النيو ليبرالي. ومن هنا فهي لا تميل إلى الالتحاق بأى من الفعاليات السياسية القائمة، كما أنها تميل من خلال الإعلام إلى إبراز فعاليات وإغفال أخرى، بما يدفع القوى الموجودة إلى تبنى أجندتها. يتطلب ذلك الحكم العام بعض التفصيل:

من جهة أولى، يضفى الانتعاش المستمر حتى الآن لأنماط حياة الشرائح العليا من الطبقة الوسطى – نتيجة لسياسات حكومة نظيف- مصداقية على المقولة المقدسة القائلة بأن الكفاءة هي المعيار الرشيد للولوج إلى عالم دولة الرفاهة. وهو ما يدفع غالبية أعضاء هذه الطبقات إلى استثمار القسم الأعظم من الوقت والطاقة في بناء القدرات الذاتية والتركيز على تطوير الكفاءة ونقل هذه القناعة إلى شباب الجامعات التواقين للالتحاق السريع بسوق العمل في إحدى القطاعات الصاعدة، كالاتصالات أو البنوك أو البترول وغيرها. أما ما يتعلق بالتململ من فشل الدولة، فإنه لم يرتق بعد إلى مرتبة التضحية بما هو متحقق بالفعل من مكاسب ونمط حياة من أجل تغييره. ففساد الدولة يشكل هاجساً وقلقاً على المستقبل أكثر من كونه عائقاً أمام نمطهم الخاص من الحياة وصعودهم الاجتماعي.

الاعتبار الثاني الذي يشكل حاجزاً أمام التسييس يتعلق بانفصال هذه الشرائح نفسها عن أي رافد اجتماعي قادم من مواقع أدنى منها وعزلتها الاستثنائية عن بقية الطبقات الخاضعة. فعلى العكس من الإنتليجنسيا الوطنية التقليدية التي انحدرت من مواقع ريفية غارقة في أوحال الفقر والأمية وتفشى الفكر الديني الغيبي، بما سمح بتوليد حس مسئول لديها يدفع باتجاه تبنى دور تنويري مشبوب بطبعة رومانسية، تنحدر الشرائح الجديدة من المهنيين من أسر نجت من جحيم الفقر ذاك وحصنت مواقعها الاجتماعية وتتحرك في مجالات حضرية لا تتضمن أي احتكاك مباشر بالطبقات الأدنى. ومن ثم من غير المتوقع ظهور حس المسؤولية على الطراز الرومانسي في فترة قريبة. على الجانب الآخر، فقد ولَّى الزمن الذي آلت فيه أجهزة الدولة الإيديولوجية على نفسها زرع حس المسؤولية السياسية لدى مثقفي الطبقة الوسطى تجاه باقي "طبقات الشعب". فاحتياج الدولة لمثقفي الطبقة الوسطى في "مراقبة وضبط" المواطنين داخل مؤسساتها الإدماجية من اتحادات عمالية وتعاونيات زراعية -وهى المهمة التي تم تسميتها "حركياً" نشر رسالة المجتمع الاشتراكي- قد سقط مع تخلى الدولة عن رسالتها الاشتراكية، وأية رسالة في الحقيقة. وسقطت، مع هذا التحول ذات الموقع الاستراتيجي الذي أتاحته الدولة التدخلية لمثقفي الطبقة الوسطى المصرية، إمكانية تشكل استقطابات سياسية داخل صفوف مثقفي الطبقة الوسطى الجديدة. ناهيك عن أن الأجهزة الأمنية لا تألو جهداً، بدورها، لعزل هذه الشرائح عن الاتصال بالطبقات الأدنى. يتخذ هذا العزل في بعض الأحيان إجراءات عملية من قبيل إطلاق جحافل البلطجية على حفنة من المتظاهرين والتحرش الجنسي بالنساء منهم فيما يحمل رسالة شديدة اللهجة بخصوص مصير الشرائح الوسطى الجديدة في حال رفعت الأجهزة الأمنية حمايتها، أي وصايتها، عنهم.

من ناحية ثالثة وأخيرة، تتجاهل أمنيات التسييس الطيبة حقيقة النظرة المحافظة والمستريبة، والتي قد تصل إلى مرتبة الاحتقار العميق، التي تكنها هذه الشرائح للطبقات الخاضعة. وتعتبر هذه النظرة بمثابة الوجه الآخر لتشكل التقليد النقدي المبنى على فكرة الرشادة. عرفت الرشادة طريقها لمجال الحياة الخاصة في صورة نزعة مفرطة لترشيد السلوك وضبط الحياة الاجتماعية وفقاً لمعايير الإنتاجية والكفاءة وهو ما يستدعى الزواج المبكر واعتبار الأسرة البرجوازية عصب المجتمع. فتح ذلك الباب واسعاً أمام الإفراط في استعمال رمزيات الأخلاق والاحترام عند التعامل مع كافة القضايا الثقافية. ومن هنا تؤكد إدانة هذه الطبقة للحكومة على لومها على عدم قدرتها على ضبط المجتمع بما يهدد نمط حياة الأسرة البرجوازية. أي أنها تنطلق أصلا من عصاب شبه جماعي من الفقر والفقراء، وفزع يتخطى حدود العقل تجاه موضوعات مثل الجريمة، الدعارة، الانتهاك الجسدي، تجارة المخدرات، وغيره من أشكال الانحلال الاجتماعي التي تهدد انضباط المجتمع وقيمه. وربما تشكل ردود الأفعال الهستيرية التي أعقبت حوادث التحرش الجنسي في وسط المدينة أثناء عيد الفطر الماضي، أو الكتابات التي انتقدت تفكك سلطة الدولة في العشوائيات بعد اكتشاف عصابة التوربيني، مَثَلين نموذجيين على هذه النزعة. ولا تعبر ردود الأفعال هذه بأية حال عن انشغال متصاعد بتحرر سكان هذه المناطق من واقع التهميش والإفقار، وإنما عن استدعاء جديد للدولة لضبط المجتمع بغير حمل أية مسئولية أو تقديم إسهام يذكر من الطبقة الوسطى الجديدة. ومن البديهي أن الجمع بين هذه النزعة التحريضية على الفقراء ولعب دور نشط فى عملية بناء الديمقراطية -يقتضى بداهة الاحتكاك بهذه الطبقات موضوع العصاب الجمعي ذاك- يعد من قبيل المستحيلات.

تضافر العوامل الثلاثة السابق ذكرها يفضى إلى المشهد العبثي التالي: يتردد عشرات الألوف من الشباب على صفحات المدونات سياسية الطابع وتدور بينهم حوارات زاعقة الصوت حول ضرورة مواجهة خيار توريث السلطة، فيبدو لنشطاء التغيير أن اللحظة قد "نضجت" للفعل، فتدعو حركة كفاية للتظاهر ضد التوريث في جريدة الدستور التي توزع أكثر من مائة ألف نسخة أسبوعيا، فلا يظهر إلا نفس الحفنة من النشطاء محترفي التظاهر. ونفس الأمر بالنسبة لكليبات التعذيب، أو استنكار الانتهاكات التي تعرض لها القضاة المعتصمين بناديهم.

باختصار، نحن أمام تقليد نقدي نيو ليبرالي شديد المحافظة في رؤيتيه السياسية والثقافية/ الاجتماعية استبطن قيم السوق الانضباطية وحوَّلها لمعيار يحاكم به الدولة. نجح هذا التيار في خداع القوى الليبرالية والقومية برطانته الزاعقة في مواجهة مبارك وولده. فقد اعتبرها الليبراليون الكلاسيكيون دليلا على تبلور وعى الطبقة الوسطى المصرية بالتعددية والديمقراطية البرلمانية، بينما فسرها خطباء التيار القومي كمؤشر على انتفاض شعبي وشيك ضد مبارك ونظامه. وهكذا حددت الطبقة الوسطى الجديدة جدول أعمال حركات التغيير ومسارها ثم تركتها تسير وحيدة. وبالتالي فمن غير المستبعد ميل هذه الشرائح الاجتماعية للقبول بنمط من التحالف (الأمني-البيروقراطي-البرجوازي) يخلف مبارك بعد رحيله ويسعى لمواجهة خطر انفلات الأوضاع الاجتماعية وخروجها من نطاق السيطرة- أي تحلل نمط الحكم القائم الذي يتيح مزايا واسعة لهذه الشرائح الاجتماعية- أكثر من ميلها لخيار سياسي (ديمقراطي) قائم على مشاركة هذه الشرائح بنفسها في فعاليات سياسية مدنية الطابع لمواجهة مخاطر تفكك هياكل الدولة المدنية الحديثة.

تصاعد الاحتجاجات العمالية وأجندة منتظرة من اليسار:

قليلون هم من لم يُفاجأوا بإضراب عمال غزل المحلة مع نهاية العام الماضي. الأكثر دلالة هو الاستجابة الحكومية السريعة لمطالب العمال المعتصمين. تبع ذلك الإضراب موجة واسعة من الإضرابات في عدد من شركات قطاع الأعمال العام أو الشركات التي تمت خصخصتها حديثاً، ثم قطاع واسع من المرافق العامة مثل السكك الحديدية. وبرغم أن أجندة هذه الإضرابات لم تتجاوز المطالب الخاصة بالإدارة الاقتصادية المتبعة في هذه الشركات أو التفاوض حول حدود الأجر الدنيا، إلا أنها تمثل نموذجا للتغيير الديمقراطي الجذري بامتياز. فهي من زاوية تربط بين المطالب التي تمس ترتيبات الحياة اليومية والمطالب التي تشكل عصب أي ديمقراطية معاصرة، مثل حرية التنظيم النقابي وتعدديته، ومن ثم تخرج بقضية الديمقراطية عن طابعها النخبوى لتصبح قضية جماهيرية بالمعنى الحرفي للكلمة. من جهة أخرى، تشكل هذه الاحتجاجات عملية تعلم تاريخي للممارسة الديمقراطية تفضي على المدى البعيد لمقرطة الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية - بما فيها تلك المتعلقة بالحياة الخاصة. ومن جهة أخيرة، تشكل هذه الإضرابات تحديا تاريخيا للنزعات المحافظة البرجوازية التي تضفى قداسة على تصوراتها عن الفعل السياسي وتقصره على حفنة من المتعلمين، وتختزل قضايا التنمية والعدالة والديمقراطية في تصورات مجدبة عن الدولة الكفؤة. تثبت هذه الاحتجاجات القاعدية إمكانية القدرة على التأثير على مخرجات السياسة العامة يغير تحصيل قدر من مهارات السوق أو استبطان قيمة الرشادة والانضباط.

ببساطة تشكل موجة الإضرابات الأخيرة تحدياً للتأسيس الراهن للسياسة وتقدم تأسيساً بديلاً يربط بين قضايا المعاش اليومي والديمقراطية وبين عملية التحرر السياسي والتحرر الثقافي. أي أن ما يبدو هامشياً معزولاً وينتمي لمجال الحياة اليومية هو في الحقيقة أكثر راديكالية في مطالبه ومآلاته من تلك الصراعات السياسية الكبرى، النخبوية مع ذلك، مثل الصراع حول التعديلات الدستورية أو مناهضة التوريث، حيث يستهدف هذا "الهامشي" تغيير نمط الحكم القائم وخلخلة علاقات السلطة الأبوية التي تنبني في حياة الناس اليومية لا إزاحة مبارك من السلطة أو منع ولده من الوصول لسدة الرئاسة.

كي لا يبدو الحديث مرسلاً يمكن الاستشهاد بإضراب عمال غزل المحلة نفسه. الأهمية الكبرى لهذا الإضراب هي تقديمه "لبروفيل" احتجاجي مختلف جذرياً من حيث مطالبه وآلياته الداخلية. فمن حيث مطالبه، يركز الإضراب سهام نقده على ثلاث قضايا تأتى في قلب أي نضال ديمقراطي جذري: 1-عدم تحميل العمال خسائر لم يتسببوا فيها بينما يمكن- اقتصادياً- تحميلها لخزانة الدولة التي تنفق منها على تعمير الساحل الشمالي ومد خطوط الطرق البرية السياحية من الإسكندرية لأسوان؛ 2- تغيير الإدارة الموجودة حالياً و"انتخاب" إدارة ديمقراطية؛ 3- طرح الثقة في إتحاد العمال الرسمي الذي لم يمض على انتخابه – أو بالأحرى تعيينه- سوى أيام معدودة. أما من حيث الميكانيزمات الداخلية للتعبئة فيكفى إجراء مقارنة سريعة بين هذا الاحتجاج، الذي لم يعرف عنه النشطاء شيئا إلا بعد أن قرأوا أخباره في الصحف، وبين احتجاج القضاة الذي دفع ثمن التضامن معه عشرات من النشطاء الشباب سجنا وتعذيباً. ففى مقابل الملمح الذكورى الواضح للقضاة المعتصمين مرتدي الأوشحة الخارجين للشارع بمنتهى الحرص على كل أبهة القضاء وسطوته، والتركيز المحموم على "احترام القاضي وحصانته"، ظهر عمال المحلة في الصورة رجالاً ونساء وأطفال بجلابيبهم على وضعية بين الهتاف الصاخب غير المنظم والضحك العفوي- عندما يظهرون في الكادر- غير عابئين باستعارة أية صفة "محترمة" تضفى على احتجاجهم أية مشروعية مظهرية وسلطوية. كما أن الإدارة اليومية لشؤون الإضراب – بما فيها التفاوض مع الأجهزة الأمنية- التي كان يتولاها بالتتابع ممثلين مختارين من العمال وتقسيم العمل اللوجستيكى الطوعى دون تفرقة بين رجال ونساء، يقدم درساً في كيفية ممارسة الديمقراطية الداخلية لحركة احتجاج جماعية. للمرة الأولى منذ بدء "الثرثرة" حول التغيير في مصر يظهر الفقراء على واجهة الصحف القومية أناساً يقاومون، لا كمجرمين أو ضحايا أو بشر يحيون مأساة معممة تثير الشفقة.

حتى لا نقع في فخ النظرة الرومانسية للاحتجاجات العمالية، والتي قد تسارع بعض التقديرات إلى اعتبارها هي الأخرى مقدمة لانتفاضة جماهيرية تطيح بالنظام، ينبغي التذكير بأن استمرار هذه النضالات لن يحدث تغييرات جذرية في ميكانيزمات الحكم إلا إذا توافر شرطين لازمين: أولهما تراجع الطابع الأبوي الشعبوى الذي يهيمن على مطالب هذه النضالات نفسها والذي لم تتخلص منه الحركة العمالية والنضالات الفلاحية حتى الآن. الشرط الثاني هو ضرورة نضوج انقسامات في التحالف الاجتماعي الحاكم تتبنى بمقتضاها بعض الشرائح التي تشكل قوام هذا التحالف إجراءات ديمقراطية ليبرالية.

فمن حيث الطابع الشعبوى لحركات الاحتجاج، يلفت الكثير من المحللين الانتباه إلى أن النضالية المدهشة التي تتسم بها التحركات العمالية على مدار العقد الماضي توازت مع إعادة إنتاج الخطاب الأبوي الناصري الطامح إلى استعادة سيطرة الدولة على أدوات الإنتاج وتحجيم حركة رأس المال الكبير والإبقاء على التنظيم النقابي الرسمي بالمزايا الزبونية التي يتيحها. هذا النمط من الوعي ينتشر بالأساس بين قطاع كبير من الطبقة العاملة في منشآت القطاع العام، بحكم تبعية هذه المنشآت للدولة، وبحكم تكوين غالبية هذه القيادات النقابية داخل التنظيم النقابي الرسمي الأوحد. ولكن الدلائل تشير إلى أن هذا الوعي في مرحلة أفوله وأن انتعاشه المؤقت يرجع إلى ردة الفعل العنيفة على إجراءات الخصخصة المتسارعة التي استأنفتها حكومة نظيف أكثر من كونه تعبيرا عن ميل متأصل داخل الحركة العمالية على إطلاقها. هذا الأفول يستند على معايير موضوعية أهمها تآكل المصادر المادية الريعية التي سمحت باحتواء النقابات العمالية عن طريق رشوة اجتماعية موسعة، إلى جانب انتقال مركز الكثافة العمالية إلى القطاع الخاص الصناعي الصاعد.

لا يعنى ذلك بأي حال أن عمالة القطاع الخاص تنحو أوتوماتيكياً إلى مواقف منبتة الصلة بالوعي الأبوي السابق الإشارة إليه. على العكس، لا زالت هذه العمالة بحكم خلفيتها الريفية والبندرية المحافظة وانقطاعها شبه التام عن تراث العمل النقابي- الذي ظل حكراً على عمال القطاع العام طوال العقود الماضية- تميل إلى التبعية الكاملة لصاحب العمل أو جهة الإدارة، خصوصاً في فترات الانتخابات البرلمانية. لكنها على الجانب الآخر تتخذ مواقف أكثر تحرراً من أوهام الدولة الرعوية في فترات الاحتجاج والإضرابات. الأهم من ذلك كله أنه لا البرجوازية الصناعية الجديدة ولا بيروقراطية الدولة يبديان أية رغبة في إعادة إنتاج نمط التنظيم النقابي الواحد الشامل على المستوى القومي ذو الخطاب الشعبوى في مصانع القطاع الخاص. بل على العكس، تواجه محاولات إلحاق عمال المدن الصناعية الجديدة بالتنظيم النقابي الرسمي مقاومة شرسة من الطرفين اللذين يظهران رغبة واضحة في الإبقاء على عمال القطاع الخاص خارج إطار التنظيم النقابي. البرجوازية الصناعية تبدو حتى الآن غير مستعدة لتقديم أي تنازل -حتى ولو كان هامشي الطابع- قد يفضى لتحسين شروط التفاوض الجماعي في المستقبل المنظور. وعلى الجانب الآخر، تبدو بيروقراطية الدولة غير راغبة، أو بالأحرى غير قادرة، على تقديم دعاية إيديولوجية إدماجية في ضوء تحولها لاقتصاد السوق وتهرؤ هياكلها التعبوية الواضح. ومن ثم يمر الخطاب الشعبوى الأبوي الذي سيطر على الحركة العمالية والفلاحية المصرية لعقود بمرحلة أفوله وهزيمته الشاملة بحكم انتفاء شروط إعادة إنتاجه ذاتها. ويشكل هذا الوضع فرصة تاريخية ومؤشراً على إمكانية الاتجاه إلى تعبئة هذه النضالات القاعدية بوصفها رافعة التغيير الديمقراطي الجذري.

أما من حيث إنضاج الانقسامات داخل التحالف الاجتماعي الحاكم، فتذكرنا العديد من التحليلات الليبرالية، عن حق، بالفرضيات الكلاسيكية حول التحول الديمقراطي والتي تقول بأن حدوث انقسامات داخل الكتلة الحاكمة بحكم الأزمات الاقتصادية أو الهزائم في الحروب يؤدى إلى تعدد مراكز القوى في الدولة والمجتمع المدني ومن ثم اعتماد قواعد جديدة لضمان التوازن فيما بين هذه المراكز وكسر احتكار طرف واحد للسلطة. وفقاً لهذه الفرضيات، تتيح القواعد الجديدة لتنظيم الصراع السياسي تلك فرصاً أوسع للحراك السياسي تستفيد منها الفئات الأضعف على المدى البعيد.

على أن الانقسامات في صفوف الكتلة الحاكمة لن تتبلور إلا إذا أضحت هذه الكتلة ككل في مواجهة تهديد قادم من أسفل ينال من آليات الحكم وأنماط الهيمنة الثقافية السائدة. وهو ما يمكن الاستدلال عليه من تجارب أمريكا اللاتينية، التي لا يتسع المقام للإفاضة فيها هنا. غير أن هذا العامل بالذات هو الذي تغفله التحليلات الليبرالية المطالبة بالديمقراطية في مصر، وكأنها تفترض إمكانية إنضاج انقسامات التحالف الحاكم بمجرد الحديث عن التغيير على صفحات الجرائد أو بتعبئة الضغط الدولي ، بغير تعبئة للطبقات الخاضعة لعلاقات الاستغلال الرأسمالي التي يبشر بها هؤلاء الدعاة الليبراليون أنفسهم. وهنا مربط التناقض الليبرالي بخصوص مسألة الديمقراطية.

أي أن كلا التحفظين السابقين، على منطقيتهما، يدفعانا نحو نفس النتيجة: ضرورة العمل على تجذير الحركات القاعدية ومحاصرة ميلها الشعبوى على النحو الذي يسهم في كبح ميل الطبقة الوسطى للحاق بأوليجاركية جمال مبارك البرجوازية/ الأمنية المحافظة المعادية للفقراء ويوفر الشرط التاريخي لانبثاق خطاب ديمقراطي في أوساطها.

يفترض هذا الطموح أجندة مركبة لليسار بقدر تعقيد وتداخل أوجه حركات الاحتجاج القاعدي ذاتها لا يسعنا هنا إلا الحديث عن محدداتها في حين تترك تفاصيلها لحوار واسع بين نشطاء هذه الحركات القاعدية أنفسهم:

أولاً، تجذير هذه الحركات القاعدية وقدرتها على فرض منجزات ديمقراطية مرهون بنضال النشطاء اليساريين من داخل خطابها ذاته وليس القفز عليه وإلباسه مطالب متصلة بالإصلاح السياسي والدستوري لم تكن على جدول أعمال هذه الاحتجاجات. يحدث هذا القفز عادة تحت دعوى جلب الوعي للطبقات الخاضعة التي تتميز تحركاتها الأولى "بالعفوية" أو تحت دعوى ضرورة الربط بين قضايا النضال السياسي و الإقتصادى (على افتراض أن هذه الاحتجاجات لا تتضمن مطالب "سياسية"). ينبغي التشديد هنا على أن القفز إلى هذه المطالب "السياسية والتشويش على الخطاب الاحتجاجي الأصلي يعد بمثابة خدمة مجانية للتيارات المحافظة التي تخشى من تجذير هذه التحركات وفى القلب منها الإخوان المسلمين. إذ تظهر الجماعة هنا بوصفها الكيان السياسي الوحيد الأكثر تماسكاً والقادر على تقديم رؤية شاملة تربط بين مختلف قضايا التغيير. كما أنها تعضد من الميل الشعبوى الكامن في خطاب هذه التحركات إذ تنقل المعركة إلى أرضية تغيير الحاكم المستبد وإنعاش الأمل مرة أخرى في دولة قوية قادرة على استئناف برنامج الرفاه الاجتماعي الموسع. أي يجب ترك الأفق مفتوحاً للحركة دون المصادرة على إمكانياتها ببرامج تبدو ناجزة ولكنها مهما حاولت أن تتحلى بالدقة والموضوعية لن تعدو أن تكون إفرازاً للحظة كتابتها وحاملة لتناقاضتها نفسها. في المقابل يعتبر النضال من أجل انتزاع حق التنظيم المستقل المتعدد- وهو المطلب الذي يقع في القلب من خطاب هذه التحركات- بل والبدء في بناء مقومات هذا التنظيم بمثابة نقطة البداية على درب التغيير الديمقراطي الطويل. وينبغي أن تقتصر الدعاية وأشكال الدعم الممكنة على تحقيق هذا المطلب دون غيره. تفضي الحقيقة البسيطة السابق ذكرها إلى ضرورة سعى النشطاء اليساريين إلى قلب أجندة الحركات المطالبة بالإصلاح السياسي والدستوري لتصبح مطالب كفالة حق التنظيم النقابي والمدني والمستقل في الصدارة وسباقة على المطالب المتعلقة بتقليص مدد الرئاسة أو صلاحيات رئيس الجمهورية.

ثانياً، كما سبق أن أشرنا في بداية هذا الجزء أن التحالف بين قطاعات من الطبقة الوسطى وبين الطبقات الأدنى لإنجاز برامج ديمقراطية يمثل ضرورة موضوعية لا يمكن تجاوزها. على أن هذا التحالف ليس حالة مثالية تنشأ من خلال لقاء ممثلين عن كلا الطرفين. إنه بالأحرى عملية دائمة التشكل تجمع بين المنتمين إلى هذه الأصول الاجتماعية المتباينة من أجل إنجاز أهداف تتفاوت في مداها ونطاقها من حالة إلى حالة. وبخصوص تجذير الحركات القاعدية يقفز إلى الذهن ضرورة التشبيك بين هذه التحركات وبين الجمعيات القليلة العاملة في مجال تنمية الأحياء الفقيرة والعشوائية التي تضِّمن مفاهيم التمكين والتحرر الذاتي في قلب نشاطها التنموي ولا تقتصر على انتحاء المناحي الخيرية أو الإحترافية التي تكاد تقترب من أسلوب إدارة الشركات. عرفت هذه المفاهيم طريقها إلى العمل التنموي في البداية بفضل مجهودات بعض النشطاء ذوى الخلفية اليسارية. ولكن العامل الحاسم في وجهة نظرنا كان في دفع قطاع محدود من الجهات المانحة عددا من المشاريع التي تقوم بتمويلها إلى تبنى هذه الميكانيزمات الجديدة. هذه البرامج تديرها وتشرف عليها -بحكم صلاتها بأوساط المانحين الأجانب- قطاعات من الشرائح الوسطى الجديدة وتتولد حولها حساسية سياسية نتيجة احتكاكها المباشر بالطبقات الخاضعة. ولكن تختلف هذه النزعة حديثة التشكل عن الحساسية الرومانسية لدى الانتلجنسيا الوطنية إذ تكون للديمقراطية أقرب منها إلى أي ميل آخر.

المشكلة الرئيسية في هذه الأنشطة هي عزلتها شبه الكاملة عن الفعاليات المدنية التقليدية والتي عرفتها المجالات الحضرية طوال عقود مثل التظاهر والإضراب والحوار العام في المقاهي وتشكيل جماعات الضغط على المجالس المحلية ونواب البرلمان. فهذه المنظمات ظلت لفترة طويلة مهمومة بالتوجه للفئات والشرائح المهمشة والتي تحيا في فقر مدقع خارج دورة الإنتاج والتوزيع من أجل إدماجها في "المجتمع"، بينما لم تنتبه لمن هم مدمجين فعلاً ولكن من موقع خاضع. ولكن من جهة أخرى قطعت هذه الفعاليات شوطاً لا بأس به فى مجال المساواة بين الرجل والمرأة وتنمية المهارات الإبداعية والنقدية للشباب والمراهقين. التقاء نمطي الفعاليات هذا في نشاط مدني واحد قد يلعب دوراً في إعادة تشكيل المجال الحضري وفقاً لقواعد أكثر انفتاحاً وتحرراً ويضفى على حركات الاحتجاج القاعدية ديمومة تخرج بها عن طابعها الموسمي وتحولها إلى ثقافة ديمقراطية متأصلة. والأهم من ذلك كله أنها ستفتح الطريق أمام إعادة صياغة الحساسية السياسية المتشكلة لدى أبناء الشرائح الوسطى الجديدة العاملة في هذا المجال باتجاه أكثر ديمقراطية وعدالة.

ثالثاً، يتطلب تمرير هذه القناعات وغيرها إلى الجدل العام إبداع معرفة نقدية موضوعها استراتيجيات مقاومة الطبقات الخاضعة وميكانيزمات احتجاجهم وتكشف تهافت أوهام الانتفاضات الجماهيرية التي ستسقط النظام بين عشية وضحاها وطابعها الطبقي الاستبعادى الذي يقفز على التاريخ بكل ما يتطلبه ذلك من الاشتباك مع الحوارات الدائرة في وسائط تشكيل الرأي العام وفى القلب منها الصحافة اليسارية سواء القائمة والمزمع إنشائها أو حتى داخل أروقة الجامعة وقاعات البحث. ويتسع نطاق هذه المعرفة إلى ما هو أبعد من القضايا ذات الطابع السياسي المباشر لتمارس فعل النقد على أشكال الإبداع الفني المختلفة وحتى الفكر الديني السائد لكشف حضور الخطابات المحافظة السابق الإشارة إليها وتقدم تأسيساً بديلاً لهذه المجالات يستلهم الثقافة الديمقراطية البازغة.

من الواضح أن هذا البرنامج الكفاحي يفترض نضالاً متواصلاً لمدة سنين قبل الحديث عن نضج أولى ثماره. ولكن "الصبر" و "الاحتساب" و"التوكل" قد تكون- ويا للمفارقة- من ضمن الفضائل التي يتعين على مناضلى الديمقراطية والعدالة استعارتها من الخطاب الدينى.

------
تصوير : ناصر نوري

 

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 15:04.

  كتب : يوسف

 

كتب : يوسف معاطي

والله اني لأعجب‏..‏ وأندهش‏..‏ بل وأنحني احتراما لتلك العبقرية المصرية في التعامل مع الكوارث والمصائب‏..‏ تلك الطريقة الفذة التي انفرد بها شعبنا دونا عن سائر الشعوب الأخري‏..‏ ان المصري لا يعترف بأي شيء سلبي يحدث له‏..‏ وليس هذا التفاؤل في طبيعته لاسمح الله‏..‏ ولا لبرود في دمه ـ أعوذ بالله ـ وإنما لأنه يمتلك نظرة فلسفية ليس لها أي مبرر تجعله ينظر باستخفاف إلي أي مصيبة‏..‏ ولا كأنها حصلت من أساسه‏..‏ تلك النظرة التي واجه بها المصري القديم الهكسوس وهم يدخلون مصر علي عرباتهم الحربية وكلهم همجية وفرحة حيوانية بالانتصار الساحق‏.‏

والمصري القديم ولا هو هنا‏..‏ ينظر نحو الإله بتاح‏..‏ ويبتسم في ثقة‏..‏ ح يعملوا إيه الهكسوس يعني‏..‏ عاوزين يقعدوا‏..‏ ما يقعدوا‏..‏ والسيناريو نفسه تكرر مع الرومان والإغريق والفرنساويين والإنجليز وحتي الألمان‏..‏ انظر إلي المصري حينما يزور مريضا‏..‏ لا جذع ولا توتر‏..‏ وإنما ينظر نحو المريض الذي يكاد يحتضر أمامه ثم يقول له ببساطة‏:‏ ما انت زي القرد أهوه‏..‏ أمال بيقولوا عيان‏..‏ ما بلاش السلبطة دي‏!!‏ وانظر إليه حينما يسمع خبر موت فلان‏..‏ تجده يقول ببساطة‏..‏ استريح‏..‏ حد لاقي الموتة دي‏!!‏ ببساطة شديدة يقول المصري يا عم ح تفرج‏..‏ ما حدش بينام من غير عشا‏!!‏ ولهذا يا أعزائي‏..‏ نتكاثر نحن المصريين بتلك الصورة الفظيعة‏..‏ ولا تحديد نسل نافع معانا ولا وسائل منع الحمل شغالة في البلد دي‏..‏ ومهما شيدنا كباري فوق الأرض وأنفاق تحت الأرض‏..‏ نملؤها بالبشر بعون الله في ظرف عشر دقائق‏.‏

وتخيل سعادتك ـ ولماذا تتخيل ما انت مجرب كل ده ـ أن تستيقظ من نومك فتشرب كوبا من الماء الذي إذا مر علي فيلتر ستكتشف أنك كنت تشرب كوبا من السبانخ‏..‏ ثم تفتح الشباك لتستنشق الهواء الذي إذا مر علي فيلتر ستكتشف لماذا يستخدم المصريون عمال علي بطال كلمة زفت في حوارهم اليومي‏.‏

نفطر بأه‏..‏ طبق الفول المتين ورغيف العيش بزلطه ومساميره‏..‏ خراسانة جاهزة نموذجية تجعل معدتك ع المحارة‏..‏ وبعد أن تمر من كل هذا يا بطل‏..‏ انزل الشارع‏..‏ السيارات تمضي والمواطنون أيضا كلاهما يكسر الإشارة‏..‏

المواطن والسيارة‏..‏ وكل حسب قدرته علي تفادي الآخر‏..‏ ولقد اكتسب المصري مقدرة عالمية في المرور بين السيارات برشاقة كراقص باليه محترف‏..‏ وعبرنا يا سيدي‏..‏ رايح علي فين يا بطل‏..‏ تقول انك ذاهب إلي المرج‏..‏ وماله نركب القطار‏..‏ سيحترق القطار بالتأكيد أو سيرتطم بقطار آخر‏..‏ ولكن ماذا يخيف في ذلك‏,‏ لقد مررنا من مواقف أصعب من هذا بكثير‏..‏ ألا تذكر يوم انفجرت أنابيب الغاز عندكم‏..‏ ماذا حدث‏..‏ ربنا ستر والحمد لله‏..‏ وكانت الإصابة في كتفك ونقلوك إلي المستشفي‏..‏ وظللت تنزف من الساعة الحادية عشرة مساء حتي أتي الطبيب تاني يوم ليقول إنك تحتاج نقل دم‏..‏ وماله‏..‏ لقد مررنا من مواقف أصعب من هذا بكثير‏..‏ ونقلوا لك الدم وكانت الأكياس ملوثة‏..‏ وإيه يعني‏..‏ هيه جات ع الأكياس‏..‏ يا عم قول يا باسط‏..‏ إن الصحافة تبالغ كثيرا وتهول في الأمور‏..‏ وهل لو كانت الأمور بهذه الخطورة التي يصورونها‏..‏ كنا اقتربنا الآن من ثمانين مليون نسمة؟‏!‏ تلك هي عظمة شعبنا‏..‏ والآن كل الجرائد والكافيهات والسهرات العائلية مشغولة بحديث روتانا وفتيات الليل‏..‏ وسمعة مصر‏,‏ برغم أن مصر الآن صارت في سن يبعدها عن الشبهات‏..‏ واحدة عندها سبعة آلاف سنة مش كبيرة يعني‏,‏ وكلنا يعلم أن مصر لو في وسط ميت راجل لو محافظة علي نفسها خلاص‏..‏ كل هذا يحدث والتعديلات الدستورية الجديدة ستناقش في مجلس الشعب‏..‏ والمصريين ولا هما هنا‏..‏ تعديلات إيه ودستور إيه خليها علي الله‏..‏ لقد مررنا من مواقف أصعب من هذا بكثير‏..‏ ده بيقولك البت من دول بتكسب عشرة آلاف وربعمائة جنيه في الشهر‏..‏ قلت له إزاي‏..‏ قال لي عشرتلاف جنيه مرة من شغلها‏..‏ وربعمية مرة لما بتتكلم عن شغلها‏.‏

مع تحياتى

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Copy the characters (respecting upper/lower case) from the image.