|
صوت ديمقراطي جذري
|
||||
الجدل حول المرأة فى "عامى التغيير" : إعادة إنتاج نفس التحيزات أم إمكانيات بازغة للتحرر؟
الكتابة عن إشكاليات المرأة من موقع "السياسى" ليست بالأمر السهل. فالممارسة العملية للتيارات السياسية على الصعيد العالمى حافلة بأشكال متنوعة من صور التجاهل لخصوصية قضايا المرأة والإصرار على التعاطى معها من مناظير أيديولوجية كبرى تعلق السعى لحسم هموم النساء العالقة فى التشريع والثقافة على تحقيق هدف سياسى "شامل"، مثل التخلص من الديكتاتوريات أو بناء الاشتراكية، بدعوى أن تحقيق الهدف الشامل يتضمن بطبيعته تحسين أوضاع المرأة على الصعيد الاقتصادى والتشريعى والثقافى. ويمتد هذا الإلحاق عادة إلى المنظمات والاتحادات النسائية نفسها لتصبح فروعاً تابعة للحركة السياسية الأم. وفى مصر كانت المطالب الخاصة بتحرير المرأة من وطأة التقسيمات التقليدية للأدوار الاجتماعية يتم تعليقها إلى حين تحقيق أهداف مثل الاستقلال الوطنى أو إقرار الدستور أو بناء الدولة والمجتمع الاشتراكيين، ثم بناء دولة حديثة على الطراز النيو ليبرالى فى مرحلة لاحقة. وتتعقد الإشكالية أكثر وأكثر نتيجة حضور التيارات الإسلامية على تنوعها فى المجال العام بما تضمره من نظرة للمرأة تحملها عبء الدفاع عن هوية الأمة والوطن عن طريق التزامها بأدوار محددة لها سلفاً تقتصر على تربية النشء ورعاية الأسرة. ولكن هذه الصعوبة هى التى تضفى على الكتابة فى قضايا المرأة وجاهتها وضرورتها فى الوقت ذاته. لأن البحث فى إشكاليات المرأة هذه المرة يأتى فى إطار نقد الفرضيات السائدة حول التحول الديمقراطى فى مصر، وليس فقط فى سياق الحديث عن إشكاليات فئة أخرى مهضومة الحقوق ينبغى على المطالبين بالديمقراطية أخذ همومها فى الحسبان. فالديمقراطية فى نظرنا ليست مجرد تجميع لمصالح فئات اجتماعية وبلورتها فى شكل مطالب أو ترتيبات تشريعية وقانونية، ولكنها تتجاوز هذا المعنى الإجرائى الضيق لتصبح نمطاً من أنماط الممارسة الاجتماعية داخل البنى المختلفة بهدف التحرر من مختلف علاقات الإخضاع المتراكمة تاريخياً. وبالتالى فالتعاطى المستقل مع قضايا المرأة، من حيث هى ذات وقعت تاريخياً فى مرمى نيران خطابات التسلط، وثيق الصلة بالنضال الديمقراطى المتعدد المستويات، والمبنى على تحالفات قوى سياسية واجتماعية مختلفة وفاعلة فى مجالاتها النوعية. غنى عن الذكر أن العكس تماماً هو الذى طبع علاقة القوى السياسية المختلفة بقضايا المرأة المصرية منذ بداية القرن الماضى. فعلى مدار مئة عام أو يزيد سعت الطبعات المختلفة من حركات الإنتليجنسيا المصرية إلى مد خطابها ليشمل أوسع قدر ممكن من الفئات الاجتماعية المضطهدة من أجل تعبئتها خلف هدف واحد، وهو الاستقلال الوطنى وبناء دولة وطنية برجوازية على الطراز الليبرالى الدستورى. وفى سعيها هذا التقطت مطالب النساء المصريات المتعلقة بهموم حياتهن "الخاصة" مثل تعديل قوانين الأحوال الشخصية أو الحق فى التعليم. ومن جهتها سعت الناشطات النسائيات المصريات إلى عقد هذا الحلف مع الحركة الوطنية بهدف إيجاد موطئ قدم للمطالب النسائية داخل المجال العام. اتضح تلاقى المصالح ذاك على أكمل وجه فى نموذج ثورة 1919 تحت زعامة الوفد التاريخية والتى ربطت مطالب متباينة لقطاعات واسعة من المصريين بهدف واحد هو تحقيق الاستقلال وإقرار الدستور. ولكن سرعان ما تنكر الوفد لهذه المطالب تاركاً الحركة النسائية وحيدة فى مواجهة ضغط المؤسسات الدينية المحافظة ومؤسسات الدولة نفسها التى بدأت تضيق بالتنظيم المستقل للمرأة بشكل عام. تبلورت الحلقة الثانية من حلقات هذا التحالف عقب فترة قصيرة من قيام سلطة يوليو بحل الاتحاد النسائى المصرى وتأسيس تنظيم نسائى داخل الاتحاد الاشتراكى العربى، يأخذ على عاتقه تحقيق بعض مطالب النساء فى إطار مشروع وطنى عام، ويضمن من ناحية أخرى السيطرة على أى فعالية نسائية مستقلة. بالتوازى مع ذلك لم تفلت التجمعات اليسارية والقومية الراديكالية بدورها من فخ الإلحاق ذاك. فلا تشير تجارب هذه التنظيمات، سواء فى طورها السرى خلال السبعينيات من القرن الماضى أو العلنى بعد إقرار التعددية الحزبية، إلى أى سعى للإقرار بخصوصية قضايا المرأة وضرورة التنظيم النسائى المستقل المناضل لتحقيق هذه الخصوصية. وأخيراً، عادت الدولة الوطنية منذ منتصف الثمانينيات تقريباً لإلحاق قضايا المرأة بخطاب وطنى شامل موضوعه ليس التحرر من الاستعمار أو بناء الاشتراكية ولكن التنمية والخروج من الفقر واللحاق بالعالم المتحضر. وكما كان الحال فى الحقبة الاشتراكية سعت الدولة، وهى ترفع هذه المرة لواء السوق والليبرالية، إلى إلحاق منظمات المرأة بأجهزتها عن طريق إنشاء مجالس قومية متخصصة تختلف عن التنظيمات النسائية القديمة فى قدرتها على التحدث بلغة كونية واحدة مع الجهات المانحة. قرن أو يزيد من الإلحاق.. والمحصلة هى الإبقاء على العديد من الإشكاليات الحيوية معلقة على المستوى التشريعى المؤسسى وإبقاء، بل وتعزيز، صورة دونية عن المرأة مستقاة من عملية تسليع استهلاكى فج للجسد الأنثوى، يتقابل معه، ويرتبط به، خطاب إسلامى رجعى يعتبر المرأة أساس كل بلاء اجتماعى. ولكن الأخطر هو تقديم صورة مجردة عن قضايا المرأة كفئة اجتماعية متجانسة فى تنظيمات الدولة الإدماجية، لا تأخذ فى حسبانها التمايزات الاجتماعية داخل هذا الكل المبهم. فتوارت هموم النساء الأفقر والأكثر تهميشاً داخل دورة الإنتاج، اللاتى تدفعن أكثر من الآخرين ثمن سياسات التحرير الاقتصادى وتتعرضن بشكل أكثر كثافة لتحريض الخطابات الثقافية الرجعية. هذا هو ما تنتهى إليه كاتباتنا وكتابنا فى الجزء الأول من الملف، والذى يضم عرضاً للعلاقة بين قضايا المرأة والخطاب الوطنى على مدار مئة عام. قامت مجموعة باحثات من مؤسسة المرأة الجديدة بتحديد الملامح العامة والمحطات التاريخية التى مرت بها هذه العلاقة فى حين قدمت زينب أبو المجد مقاربة نقدية لإستراتيجيات الحركة النسائية المصرية خلال العقدين الأخيرين. بخلاف ذلك تناولت هالة شكر اللـه الأثر المركب الناتج عن هيمنة التيارات الإسلامية بتلاوينها المختلفة على المجال العام. أما سمير فريد فقد حاول تتبع تحولات صورة المرأة فى السينما المصرية منذ نشأتها. إشكالية الإلحاق تلك تقودنا إلى ملاحظة أخرى لا مفر منها، وهى أن انبعاث المطالبات بالديمقراطية على نطاق غير مسبوق فى الجدل العام منذ بداية العام 2005 لم يؤد إلى تغيير ملموس فى كيفية تعامل التيارات السياسية والفكرية فى مصر مع قضايا المرأة. بعبارة أخرى، لم يؤد هذا الذيوع غير المسبوق للمقولات الديمقراطية فى الصحافة المستقلة وفى أوساط التجمعات السياسية المختلفة إلى تراجع نموذج الإلحاق أو إلى التعامل مع نضالات المرأة المصرية المرأة بوصفها نضالاً ديمقراطياً قائماً بحد ذاته. فعلى المستوى السياسى بالمعنى المباشر للكلمة لم تخرج معالجات القوى السياسية المطالبة بالديمقراطية لإشكاليات المرأة عن نفس النسق الإدماجى السابق الإشارة إليه: أى تبنى قضايا المرأة فى الحدود التى تسمح بتبنى الناشطات النسائيات المطالبات الخاصة بإقصاء رئيس الجمهورية عن موقعه، مع التجاهل الشامل للمطالب النسوية فى حد ذاتها. يوضح أحمد زكى فى مقاله استعداد التيارات السياسية المختلفة الدائم للتخلى عن مطالب النساء عند أول استحقاق سياسى جدى، بدليل تضاؤل ترشيحات النساء على قوائم الأحزاب المتنافسة خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والموقع الهامشى الذى احتلته المطالب النسائية على جدول أعمال تلك القوى. أما إذا تجاوزنا مستوى التفاعلات السياسية المباشرة إلى كيفية حضور قضايا المرأة فى الجدل العام خلال "عامى الحديث عن التغيير" فالمشهد لا يختلف كثيراً. فالمرأة لم تجاوز مكانها كموقع للصراع بين القوى السياسية الساعية للهيمنة عل المجال العام. يوضح عمرو عبد الرحمن فى مناقشته لوقائع التحرش الجنسى فى أول أيام عيد الفطر الماضى بوسط المدينة أن الإشكاليات الأكثر حميمية الخاصة بصميم علاقة المرأة بجسدها، أن الجدل العام بشأنها لم يفعل سوى إعادة إنتاج ذات المقولات السائدة بشأن قضايا التحديث والنهضة، مترافقا مع تغييب قضايا النساء. على أن البحث المدقق يثبت أن الصورة ليست معتمة بالقدر الذى تبدو عليه للوهلة الأولى. فشهادات المدونات المنشورة فى هذا الملف ومقارنة داليا شمس بين واقع الكتابة النسائية فى ثلاثينيات القرن الماضى وواقع الكتابة النسائية على المدونات فى وقتنا الراهن ترصد تحولاً فى المزاج العام باتجاه فك الارتباط بين قضايا تحرر المرأة والقضايا الكبرى، سواء كانت وطنية أو "ديمقراطية" بالمعنى السابق الإشارة إليه. ويلقى مقال عمرو عزت بشأن الحجاب الضوء على التطورات الاجتماعية المهمة فى أوضاع النساء والتحولات والتباينات الواسعة فى الاستعمال الاجتماعى للحجاب، مقدما صورة مختلفة تماما عن الخطاب التنويرى التقليدى بشأنه. تكشف هذه الرؤى الجديدة عن حصول أجيال جديدة من النساء، بفعل التعليم، وتحت الحجاب وفى مواجهته، وحتى بفعل انتشار عمل النساء اليدوى والذهنى، على مكان أوسع تحت شمس المجتمع الحديث، وقدرة قطاعات منهن على دخول مجال الكتابة المطبوعة والإلكترونية بقضاياهن الخاصة، وبلورة خطاب نسوى مستقل، وشجاعتهن فى مواجهة النقد الشرس الذى، برغم شراسته، أصبح مضطرا إلى مجرد المطالبة بإبقاء الوضع على ما هو عليه، بعد أن كان الخطاب المحافظ السائد يطالب بالعودة السريعة إلى ما قبل حق المرأة فى العمل والمشاركة فى الحياة الاجتماعية والسياسية. هذا الملف يدعو القوى الديمقراطية واليسارية إلى إعادة النظر فى موقفها من قضايا النساء المصريات، ليس فقط كاستجابة لهذه المساهمات الجديدة نوعيا، ولكن أيضا كاستجابة لتحولات اجتماعية متراكمة تعيد تشكيل الفضاء الاجتماعى من حولنا بانتظام. فى هذا الإطار يحاول سامر سليمان استكشاف ما قد تسفر عنه محاولات الخطاب النسوى المستقل من إعادة تأسيس لمفهوم الديمقراطية ذاته فى مقال ختامى عن آفاق العلاقة بين الحركة النسائية والتجمعات المطالبة بالديمقراطية. البوصلة ------------
نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 14:59.
|
||||
|
Elbosla | Designed by Bent Masreya 2007 |
||||
علِّق