من "تحرير المرأة" إلى "تحرير المرأة مع الرجل" : الحركة الديمقراطية في مواجهة المسألة النسوية

سامر سليمان


المعارضة التقدمية والديمقراطية تحتاج لإعادة النظر في موقفها من قضية المرأة ومن العلاقات بين الجنسين، لكي تستوعب مطالب واحتياجات النساء والرجال معاً. التيارات المحافظة المسيطرة على المجال السياسي المصري ليس لديها أية إجابة شافية في مجال العلاقات بين الجنسين. هذه الإجابة الشافية لن تأتي إلا من المعارضة التقدمية إذا امتلكت الجرأة والدأب في إعادة تأسيس قضية المرأة على أرضية جديدة. هذا المقال يحاول البحث في أسس إعادة طرح قضية المرأة.

 

 

كيف يمكن توسيع وتقوية التيار الديمقراطي في مصر حتى يساهم في إنجاز مهمة التحول الديمقراطي؟ هذه هي أحد الأسئلة الأساسية المطروحة دوماً على أجندة مجلة "البوصلة" منذ صدورها عام 2005. فبالرغم من ارتفاع صوت التيار الديمقراطي في مصر في السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يزال ذو طابع نخبوي معزول عن المجتمع الواسع. فعندما يفقد النظام معظم شرعيته، وعندما يقترب رأسه من الثمانين عاماً، وعندما تضرب الصراعات الداخلية المجموعة الحاكمة.. عندما يحدث كل ذلك ويظل التيار الديمقراطي عاجزاً عن تعبئة الموارد المادية والبشرية اللازمة للانتهاء من الحكم الاستبدادي وإقامة نظام انتقالي يمهد للديمقراطية فهذا يعني أن التيار الديمقراطي في مصر لم يستطع حتى الآن بناء صيغة تنجح في اجتذاب فئات واسعة من المجتمع للمشاركة في التغيير السياسي.

"إن تحقيق الديمقراطية يتطلب أن نترك جانباً مصالحنا الفردية والفئوية لكي نتفق جميعاً على هدف أو أهداف مشتركة "وطنية" وفقط". هذه العبارة تلخص الرومانسية السياسية الشائعة هنا. إن مطالبة الناس بإنكار ذاتها من أجل التفكير في مصالح الوطن، ولا شيء إلا الوطن، هي إما دعوة لإقامة مشروع شمولي استبدادي يقهر العديد الناس باسم "مصالح الأمة"، أو في أفضل الأحوال هي دعوة فاشلة لكي يشارك الناس في حركة لا يعلمون ماذا سيكسبون منها في الواقع اليومي المعاش. إن تجارب التحول الديمقراطي – من أول أوروبا في القرن التاسع عشر والعشرين ووصولاً إلى آسيا وأمريكا اللاتينية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي – تبرز بوضوح أن صناع الديمقراطية كانوا أساساً فئات اجتماعية لها مصالح نوعية خاصة، ناضلت في سبيل الديمقراطية لكي تحصل على مكاسب فئوية مشروعة. من هذه الفئات الطبقة العاملة – العامود الأساسي الذي قامت على الديمقراطية في أوروبا – والتي كانت الديمقراطية السياسية بالنسبة لها أداة لمقاومة توحش واستغلال الرأسمالية في المجال الاقتصادي.

باستثناء أقلية محدودة من عشاق الممارسة السياسية، الناس لا تشارك في السياسة إلا إذا كان لها مصالح مباشرة فيها. هذه البديهية تنطبق بحذافيرها على الحالة المصرية. فلننظر إلى ثورة الاستقلال عام 1919.. آخر ثورة في تاريخ مصر. لقد كان هناك هدف جامع وهو التحرر من الاستعمار البريطاني، لكن هذا الهدف لم يكن من الممكن الشروع في العمل من أجله دون إعطاء مكتسبات سياسية لفئتين أساسيتين هما النساء والمسيحيين. لقد حصلت النساء على حق المشاركة في السياسة ولو بالتظاهر. فأصبحت لقطات المظاهرات النسائية ضد الاحتلال البريطاني وصورهن بلا غطاء للرأس هي إحدى علامات ثورة 1919. كما حصل الأقباط على اعتراف النخبة المصرية بحقهم في المساواة. فأصبح شعار "يحيا الهلال مع الصليب" الذي رُفع ورُسم على الأعلام هو أيضاً أحد علامات ثورة 1919.

إن مشاركة جموع كثيرة من النساء هو أحد شروط نجاح التحول الديمقراطي الذي تنتظره مصر. فالديمقراطية لا يدافع عنها فقط من يؤمن بها، ولكن أيضاً وقبل كل شيء من له مصلحة فيها. النساء كانوا في معظم المجتمعات على قمة الفئات التي حققت مكاسب من الديمقراطية. نحن نستخدم الديمقراطية هنا بمعناها الواسع التي يتجاوز التعريف الإجرائي (انتخابات حرة ونزيهة)، بحيث يشتمل على الحقوق والحريات الفردية، كما على الحقوق المشروعة للفئات النوعية. إن الاهتمام بالمصالح النوعية للنساء المصريات في المجتمع كما في المجال السياسي هو أمر ملح بالنسبة للمعارضة التقدمية، وهو الذي لم يحدث حتى الآن، لأن المجال السياسي المعارض محافظ تجاه النساء، لذلك فرفع مطالب وحقوق المرأة الحقيقية فيه تهدد بعزل من يرفعها. ولأن الحركة التقدمية لم تنجح حتى الآن في توسيع المجال السياسي – أي إدخال أفراد وجماعات جدد إلى دائرة الممارسة السياسية – فهي مضطرة لتقديم تنازلات كبيرة فيما يخص موضوع النساء، مع أن التنازل في هذه القضية لا يضيف إلى المعارضة التقدمية إلا ضعفاً على ضعف.

تتأسس هذه المقالة على حقيقة أن النساء لهن مشاكل ومصالح في مصر تنبع من كونهن نساء. ولكن النساء لسن فقط نساء، فهن عاملات وصاحبات أعمال، فقيرات وغنيات، متعلمات وغير متعلمات، بحريات وصعيديات، مسيحيات ومسلمات، الخ. النساء لهن انتماءات متعددة، المشترك الوحيد بينهن أن كلهن نساء، بما يعنيه ذلك من بناء جسمي ونفسي متميز. هذا المشترك بين النساء لن يصنع حركة تضم كل النساء، ولكنه يجب أن يضع التفكير في مصالح المرأة النوعية على أجندة التيارات الساعية إلى توسيع القواعد التي تمثلها. بعبارة أخرى الخطاب السياسي الموجه للنساء يجب أن يأخذ في اعتباره الانتماءات المتعددة للمرأة، ولكنه لا يجب أن يتغافل عن حقيقة أساسية وهي أن المرأة لها هواجس ومشاكل وطموحات وأحلام نابعة من كونها امرأة. كما أن الرجل له هواجس ومشاكل وطموحات وأحلام نابعة من كونه رجل.

إن تعريف المصالح النوعية للنساء لا بد وبالضرورة أن يكون سابقاً على تعريفها بالنسبة للرجال، لأن الرجال هم في مواقع السلطة والنفوذ والثروة بما يجعلهم في موضع قوة. والأقوياء غالباً لا يساءلون الوضع القائم حتى ولو كانوا غير سعداء وغير متحققين فيه، لأن القوة تصيب الناس بالعمى. من هنا فإن طرح المصالح النوعية للنساء هو مفيد للمجتمع ككل لأسباب كثيرة منها أنه يساعد الرجال أنفسهم على التفكير في مصالحهم النوعية وطرحها بشكل مباشر بدلاً من التخفي وراء خطاب عام يدعي تمثيل مصالح "الأمة" وهو في الحقيقة لا يمثل إلا جزءاً منها. إن بشائر تبلور وعي بالمصالح النوعية للرجال ماثلة في الواقع. فالمقولة التي انتشرت كالنار في الهشيم في السنوات الأخيرة هي أن الرجال هم المضطهدين وليس النساء. صحيح أن هذه المقولة تعبر جزئياً عن هجمة مضادة ذكورية تدافع عن مواقعها ضد خطاب نسوى يتحدث عن تمييز ضد المرأة (ضربني واشتكي وسبقني وبكى) لكنها مقولة في النهاية تكشف عن أن هناك مصالح نوعية للرجال يجب طرحها للنقاش. هذه المقولة تكشف أيضاً عن أنه برغم الإطار القانوني والثقافي والاقتصادي الذي يعطي للرجل مميزات في مواجهة النساء، فإن هناك نساء قادرات بالرغم من ذلك على إيذاء الرجال. وفي كثير من الأحيان يكون هذا مرتبطاً بذاك، أي أن اضطهاد المرأة في القانون وفي المجال العام يؤدي أحياناً، إلى عنف مضاد (سلبي غالباً) تقوم به بعض النساء ضد بعض الرجال. ومن هنا فإن كاتب هذه السطور يتبنى بالكامل مقولة نوال السعداوى أن التمييز ضد المرأة في النهاية يعمل ضد المرأة والرجل معاً، فهو إما يخلق سياقاً يحتدم فيه الصراع بين المرأة والرجل، وإما يخلق سياقاً من الهدوء المصطنع الذي يخفي وراءه حالة من عدم الإشباع والتحقق لدي المرأة، تنعكس على العلاقة بين الرجل والمرأة وتحول دون تفتحهما وسعادتهما معاً.

ما هي مصالح المرأة؟

كانت الحركة النسوية في بدايتها تُعرف مصلحة المرأة في المساواة مع الرجل، أي ممارسة المرأة لنشاطات يحتكرها الرجال. وكانت ردة الفعل الذكورية التي عبرت عنها السينما المصرية بامتياز هي رسم صورة كاريكاتورية للنشطة النسوية باعتبارها معقدة راغبة في أن تصبح شبه رجل (مديحة يسري مثلاً)، لذلك يكون خلاصها على يد رجل جذاب ناعم (محمد فوزي مثلاً) يستطيع بهذه الجاذبية الناعمة احتواء عُقد هذه المرأة والوصول إلى عقلها وقلبها، ومن ثم هدايتها إلى قبول حقيقة أنوثتها، وهي الحقيقة التي لم ترغب النساء من الأصل في إنكارها. إن الهجمة المضادة الذكورية التي قامت على ضرب الخطاب النسوى ببيان الاختلافات الأصيلة بين الرجال والنساء قد نجحت في تأخير بلورة خطاب نسوى، لأنها أوقعت بعض النساء في فخ الدفاع عن فكرة ساذجة لا تقوم على أي علم، وهي أنه باستثناء والحمل والولادة ليس هناك أية فروق بين الرجل والمرأة. ولكن القضية اليوم شديدة الوضوح بالنسبة للنسويات: ليس هناك أية رغبة في التماثل مع الرجال. فليس هناك أي مؤشر مثلاً على أن غياب النساء عن ساحة رياضة الملاكمة تؤرقهن. النسوية الراديكالية اليوم تفهم جيداً حقيقة الاختلاف الجسمي/النفسي بين الرجال والنساء، لذلك هي لا تنكره وإنما تعترف به مع التأكيد على أن هذا الاختلاف لا يحب أن يعطي للرجل أي تفوق على المرأة.

إن الاعتراف بحقيقة الاختلافات بين الرجل والمرأة يزيح عن كاهل النساء عبء كبير. فكل الشواهد التي تشير إلى اختلاف الرجل عن المرأة لن تؤرقها ولن تعمل بالضرورة ضدها. فالمطلوب ليس أن تتكيف المرأة مع كل المؤسسات والمجالات التي صنعها الذكور وتحقق فيها نجاحاً بأن تصبح ذكراً أكثر من الذكور. المُراد هو أبسط وأكبر من هذا بكثير.. هو خلق واقع تشارك المرأة في صياغته على مقاس المرأة والرجل معاً، حتى لا يكون هذا الواقع فيه تمييز يعطل نمو المرأة وقدرتها على النجاح. فالمجال السياسي الذي يقوم على العنف المادي - على سبيل المثال - لن تجد المرأة فيه إلا القليل من النجاح. لذلك فإن إزاحة العنف المادي من العمل السياسي سيؤدي إلى زيادة حضور ونجاح النساء في السياسة. الدليل على ذلك أن أكثر الدول التي تحقق فيها المرأة إنجازات سياسية هي بلدان شمال أوروبا مثل السويد والدانمرك. وهذه المجتمعات تعرف أقل مستوى في العالم من العنف السياسي.

ولكن الاعتراف بوجود اختلافات جسمية ونفسية بين الرجل والمرأة لا يجب أن يفتح الباب أمام المبالغة في هذه الاختلافات، لأن هناك نظرية المرأة الأدنى من الرجل تتخفى غالباً الآن وراء مقولات اختلاف المرأة عن الرجل. وهنا يجب أن يكون للعلم حضور قوي في النقاش لحسم إلى أي مدى تختلف النساء عن الرجال، ولوضع هذا الاختلاف في سياقه التاريخي باعتبار أن بعضاً من هذه الاختلافات ترجع إلى ميراث تاريخي وليس إلى طبائع بيولوجية/نفسية. كما أن الاعتراف بالاختلافات بين الجنسين ورد الاعتبار لتميز المرأة ببعض الصفات وتمجيد هذا التميز – كما تفعل بعض النساء – لا يجب أن يؤدي للمبالغة فيما يمكن أن يحققه هذا التميز. فمن المرجح أن تكون المرأة أقل ميلاً للمنافسة الشرسة وللعنف الجسدي من الرجل، وحضورها في المجال السياسي لابد وأن يساهم في تهذيب هذا المجال. لكن القول بأن العالم لن يكون فيه عنف لو حكمته النساء هو طرفة تتجاهل أن العنف السياسي له مصادر متعددة أهمها الصراع على الثروة والنفوذ.

وعلى ذلك، فإن مفهوم المساواة بين الجنسين الذي نتبناه هنا لا يعني التماثل بين الرجل والمرأة ولكن تكافؤ الفرص: أن يترك المجتمع للمرأة الحرية في اختيار المجالات التي تتحقق فيها، وأن يزيل كل العقبات التي تحول دون مشاركتها في المجالات التي ترغب في الولوج إليها، بل ويساعدها على تجاوز الظلم التاريخي الذي استبعدها من مجالات عديدة. فالمجتمع له مصلحة في مشاركة المرأة. إن اقتصار مشاركة المرأة على المجال المنزلي هو إفقار للمجتمع ككل. فلا تقدم ولا رفاهية بدون مشاركة المرأة. المجتمعات التي حققت طفرات اقتصادية وسياسية هي المجتمعات التي تشارك فيها المرأة بقوة. والمجتمعات التي لم تحقق أي طفرات هي نفس المجتمعات التي لا تشارك فيها المرأة. الاستثناء الوحيد على ذلك هو بعض مجتمعات الخليج العربي، التي حققت رفاهية مادية بدون مشاركة كبيرة النساء لأنها استعاضت عن مشاركة النساء بمشاركة رجال أجانب استخرجوا لهم "الذهب الأسود" من باطن الأرض.

"النسوية" الحكومية.. هل هي الحل؟

تعرضت الحركة النسوية لتكسير العظام على يد التيارات المحافظة التي مارست هيمنة واسعة على المجتمع المصري في السنوات الماضية. فبرغم أن اللحظة التي تعمدت فيها هذه الحركة كانت ذروة الكفاح من أجل التحرر الوطني عام 1919، وبالرغم من التضحيات التي قدمتها الحركة في هذا الشأن لم تستطع أن تعفيها من اتهامات بالتبعية لما يسمى "الغرب". لقد نجحت القوى المحافظة إلى حد كبير في إضعاف روابط الميول النسوية بالتيارات العلمانية المصرية مثل اليسارية واللبرالية، تلك التي تقول أنها قادرة على حمل قضية المرأة والدفاع عنها في المجال السياسي. فالكثير من النساء المهتمات بالشأن العام تنأين بأنفسهن عن أية علاقة وثيقة مع التيارات العلمانية خوفاً من "الشبهة". وفي الوقت نفسه نجح المحافظون إلى حد كبير في إجبار التيارات العلمانية على وضع سقف منخفض لحقوق المرأة التي يدافعون عنها. فبعض التيارات العلمانية تخشى رفع أي مطالب جذرية للمرأة حتى لا تتعرض للتنكيل وللتشهير من قبل القوى المحافظة. ويصل الخضوع لابتزاز المحافظين إلى حد الفكاهة حين يهاجم بعض اليسار النضال ضد ختان المرأة باعتبار أن هذه القضية تمثل أجندة "غربية" أو أجندة جمعيات حقوق الإنسان الممولة من "الغرب" التي تريد صرف اليسار عن النضال الحقيقي مع الطبقات الشعبية. والبعض لم يكتف بعدم المشاركة في أي تحرك ولو بقلبه ضد الختان، ولكنه رجم من يعمل على هذه القضية، أي أنه لا يرحم ولا يترك رحمة ربنا تنزل. وكأن المسائل تحل بإما أو: إما أن يعمل اليسار على حقوق الفئات المضطهدة طبقياً وإما أن يعمل على حقوق الفئات المضطهدة بسبب الجنس أو الدين أو العقيدة. والحقيقة أن طرح القضية بهذا الشكل هو طرح عقيم لأن التحرر مسألة شاملة لا يمكن أن تتحقق إلا بالنضال على كل الجبهات بالتوازي، ومن يقبل الظلم لفئات بسبب لونها أو عقيدتها أو جنسها، لا يجب أن نثق به كثيراً حين يتحدث عن التحرر الوطني أو التحرر الطبقي. ومن يتحرر داخل بيته وداخل أسرته هو الأقدر على النضال التحرري في المجال الاقتصادي والسياسي. ومن يسعى حقاً للتحرر في مجال معين يجب أن يقيم تحالفات مع الساعين للتحرر في مجالات أخرى.

لقد أدت هيمنة التيارات المحافظة على المعارضة المصرية إلى ميل النسويات في السنوات الأخيرة إلى العمل بالتعاون مع النظام القائم. فبرغم إيمان معظمهن بالديمقراطية، وبرغم كل تحفظاتهن على جرائم النظام القائم، فإن حالة المعارضة المصرية التي لا تسر جعلت الانضواء تحت جناح النظام – من خلال أشكال مثل المجلس القومي للمرأة – هو الخيار الأكثر واقعية. لقد حصلت المرأة بالفعل في عهد مبارك على بعض المكتسبات: قانون الخُلع ومنح الجنسية المصرية لأولاد وبنات المصريات أسوة بالرجال (مع ملاحظة أن هذا الحق مقيد بعقبات إدارية)، هذا بالإضافة إلى تسهيل سفر المرأة دون التقيد بتقديم ما يفيد موافقة الزوج. ولكنها خسرت على مستويات أخرى عديدة مثل التمثيل السياسي (البرلمان وغيره) وعلى مستوى القدرة على التحرك بحرية في الشارع وفي العمل. وما الانتشار الخرافي للحجاب في عصر مبارك إلا تعبيراً عن زيادة قسوة المناخ الذي تتحرك فيه النساء بشكل مرعب.

ولكن هذا التحالف مع النظام القائم له أثار خطيرة على مستقبل الحركة النسائية:

- هو يربطها بنظام استبدادي فاسد وغير شرعي ولا يقل ذكورية في بعض الأحيان عن تيارات المعارضة المحافظة، مما يضع سقفاً منخفضاً لطموحاتها.

- هو يأتي بمكتسبات فوقية لا تقف على أرضية صلبة، لأنها تأتي كمنحة من "سيدة مصر الأولى"، ومن ثم يسهل الانقلاب عليها. هذا ما حدث من قبل مع قانون الأحوال الشخصية الذي صدر في عهد السادات والذي سمي "قانون جيهان" وتراجع عنه نظام مبارك في الثمانينيات بعد أن حكمت المحكمة الدستورية العليا ببطلانه لاعتبارات شكلية.

- كما أن التحالف مع النظام تقوم به نساء من النخبة، لذلك فالمكتسبات التي ستعمل عليها تلك النساء – بالرغم من أهميتها وشرعيتها - ستعكس فقط القضايا الملحة بالنسبة لنساء النخبة.

من أجل عقد جديد بين قضية النساء والحركات التقدمية

من الطبيعي والمفهوم أن تعمل بعض المجموعات النسوية من داخل النظام القائم، وهي قد حصلت بالفعل على بعض المكتسبات. ومن الطبيعي والمفهوم أيضاً أن تقابل المعارضة ذلك بالاستهجان. ولكن هذا الاستهجان لن ينفع بشيء إذا لم تقم المعارضة التقدمية بعملية مراجعة شاملة لموقفها من المرأة بعد أن خذلت النساء أكثر من مرة. فاللبرالية التي انطلقت مع مسيرة الاستقلال الوطني في 1919 كانت تحمل بعض الوعود للمرأة، ولكنها لم تنفذ منها إلا أقل القليل. فحق التصويت في الانتخابات لم تحصل النساء عليه إلا في منتصف الخمسينيات وبعد أن تحرك العديد من النساء وقمن باعتصامات بحيث دفعن الضباط إلى منحهن حق التصويت. واليسار بالرغم من أنه التيار الأكثر راديكالية في تبني حقوق النساء إلا أنه خذل النساء أحياناً سواء لأن الممارسات الشخصية لبعض أعضائه كانت تتعارض أحياناً مع الخطاب التقدمي عن علاقتهم بالمرأة، أو لأنه استخدم موضوع حقوق النساء بشكل نفعي أحيانا كمنصة يطلق من عليها النقد ضد الحركة الإسلامية، دون أن يهتم فعلاً بمطالب وتحركات النساء بشكل واقعي.

وهذه المراجعة الضرورية التي قد تقوم بها المعارضة التقدمية ستتجاوز إضافة ملحق عن حقوق النساء في برامج الأحزاب. يجب إعادة صياغة برامج وأجندة هذه التيارات لكي تستوعب بشكل أصيل المشاكل النوعية للمرأة. والحقيقة أن هذا الملف المخصص للمرأة في مجلة "البوصلة" ليس إلا تعبيراً عن "عودة للوعي" في مسألة المرأة. فالتيارات الديمقراطية واليسارية في مصر لا يمكنها أن تتحمل رفاهية عدم التعرض بشكل مباشر لقضية النساء في مصر.

ما هي الحقوق المهدرة للمرأة ؟

لكي تعمل التيارات التقدمية على موضوع المرأة يجب بادئ ذي بدء أن تتفق على المشاكل النوعية التي تتعرض لها المرأة في مصر، أي المشاكل التي تتعرض لها، أو التي تتعرض لها بشكل مضاعف، بسبب أنها امرأة. فالمرأة تعاني من الاستبداد السياسي مثلها مثل الرجل، لذلك لا يمكننا القول بأن الاستبداد يندرج تحت المشاكل النوعية للمرأة. أما التحرش الجنسي – على سبيل المثال - فهذه مشكلة نوعية خاصة بالنساء دون الرجال (على حد معلوماتي). ما هي هذه المشاكل النوعية التي تعاني منها المرأة إذن؟

- الاستبعاد والتهميش في بعض الوظائف: هناك العديد من المهن والوظائف تكاد تكون مغلقة تماماً أمام المرأة أو أن الطريق إليها شديد الصعوبة. فالمرأة محظور عليها حتى الآن العمل كقاضية، وهي لا تعمل في المؤسسات الأمنية والعسكرية والدينية (الإسلامية والمسيحية على السواء) إلا في وظائف السكرتارية وما شابه. كما أنها لا تأخذ فرصتها في الارتقاء الوظيفي في أحيان كثيرة لأن المؤسسات لا تأخذ في اعتبارها الظروف الخاصة للمرأة مثل الحمل والولادة.

- التهميش السياسي: المجال السياسي يسيطر عليه الرجال ولا تظهر المرأة فيه إلا على الهامش: وزيرة أو وزيرتين على الأكثر، حضور هزيل في المجالس النيابية، غياب تام عن تولي موقع المحافظ، غياب شبه تام عن المناصب القيادية في معظم الأحزاب والجماعات السياسية، الخ.

- التهميش الاقتصادي: الثروة في مصر تحتكرها قلة من المحظوظين ومعظمهم من الرجال. إن نصيب المرأة من إجمالي الثروة القومية يقل بكثير عن نصيب الرجل، كما أن نسبة الفقر والبطالة تزيد لدى النساء. بالطبع التهميش الاقتصادي يصيب الرجال أيضاً، لكن المرأة تتعرض له بشكل مضاعف.

- العنف الجسدي ضد المرأة سواء بالضرب في المنزل من جانب الزوج أو الأخ أو اقتطاع جزء حيوي من جسدها (الختان) أو التحرش الجنسي بها في المجال العام، في الشارع وفي أماكن العمل.

- التمييز بينهن وبين الرجال في الحقوق داخل الأسرة سواء بمقتضى قوانين معينة (الأحوال الشخصية) أو بسبب الأعراف والتقاليد. ويتجلى هذا التمييز في أشكال عديدة منها إجبارهن على القيام بالأعباء المنزلية بدون معاونة الزوج، والاهتمام بتعليم البنات بدرجة أقل بكثير من تعليم الأولاد.

نحو تيار تقدمي مستوعب المطالب النسوية

كما أشرنا سلفاً، معظم النساء والنسويات الراغبات في التحرر لا يجدن في معظم التيارات التقدمية ما يغري، سواء لأن هذه التيارات لا تمتلك برنامجاً حقيقياً لتغيير واقع المرأة ومقاومة التمييز الواقع عليها أو لأن هذه التيارات ضعيفة بما لا يجعل خيار الانضواء تحت النظام القائم والعمل من خلاله هو الخيار الأكثر واقعية. وهذا يدفع إلى الشروع المباشر في تطوير برامج هذه التيارات فيما يخص المرأة. هذه البرامج ستكون محصلة جهود جماعية، كما ستكون ثمرة للتفاعل بين التيارات التقدمية من جهة والمجموعات النسوية أو النساء بشكل عام من جهة أخرى. ومن المرجح أن تلعب النساء أعضاء التيارات التقدمية والنسوية على السواء دوراً محورياً في ربط هذا بذاك. ما أود طرحه للنقاش هنا على الزملاء والزميلات من التيارات التقدمية هو افتراضين قد يساهمان في وضع إطار لجهود التيارات الديمقراطية في صياغة برامج خاصة بالمرأة.

أولاً: قضية النساء تخص النساء أولاً، ولكن تأثيرها يمتد ليشمل المجتمع كله. فختان البنات على سبيل المثال يؤدي إلى حالة من الاغتراب تعاني منها المرأة في علاقتها الجسدية برجلها. من المتوافق عليه طبياً أن الختان لا يمنع المرأة من اشتهاء الرجل ولكنه يحول بينها وبين الارتواء، مما ينتقص بشكل بالغ من متعة الرجل نفسه. لأن الجنس نشاط تبادلي، تزيد متعة أحد أطرافه بزيادة متعة ومشاركة الطرف الأخر. بالإضافة إلى ذلك فإن الضرر من التمييز الواقع على المرأة يصيب المجتمع ككل. مثال أخر لكيف يضر التمييز ضد المرأة بالمجتمع ككل هو تهميش المرأة في المجال الاقتصادي. فهذا التهميش يعوق التطور الاقتصادي للمجتمع كله، لأنه يحرمه من جهود في مختلف المجالات الاقتصادية. فلننظر إلى خريطة العالم ولنحاول أن نجد مجتمعا واحدا متقدما اقتصادياً بدون مشاركة واسعة من المرأة. لا يوجد. المجتمعات الوحيدة التي ترفل في نعيم الثروة في ظل تهميش النساء هي مجتمعات الخليج، وهي غنية بفضل هبات السماء (الذهب الأسود) وليس بفضل العمل المنتج الخلاق.

ومن هنا فإن تبني الحركات السياسية التقدمية لحقوق المرأة لا ينبع فقط من منطلقات مبدئية أو من منطلق الدفاع عن حقوق المضطهدين، ولكنه ينبع بالأساس من منطلق مصلحة المجتمع ككل.

ثانيا: إن العمل على قضايا المرأة لا يصح أن يقتصر على المطالب السهلة مثل حقهن في العمل وفي المشاركة السياسية. فبسبب هيمنة القوى المحافظة في المجتمع – إسلامية ومسيحية على السواء – تجاهلت التيارات التقدمية قضايا أكثر حساسية مثل الجسد والعلاقات بين الجنسين داخل المنزل. فالعمل والمشاركة السياسية لا يمثلان كل طموحات المرأة ولا بالضرورة أهمها. هناك قضايا أخرى حيوية مثل قدرة المرأة على التحرك بحرية وأمان في المجال العام. إن تجاهل هذه القضايا قد زاد من عزلة التيارات التقدمية عن النساء، وفي نفس الوقت لم يوثق علاقتها بالمجتمع ككل. لابد من طرح كل قضايا المرأة وكل ما يخص العلاقات بين الجنسين بشكل أمين وصريح وبدون استبعاد لقضايا يخشى المحافظون طرحها. هذا الاحتقان والإحباط الذي يضرب النساء والرجال في علاقتهما ببعضهما بالبعض لا يمكن أن يخلق ناسا أسوياء ولا يمكن أن يخلق مجتمعا ناهضا متحررا من التخلف والاستبداد والاستغلال والقهر.

خاتمة

ليس هناك مجتمع حر بدون مواطنين أحرار، وليس هناك مجتمع عادل لا يقيم علاقات متوازنة بين الجنسين تسمح لهم بالتفتح والتحقق. إن الكلام الدائر الآن عن التحول الديمقراطي وعن مجتمع العدالة والمساواة لا يمكنه أن يتجاهل الظلم تجاه المرأة، الذي يصل إلى حد إجبارها على ارتداء أزياء مقيدة لها وإلا تم التعامل معها بوصفها متبرجة يمكن استباحة جسدها. كما أن الكلام الدائر عن التحديث والتقدم لا يمكن أن يتجاهل السياق الرديء جداً الذي تقوم فيه العلاقات بين الجنسين والذي يخرج أسوأ ما فيهما.

لقد حان الوقت لكي تقوم التيارات الديمقراطية بحوار جاد مع الخطاب النسوي والمطالب النسوية، فكلاهما رابح من هذا الحوار. فالنسوية لن تحقق أهدافها بدون حلفاء لها في المجال السياسي. والتيارات الديمقراطية لن تتسع إلا إذا أدرجت في برامجها وخطاباتها المصالح المباشرة المشروعة لفئات عديدة من أهمها النساء. والظروف الاجتماعية اليوم مهيأة بشكل لم تكن عليه أبداً. فنسبة النساء في قوة العمل تتزايد ونسبة النساء التي يعلن أسرهن في ارتفاع مطرد. ولأول مرة في تاريخ مصر تتشكل كتلة من النساء المستقلات (عازبات أو مطللقات) اللاتي وإن لم يكن زاهدات في الرجال أو عازفات عن الزواج، إلا أنهن امتلكن الشجاعة الكافية والاحترام الشديد للنفس لكي يرفضن الانضواء في علاقات زواج لا توفر لهن الحد الأدنى من طموحاتهن المشروعة. هناك راديكالية نسائية اجتماعية متصاعدة تحتاج إلى أن تجد تعبيرها السياسي. فلتمد المعارضة التقدمية يدها إلى هؤلاء.

----------------------

تصوير : s_comley

------------------------------------------------------------------

هل انتشار غطاء الرأس دليل على تدهور وضع المرأة

نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 14:55.

Optimistic piece

Not participating in politics, getting releaved from the economic burden of sustaining the househld (at least normatively) does not bother Egyptian women as much as not particpating in boxing matches. This is the problem; those most concerned do not demand such rights. Women themselves have become fierce agents of consolidating such ideas and even implementing them. It is not a structural problem that hiders thier entry into the political scene. Conversely, sucess in the political sphere is determined by other factors.The structure could be hindering all different serious parties, if there is any. In fact some women can make it through the existing structure. I don't see it as a political problem at all. Women's issues  are only a mainfestation of a political struggle  between the secular oriented regimes and the Islamic movments. 

It is a cultural problem. 

Most Importantly, don't tell me that Egyptian secularists are" really" supportive women's rights. Most of them are hpocrytes. , as Lama Abu Auda hinted. Instead of wanting to cover women up in the public space, reducing women to their bodies under the assumption they are a commodity, they would like to take thier clothes off to enjoy thier bodies,also as commodoties (except for thier wives, daughters and relatives of course).  You are so optemestic   

Excuse my spelling. It was

Excuse my spelling. It was almost 3am.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Copy the characters (respecting upper/lower case) from the image.