|
صوت ديمقراطي جذري
|
||
تحرير المرأة يمر عبر الجسد! .. قراءة في فيلم "دنيا"سامر سليمانفيلم جوسلين صعب الأخير "دنيا" يفجر قضية الصراع حول جسد المرأة المصرية، لا بل جسد المجتمع كله الذي يعاني من الكبت والقمع والانتهاك. وهو فيلم شديد الأهمية بالرغم من الاستقبال البارد الذي لاقاه الفيلم، ربما بسبب ميله العالي للتجريد، وبسبب الحصار الذى فُرض عليه.
في فيلمها الأخير "دنيا" اقتحمت المخرجة اللبنانية جوسلين صعب منطقة شديدة الوعورة: جسد المرأة المصرية. يا للهول!! كيف تجرؤ على ذلك وهي غير مصرية، لا بل لبنانية متفرنسة؟ هكذا اكتنفت كافة مراحل صناعة وعرض الفيلم صعوبات جمة بسبب البيئة المعادية لطرح هذا الموضوع أو لطرحه بالشكل الذي تناولته جوسلين: فمن تعنت للرقابة، وصل إلى حد تسريب السيناريو إلى وسائل الإعلام لفضحه، ومن إحجام عديد من الممثلين عن قبول أدوار في الفيلم، ومرورا بممارسة بعض الممثلين المشاركين في الفيلم الرقابة عليه، تجلت في رفضهم النطق ببعض عبارات السيناريو الأصلي، إلى هجوم شديد تعرضت له حنان ترك (بطلة الفيلم) بعد عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي سنة 2005، الأمر الذي أوصلها إلى البكاء. هذا فيلم ينكأ الجراح. و"الجرَّاحة" هنا غير مصرية، لذلك فهي متهمة بعرض غسيل مصر الوسخ على الشاشة لغرض في نفس يعقوب. ما هو غسيل مصر الوسخ الذي ينشره الفيلم؟ مشهد لفتاة صغيرة تتعرض للختان الذي أشرفت عليه جدتها، وحوار بين المرأة وزوجها تعلن له فيها أن جسدها كله له، إلا منطقة واحدة هي رأسها، ومشاهد أخرى لمناطق شعبية فقيرة، وغيرها وغيرها. هل هذا غسيل مصر؟ نعم.. هذا بعض منه. فمشهد الختان يمثل ذروة العنف المادي والمعنوي الهائل الذي يُمارَس على المرأة المصرية، والجملة التي ألقت بها دنيا في وجه زوجها عن منحه جسدها كله إلا رأسها تلخص العلاقات المتردية بين الأزواج في مصر، ومشاهد الأحياء الفقيرة تذكرنا أنه خلف واجهة القاهرة الحديثة الغنية هناك محيط هائل من الفقر والعوز لا تريد النخبة أن تراه أو تسمع عنه شيئاً.
الفيلم قصة مش مناظر! خيب هذا الفيلم آمال بعض عشاق الأفلام البورنو أو "الأفلام الثقافية" كما يُطلق عليها للتمويه. فالفيلم تعرض للهجوم بوصفه فيلماً إباحياً، وهو الأمر الذي جذب بعض المحبين لذلك النوع من الأفلام. ولكن الحقيقة أن الفيلم لم يحتو على التوابل الجنسية التي يبحث عنها عشاق أفلام "المناظر"، بالرغم من أن موضوعه هو جسد المرأة. ربما تفسر خيبة الأمل تلك بلادة حس بعض مشاهدي الفيلم في سينما ريفولي التي شاهدت فيها الفيلم. هؤلاء لم يبدوا تعاطفاً مع أية قضية طرحها الفيلم، بل قابل بعضهم مشهد ختان الفتاة الصغيرة بالضحك! ما هي الحكاية؟ الموضوع باختصار أن دنيا (حنان ترك) تتخبط في مسيرتها نحو الإشباع والتحقق. فهي تدرس الأدب العربي وتريد اتخاذ مسألة الحب في الأدب العربي القديم موضوعاً لبحثها. ولكن المشكلة التي ألقى بها أستاذها الدكتور بشير (محمد منير) هي أن دنيا نفسها لا تعرف ماهية الحب، فهي غير قادرة على معرفة إذا كانت قد وقعت في الحب أم لا. هي على علاقة بشاب "معجباني" (فتحي عبد الوهاب)، لكن يبدو أنها علاقة غير مشبعة، فهي ليست متأكدة من حبها له. ومن هنا فدراستها لموضوع الحب فيها مشكلة بما أنها لا تعرف بادئ ذي بدء ما هو الحب الذي سوف تدرسه. بالإضافة إلى دراسة الأدب تريد دنيا أن تتبع خطى والدتها المتوفية وأن تصبح راقصة. وهي هنا تلجأ إلى أستاذ الرقص ذي النزعة الصوفية (وليد عوني) كما إلى الراقصات البلدي من تلامذة والدتها.
تحرر المرأة بين الفكر والإحساس تتراوح دنيا إذن بين اثنين من الأساتذة: الأول مثقف وكاتب يعمل على تحرير عقلها، والثاني أستاذ للرقص يعمل على تحرير جسدها. والتحرر هنا ضروري للنجاح في كلا النشاطين، فلا فكر ولا رقص بدون تحرر ذاتي للعقل والجسد معاً. لكن يبدو أن الفيلم يميل إلى التأكيد على أهمية تحرر الجسد. فالكاتب الذي يعمل على تحرير عقل دنيا يغرق في المواجهة مع التيارات المحافظة التي تطالب بمصادرة درة الأدب العربي القديم، "ألف ليلة وليلة". تنتهي المواجهة بأن يعتدي عليه الفاشيون فيفقد البصر. وهنا يتقدم وليد عوني لكي يساعده على الحياة بلا عيون، عن طريق تنمية إحساسه بجسده وبحواسه الأخرى. والدرس الأساسي الذي يعطيه له أستاذ الرقص هو أن يكثف تركيزه على الضوء الذي يشعر به دون أن يراه، وأن يتجاهل الظلمة، في إشارة رمزية لأن يسير المثقف في طريقه ولا يلتفت كثيراً لترهات المحافظين. وكون هذا الدرس يأتي من الفنان إلى المثقف، هل يوحي بأن جوسلين تقول أننا خسرنا المعركة مع المحافظين لأننا قاومناهم بالعقل وليس بالفن؟ هل هي تطالب بأن يقود الإحساس العقل في التحرر؟ فالعقل هنا (محمد منير) مصاب بالعمى وهو قد انتهى إلى تسليم القيادة للفن (وليد عوني). هكذا فهمت المسألة. لكن المخرجة في حوارها معي قالت أن الرسالة مختلفة. فالمصاب بالعمى هنا ليس المثقف، ولكن المجتمع العربي كله، لأن هذا المجتمع قد أهمل جسده. الحق يقال أن الدعوة الصوفية للاتحاد بين العقل والجسد مطروحة في الفيلم، فنرى على سبيل المثال تأكيد أستاذ الرقص لتلميذته أن الجسد كله يتحرك من منطقة الدماغ. لكن في اعتقادي أن الفيلم عرض دور العقل بشكل أضعف بكثير من الفن، فعضلات العقل لم تبرز في هذا الفيلم، بعكس عضلات الجسد. ربما لم تقصد المخرجة ذلك، لكن هذا ما شعرت به. شخصية المفكر في الفيلم ضعيفة وغير مقنعة. لقد جانب المخرجة الصواب عندما ألقت بهذا الدور الصعب على محمد منير، الذي لم يمتلك مفاتيح شخصية الكاتب والمفكر. صحيح أنها أحالت دور أستاذ الرقص إلى هاوٍ، لا إلى ممثل محترف، وهو وليد عوني، ولكن عوني استُدعي في هذا الفيلم لكي يؤدي دورا يقوم به في الحياة الحقيقية، لذلك فقد أقنعني بغض النظر عن البرودة التي تغلف أدائه للدور. تظل دنيا في حالة مراوحة بين التحرر والخضوع للقيود الاجتماعية. لذلك فهي تتزوج من المعجباني فتحي عبد الوهاب الذي رفضت أن تعطيه جسدها قبل الزواج، وهو على ما يبدو أحد الأسباب التي جعلت هذا الزواج ممكناً. إلا أن الزواج لم يحل معضلة عطائها للحبيب. ففي أحد المشاهد تقول له بكل تحدي بل وفجاجة أن جسدها كله له إلا دماغها. والفجاجة هنا تتمثل في استخدام خطاب بعض العاهرات للزبائن: "كله إلا البوس". لأن العاهرة وإن كانت تبيع جسدها، فهي في كثير من الأحيان تريد الإبقاء على جزء غير قابل للبيع لتقدمه بلا ثمن للحبيب أو لمن يعاشرها. كيف تحولت الزوجة إلى عاهرة؟ تجيب جوسلين بأن الختان يصنع من المرأة عاهرة، لأنه يجعلها تمارس الجنس بلا استمتاع. فالأصل في الجنس هو أنه يروي ظمأ الإنسان للنشوة والحب، والعهر هو أن تمارس المرأة الجنس بلا حب ولا نشوة ومقابل شيء، قد يكون المال أو المنفعة أو الحماية أو أي شيء أخر. هنا تتدخل اثنتين من صديقاتها وأساتذتها، سائقة التاكسي عايدة رياض، وأستاذة الجامعة سوسن بدر، لانقاذ دنيا وإعطائها دروسا في غواية وإثارة الرجل بالوصفة التقليدية، أي بثنائية التمنع والقبول (لا يعني نعم ونعم تعني لا). وتتخذ المخرجة من المطبخ مكاناً لكي تتلقى فيه دنيا هذا الدرس، فالمطبخ هو أحد المناطق المحررة التي تسيطر عليها للمرأة. تلعب هاتان المرأتان دوراً محورياً في حياة دنيا، فهما نموذجان للتعايش الصراعي مع المجتمع. كلتاهما لم تخضع للقيم المحافظة ولكن دون انسحاب من المجتمع. فعايدة رياض على سبيل المثال تعمل سائقة تاكسي، وتضع قلباً أحمر على سقف التاكسي، أي أنها ترفع راية الحب في مجتمع لا يريد أن يخرج الحب إلى النور. ولكنها في نفس الوقت ترتدي غطاء رأس لوضع مسافة بينها وبين الطامعين فيها. وهي قادرة على مواجهة المعاكسات والسخرية بسخرية مضادة وبدون مرارة، وفي نفس الوقت هي قادرة رغم تعرضها للختان أن تمارس علاقة حميمة مع زوجها، وأن تدافع عن هذه العلاقة ضد حماتها التي لا ترحب بالوتيرة الكثيفة للعلاقة الجسدية بين ابنها وزوجته.
نسوية متصالحة مع الرجال؟ في هذا الفيلم حاولت المخرجة الابتعاد عن الفيمينيزم، أو النسوية الفجة، التي تضع مشروع تحرر النساء في مواجهة الرجال أو كاستغناء عنهم، كما نرى في بعض أفلام إيناس الدغيدي. يكفي هنا أن نورد عبارة وردت في أحد أفلام الدغيدي على لسان البطلة وهي تقول لصديقتها "هنخسر بعض عشان راجل". لكن الموضوع مختلف عند جوسلين. فدنيا التي تتخبط بين التحرر والخضوع تجد من بين الرجال من يأخذ بيدها. كما أن جلاد المرأة هنا لا يتمثل فقط في الرجل لكن في المرأة نفسها، في الجدة على سبيل المثال التي أشرفت بنفسها على عملية ختان حفيدتها، التي قامت بها إمرأة أيضاً. يبدو أن هناك رغبة من المخرجة في التوصل لمصالحة بين الجنسين في إطار التحرر. لكن يبدو أن تيمة الرقص الشرقي لم تسعف المخرجة في غزل خيوط هذه المصالحة. فدنيا طوال الفيلم كانت ترقص بمفردها أو مع نساء أخريات. فالرقص الشرقي الذي يعتمد على هز منطقة الوسط لا يجد معظم الرجال مكاناً لهم فيه. لقد أسدلت المخرجة ستار الفيلم على دنيا وهي ترقص منفردة قبل أن تغوص في المدينة. وبما أن الرقص في هذا الفيلم هو معادل لتحرر الجسد، فالتحرر هنا منقوص لأن نصف المجتمع، أي الرجال، لم يكن حاضراً فيه، لقد كان حاضراً بالإرشاد والتعليم (أستاذ الرقص) وليس بالمشاركة. هذا الفيلم يحمل أفكاراً كثيرة، فهو لا ينطلق من حدوتة معاشة، لكنه يبدأ من سلسلة من الأفكار والقيم تحاول المخرجة أن ترسلها للمشاهد باستخدام اللغة السينمائية. لقد امتلكت المخرجة أدوات الصورة إلى أبعد حد. فمشاهد الفيلم عبارة عن لوحات شديدة الجمال. والقاهرة التي التقطتها المخرجة بعين الأجنبي هي قاهرة مختلفة وجميلة في نفس الوقت. تجدر الإشارة إلى أن جوسلين صعب عملت كثيراً في مجال الأفلام التسجيلية. وهذا الاهتمام الخارق بالجمال البصري الذي يمثل أحد أعمدة فن السينما يدعو للاحترام. فقليلة هي الأفلام التي يعني فيها القائمون عليها بالصورة إلى هذا الحد. لقد نجحت المخرجة في إثارة حوار فكري خلاق بيني وبين الفيلم. لقد التقطت كثيرا من المعاني والرسائل التي أرسلتها المخرجة. لكن المخرجة لم تنجح بنفس القدر في إثارة مشاعري. فالفيلم فيه مسحة من البرودة. لا أستطيع أن أجزم بالسبب. أظن أن المخرجة لجأت إلى التجريد والرمزية بشكل مبالغ فيه. لا أعتقد أن ذلك يعبر عن ميل للتعالي على المشاهد أو "فذلكة"، بقدر ما يعكس محاولة للهروب من الرقابة.. رقابة المصنفات الفنية أو رقابة المشاركين في الفيلم أو رقابة الجمهور. للإنصاف يجب أن يأخذ تقييم الفيلم في اعتباره البيئة المعادية التي عملت فيها المخرجة. هذا الفيلم كان يمكن أن يصبح أجمل وأصدق بكثير لو شارك فيه ممثلون وفنانون آخرون. لم يبهرني من أداء الممثلين في هذا الفيلم إلا أداء عايدة رياض السهل الممتنع، وأداء ممثلة أخرى لا أعرفها قامت بدور صاحبة البنسيون الممتلئة وذات الجمال المصري الصارخ، وإلى حد ما فتحي عبد الوهاب. لم يكن أداء حنان ترك موفقاً، كان سطحياً ومفتعلاً. هذا دور لا تستطيع أن تؤديه إلا امرأة متمرسة، ذات خبرة حياتية ومؤمنة برسالة العمل الفني الذي تؤديه. تقول جوسلين أن حنان ترك في بداية التعاون بينهما صرحت لها بأنها تسلم لها نفسها بالكامل، وأنها سوف تقلدها في كل شيء لأن شخصية دنيا فيها جزء كبير من شخصية جوسلين. فجوسلين آتية من مجتمع شرقي، لبنان، وهو مجتمع محافظ، كما تقول هي، بغض النظر عن مساحيق الحداثة التي يضعها. لكن الصيغة التي طرحتها حنان ترك للتعامل مع المخرجة "هسلملك نفسي بالكامل" تلخص المشكلة. فمن يسلم نفسه بالكامل لمخرج، ممكن أن يسلم نفسه بالكامل أيضاً لطرف أخر. وهو ما فعلته حنان ترك حين انتقلت للمعسكر الأخر وتنصلت من الفيلم، بل وارتدت الحجاب. وإذا كان الحجاب حرية شخصية لا نملك أن نحاسبها عليها إلا أنه تصرف يناقض كل رسالة الفيلم الذي قامت ببطولته. والحقيقة أن ارتداد حنان ترك عن قيم الفيلم لا يجب أن يكون محل دهشة. فهي من البداية لم تكن مؤمنة بهذه القيم، فهي، كما تقول جوسلين، كانت تريد إرسال سيناريو الفيلم للداعية اليمني الحبيب الجفري حتى يطمئن قلبها، هذا بالإضافة إلى أن المخرجة كانت تخوض معها صراعاً يومياً لإزالة طبقة المساحيق التي تريد حنان الظهور بها على الشاشة. لماذا فعلت جوسلين ذلك بنفسها وبالفيلم؟ سألتها لماذا لم تعط الدور لممثلة مثل هند صبري؟ قالت أن هند اعتذرت عن الدور لأنه كان يتطلب ممثلة ذات قدرات خاصة في الرقص. "أنا اشتغلت بالموجود"، هكذا دافعت جوسلين عن نفسها. حسناً.. ولكن ماذا عن دور الكاتب الذي أعطته لمحمد منير؟ لقد كان يتطلب فقط ممثلا محترفا له علاقة بعالم الفكر والكتابة. لماذا منير؟ هل هي محاولة لجذب جمهوره؟ عفواً، أقول ذلك وأنا من عشاق غناء محمد منير في كل مراحله الفنية من أول "شبابيك" إلى "بالحظ وبالصدف". لكن الغناء شيء والتمثيل شيء أخر. لكن برغم كل الانتقادات أعتقد أن فيلم "دنيا" سيظل علامة مهمة في تاريخ "سينما المرأة"، تلك السينما التي تتخذ من احتياجات وإشكاليات المرأة محوراً لها. وهي احتياجات وإشكاليات يجب أن يكون لها موقع مركزي في فن السينما بوجه عام، لا أن نخلق لها نوعاً خاصاً بها. ولكن بما أن صناعة ومشاهدة الأفلام هي تجارة يسيطر عليها الذكور أو الحس الذكوري، فلا مناص من أن تقتحم مخرجات أو مخرجون الساحة لكن يعرضوا على الشاشة الزاوية التي تنظر منها المرأة للأمور، فهي زاوية مهم أن يراها النساء والرجال معاً. وهنا يبقى لجوسلين صعب فضل لا يمكن إنكاره وهو أنها كسرت تابوهات كثيرة في هذا الفيلم ودخلت في مشكلة المرأة بجد. صحيح أن الفيلم تعرض لانتكاسة بتنكر بطلته (حنان ترك) لقيمه، لكن الذي تعرض للهزيمة الكبرى هو الواقع الحقيقي. فعلى الواقع أن يصحح نفسه، فالأصل في الأمور أن الفن يقود الواقع، لا أن يقود الواقع الفن.
نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:58.
|
||
|
Elbosla | Designed by Bent Masreya 2007 |
||
علِّق