|
صوت ديمقراطي جذري
|
||
مدخل إلى تصور ديمقراطى للسياسة الخارجية: إعادة قراءة التاريخ والمفاهيمشريف يونس
هذا المقال يحاول أن يقدم مساهمة نحو إعادة قراءة تاريخ المنطقة والبلاد، من منطلق ديمقراطى جذرى. موضوعه بالتحديد هو عهد الاستعمار، فحركة التحرر الوطنى، ثم دولة ما بعد الاستعمار وأزمتها الحالية، وظاهرة الاستعمار الجديد. وهدفه تقديم رؤية أخرى، ديمقراطية، تواجه طرح التيار القومى (والدينى) الذى يواجه الاستعمار الجديد بمنطق سلطوى، يضحى بكل رحابة صدر، وشغف، بالدولة الديمقراطية فى سبيل المواجهة التى يراها محتومة. وتكمن أهمية القضية فى أن التيارات الديمقراطية تكاد تفتقر إلى رؤية نقدية لأطروحات التيار القومى السائد بشأن السياسة الخارجية، وعلاقة مصر، كدولة فيما يسمى "المجتمع الدولى"، بالخارج فى الماضى والحاضر، بينما نجحت إلى هذا الحد أو ذاك فى تقديم نقد قوى لرؤية التيار القومى بالنسبة للشأن الداخلى. وواقع الحال أن التيار القومى يكاد يعتمد فى إيديولوجيته اعتمادا كليا على مفاهيم معينة عن العالم وعلاقات مصر به، تفترض أن التاريخ هو صراع إرادات (إذا أردنا استخدام تعبير اشتهر به هيكل) بين "أمم" تتمثل فى (أو تعبر عنها، رسميا) دول، وترتب على هذه الرؤية العامة تصورات من قبيل "عزة وكرامة" الأمة (لا الفرد) ونظرية المؤامرة (على الإسلام أو القومية العربية أو العرب أو مصر)، وما يسمى الدور الريادى المصرى فى قيادة المنطقة ضد ما يراد بها من قبل الغرب، إلى آخر هذه المنظومة التى ما زالت منتشرة فى الدوريات المصرية. والأخطر أنه يرتب على هذه الرؤية فكرة اختزال البشر فى أمم، والمصريين فى أمة، يجب أن "تواجه أعداءها" و"تحقق رسالتها"، أساسا بأن تكون لها كلمة واحدة موحدة، وأن "تنقى" صفوفها من أعداء الوطن، أو أنصار المستعمر، أو "المطبعين"، أو "عملاء أمريكا"، الخ. ولعله لا يقل أهمية أن هذه الرؤية هى نفس الرؤية التى يتبناها الإسلام السياسى، مع استبدال الألفاظ القومية بأخرى دينية، بالطبع. بالمقابل يبدو لى أن مواجهة التيار القومى فى معقله الأثير، يعنى طرح القضية فى إطار سياسة خارجية لدولة ديمقراطية، أى كمناورات ومواقف يمليها هدف أساسى، هو بناء دولة ديمقراطية مدنية. ومن وجهة نظر يسار ديمقراطى، أو ديمقراطية جذرية، يعنى هذا تحرير قوى الداخل، وخاصة الطبقات الفاعلة الأفقر، ثم الشرائح الملقاة فى العشوائية والتخلف والجهل والتعصب. فقط من خلال أولوية هذا الهدف يمكن بناء سياسة خارجية للدولة المحلية تستند إلى توازن قوى داخلى ديمقراطى فعال. غير أن وضع هذه القراءة لأولويات السياسة الخارجية فى مواجهة صريحة مع طرح التيار القومى/ الدينى، يصعب أن يبدأ بنقد التصورات القومية/ الدينية عن السياسات الخارجية (ومحورها تعبئة لا تهدأ لكراهية خارجية تحت شعارات المواجهة حتى الموت)، أو وتقديم بدائل لها، بل يجب أن يتأسس النقد، وبالتالى البدائل، أولا على نقد الافتراضات العامة لهذا التيار بشأن الاستعمار والتحرر الوطنى والدولة الوطنية وأزمتها الحالية.. وهى افتراضات ضمنية تقوم على إعادة قراءة سابقة للتاريخ، قام بها التيار القومى (المصرى ذو الامتداد العربى، أو العربى، وحاليا الإسلامى أيضا) قبل ستين عاما من الآن، وما زالت مفاهيمها سائدة فى الكتابات السياسية والصحفية، ولها مفكريها الكبار مثل طارق البشرى وجلال أمين الخ الخ، ولها فوق ذلك أسس نظرية متداولة على نطاق أضيق.
(1) رؤية عامة من الناحية التاريخية، يتمثل مبرر إعادة القراءة، وبالتالى إعادة التفكير فى السياسة الخارجية، فى القول بأننا أمام حالة انتقالية فى تحولات توازنات القوى العالمية التى تؤثر على مصر ومحيطها الجغرافى وعلاقتها بالعالم من حولها. ونقترح هنا إجمال هذه التحولات كالآتى: دوليا: الانتقال من القرن السوفييتى إلى القرن الأمريكى؛ وإقليميا: من إدارة توازنات الشرق الأوسط حول أفكار إقليمية، مثل فكرة القومية العربية أو الجامعة الإسلامية إلى صراعات بين دول- أمم، بلا أغطية إيديولوجية إقليمية؛ ومحليا: من الأنظمة العسكرية والتقليدية إلى دول ديمقراطية حديثة، أو على الأقل أكثر مدنية ورأسمالية. تتسم هذه الحالة الانتقالية فى مصر بمواجهة متزايدة بين نمطين من الفكر السياسى، يمكن أن نسمى الأقدم نمطا هوياتيا سلطويا، بمعنى أنه يقوم على اعتبار الهوية الوطنية والدفاع عنها أساس السياسة الخارجية، امتدادا لمرحلة التحرر الوطنى (التى سنحاول أن نبين أنها أصبحت قديمة)، ونسمى الأحدث نمطا حداثيا ديمقراطيا، بمعنى أنه يرمى إلى تحديث دولة ما بعد التحرر الوطنى، ويعطى الأولوية للصراعات الداخلية باعتبارها محرك التطور، وما يتطلبه هذا من مجال ديمقراطى، ومن تصورات جديدة عن التحالفات والتناقضات الدولية، يتم إلى حد ما الانتقال إليها بدرجات متفاوتة، ولكن بغير أن تحصل على مشروعية نظرية.
(2) ما هو الاستعمار؟ فى الفكر القومى/ الدينى، الاستعمار عدوان على الهوية، إذلال يتطلب ردا يعيد الكرامة. لقد ارتكب الاستعمار جرائم مهولة فى البلدان المفتوحة، خصوصا فى أفريقيا السوداء جنوب الصحراء الكبرى، ولكن السؤال هو لماذا؟ والسؤال الأكثر أهمية: كيف استعمروا العالم؟ أو ربما بالأدق: بأى معنى؟ هل نفهم الاستعمار كعدوان من "الغرب" على "الشرق"؟ أم كإعادة تشييد للإمبراطورية الرومانية القديمة التى حكمت البحر المتوسط كله، ولكن على نطاق أوسع؟ أم كاستئناف للحروب الصليبية بطريقة أخرى؟ (وهذه إجابات للتيار القومى/ الدينى) أم غير ذلك؟ هذا السؤال مهم، لأن الإجابة عليه ستلقى ضوءا على طبيعة المشكلات التى واجهتها الدول المستقلة بعد استقلالها. هذه الإجابات المذكورة وأشباهها تفترض وجود هويات ثابتة، دينية أو حضارية، تتصارع عبر القرون بلا تغيير يُذكر.. كأن التاريخ يبدأ مع بدء المواجهات بين أديان منطقة البحر المتوسط، بعد ظهور الإسلام، أو كأنه يبدأ مع تشكل الحضارات الكبرى على ضفتى البحر المتوسط، ثم يستمر من هذه النقطة إلى أبد الآبدين. هذه التصورات العابرة للتاريخ يختلف معها هذا المقال تماما، مؤكدا بالمقابل أن العالم شهد شيئا مختلفا مع ظهور الحداثة الرأسمالية، فى أوربا أولا، ثم فى بقية أنحاء العالم، الأمر الذى انعكس على كثير من الظواهر التى قد تبدو شبيهة بظواهر سابقة، ومنها الاستعمار. ووفقا لهذا المنطق أفترض أن الاستعمار الحديث، بصفة عامة، هو أحد أشكال الحداثة الرأسمالية، التى تكاد تكون الحداثة الوحيدة المعروفة ذات الديناميكية الداخلية المستقلة (لأنها قائمة على المنافسة فى داخل بنيتها نفسها). عرف العالم تكوين إمبراطوريات (ضم الأراضى) منذ آلاف السنوات، ومن هذه الناحية لا يختلف الاستعمار الحديث (والكلمة باللغات الأوربية: imperialism، تعنى حرفيا النزعة الإمبراطورية) عن الإمبراطوريات السابقة، مثل العثمانية أو العباسية أو الصينية أو الرومانية، أو حتى "الإمبراطوريتين الصغيرتين"، الأزتك والإنكا، فى أمريكا الجنوبية والوسطى قبل الفتح الأسبانى. غير أن الإمبراطوريات السابقة على الحداثة الرأسمالية لم تكن تهدف إلى أكثر من استغلال بعض الثروات الطبيعية، وفرض إتاوة عامة على هذه الممتلكات، وفقا لنظامها الاجتماعى القائم. فيذهب فائض الضرائب إلى مركز الإمبراطورية بدلا من مركز الإقليم. مثلا كان النظام الاجتماعى فى مصر القديمة مختلفا كثيرا عن النظام الاجتماعى فى روما القديمة، ولكن الإمبراطورية الرومانية لم تُجر سوى تغييرات محدودة فى النظام الاجتماعى فى البلد الذى ورثته، واكتفت أساسا بتحويل فائض حصيلة الضرائب إلى روما، بينما كان يذهب من قبل إلى الفرعون أو الملك البطلمى. أما تغيير النظام الاجتماعى فى مصر ليصبح شبيها بروما، فمسألة لم تخطر على بال أحد. وبالمقابل كانت مثل هذه الإمبراطوريات توفر للأراضى التى ألحقتها مجالا واسعا للتجارة، شمل مثلا فى حالتنا هذه مجمل حوض البحر المتوسط، استفادت منه بصفة خاصة الطبقات التجارية. الإمبراطوريات الحديثة تختلف تماما، فقد اتجهت إلى فرض نمط استثمارها (الرأسمالى) للموارد والسكان على البلدان المفتوحة، وبصفة خاصة كانت تتجه بطبيعتها إلى تدمير الاقتصاديات القديمة القائمة على الاكتفاء الذاتى، نظرا لأن استغلالها للمستعمرة يقوم على مبدأ التجارة أصلا. فالسوق الإنجليزى لم يكن فى حاجة إلى الحصول على إتاوة من الأمراء الهنود، يدفعونها كما سبق أن دفعوها لمختلف الإمبراطوريات التى تكونت فى بلادهم، وإنما كان يريد أن تصبح الهند مزرعة للمواد الخام، القطن والشاى وخلافه، وكسوق للمنتجات، وكان هذا يعنى تحطيم أشكال الإنتاج القديمة وتفريد السكان (تحويلهم إلى أفراد خارج انتماءات العشيرة التقليدية)، وتطوير الإنتاج والنقل، بالإضافة بالطبع للسيطرة على الموارد الطبيعية. وهكذا أدى الاستعمار الحديث إلى انقلاب اجتماعى يتجه، بأشكال كثيرة متعددة ومتعرجة، إلى الحداثة، حيث مالت الرأسمالية الأوربية الصاعدة إلى أن تخلق فى مستعمراتها عالما على مثالها، من بعض النواحى الأساسية، لأنها لا تستطيع أن تستثمر السكان إلا كما سبق و"استعمرت" سكانها الأوربيين. وليس فى هذا التعبير مبالغة. فبالفعل شهدت بريطانيا (مثلا)، وهى أول دولة رأسمالية كبيرة فى العالم، عملية تحطيم مماثلة لأنماط الإنتاج القديمة، فطُرد الفلاحون من الأراضى المشاع التى تم تسييجها لصالح كبار الملاك، وتحول من أفلت منهم من الموت جوعا إلى أجراء، وانتقل آخرون إلى المدن ليقدموا عملا رخيصا فى قطاعات التجارة الاستعمارية، ثم الصناعة الناشئة، فى ظروف عمل وحشية. ومن زادوا على الحاجة طاردتهم الدولة بعقوبات قاسية، وحشرتهم فى مشاغل جماعية، أشبه بمعسكرات العمل الستالينية الشهيرة، كانوا يموتون فيها بلا رحمة. بنفس هذه الخبرة القديمة، وبدرجات مختلفة، احتلت بعض الدول الأوربية معظم المساحة المسكونة فى العالم. بنوع من مد الأمور على استقامتها، يمكن القول بأن الاستعمار الحديث هو ذلك النوع من الاستعمار الذى يقوم على الحاجة الملحة لتحطيم أنماط الإنتاج القديمة أو إلحاقها، وإدماج المناطق المفتوحة فى الاقتصاد العالمى الرأسمالى البازغ، سواء بغزو من الخارج أو بقوى من الداخل (وسنرى بعد قليل ما هو "الاحتلال الداخلى"). وبمعنى آخر يكون الاستعمار المباشر نفسه، أى ضم الأراضى، مجرد أحد أشكال فرض الحداثة. وثمة دوافع كثيرة لتوسع هذا الشكل، لعل أهمها أن بعض الاقتصاديات الاكتفائية بعمق، والمتأخرة للغاية، لم يكن من الممكن إدماجها بغير تدخل عنيف (مثل أفريقيا جنوب الصحراء)، أو لأن الاقتصاديات القديمة كانت فى بعض الحالات غنية بما يكفى لتشكل تهديدا للتوسع التجارى الاستعمارى (الصين وأقمشتها) حتى بالأنوال اليدوية. وهكذا لجأت القوى الأوربية للسلاح وانتصرت. ولكن ربما كان من أهم مصادر التوسع الاستعمارى المهول، بدءا من ثمانينيات القرن التاسع عشر، هو التنافس الاستعمارى نفسه، الذى نتج عن تزايد حدة الشعور القومى عند القوى الأوربية المختلفة، وبالتالى المنافسة بينها، والحاجة إلى مواد خام معينة لا توجد فى باطن أرضها، أو لا يمكن أن تُزرع فى البلدان الباردة، وحرمان المنافسين منها، أو منعهم من احتكارها بالحصول على نصيب من المناطق التى تستطيع أن تنتجها. وأحيانا كان الدافع الأكثر قوة رغبة الطبقة الوسطى المتعلمة فى الدول الأوربية، والمتململة فى بلادها، فى الحصول على وظائف فى المستعمرات، وكانت الإيديولوجية الاستعمارية التى صاحبت هذه العمليات تتمثل، بصفة عامة، فى فكرة "عبء الرجل الأبيض"، وهى مقولة عنصرية تدعى أن الاستعمار يهدف إلى جلب الحضارة إلى شعوب منحطة بطبيعتها، أو فى أفضل الأحوال منحطة تاريخيا فقط وقابلة للتطور، ولكنها غير قادرة على "تحرير" نفسها (مثلا أتى بونابرت مدعيا أنه "يحرر" المصريين من المماليك). وهى إيديولوجية شكلت غطاءً كافيا لحركة استعمارية كان عملها الأول تقويض أنظمة اجتماعية قديمة من جذورها، وبالتالى تغيير أنماط معيشة البشر. فلهذا السبب كان منطقها الاستعمارى يعتمد على فكرة تفوقها الحضارى بالذات. تركز بعض كتابات اليسار بشأن الاستعمار على نفى فكرة التحديث هذه، لا أدرى هل على أساس أخلاقى (مشروع فى حد ذاته) يستنكف فكرة أن يؤدى الاستعمار، حتى وفقا لمصالحه الخاصة، دورا فى دفع العالم إلى الحداثة، أم لجعل التحليل المعادى للاستعمار بسيطا بلا تعقيدات والتباسات. ويشار عادة هنا إلى أنه كثيرا ما شهدت العهود الاستعمارية إنعاش أنماط إنتاج ما قبل رأسمالية لتنتج المرغوب فى إنتاجه لصالح البلدان الاستعمارية، كما لعبت الإدارات الاستعمارية على إحياء هويات وأنماط سابقة على الحداثة لتفيد منها على طريقة "فرق تسد"، بل قيل أن الاستعمار قد صنع هذه الهويات. غير أن إنعاش أشكال من الإنتاج السابق على الرأسمالية ليخدم توسع إنتاج رأسمالى ليس ظاهرة مرتبطة بالاستعمار بصفة خاصة. فمثلا الفلاح الفرنسى الصغير انتعش بفعل توسع السوق الفرنسى مع دخول الرأسمالية، وظل صامدا لفترة طويلة بفعل زيادة الريع وزيادة الطلب على المنتجات الزراعية. وما زالت الصناعات العائلية والصغيرة تلعب دورا مغذيا لصناعات كبرى فى بلدان كثيرة، منها اليابان والصين الناهضة الآن، لأن بعض الصناعات الكبرى تجد أنه من المربح بالنسبة لها أن تعتمد فى بعض العمليات على عمالة يدوية تعمل فى المنازل أو فى ورش صغيرة، ويكون هذا مفيدا أيضا للطرف الآخر. فالنمط الرأسمالى لا يسود بطريقة التقدم المستمر فى اتجاه واحد، سواء فى المستعمرات أو فى البلدان المتقدمة. ومع ذلك فإن تقدم الحداثة يؤدى تدريجيا إلى امتصاص المزيد والمزيد من العمالة فى الإنتاج الكبير الرأسمالى، سواء فى حقبة الاستعمار أو بعد الاستقلال. الأهم من ذلك أن التركيز على دلالات توسع وتراجع الأنماط "غير الرأسمالية" (أفضل من مصطلح ما قبل الرأسمالية الذى يوحى بأنها أنماط قديمة غير مرتبطة بتوسع رأس المال) يغفل مركزية السياسة فى نشأة الحداثة. فالدولة الحديثة بآلياتها فى إلحاق السكان بها والسيطرة عليهم تتواصل مخترقة تعدد أنماط الإنتاج، لتُلحق الجميع بها بطريقة أو بأخرى. من جهة أخرى فإن خلق الهويات وإحياؤها مميز بالذات للحداثة فى كل مكان. ويرجع ذلك ببساطة إلى أن نشأة الدولة الحديثة يعنى تراكم فرص وموارد كبيرة نسبيا فى أيدى دولة مركزية تزداد تغلغلا فى حياة السكان. ولعل أبسط ما يوضح ما نقصده أن الدولة الحديثة تتطلب لغة رسمية، واللغة الرسمية تعطى أوتوماتيكيا لحامليها أفضلية على غيرهم، ثم تميل الدولة مع توسع تدخلها لفرض هذه اللغة الرسمية على الجميع لتيسير حركتها. وهكذا تصبح الدولة الحديثة بؤرة صراع بين قوى مختلفة ترفع شعارات هوية دينية أو عرقية، أو يفنى بعضها بعضا فى انفجارات عنف. كانت الدول القديمة أقدر قبل ذلك على التعايش بسلام أكبر مع الاختلافات الثقافية، بسبب محدودية تدخلها فى حياة السكان. أما مع الحداثة، فقد لجأت الدولة العثمانية، مثلا، إلى عمليات "تتريك" فى أواخر القرن التاسع عشر، بعد قرون من التعايش بين لغات وثقافات وأديان مختلفة، وبالتالى واجهت مقاومة من سكانها العرب. كما أنه من الطبيعى والمفهوم أن القوى السائدة، استعمارية أم لا، تعمل على الاستفادة من الصراعات اللغوية والعرقية والدينية وتعزيزها. ولكن هذا لا ينفى أن الظاهرة أوسع كثيرا من الاستعمار: مثلا الحروب والصراعات الدينية فى أوربا فى القرن السادس عشر (والسابع عشر فى فرنسا)، الباسك فى أسبانيا، الأيرلنديين فى إنجلترا. ومن جهة أخرى فإن هذه الاحتقانات العرقية والدينية صحبت الحداثة فى دول العالم الثالث بغير وجود للاستعمار: الترك و"الفلاحين" فى مصر محمد علي وخلفائه، الأكراد فى تركيا، وحتى الصراعات المستمرة فى العراق تحت حكم صدام قبل الاحتلال الأمريكى. نأتى إلى "الاستعمار الداخلى": مارست الحداثة الأوربية الرأسمالية الصاعدة تأثيرها على مناطق من العالم بغير احتلال. والنموذجان الشهيران فى هذا الصدد ينتميان إلى منطقتنا: تحديث الدولة العثمانية، وتحديث الولاية المصرية فى عهد محمد علي. أدركت الدولة العثمانية مبكرا، بسبب احتكاكها المتواصل بالقوى الأوربية، أنها تتراجع بانتظام فى توازن القوى الأوربى، فقد دفعت الهزائم المتلاحقة، التى أتت بعد قرون من الانتصارات قطاعات من النخبة تدريجيا إلى القول بضرورة "اقتباس" أشكال من التنظيم والأفكار الأوربية تساعدها على الصمود. وهكذا تم تنقيد الاقتصاد (أى جعله إنتاجا من أجل السوق، مقابل نقود)، وأقيمت الجيوش النظامية والدولة الحديثة. وفى حالة مصر محمد علي، أتت الحداثة على يد نخبة تركية منعزلة، فرضت من أعلى مشروع تحديث لحسابها الخاص، وأجبرت الفلاحين على الانصياع بأقصى أشكال العنف (مثلا تولى إبراهيم باشا "شواء" فلاح لا يدفع الضرائب فى الصعيد). ولهذا فإن الاحتلال البريطانى اللاحق لمصر اكتفى بأن "يحكم الذين يحكمون مصر"، حيث وجد بالفعل دولة حديثة قائمة، روضت سكانها بالحديد والنار قبل الاستعمار. وفى بعض البلدان: إثيوبيا والسعودية مثلا، لم يتم احتلال للأراضى أصلا، وأتى التحديث من خلال قوى داخلية، كانت لها بدورها انحيازاتها الطائفية والدينية والعرقية، وتلاعباتها بالتوازنات. وفى كل الأحوال، أى سواء كان التحديث داخليا أم بالغزو، تغيرت الخريطة الاجتماعية بالتدريج، فنشأت الدولة المركزية الحديثة الواسعة التدخل فى حياة السكان، وتشكلت طبقة من المتعلمين على النمط الحديث لتشغل وظائف معاونة تحت سلطة القوى القائمة بالتحديث، وهى التى صاغت لاحقا الإيديولوجية الوطنية، وتكونت طبقة من ملاك الثروات الطبيعية، الزراعية أو الرعوية أو التعدينية، وانتشرت التعاملات التجارية وازدادت تغلغلا بين السكان، وارتبطت الاقتصاديات المحلية بالأسواق الدولية بدرجة أو بأخرى. غير أن النمط السائد للتحديث فى كل من الاستعمار الداخلى والخارجى هو التحديث من أعلى. فالدولة الحديثة تتكون على أيدى نخبة مسلحة قليلة العدد بالنسبة لمجموع السكان، وتتخذ من السياسات ما يجعلها توسع نفوذها تدريجيا على السكان، مستوحية نماذج أوربية أقدم، مع تكييفها حسب الأوضاع المحلية.
(3) ميلاد النظام القديم: الحرب الباردة وأسس التحرر الوطنى كان سقوط المعسكر الشرقى (بقيادة الاتحاد السوفييتى) علامة نهاية حقبة طويلة فى السياسة الدولية بدأت بقيام الاتحاد السوفييتى عام 1917، وشهدت تعاظم قوته، حتى أصبح القوة العالمية الثانية بعد الحرب العالمية الثانية. ولكننا لن نطلق تعبير "النظام القديم" على مجمل ما يسمى "القرن السوفييتى" القصير، وإنما على الفترة التالية للحرب العالمية الثانية. فبعد الحرب أصبح الاتحاد السوفييتى قوة عالمية ذات أثر مباشر على المنطقة وعلى العالم ككل، من خلال الاستقطاب بينه وبين المعسكرين الغربى، وبداية الحرب الباردة بأطوارها، وآخرها، فى تقديرى، طور التعايش السلمى بينهما. تشكل الأربعينيات إذن نقطة البداية فى تحليل النظام القديم. أسفرت الحرب العالمية الثانية عن تراجع قوة إنجلترا، التى كانت تملك يوما نصف الأراضى المعمورة فى العالم، وكذلك فرنسا، الإمبراطورية الكبرى الثانية. أصبحت إنجلترا وفرنسا عاجزتين عن الإنفاق على الاحتفاظ بمستعمراتهما، وهما تواجهان مهام إعادة بناء داخلى، وتعانيان من تراجع عنيف فى وزنهما داخل الاقتصاد العالمى، بينما انحدر منافسهما الجبار، ألمانيا (واليابان فى آسيا)، إلى هاوية الدمار. بالمقابل، تشكل المعسكران، الغربى بقيادة الولايات المتحدة، والشرقى، أو "الشيوعى" كما أطلق على نفسه، بقيادة الاتحاد السوفييتى. ولم تتوان القوتان الصاعدتان عن المساهمة فى الإسراع بإنهاء حقبة الاستعمار المباشر (القائم على ضم الأراضى)، وبالتالى تقويض الإمبراطوريتين القديمتين. وهكذا أتيح لحركات التحرر الوطنى أن تحرز انتصارات عديدة فى مواجهة عدو تراجعت قواه، فشهدت المرحلة تصفية الاستعمار الحديث الكلاسيكى. وفى بعض الأحوال، انسحب المستعمرون حتى بغير حركات تحرر (الخليج مثلا). وهكذا تراجع الاستعمار وتحولت العلاقات الدولية إلى علاقات بين "دول- أمم"، على الأقل من الناحية الرسمية، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الدول المستقلة حديثا تشكل بالفعل، من حيث بنائها الداخلى، أمما أم مجرد قبيلة منتصرة على غيرها فى دولة ما، تمتاز بأنها تملك الدولة الحديثة التى أقامها الاستعمار وآلت إليها. بالإضافة إلى تغير موازين القوى العالمية، هناك عوامل أخرى أنهت الاستعمار، على رأسها استمرار مقاومة الشعوب المستعمَرة نفسها، التى كانت ترجع فى بعض الأحوال إلى الآثار المنهكة لتحطيم الاستعمار للحياة التقليدية للسكان، وما صاحب هذا من أعمال قمع، بل وإبادة فى حالات مشهورة، بينما كانت ترجع فى أحوال أخرى إلى بزوغ طبقات حديثة محلية لها نصيب تابع داخل الدولة الحديثة، فأرادت أن تتخلص من السيد، فتُجلى المستعمر لتحكم بلادها. وهكذا يمكن التمييز بين نوعين من المقاومة: مقاومة اعتمدت على فئات تقليدية تدافع عن نمط حياتها المعتاد، مثل مقاومة القبائل؛ ومقاومة حديثة، تشربت مفاعيل التحديث التى أدخلها الاستعمار، بدءا من العمل فى مؤسساته (الإدارات الحديثة التى أنشأها فى البلدان المستعمَرة)، وحتى اكتساب لغته الرسمية (الإنجليزية مثلا)، بل ولغته السياسية، فأخذت تطالب بالتحرر بالاستناد لمفاهيم الحقوق السياسية للأمم والاستقلال الوطنى المبنى على فكرة الدولة- الأمة، والحرية والمساواة والإنسانية والتقدم، والتى نشأت جميعا فى سياق تشكل الحداثة فى أوربا. هذه المقاومة الجديدة هى ابنة الحداثة، لأنها أتت من داخل القطاعات التى تم تحديثها بالفعل وأصبحت جزءا من بنية الدولة الحديثة. وليس من قبيل الصدفة أن كل قادة حركات التحرر الوطنى تعلموا فى الخارج، أو فى مؤسسات حديثة فى الداخل، وعملوا فى جهاز الدولة الاستعمارى الحديث.. فهم ضباط أو قانونيون أو موظفون... الخ، أو حتى أصحاب مناصب عالية فى الدولة الاستعمارية. وكلما أصبحت المقاومة أكثر حداثة كلما كانت أكثر تأثيرا وأقوى أمام الاستعمار، لأنها تأتى من داخل المعبد الذى شكله الاستعمار نفسه، بوصفه قوة تحديث: فإضراب عمال النقل أشد تأثيرا وأصعب مقاومة من انتفاضة فلاحية مثلا، لأن الإضراب يأتى من داخل الجهاز الحديث الذى يعتمد عليه الاستعمار. وهكذا، مثلا، لعب إضراب الموظفين فى مصر دورا مهما فى دفع إنجلترا إلى منح مصر استقلالا منقوصا بموجب تصريح 28 فبراير 1922. من جهة أخرى تفقد عملية الاستعمار مع تطورها نفسه الكثير من دوافعها. كثيرا ما لا يكون الاستعمار بالمعنى الضيق (أى احتلال الأراضى) مربحا بشكل مطلق، كما أثبتت الدراسات المعاصرة، بسبب ارتفاع تكاليف إدارة مستعمرة والدفاع عنها، فضلا عن مواجهة الثورات المحلية من حين لآخر. ويمكن القول بأن الفائدة المحققة للمستعمِر تكمن فى الحصول على مواد خام غير متاحة فى البلد الأم، وحرمان الدول الاستعمارية المنافسة منها، أو السيطرة على مواقع استراتيجية حساسة (مثلا كان الموقع هو الدافع الرئيسى لاستعمار إنجلترا لمصر). وهكذا تقادم الاستعمار، مثل كل ظاهرة تاريخية: تزايدت تكلفته باستمرار بالنسبة للعائد منه. فمن ناحية أدى تحديث اقتصاد المستعمرة، بتراجع أنماط الإنتاج القديمة، أو تحويرها لإلحاقها بالسوق الدولى، إلى ضمان استمرار تدفق المواد الخام بعد الاستقلال، لأن تصديرها أصبح حاجة ملحة للدولة المستقلة نفسها، التى ورثت وضع بلادها فى السوق العالمى. فالدولة الحديثة المستقلة ستسعى لتعظيم دخلها من العملة الصعبة لكى تستورد ما تحتاج إليه من تكنولوجيا متطورة، تحقق بالفعل قفزات كل يوم، فضلا عن الحصول على غذاء لمواجهة الانفجار السكانى، الخ. كما أن احتشاد الدول المتقدمة فى معسكر واحد، فى مواجهة المعسكر الشرقى، مال إلى إقرار التنافس التجارى السلمى بينها، بدلا من احتكار المواد الخام بالاستعمار العسكرى. كذلك أعطى التحديث المواكب للاستعمار إمكانيات أكبر للسكان فى المقاومة، كما أسلفنا، ومن داخل مفاهيم الدول الاستعمارية نفسها. وباختصار، أصبحت عملية تبرير وإدامة الاستعمار أكثر صعوبة، سواء فى مواجهة تزايد إمكانيات المستعمَرين أنفسهم بعد دخولهم عتبة الحداثة، أو فى مواجهة الرأى العام فى البلدان الاستعمارية المتململ من دفع ضريبة الدم وغيرها للدفاع عن المستعمرات. وهكذا تحالفت التغيرات العالمية مع التغيرات التى جرت بفعل الاستعمار نفسه، ليدفعا معا إلى تعثر الاستعمار المباشر، فتوالى استقلال المستعمرات، بقدر متفاوت من النضال، ربما كان من ذراه استقلال الجزائر عن "الوطن الأم" (فى الرؤية الاستعمارية الفرنسية)، ولكنه اقتصر فى بعض إمارات الخليج على استقلال بـ"اتفاق جنتلمان". ويجدر هنا أن نشير بالمقابل إلى المسلمات التى بُنيت عليها نظرية التبعية، التى تعد النظرية الأكثر أهمية فى تعزيز الخطاب القومى بشأن الاستعمار. لقد أوضحت نظرية التبعية، وفقا لتعبيرات مثل المركز والأطراف، كيف أن النظام الرأسمالى نشأ عالميا، وأن التقدم والتخلف كانا عمليتين متوازيتين. غير أن هذا التصور اختزلته النظرية فى تفاوتات قومية بين دول العالمين الأول والثالث. وترتب على ذلك إغفال واقع أن تفاوت التطور ليس قوميا بالذات، فـ"آخر" الرأسمالية المتقدمة لم يقتصر على الدول التى تم استعمارها، بل شمل شعوب الدول المتقدمة نفسها، التى تعرضت لعمليات مركبة من تحطيم أنماط الإنتاج القديمة، صحبتها مجاعات وحروب وأوبئة ومصائب أخرى أصابت السكان فى سياق التحول إلى الحداثة. كما تغفل أن نفس عملية التطور المتفاوت ما زالت قائمة داخل أقاليم البلدان المتطورة نفسها، وبين قطاعاتها الاقتصادية المختلفة، ونفس الأمر بالنسبة للبلدان التى استُعمرت نفسها، بعد استقلالها، بما فى ذلك نزح الفوائض من ريفها إلى مدنها، ومن الزراعة للصناعة والتجارة، بحيث نستطيع أن نتكلم، فى الدول المتقدمة والمتخلفة على السواء، عن "مراكز ومحيطات"، ما زالت آثار بعضها باقية فى الدول الصناعية نفسها (التأخر النسبى لجنوب إيطاليا وجنوب فرنسا مثلا). أضف إلى ذلك أن هذه النظرية تغفل العامل الحاسم فى التراكم الرأسمالى: أى كونه أمرا يفوق مجرد النهب بكثير، وهو ما يُعرف بالتراكم البدائى، وهو ببساطة تحويل الجماعات الفلاحية والحرفية التقليدية، أو حتى القبائل، إلى مستثمرين من جهة، وعمال بالأجر، فى الزراعة والصناعة والتجارة، من جهة أخرى، بالإضافة إلى جيش احتياطى من البطالة والمهمشين. فلم تؤد الفوائض الهائلة التى نهبتها أسبانيا والبرتغال من إمبراطوريتيهما فى القرن السادس عشر إلى انتقالهما إلى الرأسمالية، وإنما صبت الفوائض فى النهاية لمصلحة هولندا ثم إنجلترا، لتقدمهما فى عملية التراكم البدائى. فالانقسام بين العالمين الأول والثالث ليس مجرد نتاج عملية نهب بسيطة. هذا ما يفسر لنا لماذا يحتوى العالم المتقدم على دول لم تكن لها مستعمرات أصلا، مثل الدول الإسكندنافية، كما يفسر من جانب آخر لماذا لم يؤد تكوين الإمبراطوريات الكبرى فى الماضى إلى تحولات رأسمالية. وهكذا تستمر عملية التحديث، بما فى ذلك تطور التفاوت بين أقاليم البلد الواحد، بعد استقلاله، وتستمر عملية التراكم البدائى إلى أن يصبح البلد صناعيا. وعلى خلاف توقعات نظرية التبعية، تحت مسمى "الانتقال المحتجز" وتعبيرات أخرى، استطاعت دول متعددة فى "الأطراف" أن تحقق طفرتها الصناعية، من خلال علاقتها بالسوق العالمى، فى كل من جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، والتى تعرضت مبكرا (قبل منطقتنا العربية مثلا) لمفاعيل الحداثة الاستعمارية. أما القول بأن ذلك لن يتكرر مرة أخرى فيذكرنا برجال الدين المحافظين الذين ظلوا يقولون دائما أن العلم الحديث لن يحقق أبدا أكثر مما حققه بالفعل.. متجاهلين أن الزمن يخيب توقعاتهم بانتظام. أضف إلى ذلك أن هذا التصور يبخس قوة ميل نمط الإنتاج الرأسمالى للانتشار وتحطيم وإعادة إدماج أنماط الإنتاج الأخرى فى كل أنحاء العالم، وهو ما حقق منه قدرا كبيرا بالفعل فى زمن قصير نسبيا (بين 3 و4 قرون). هذه ملامح عريضة لنقد نظرية التبعية، المقصود منها أن نبين أسس فشل هذه النظرية الذى اتضح مع انكشاف حدود نظم التحرر الوطنى، التى سنناقشها لاحقا.
(4) دولة ما بعد الاستعمار تميزت هذه الدولة فى معظم الحالات بهيمنة متزايدة لأجهزة الدولة المستقلة المركزية الحديثة على السكان، وفق مبدأ وحدة وطنية ما، حتى ولو لم يكن لها الأساس الكافى اجتماعيا (مثل حالة بعض البلدان الأفريقية التى سادتها صراعات القبائل)، لأنها ببساطة ورثت الجهاز الاستعمارى المركزى نفسه، الذى كان عليه أن يجد غطاء لتبرير هيمنته. فالاستعمار الخارجى ينتهى بدوره إلى استعمار داخلى، يقوم على فرض التحديث بآليات الدولة الحديثة على يد إحدى قبائل أو طوائف أو "طبقات" السكان، التى تصبح عماد ما يسمى "المجتمع". كيف حدثت هذه المفارقة؟ كيف تقوم دولة حديثة على أكتاف مجتمع قبلى، حتى ولو كان قد دخل جزئيا السوق العالمى؟ هنا يجب أن نلاحظ أن عملية التحديث، بما فى ذلك إقامة الدولة الوطنية الحديثة (التى تقوم على مبدأ المواطنة والمساواة بين أفراد متساوين قانونا)، عملية طويلة وشاقة، لا تشمل فى عشية وضحاها جميع قطاعات المجتمع، ولا تترتب آليا وفى الحال على بناء أجهزة دولة حديثة. ومن هنا مالت حركات التحرر الوطنى إلى الجمع بين أفكار الحداثة والأصالة، ولكن فى اتجاه يهدف إلى تحديث هذه الأصالة بالذات، لتُخضع "الأصالة"، بعد تحويرها إلى أصولية، للمعاصرة، وتُستأنف عملية التحديث. وهكذا أصبحت أفكار الأصالة والخصوصية أفكارا حديثة، أى أفكارا تتعلق بالأصولية الثقافية فى دولة ما (وبالتالى أصبحت إيديولوجية قومية)، لا بالحفاظ على نمط قديم للحياة، وتزداد حداثة بقدر تغلغل التجارة، ثم الإنتاج الرأسمالى، فى الواقع المحلى. لنتذكر أن الوهابية نفسها دعمت قيام الدولة السعودية التى نقلت بلادها إلى الحداثة بشكل متعاظم، واضطرت فى سبيل ذلك لذبح أنصار الوهابية المخلصين المعادين للحداثة.. لندرك الفارق بين شعار الأصالة وواقع الأصولية. وهكذا أدى التخلف الداخلى وضعف هياكل الدولة فى البلدان المستقلة حديثا، بالإضافة إلى تأميم موارد طبيعية متوافرة من بترول ومعادن، أو السيطرة على تجارة وتصدير موارد زراعية، كانت تسيطر عليها القوى الاستعمارية، إلى تضخم جهاز دولة يعيش على ريع الممتلكات والاحتكارات الحكومية الداخلية. وساعدت الحرب الباردة على حصول الدول المستقلة حديثا على موارد إضافية، تتمثل فى مساعدات مالية وتقنية من الخارج، باللعب على تناقضات المعسكرين. أفضى هذا كله إلى تدعيم الدولة بقدر متزايد من الاستقلال، تجاه القوى الكبرى وتجاه سكانها على السواء، يستند إلى الدخول الريعية، دعمته هذه الدولة فى كثير من الأحيان بهيمنة على الاقتصاد، سواء بالتدخل أو بالتأميم، لتصبح الدولة المستقلة الحديثة النموذجية فى الستينيات والسبعينيات دولة تهيمن عليها بيروقراطية واسعة، تعلوها أجهزة أمنية تعوض عن ضعف التحديث ومحدودية الاندماج الاجتماعى بين السكان فى مجتمع حديث، لتتولى بهذا الخليط تحديثا من أعلى، وتستند فى بعض الحالات الأكثر تخلفا إلى طائفة دينية أو قبيلة حاكمة بدرجة أو بأخرى. لقد أتاحت الدولة الريعية المستقلة، خصوصا "التقدمية" منها (التى سادتها البيروقراطية) إقامة استبداد استعمل فى أحيان كثيرة الأفكار "الاشتراكية" (حيث كانت الاشتراكية تعرَّف عندها بأنها مجرد سيطرة الدولة على الإنتاج)، مقصود بها فى الواقع الضغط على النخب الأكثر تطورا، خصوصا المالكة، أما بإلحاقها بالدولة، أو حتى بالقضاء عليها.. وفى كل الأحول يتم حصار نشاط القطاع الخاص تعميما لريعية الدولة. وهكذا كانت دولة الاستقلال فى معظم الأحوال دولة استبدادية من جهة، ودولة ريعية أبوية شعبوية من جهة أخرى. وفى كثير من الحالات أسفر هذا الخليط عن نمو محقق، ولكنه كان نموا يعانى من مشكلات كبرى، أفضى أحيانا إلى مجاعات. على المستوى الدولى، تساندت الدول المستقلة الحديثة فى تجمع دولى، أطلقت عليه فى النهاية "الحياد الإيجابى وعدم الانحياز"، فى دلالة واضحة على افتقارها إلى مشروع عالمى مستقل، سوى اللعب على تناقضات المعسكرين[1]. وبقدر ما استفادت هذه الدول من اللعب على طرفى الصراع، بقدر ما أصبحت صراعاتها الإقليمية، وأحيانا الأهلية، مرتكزات لتنافسهما، بتبنى كل معسكر لأحد طرفى الصراع، ومثال ذلك فى إقليمنا مساندة الاتحاد السوفييتى لبعض الأطراف العربية، ومساندة الولايات المتحدة لأطراف عربية أخرى، ثم لإسرائيل فى 1967 وما بعدها. فيما يتعلق بالداخل، أصبحت الدول المستقلة قمعية فى الغالب.. تميل إلى توطيد تماسكها الذى أسمته "قوميا" بتحقيق تجانس سياسى بالعنف، لصالحها أولا، ولصالح الأطراف التى استفادت من سلطتها: أى الطبقات الحديثة (على حساب التقليدية)، أو أبناء القبيلة أو الطائفة التى يستند إليها جهاز الدولة، أو البيروقراطية، حسب الأحوال. ومالت هذه الدول إلى إجراء نوع من "التطهير"، سواء بطرد الأجانب، أو بتهميش الأقليات الدينية، أو بتسييد قبيلة أو أنصار مذهب دينى ما بإعطائهم المناصب الرئيسية فى الدولة، وخصوصا بتشكيل الجيش منهم. وكلما كان التكوين القومى أكثر هشاشة، كلما كان القمع أعنف والشعارات القومية أعلى صوتا وأكثر وهمية. ومن خلف هذه الشعارات القومية حفلت الحياة الاجتماعية بتوترات جمة، قابلة للانفجار كلما وجدت الفرصة (أنظر الصراع السنى الشيعى فى العراق بعد إزاحة صدام مثلا). وقد ألقت هذه الدول، ومثقفوها المنتمون لمشروعها، عبء كل المشكلات التى واجهتها، وعلى رأسها نقص التحديث نفسه، على التراث الاستعمارى، ثم على "الاستعمار الجديد"، لتعفى نفسها من المسئولية من جهة، ولكى تبرر القمع المنهجى الداخلى من جهة أخرى. ومن هذه الزاوية يعتبر الخطاب القومى الوجه الآخر للخطاب الاستعمارى، فكلاهما يقيم حواجز فاصلة مانعة بين "الوطنى" و"الأجنبى"، وبين الدولة الاستعمارية والدولة الوطنية المستقلة، وبين "الثقافة" الأوربية أو "الغربية" والثقافات "المحلية"، فكلاهما يغفل استمرارية "التحديث من أعلى"، والقمعى بالتالى، باعتباره جوهر تحولات هذه المجتمعات، كما يغفل التحول الجوهرى للثقافات المحلية إلى "أصوليات" حديثة. وقد ظهرت كتابات كثيرة تبرر هذا الخطاب الوطنى. وتعد نظرية التبعية التى أشرنا إليها سابقا المعبر الأقوى نظريا عن هذه الدول المستقلة. فبرغم أنها قد تهاجم مثل هذه النظم باعتبارها ليست "مستقلة" بما يكفى، أو أنها خضعت للاستعمار الجديد (حتى أن بعض الأدبيات المتشددة وصفت دولة ما بعد الاستعمار بأنها امتداد للاستعمار)، فإنها بالإجمال تختصر مشكلات ما بعد الاستقلال فيما تسميه "آثار" الاستعمار. على المستوى الإقليمى: بين مناطق العالم الثالث، كان من "حظ" منطقة الشرق الأوسط العاثر ظهور دولة إسرائيل، فى مايو 1948، كتتويج لعملية استيطان بدأت حوالى أوائل القرن العشرين فى أراضى فلسطين (التى كانت تابعة للدولة العثمانية)، وتعاظمت مع صعود النازية فى ألمانيا. وقد حفز هذا التطور عسكرة النظم فى البلدان المحيطة بإسرائيل وكذا تشديد قبضة الدولة الأمنية فيها. كما شهدت المنطقة صعود فكرة القومية العربية، وتعاظم قوة التيار المعبر عنها (وكان قد بدأ كتيار محلى فى الشام فى مواجهة الهيمنة العثمانية بسبب تتريك الإمبراطورية بنبرة قومية بفعل تحديث الإمبراطورية بالذات)، وتشكلت جامعة الدول العربية فى 1947 من سبع دول عربية، ثم ضمت الدول المستقلة تباعا. غير أن التيار القومى العربى كإيديولوجية سائدة ظل محصورا فعليا فى الشام، فلم يمتد سوى إلى مصر فى عهد الناصرية. وقد غطت النزعة القومية العربية صراعات بين الدول العربية المختلفة، سادها الصراع بين الأنظمة العسكرية المختلفة على قيادة حركة القومية العربية: مصر الناصرية فى مواجهة البعث، والبعث السورى أمام البعث العراقى، وكذلك صراع كل هذه الأنظمة مع الوهابية السعودية وغيرها من النظم الملكية المحافظة فى المنطقة التى قاومت بشكل أو بآخر سيادة فكرة الهوية العربية، أو فسرتها دينيا. وبصفة عامة كانت النزعة القومية العربية، كأداة للصراعات العربية- العربية، أحد مصادر تقوية الدولة "القطرية" – وفقا لمصطلحات الإيديولوجية القومية العربية – والحد من النزاعات الطائفية والعرقية داخلها، أو قمعها (مثل قمع الأكراد فى العراق وسكان جنوب السودان).
(5) تدهور وانهيار النظام القديم، وأزمة الخطاب القومى أدت عوامل مختلفة إلى انهيار النظام الدولى والإقليمى والمحلى القديم.. يمكن أن نجمل ملمحها العام فى أن النظام قد استنفذ أغراضه، ووصل إلى أقصى قدراته، كما أنه فقد البيئة الدولية المواتية. على المستوى الدولى: سقط الاتحاد السوفييتى ومنظومة حلف وارسو بفعل التداعى من الداخل. كان الاتحاد السوفييتى قوة موازية نوويا لحلف الناتو وأكبر منه كقوة عسكرية تقليدية. غير أن هذه البنية العسكرية الهائلة كانت تعتمد على اقتصاد يبلغ حجمه ثلث الاقتصاد الأمريكى، وظل 40% من قوة العمل يدوية، والأهم أنه كان محروما إلى حد كبير من عنصر الديناميكية الداخلية، حيث كان يعتمد على التخطيط الشامل، على الأقل رسميا، وهو أمر أصبح يواجه صعوبات متزايدة مع نمو الاقتصاد المحلى وتجاوز التخلف الشديد (كان 85% من سكان الاتحاد السوفييتى وقت الثورة البلشفية عام 1917 ريفيين)، كما أخذ يتعرض للتآكل بفعل الفساد البيروقراطى وتضارب مصالح القطاعات والمصانع المختلفة. استنفذ الاقتصاد المخطط الشامل قدراته إذن، وأصبح يواجه أزمة متزايدة، اقتصادية وسياسية وإيديولوجية، فكثر المنشقون الساخطون على الاستبداد الداخلى، وامتيازات البيروقراطية العليا، خصوصا بين الفئات الوسطى المتزايدة العدد والصاعدة بفعل التحديث نفسه، حيث أخذت تقارن أوضاعها بأوضاع نظرائها فى الدول الرأسمالية المتقدمة، خصوصا من حيث معدلات الاستهلاك، كما تزايد نفوذ الإيديولوجية الرأسمالية الاستهلاكية فى الداخل، وانتعش التهريب. وفى ظل أزمة النظام الاجتماعى أدت عمليات الإصلاح التى قادها جورباتشوف إلى وضع نهاية للنظام. كان سقوط الاتحاد السوفييتى وتفكك حلف وارسو انتصارا كاملا للمعسكر الغربى فى الحرب الباردة. ظل الاتحاد السوفييتى (ثم روسيا بعد التغيرات الدرامية)، يمتلك قوة نووية هائلة، ولكن بلا هدف سياسى عالمى يوازيها. وأصبح المشروع الروسى يتمثل فى إجراء التحولات الاقتصادية الضرورية للرسملة واللحاق بالغرب. واليوم أصبح هدف روسيا يتمثل فى الحصول على عضوية كاملة فى حلف الأطلنطى. على صعيد أعمق بدأت الثورة التكنولوجية الثالثة تأخذ مجراها منذ الستينيات، والتى اعتمدت على تطور علوم البيولوجيا والسيبرنطيقا وغيرها، ودخل العالم عصر الفضاء والذرة والإلكترونيات، وصولا إلى العقول الإلكترونية التى أفضت إلى أتمتة جزء معتبر من العمل الذهنى الروتينى. وأسفرت الثورة التكنولوجية أيضا عن تطور وسائل المواصلات والاتصالات، بحيث أصبحت الطبقات العليا والوسطى تصطبغ بشكل متزايد بصبغة عالمية. وترافق ذلك مع نمو ظاهرة الاستثمار متعدد الجنسية، أو متخطى الحواجز القومية، فى شكل شركات مساهمة عملاقة تتوزع منشآتها فى دول كثيرة وتتنافس على سوق عالمى. وفى نفس الوقت ظهرت مشكلات لا يمكن أن تواجه إلا على مستوى عالمى، مثل مشكلات البيئة، مما فرض مجالات جديدة للتعاون الدولى. كما أسفر اتساع الهجرة بين الدول وعبر الثقافات عن تزايد دور المنظمات غير الحكومية العالمية النشاط، وكذلك عن أشكال احتكاك جديدة، منها الإرهاب الإسلامى، بما فرض بشكل متزايد محاولة التوصل إلى معايير عالمية لحقوق الإنسان وحل المشكلات الاجتماعية المختلفة، مثل قضية المرأة وغيرها، خصوصا وأن النشطاء فى هذه القضايا أخذوا يتواصلون على نطاق عالمى. وأصبح صوت المؤسسات العالمية، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أكثر ارتفاعا وتأثيرا. وقد أسفر هذا كله عن تآكل مضطرد فى الأدوار التى تؤديها الدولة، وخاصة الدولة الاستبدادية، فتزايد دور المنظمات غير الحكومية، وخصوصا ذات الارتباطات العالمية، وتآكلت سيطرة الدولة على وسائل الإعلام مع اتساع الفضاء الإعلامى العالمى وشبكة الإنترنت المعولمة، بما سمح بارتفاع أصوات كثير من التجمعات والرؤى المقموعة سابقا، بالطبع بشرط أن تكون حديثة بما يكفى لتستطيع أن تستفيد من هذه التكنولوجيا. فى نفس الوقت تعمق المأزق الذى أخذت تواجهه "التنمية" فى البلدان المستقلة حديثا، فارتفعت مديونيتها إلى أبعاد غير مسبوقة فى الثمانينيات من القرن العشرين، بما أدى إلى تزايد تدخل المؤسسات الدولية فى شئونها وإجبارها بالضغوط المالية على إجراء تحولات اقتصادية هيكلية نحو مزيد من الاندماج فى السوق العالمى، والحد من نفوذ البيروقراطيات المحلية والخصخصة. وقد استفادت البلدان الرأسمالية العالمية من الأزمة، بالطبع.. أولا بإقراض هذه الدول بما سمح لها بالتخلص من فائض رأسمالها، وثانيا بفرض شروط تحولات اقتصادية تناسبها بعد تزايد أزمتها وعجزها عن السداد. وبصفة خاصة كانت الشروط المفروضة ترمى إلى توسيع نمط الإنتاج الرأسمالى والاستثمارات، فى دورة جديدة من التراكم البدائى الذى ألحق أضرارا بالغة بالقطاعات الأفقر من السكان. على الصعيدين الإقليمى والمحلى، كانت اللحظة الفاصلة هى هزيمة 1967، التى قضت على الأحلام التى روجها القادة القوميون لنظم شعبوية، وزايدوا بها على بعضهم البعض (الناصرية، البعث، اليسار القومى)، وعلى رأسها مشروع القضاء على دولة إسرائيل. رفع عبد الناصر بعد الهزيمة شعارا أكثر تواضعا بكثير، هو "إزالة آثار العدوان"، وحفز بالمقابل تيارات المقاومة المسلحة الفلسطينية، التى كانت قد بدأت فى التشكل من قبل، فى نفس الوقت الذى كانت فيه القومية الفلسطينية قد بدأت تتبلور، بفعل سياسات الاحتلال بالذات وما صحبها من تحديث ومحاولات للاستفادة من القوى البشرية الفلسطينية فى بناء الدولة العبرية. وهكذا حل الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، ذى التشابكات المعقدة مع قوى المنطقة ودولها، محل الصراع العربى الإسرائيلى الغامض الأبعاد. ومع تحول القضية الفلسطينية إلى قضية وطنية ذات أبعاد إقليمية، أخذت المحاور العربية تفقد أبعادها الإيديولوجية، ولعل من أهم أمثلة ذلك محاولات إقامة الاتحادات الإقليمية العربية (المغاربى، الخليجى، وثالث شمل مصر والعراق واليمن)، والاستقطابات الحالية بشأن الموقف من النفوذ الإيرانى المتزايد فى المنطقة والذى يحمل ألوية السنة والشيعة. فى مواجهة هذه التطورات الجوهرية، لم يسقط حلم التيارات القومية فى تحرير مجمل فلسطين، وإنما ورثته قوى تزداد هامشية فى المنطقة. ففى البداية ورثه تيار المقاومة الفلسطينية واليسار القومى المتعاطف معها. غير أن مؤتمر مدريد فى 1991، ثم إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية ومشروع أوسلو، نقل الحلم إلى القوى الإسلامية الصاعدة. وهكذا انتقلت هذه الأحلام من أكبر دولة قومية عربية (مصر) إلى فصائل قومية مسلحة، يسارية فى عمومها، إلى مجاهدين إسلاميين يسعون لوراثة التيار القومى بالمزايدة عليه (حماس، الجهاد، حزب اللـه). وكلما تزايدت أزمة هذا الخيار كلما أصبح صوته أعلى، ليغطى على انعدام أية خطة واقعية لتحقيق أهدافه، مكتفيا فعليا بعرقلة أية خطط بديلة (راجع مثلا توقيتات عمليات الجهاد وحماس أثناء مفاوضات السلطة الفلسطينية). ولهذا السبب (أى انعدام الأفق)، ينحدر هذا الخيار أكثر فأكثر إلى الاندماج فى نزاعات طائفية وأهلية تجعل فرص نجاحه شبه منعدمة، وبالتالى تنحدر أهدافه أكثر فأكثر من الانتصار إلى "الصمود"، إلى مجرد ما قد يسمى "ضرب أمثلة" لإحياء آمال "الجماهير العربية"، التى لا يكف فى نفس الوقت عن إدانتها لأنها "لا تصحو" بما يكفى. على الصعيد المحلى: أخذ النظام الناصرى القومى العسكرى (وكذلك النظم المحافظة والدينية فى المنطقة)، يتحول ببطء للتكيف مع تغيرات الأوضاع الدولية، وأولها انتهاء حقبة توازن القوى بين المعسكرين، وانتهاء حقبة التحرر الوطنى بمجملها. وحتى قبل هزيمة 1967 التى كانت عنوان عدم قدرته على مواجهة الهجمة المضادة من المعسكر الغربى، ومحدودية فرص مشروعه المفترض لقيادة مواجهة شاملة ضد إسرائيل، كانت تنميته المخططة الشعبوية تواجه أزمة متفاقمة. وكان انتصار أحد جناحى الناصرية على الآخر، فيما يُعرف بـ"ثورة التصحيح" فى مايو 1971، نقطة تحول فى محاولات إعادة التكيف مع المستجدات فى الداخل والخارج. فأخذ النظام يتحول ببطء نحو إتاحة مجال للقطاع الخاص (بدأ ذلك فى عهد عبد الناصر بإقامة المنطقة الحرة فى بورسعيد فى 1966)، ولكن تحت رعايته، وفى علاقات زبونية معه. وقد حاول النظام أن يحصر هذه التحولات فى جوانب محددة من النظام الاقتصادى، وتحمل بقدر ما يستطيع فشل محاولاته، بسبب محدوديتها، فى جذب ما يكفى من رؤوس الأموال الأجنبية وإطلاق قوى التقدم الرأسمالى. وإزاء ضغوط الديون المتزايدة، اضطر للتكيف مع ضرورة تدعيم روابط القطاع الخاص مع السوق العالمى، بما يتعدى مفهومه الأمنى الضيق للوطنية. كما تتراجع محاولاته للإبقاء على سيطرته على مجمل التفاعلات غير الاقتصادية مع الخارج، مع تشكل أنماط جديدة من المنظمات غير الحكومية، متصلة بقضايا دولية، تبدأ من البيئة وحتى حقوق الإنسان، والتى تهاجم منظوماته الأمنية المسيطرة. ومن حيث الجوهر، قطع النظام شوطا بعيدا فى طريق لا عودة منظورة منه نحو اندماج متزايد فى السوق العالمى والمنظومات الدولية على اختلافها، بما فيها القيمية. وعلى صعيد مبادئ السياسة الخارجية أصبح مبدأ "مصر أولا" يوجه سياسته، بعد أن كان مبدأ مضمرا ومستنكرا من الناحية الإيديولوجية فى ظل الناصرية، مع الاحتفاظ بدور إقليمى بقدر الإمكان فى ظل تحولات متتالية حرجة (صعود السعودية ثم إيران، حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، مأزق أوسلو أمام اليمين الفلسطينى والإسرائيلى). يعيد النظام، فى ضوء المستجدات التى اضطر للقبول بها، تكييف مفهومه للأمن القومى بما يتيح له أن يصبح لاعبا بشكل مباشر وغير مباشر فى هذه المنظومات القيمية الجديدة ومؤسساتها (إقامة مجلس حكومى لحقوق الإنسان، ابتكار أشكال للتدخل فى العمل الأهلى إلى جانب طريقة القمع المباشر، التواجد بأشكال مختلفة داخل تعددية القوى والتيارات السياسية والفكرية، وخصوصا تشجيع "معارضة قومية" تحمل رايات مستقلة، إقامة أو تدعيم صحف "مستقلة" قومية، الخ). يكاد التيار القومى (بعد أن استولى الإسلاميون على مواقعه) يكتفى بتشجيع قوى لا يقتنع بها أصلا، بل قوى لا يُعقل تأييدها من أى منطلق قومى (مثل الزرقاوى فى العراق)، ويتمسك برفض التطبيع الثقافى والاقتصادى فحسب (بينما يتغاضى عن "تطبيعات" أجهزة الأمن التى يعلق عليها آماله السلطوية)، كورقة توت أخيرة تمكنه فحسب من إرهاب أعدائه فى الداخل، وإقناع نفسه بأنه يؤدى دورا سياسيا مفيدا، دون أى مشروع سياسى متماسك، أو حتى هدف واضح. ولأنه ما زال مهيمنا، فإنه يدفع بالنقاش السياسى بمجمله إلى هاوية عميقة من النزعة الشعاراتية المفرغة من المضمون. وليس اليسار القومى بعيد عن هذا. الأخطر من هذا أن دولة الضباط التى نشأت من التيار القومى وأسست سلطويتها على إيديولوجيته ما زالت مضطرة بشكل أو بآخر لتشجيعه ودعمه، ولو "كمعارضة" شعبوية عالية الصوت (جريدة "الأسبوع" وما أشبه)، فى نفس الوقت الذى تغير فيه سياساتها فعليا خارج إطار هذه الإيديولوجية، منذ قبول قرار مجلس الأمن الشهير 242، ومبادرة روجرز، وحتى الدور الحالى فى الوساطة الفلسطينية الإسرائيلية، أما التيار القومى فى الداخل، فقد خسر أولا قيادة الدولة الأمنية الناصرية، لينحدر الآن إلى دور احد أدواتها، ثم أخذ يخسر تحالفاته الخارجية البديلة التى أقامها مع دول جبهة الرفض (سوريا والعراق وليبيا أساسا) حتى لم يعد باقيا له سوى سوريا، أضعفها جميعا ماليا، والمعزولة دوليا. كما خسر اليسار القومى مشروعه الذى قام على تأييد مشروع بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية فى لبنان فى إطار الحرب الأهلية اللبنانية. وأخيرا أخذ يفقد، بفعل شعاراته ومواقفه المتشددة المؤيدة لأشكال مختلفة من الإرهاب، تحالفاته الدولية التقليدية مع اليسار العالمى، حتى يكاد يقتصر الأمر على حكام مثل شافيز فى أمريكا اللاتينية. وبالإجمال أثبت هذا التيار، محليا وإقليميا ودوليا، أنه من مخلفات عصر مضى، هو باختصار عصر الحرب الباردة، ولم تعد له أجندة سياسية خارجية يمكن أن تؤخذ على محمل الجد، مكتفيا بعرقلة سواه من المشاريع إلى أن يقضى اللـه أمرا. تتكيف الدولة الأمنية إذن، بقدر ما من النجاح حتى الآن، بينما أصبح التيار القومى ألعوبة هزلية. ومع ذلك تستمر هذه "الصداقة" غير البريئة بين التيار القومى والدولة الأمنية، وتؤدى فى التحليل الأخير إلى عرقلة عملية تبلور توجه إيديولوجى ديمقراطى تجاه السياسة الخارجية، بأسلحة الإرهاب الفكرى أساسا، أى بمحاولة منع التفكير العلنى خارج مسلماته. فى هذا التحالف غير المعلن تكيف القوميون بقبول استثناء الدولة الأمنية من شعاراتهم ضد التطبيع ومشروعاتهم الإيديولوجية "الكبرى"، ربما على أساس أن "التطبيع" الذى يمارسه النظام تقية تناسب هيمنة ظروف دولية غير مواتية، أو على أساس أن بعض أطراف الدولة الأمنية يستخدمها للصالح الوطنى، بما يعنى أن هذه الأجهزة هى الوحيدة المقبول حملها "لأمانة" الوطن. وتستفيد النظم السلطوية من التحالف فى تدعيم إيديولوجيتها، بإبقاء ورقة الاتهام بالعمالة مسلطا لوقف أى تفاعل لقوى سياسية ومنظمات مدنية بشكل مستقل مع الخارج، وبالتالى إبقاء السياسة الخارجية احتكارا أمنيا، بعيدا حتى عن سلطات أخرى مثل المجلس النيابى، بما يفرضها على قوى الداخل والخارج على السواء كممر وحيد بين مصر والعالم، وبما يمنع التيارات الأخرى من الحصول على تحالفاتها الخارجية المشروعة. بين تذيُّل (السير فى ذيل) القوى الأمنية السائدة، وتذيل القوى الإسلامية الخارجية (بعد تاريخ طويل من تذيل النظم الاستبدادية القومية على اختلافها)، تواصل أفكار السياسة الخارجية عند التيار القومى انحدارها إلى محض كورس من التحريض الفارغ الموجه للداخل بلا فاعلية، ليقتصر دوره على خدمة ألعاب سياسية أخرى. ما زال هذا التيار، مع ذلك، نافذا فى الساحة الإيديولوجية.. محميا بأدواره الثانوية والتكميلية لسياسات أخرى، ملتحفا بأوهامه التى يدعمها استمرار الدولة الأمنية. ومع ذلك، فإن الفجوة بين واقع الدولة الأمنية وشعاراتها القومية ما زالت تمنحه مظهر القوة المستقلة. باختصار، أزمة التيار القومى ودولة ما بعد الاستعمار فيما يتعلق بخطابهما بشأن السياسة الخارجية هى أزمة مجموعة من السياسات والمفاهيم التى تمثل عصرا مضى، بفعل تطور الدولة المستقلة نفسها، وبفعل تغير الأوضاع العالمية. بناء على هذه الرؤية، أقترح بناء نقد لإيديولوجية السياسة الخارجية للتيار القومى، وبناء المفاهيم والقيم والشعارات التى تؤسس لسياسة بديلة.. ولكن هذه قصة أخرى.. أما مقالنا هذا، فينتهى هنا. - - - - - - - -
[[1]] ومع ذلك، أصدرت الحكومات الديكتاتورية لهذه البلدان عددا لا بأس به من الكتابات النظرية التى تدعى أنها تشكل رؤية، أكثرها تواضعا هو الميثاق الوطنى الذى افتقر إلى تصور عالمى، وتصورات أكثر طموحا مثل كتاب أحمد سيكوتورى "تطوير السلطة الشعبية"، لنصل فى النهاية إلى "النظرية الثالثة" التى وضعها البعض باسم العقيد القذافى (الكتاب الأخضر)، وهى مزيج عجيب من الأفكار الفوضوية والشعبوية يغطى سلطة بوليسية هائلة.
نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:48.
( categories: )
|
||
|
Elbosla | Designed by Bent Masreya 2007 |
||
الفاضل د.شريف
الفاضل د.شريف يونس
اتابع كتاباتك ودراساتك التي ان عبرت عن شيء فهي تعبر ان ما زالت هناك خلايا حية في العقل الذي اكله الصدأ والجامعة التي اصيبت بخصاء فكري، فان جهودك التي تلقي الضوء على التاريخ الفكري الحي والمعاصر المصري والعالمي هي جهود نحتاج اليها ، فاعبر عن شكري وامتناني لجهودك واتمنى لك التوفيق والمزيد من السطور وخصوصا تلك التي تنشر في جرائد مثل تللك التي ظهرت في المصري اليوم العام الماضي وان كانت تستهلك الباحث الا انها توسع القاعدة فلا تحرم القاريء العادي حتى ولوكان قاريء الصحف السيارة، وارجو ان يكون لهذا الجانب موضع في مشروعك الفكري.
النقطة الثانية هي قدرتك التعبيرية وهذه قدرة لا تتوفر لكثير من الباحثين الاكاديمييين
شكرا جمال عمر
علِّق