قبل أن تحلق بومة بغداد : مستقبل الحرب الأهلية في العراق

سيف نصراوى

توفر الخطة الأمنية الجديدة التي بدأت القوات الأمريكية والعراقية تطبيقها منذ يوم 14 فبراير الماضي فرصة ربما تكون أخيرة لتجاوز كل محاولات التبرير والإنكار التي دأبت واشنطون وحلفائها العراقيون التمسك بها منذ ظهور بوادر حرب أهلية شاملة في البلاد وخاصة بعد تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في مدينة سامراء في 22 فبراير عام 2006. والآن، وبعد اربعة أعوام من إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين في أبريل عام 2003، أصبح واضحا أن كل ما بشرت به الإدارة الأمريكية من خلق عراق ديموقراطي ومسالم كنموذج "للشرق الأوسط الجديد" ليس سوى وهم راود مخيلة ساسة إرادويين من المحافظين الجدد أو من العراقيين ذوي المصالح الضيقة والأنانية أو من الحالمين المنفيين الذين كانت تحركهم خبرات مغايرة عما آل اليه حال العراق تحت حكم نظام قبض بيد الجحيم على أرواح العراقيين وعقولهم لأكثر من 35 عاما.

وتظهر مؤشرات الحالة الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية في العراق مستويات عميقة من التردي التي لا تمت بصلة لأي عملية "فوضى خلاقة" كما وصفتها ذات مرة وزير الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس. فالدولة العراقية ممزقة على جميع خطوط التماس المذهبي والعرقي والمناطقي وقدرتها على السيطرة الفاعلة على مختلف مناطق العراق باستثناء المنطقة الكردية تكاد تكون معدومة. وتنبئ مستويات وأشكال العنف والقتل على الهوية، حتى إذا أخذنا بأقل تقديرات الضحايا (نحو 58 ألف شخص)، بأن وقود الحرب الأهلية في العراق قد لا ينفذ قريباً. ومما يزيد الأمر صعوبة هو عمليات التهجير القسري وإعادة توزيع سكان العراق في مناطق متجانسة طائفيا، حيث تشير الإحصاءات إلى نزوح أكثر من ربع مليون شخص داخل العراق في عام 2006 وحده، وأضعافهم إلى خارج البلاد. كما تشكل السياقات الإقليمية والدولية بعدا مهما للغاية في تحديد مستقبل العراق في ظل تنافس دول الجوار العراقي واتخاذها البلاد ساحة لتصفية حساباتها الإقليمية وما يتشكل حولها من تصاعد الصراع السني- الشيعي، بالإضافة إلى تعقيدات البيئة الداخلية الأمريكية التي تظهر نزوعا متزايدا للانسحاب من العراق وخاصة بعد هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر الماضي.

وعلى خلفية هذه الصورة المأساوية ستحاول هذه المقالة رسم تصور أولي لمستقبل الدولة العراقية وفق سيناريوهين، يبحث الأول إمكانيات نجاح الخطة الأمنية الجديدة والحفاظ على وحدة البلاد، فيما يدرس الثاني التبعات المترتبة على فشلها واشتعال حروب أهلية شاملة قد تؤدي إلى تقسيم العراق.

السيناريو الأول: هل تنجح الخطة الأمنية في إنهاء الحرب الأهلية؟

تشتمل الاستراتيجية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش في يناير الماضي لتحقيق الأمن والاستقرار في العراق على أبعاد أمنية وسياسية وإقليمية. وخلافا لمعظم استطلاعات الرأي الأمريكية التي كانت تحبذ انسحابا تدريجيا للقوات الأمريكية من العراق، قرر بوش إرسال 21500 جندي أمريكي إضافي لتعزيز الوجود العسكري وخاصة في محافظتي بغداد والأنبار الملتهبتين. الهدف من الخطة، التي أنيط تنفيذها بديفيد بيترايوس، الجنرال الأمريكي الخبير بحروب العصابات، هو السيطرة على عمليات القتل الطائفي والتهجير القسري وتأهيل قوات الأمن العراقية لتصبح قوات وطنية غير طائفية ذات تدريب عال يمكنها من السيطرة على المناطق العراقية بحلول نوفمبر عام 2007. وبعيدا عن الخوض في التفاصيل التقنية للخطة الأمنية الخاصة بمناطق الانتشار الجغرافي داخل العاصمة وطبيعة التنسيق بين القوات الأمريكية والعراقية، فالهدف الإستراتيجي الذي تسعى إليه هو بناء مناخ من الثقة والأمن يسحب البساط من تحت أقدام المتطرفين الشيعة والسنة ويساعد على تشجيع التيار العريض من العراقيين على بلورة تفاهمات غير طائفية للتعايش السلمي المشترك. لتحقيق ذلك، بدأت القوات الأمريكية في استهداف الجماعات الشيعية المسلحة وخاصة جيش المهدي التابع للتيار الصدري والذي يعتقد بمسؤوليته عن قتل وتهجير آلاف السنة من بغداد. ودفعت هذه الحملة الشرسة التي استهدفت كوادر ورموز التنظيم وخاصة في بغداد والنجف وكربلاء والبصرة، العشرات من قياداته ومن بينهم زعيمه الشاب مقتدى الصدر إلى اللجوء إلى إيران. وتماشيا مع الإنذار الذي وجهه بوش لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بأن صبر واشنطون "ليس بلا حدود"، بدأت القوات الأمريكية في توجيه رسائل تحذير شديدة لباقي القوى الرئيسية المكونة للائتلاف العراقي الموحد الشيعي الحاكم. ففي 23 فبراير اعتقلت قوات أمريكية عمار الحكيم نجل زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عبد العزيز الحكيم فيما كان عائدا من إيران وهو الأمر الذي دفع أنصار المجلس لتنظيم مظاهرات منددة بعملية الاعتقال القصيرة في أكثر من محافظة عراقية. وبعد أقل من أسبوع، أصدرت القوات الأمريكية أمرا باعتقال جمال جعفر محمد النائب في البرلمان العراقي عن حزب المالكي (الدعوة الإسلامية) بحجة ضلوعه في عمليات قتل وتعذيب لعشرات السنة في مدينتي بغداد وبعقوبة. واتساقا مع عملية التضييق على المليشيات الشيعية، كثفت القوات الأمريكية من جهودها في البحث عن مخازن الأسلحة والذخائر والتي أدعت أن بعضها جاء من إيران.

وعلى الجانب السني، بدأت قوات الاحتلال الأمريكي في العراق فى تفعيل خطتها لاستمالة بعض زعماء العشائر السنية في محافظتي الأنبار وديالى لمحاولة لتضييق الخناق على خلايا تنظيم القاعدة النشطة في المناطق الغربية والشرقية من العراق لضرب إمداداتها ومواردها واستهداف أعضائها.

أما سياسيا، فقد نجح المسئولون الأمريكيون في الضغط على مجلس الوزراء العراقي لإقرار مسودة مشروع قانون النفط العراقي الذي كان مثار جدل كبير بين الفرقاء العراقيين، وخاصة القوى السنية التي رأت في عدم سن القانون محاولة من جانب الأكراد والشيعة للسيطرة على موارد البترول في مناطقهم الغنية. ويتيح قانون النفط الجديد، الذي ينتظر إقرار البرلمان العراقي له، سيطرة الحكومة المركزية على توزيع عائدات النفط بشكل متساو بين المحافظات العراقية تبعا لعدد سكانها. واستمرارا في سياسة طمأنة الأقلية السنية، شرعت الإدارة الأمريكية في الضغط باتجاه تعديل قانون اجتثاث البعث الذي صدر خلال عهد الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر في مايو عام 2003، وحُرم بموجبه نحو 30 ألفا من أعضاء الحزب القياديين (عضو فرقة أو أكبر) من تسلم مناصب في أجهزة الدولة الجديدة. وعلى نفس المنوال شرعت الحكومة العراقية في اتخاذ إجراءات لإعادة دمج الآلاف من ضباط الجيش السابق المسرحين ضمن تشكيلات القوات المسلحة الحالية.

وفي المجال الاقتصادي أقر مجلس النواب العراقي في شهر فبراير موازنة عام 2007 والتي خصصت نحو 10 مليارات دولار لجهود إعادة الإعمار وخلق وظائف جديدة، في محاولة لتجاوز أزمة البطالة المستفحلة التي ضربت نحو 52 بالمئة من سوق العمل العراقية خلال الأعوام الأربعة الماضية. وتطبيقا للجانب الاقتصادي من الخطة، قررت الإدارة الأمريكية زيادة فرقها الدبلوماسية والتجارية لإعادة الإعمار في العراق وخاصة في المناطق المهمشة اجتماعيا واقتصاديا كمدينة الصدر التي يقطنها نحو 2 مليون شيعي في بغداد وتعتبر من أهم معاقل الحركة الصدرية.

وعلى الجانب الإقليمي، برزت أولى ثمار الإستراتيجية الجديدة في اجتماع لكبار المسؤولين عقد في بغداد يوم 10 مارس الماضي وضم ممثلين عن دول الجوار العراقي ومصر بالإضافة إلى الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن في مسعى لدعم الحكومة العراقية التي يقودها المالكي.

كشف حساب أولي لخطة "فرض القانون" في بغداد

على الرغم من أن تنفيذ الخطة الأمنية في بغداد لم يمض عليه سوى أسابيع قليلة، إلا أن المؤشرات الأولية على الأصعدة الأمنية والسياسية والإقليمية لا تبدو مبشرة. وتشير الإحصاءات التي أعلنها الجيش الأمريكي إلى ان مستويات العنف قد انخفضت بشكل طفيف خلال شهر فبراير عام 2007 لتصل إلى 1646 قتيلا من الضحايا المدنيين مقارنة بـ1992 خلال شهر يناير الذي يسبقه، علما بأن هذا الانخفاض في عدد الضحايا المدنيين يبقى ثلاث مرات اعلى من عدد القتلى في فبراير2007. وعند التمعن أكثر في أسباب وأنماط القتل، يتضح وجود زيادة كبيرة في استخدام العبوات الناسفة والسيارات المفخخة في استهداف المدنيين، وهي التكتيكات الأثيرة لدى الجماعات السنية المسلحة، مقارنة بانخفاض ملحوظ في إعمال القتل الذي تقوم به مليشيات شيعية كجيش المهدي أو منظمة بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. وفي المقابل توضح التقارير الصحفية الواردة من العراق أن مليشيات جيش المهدي التزمت حتى الآن درجة عالية من ضبط النفس تجلت في عدم رغبتها الدخول في مواجهة مسلحة مع القوات الأمريكية رغم حملات الاستهداف التي طالت بعض قيادييها وكوادرها أو مخازن الأسلحة التابعة لها في بغداد ومدن الجنوب. وقد لا يبدو هذا النمط من التفجيرات أو معدلاتها غريبا على واضعي خطة فرض القانون الجديدة في بغداد وضواحيها والذين توقعوا استمرارا بل وربما تصاعدا في إعمال العنف في المراحل الأولى من تنفيذ الخطة، رغبة من الجماعات المسلحة في إشاعة مناخ عدم الاستقرار والتشكيك ونزع شرعية الاحتلال وحكومة المالكي. كما أن إحجام جيش المهدي عن الرد على عمليات الحصار العسكرية الأمريكية قد يكون مرده إلى خبرات المواجهة المسلحة التي خاضها الجيش ضد القوات الأمريكية في أبريل عام 2004 في كربلاء والنجف والتي مني فيها بخسائر بشرية هائلة، أو ربما رأى بعض قادة الجيش ضرورة الحفاظ على أكبر عدد ممكن من الأفراد والعتاد تحسبا لمواجهات أوسع في المستقبل مع المنظمات الشيعية المنافسة أو الجماعات السنية المسلحة. إلا أن الأهم في تقديري، هو تحليل الافتراضات النظرية والسياسية التي قامت عليها الخطة الجديدة في سياق تطورات وتعقيدات الواقع السياسي العراق.

تقوم الخطة الأمنية الجديدة على افتراض رئيسي هو أن الوجود العسكري الأمريكي المستمر في العاصمة وما حولها سيهيئ المناخ مستقبلا لبروز تيارات معتدلة قادرة على الضغط في اتجاه تسويات سلمية. هذا الافتراض المبني على سياسة "طهَّر. سيطر. أعد البناء" (Clear. Hold. Rebuild) يعتمد على تجاوز أخطاء التجارب الأمريكية السابقة وخاصة حصاري الفلوجة في أبريل ونوفمبر عام 2004 حين نجحت القوات الأمريكية من تطهير المدينة من عناصر الجماعات المسلحة لفترة وجيزة ثم سرعان ما رجع المقاتلون إلى معاقلهم السابقة بعد انسحاب القوات الامريكية. النظرية الجديدة تعتمد بالمقابل على إمكانية وجود عسكري أمريكي مكثف في شوارع بغداد لفترات زمنية طويلة بالشكل الذي يسمح ببث مناخ الأمان بين السكان المحليين وخلق روابط ثقة متبادلة تتيح تجنيد عناصر محلية للأغراض الاستخباراتية من ناحية، وخلق واقع سياسي- اقتصادي جديد يسمح ببروز بدائل سياسية غير طائفية من ناحية أخرى. وبالتوازي، سيعمل المخططون الأمريكيون في بغداد وواشنطون على إضعاف التشكيلة السياسية الطائفية الحاكمة عن طريق حصارها عسكريا وتفكيك قواعدها وتقليص تأثيرها الأمني- جيش المهدي كمثال- أو خلق تحالفات عابرة للطوائف بين القوى الموجودة على الساحة كما يجري حاليا في مشاورات القائمة العراقية التي يقودها السياسي الشيعي العلماني أياد علاوي لتشكيل ائتلاف حاكم بديل من أحزاب سنية وشيعية وبعض الشخصيات الكردية للضغط على تحالف الائتلاف العراقي الموحد مع التحالف الكردستاني الحاكم. وكما أسلفنا سابقا، فإن الخطة الجديدة تعتمد أيضا على أن الاستجابة لبعض مطالب العرب السنة سوف يساعد على إضعاف تمثيل الجماعات المسلحة لهذه الطائفة ويدفعهم إلى إيقاف إمدادها بالموارد المالية والأفراد والمعلومات الاستخباراتية واللوجستية وأماكن الإيواء، أي ببساطة نزع الشرعية السياسية والأخلاقية عنهم. والسؤال يصبح إذن، هل تنجح هذه الخطة في ضوء معطيات وتعقيدات الوضع العراقي من ناحية، وتجارب الحروب الأهلية حول العالم من ناحية أخرى؟

يكاد يجمع منظرو الحروب الأهلية حول العالم، وخاصة في دول ما بعد الاستعمار، على أن الحروب الأهلية عادة ما تنتهي في حالتين: الأولى أن ينجح فصيل ما في القضاء على جميع الأطراف الأخرى أو إضعافها بشكل كبير، مثلما حصل في الحروب الاهلية الصينية والكوبية، وبدرجة أقل نموذجي طالبان والمحاكم الشرعية في أفغانستان والصومال على التوالي. أما الحالة الكلاسيكية الثانية فتتعلق بتوصل كل الإطراف المتصارعة إلى الاقتناع باستحالة تحقيق نصر ساحق، سواء بخبرة القتال المباشرة والطويلة أو بضغوط خارجية شديدة. ونتيجة لذلك، ترتضي هذا الأطراف المتصارعة بتقاسم السلطة والتمثيل في أجهزة الدولة دون الاستحواذ الكامل عليها، كما هو الحال في تجربتي حروب البلقان والحرب الأهلية السودانية. وكما أوضحنا سابقا، فإن الإستراتيجية الأمريكية حتى هذه اللحظة لا تبغي خلق فصيل عراقي قوي قادر على فرض احترام القانون على جميع أنحاء البلاد بالقوة العسكرية وذلك لانعدام وجود فصيل وطني قوي غير طائفي من ناحية، ولاستحالة خلق مثل هذا الفصيل في ظل ظروف الاستقطاب الطائفي الراهن. ومن هنا، فإن الإدارة الأمريكية اختارت البديل الثاني وهو محاولة إقناع الإطراف المتصارعة بالجلوس على مائدة المفاوضات والتوصل إلى حلول سلمية بعد إحداث ترتيبات على العملية السياسية كتغير بعض بنود الدستور وتحجيم الفصائل الشيعية المسلحة. إلا أن المشكلة الرئيسية في هذه الإستراتيجية هو قرار الإدارة الأمريكية بدعم حكومة المالكي التي تحملها معظم القوى السياسية السنية مسؤولية استشراء الفساد الإداري وتدهور الأمن واستفحال أعمال القتل على الهوية الطائفية. ولهذا مثلا، سارع عدنان الدليمي، رئيس جبهة التوافق العراقية، أكبر كتلة برلمانية عن العرب السنة، بالتقليل من أهمية الخطة الأمنية، بالتأكيد على "أنها بدأت بمهاجمة مناطق أهل السنة دون غيرها من المناطق." نفس الأصداء سُمعت أقليميا حينما اجتمع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة في شهر مارس وأصدروا بيانا شديد اللهجة حملوا خلاله الحكومة العراقية مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية وطالبوا بتوسيع العملية السياسية لتشمل إشراك العرب السنة وتعديل قانون هيئة اجتثاث البعث وتعديل المواد الدستورية المثيرة للجدل. إلا أن المفارقة تكمن أيضا في أن العديد من الأصوات الشيعية انتقدت هي الأخرى ما أسمته "النوايا الخفية" من وراء الخطة الأمنية وتركيزها على تحجيم القوى الشيعية المسلحة. وهكذا بدأت بعض القوى الشيعية في تناقل نظريات مشككة في الخطة الأمنية كالادعاء مثلا بأن هدف الخطة الأمنية هو "إظهار مقدرة التكفيريين (الإسلاميين الراديكاليين) والبعثيين على الإمساك بزمام الوضع الأمني في العراق وإظهار الحكومة والأجهزة الأمنية بصورة العاجز عن حماية المواطنين" أو محاولة الانقلاب العسكري على حكومة المالكي عن طريق إعادة دمج الضباط البعثيين وتمكينهم من السيطرة على الجيش العراقي. نفس التحفظات عبر عنها وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، القيادي في التحالف الكردستاني، عندما قال بأن هناك "قوى عربية وإقليمية ودولية تسعى إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء"، في إشارة ضمنية إلى مطالب وزراء الخارجية العرب.

ومما سوف يصعب أيضا من مهمة تحقيق الأمن في العراق وإنهاء الحرب الأهلية هو توازن القوى الهش في الميدان العسكري. فبعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب الأهلية، لا توجد مؤشرات قوية على وصول الأطراف المتصارعة إلى إدراك تام لتوازنات القوى العسكرية أو تقديرات واقعية لإمكانيات النصر والهزيمة. الأدلة على هذه التصورات متنوعة، يتضمن بعضها إصرار جميع القوى السياسية على مواقفها التقليدية بدون تقديم تنازلات حقيقية واستمرار دورة العنف والإحساس بتفوق قدراتها العسكرية حتى أن خطاب الجماعات السنية المسلحة يظهر بوضوح كيف أنها حولت مهمتها في العراق من مجرد مقارعة النفوذ الأمريكي إلى التأكيد على إمكانية هزيمة المشروع الأمريكي في العراق والحكومة الشيعية وصولا إلى إعادة الهيمنة السنية على البلاد. وفي اعتقادي أن الأمر نفسه ينطبق على المليشيات الشيعية والتي وإن كانت أقل تدريبا إلا أن تفوقها العددي وارتباطها الوثيق بمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية التي تضمن لها إمدادات السلاح والموارد المالية يجعلها راغبة في الاستمرار في المواجهات المسلحة حتى تتمكن من الاستيلاء الكامل على السلطة والأرض. ولهذا فإن إحجام المليشيات الشيعية عن الرد بعنف وقسوة على هجمات الجماعات السنية عن طريق استهداف مراكز نشاطها في بغداد أو ديالى، بل الرجوع عن سياسة التهجير القسري للمواطنين السنة من هذه المناطق، قد لا يستمر طويلا خاصة إذا تواصلت الهجمات الانتحارية ضد المدنيين الشيعة عن طريق السيارات المفخخة أو تم استهداف مرقد أو مزار شيعي ديني مهم أو ارتفعت معدلات التفجيرات بالعبوات الناسفة أو قنابل الهاون.

ومن أبرز العوامل التي ستؤجل أيضا إنهاء الحرب الأهلية في العراق في المنظور القريب هو التشظي المتزايد للجماعات المسلحة طائفيا وإيديولوجيا ومناطقيا، مما سيجعل من الصعب جمعها على طاولة المفاوضات. فقراءة سريعة لخريطة المليشيات والجماعات المسلحة العاملة في العراق تظهر تناميها الفائق وانتشارها الجغرافي الواسع. فعلى الجانب السني تنشط خمسة جماعات فعالة هي "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" و "جيش أنصار السنة" و"الجيش الإسلامي في العراق" و "كتائب ثورة العشرين" و "جيش الطائفة المنصورة". هذه الجماعات تمتاز بمرونتها الفائقة في مجال الحركة والاتصال وتداخلها مع شبكات عشائرية قوية توفر لها مصادر التمويل والحماية والمعلومات بالإضافة إلى أماكن التدريب وصناعة المتفجرات. وتظهر معظم التقارير المحايدة عن هذه الجماعات نزوعا متزايدا لديها لتبني خطابات تمزج ما بين الطبعات السلفية الوهابية من الإسلام وتصورات وطنية عراقية وقومية عربية مناهضة للاحتلال الأمريكي وللنفوذ الشيعي العراقي وارتباطاته الإقليمية بإيران. إلا أن أهم ما يميز هذه الجماعات هو غياب برنامج سياسي واضح ومحدد الملامح يقود حركتها السياسية ويحدد سقف مطالبها ويسمح بالتالي بالانخراط في عمليات مفاوضات مع قوات الاحتلال الأمريكي أو الحكومة العراقية. قد يكون غياب البرنامج السياسي لدى هذه الجماعات مفيد في المراحل الأولى لنشوئها وتطورها لأنه يضمن لها درجة عالية من الوحدة وراء أهداف مطلقة كدحر الاحتلال الأمريكي أو استرجاع النفوذ السني. إلا أن تطور العملية السياسية مع الشروع في تنفيذ الخطة الأمنية قد يفرض على هذه الجماعات بلورة خطاب سياسي بمطالب محددة سيؤدي بالتأكيد إلى تعميق الخلافات بينها وربما حدوث انشقاقات داخلية، وخاصة بين جناح القاعدة الذي يقود حربا وجودية ضد الولايات المتحدة، وبين الجماعات العراقية التي تسعى لتحقيق أهداف محلية بحتة. بوادر مثل هذه الانشقاقات بدت تطفو على السطح وخاصة في محافظة الأنبار، المعقل التقليدي لتنظيم القاعدة، حيث قتل أكثر من 160 شخصا في يوم واحد خلال اشتباكات بين عناصر التنظيم وأفراد عشيرتي "البو عيسى" و"البو مرعي" النافذتين في المدينة. للوهلة الأولى، قد يبدو مثل هذه التطور إيجابيا لأنه يدفع باتجاه إزاحة العناصر الأكثر تشددا من الساحة ومن ثم يسهل عملية الدخول في لعبة تفاوضية تحتمل عملية التوازن بين المصالح، إلا أن تأثيراته المباشرة والآنية سوف تؤدي إلى ازدياد تشرذم الجماعات المسلحة وصعوبة خلق بديل قوي وموحد قادر على التحدث باسم السنة مجتمعين. ومما سيعقد المسألة حدوث انتكاسات أمنية وسياسية نتيجة ازدياد الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية لسحب قواتها من العراق أو تغذية الصراعات الداخلية بواسطة اللاعبين الإقليميين الأساسيين على الساحة السنية، وخاصة السعودية والأردن وسوريا، كجزء من إستراتيجية تصفية الحسابات الإقليمية. آليات مشابهة تتحكم بالساحة الشيعية حيث يشتد التنافس بين جيش المهدي التابع للحركة الصدرية ومنظمة بدر الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية لفرض الهيمنة على الساحة الشيعية. فمع مواصلة القوات الأمريكية والعراقية استهداف معاقل جيش المهدي من ناحية، وازدياد السخط الشعبي في الأوساط الشيعية من هجمات الجماعات السنية المسلحة، سيتعين على هذا التنظيم أخذ زمام المبادرة والرد حتى لا تتآكل قاعدته الشعبية وتتأثر مناطق نفوذه. عوامل عديدة قد ترجح سيناريو التصعيد والنزاع الشيعي-الشيعي، يتعلق بعضها بالانقسامات الحادة داخل الحركة الصدرية، وهي حركة اجتماعية شديدة السيولة وتفتقر لعقيدة إيديولوجية واضحة وهيكل تنظيمي قوي ولا يوحد كوادرها سوى خلفياتهم الاجتماعية المهمشة وجملة مقولات عامة تتعلق بمناهضة الاحتلال والعداء للمؤسسة الشيعية التقليدية أو للسياسيين الشيعة الذين أتوا من الخارج. ولهذا، فحتى لو حاول مقتدى الصدر إدارة عملية الحصار التي يتعرض له تنظيمه بشكل سلمي، فإن شكوكا قوية تحيط بقدرته على رد الهجوم بشكل سياسي. فالصدر الصغير يفتقر إلى الموارد المالية الكافية التي تمكنه من السيطرة على أتباعه لمدد طويلة من الزمن، بسبب محدودية الدعم المالي الذي يتلقاه من إيران من ناحية، وعدم سيطرته على شبكات الزكاة (الخمس) التي تذهب تقليديا لمراجع الشيعة الرئيسيين، وبعضهم مقرب من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. ومن ناحية أخرى، فإن الصدر نفسه قد يدفع في اتجاه التصعيد العسكري لتحسين موقعه التفاوضي في حالة إدراكه لأن بعض القوى الشيعية وخاصة حزب الدعوة الإسلامية، الذي يفتقر لجناح مسلح، يسعى إلى تجنيد بعض أعضائه عن طريق شبكات التضامن الاجتماعي وتقديم الخدمات التي تسعى الخطة الأمنية الجديدة لإدخالها في المناطق الشيعية المهمشة، وخاصة في مدينتي الصدر ببغداد والعمارة في جنوبي العراق.

كل هذه العوامل مجتمعة، وخاصة إحساس مختلف الفصائل المسلحة بقدرتها على تحقيق النصر من ناحية، وتشظى المليشيات الطائفية من ناحية أخرى، تشير إلى احتمالية كبيرة لفشل خطة "فرض القانون" في بغداد. عوامل أخرى، قد تدفع على الأرجح في هذا الاتجاه. فلن تتوقف دورة العنف هذه لأن تدقيقا كافيا في طرائق القتل، وليس معدلاته فقط، تكشف حجم العنف المنطلق على الساحة العراقية. فالجماعات المتصارعة في العراق لا تكتفي فقط بخطف المدنيين أو قتلهم وإنما بدأت تلجأ إلى وسائل شديدة الهمجية للتنكيل بجثث الضحايا كاقتلاع العيون وثقب الجماجم وحرق الأجساد ووضع رؤوس الحيوانات كرأس كلب أو حمار مكان رؤوس البشر. وسائل الانتقام هذه تظهر تغلغلا رهيبا للأحقاد الطائفية بل ونزوعا إلى رفض التعايش المشترك. هذه الآلية المخيفة بدأت تقتات على منطقها الداخلي حيث تظهر التقارير ازدياد المليشيات المحلية داخل أحياء المدن العراقية وخاصة في بغداد. هذه المليشيات، والتي عادة ما يتزعمها بلطجية الأحياء، لا تهدف إلا إلى حماية هذه المناطق أو القيام بعمليات انتقامية مباشرة ردا على مقتل أفراد من نفس الحي أو القبيلة أو بهدف السرقة وفرض الإتاوات. يضاف إلى كل ذلك، إن أساس عمليات العنف ضد القوات الأمريكية والعراقية لا يقوم على منطق المواجهة الواسعة المفتوحة، وإنما يلجأ المقاتلون بالدرجة الأولى إلى أساليب الكر والفر التقليدية في حرب الشوارع التي تجعل اصطيادهم برا وجوا عملية شاقة بل ومستحيلة.

السيناريو الثاني: ماذا بعد الحرب الأهلية؟

يتضح من مناقشة السيناريو الأول، أن هذه الورقة ترجح فشل الخطة الأمنية الجديدة في إنهاء الحرب الأهلية في العراق. ومما قد يدفع في هذا الاتجاه جملة من العوامل الإقليمية والدولية المتشابكة. فعلى الصعيد الإقليمي، يظهر بوضوح ازدياد الصراع السني-الشيعي والذي يتخذ أشكالا عدة دبلوماسية وسياسية وعسكرية وثقافية تظهر تجلياتها في مناطق الصراع الساخنة في الخليج والمشرق العربي، وخاصة في لبنان والأراضي الفلسطينية، إضافة إلى ملف إيران النووي. هذا الصراع يجد أيضا أرضه الخصبة في العراق، حيث تواجه السعودية بعلاقاتها المالية والدينية، مع قوى سياسية سنية، خصمها الإيراني الذي يحتفظ هو الآخر بعلاقات سياسية ودينية واقتصادية مع مختلف القوى الشيعية. هناك أيضا التخوف التركي والإيراني من احتمال نشوء دولة كردية في شمال العراق قد تغدو مثالا لأكراد هاتين الدولتين. ولهذا بدأت الدولتان في حشد قواتهما على حدود العراق الشمالية في إشارة قوية إلى استعدادهما للتدخل العسكري. ومما يزيد من مخاوف أنقرة، على سبيل المثال، إصرار الحزبين الكرديين الكبيرين على ضم مدينة كركوك الغنية بالنفط والتي تضم أيضا جالية تركمانية كبيرة وسعيهما لإجراء استفتاء حول مستقبل المدينة قبل نهاية عام 2007. وتلعب الحكومة السورية أيضا دورا مهما في الأزمة العراقية عن طريق علاقاتها مع الجماعات السنية المسلحة، وخاصة البعثيين منهم، أو غضها البصر عن تسلل مئات الانتحاريين الأجانب إلى داخل العراق عبر حدودها. لا يبدو أن التورط السوري والإيراني، على وجه الخصوص، في المسألة العراقية في طريقه إلى الحل قريبا، نظرا لتعقيدات علاقات دمشق وطهران مع الإدارة الأمريكية. فخلافا لنتائج تقرير لجنة بيكر-هاملتون الذي أوصى بإجراء محادثات مباشرة مع إيران وسوريا، قررت إدارة بوش تصعيد حملتها الخطابية والسياسية ضد البلدين. ففي الملف الإيراني، أعلنت الإدارة الأمريكية إرسال حاملتي طائرات إلى مياه الخليج وبناء شبكة من البطاريات المضادة للصواريخ في مدن الخليج الرئيسية تحسبا لأي هجوم إيراني. كما دعمت واشنطون إنشاء تحالف يضم ما دعته بالمعتدلين العرب والمسلمين من الدول السنية الرئيسية كالسعودية ومصر وباكستان لمواجهة النفوذ الإيراني. ودبلوماسيا، صعدت واشنطون من جهودها لإصدار قرار جديد يهدد بفرض عقوبات إضافية على طهران لعدم وقفها جهود تخصيب اليورانيوم.

أما في الموضوع السوري، فقد بدأت واشنطون بتحريك ملف المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والذي يُعتقد أن الحكومة السورية مسئولة عنه. كما عارضت واشنطون بشدة فتح أية قنوات دبلوماسية بين سوريا وتل أبيب، في إشارة إلى رغبتها فى المضي قدما في معاقبة النظام السوري على دوره في دعم المنظمات التي تصنفها واشنطون بالإرهابية في العراق ولبنان وفلسطين.

إلا أن المسالة الأكثر إشكالا هى تنامي اتجاهات معارضة الحرب في الولايات المتحدة وظهور خلافات حقيقية بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي حول كيفية التعامل مع الأزمة العراقية. فمع ازدياد معدلات قتل الجنود الأمريكيين مع استمرار تطبيق الخطة الأمنية قد يضطر صناع السياسة الأمريكيون، وخاصة عند اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر عام 2008، إلى التعجيل بخروج الجزء الأكبر من القوات الأمريكية من العراق والاكتفاء ببعض القواعد العسكرية خارج المدن الرئيسية.

وبسبب غياب بدائل سياسية عراقية غير طائفية وصعوبة تشكلها في المستقبل القريب لازدياد حدة الاستقطاب الطائفي والتآكل الحاد في "الرأسمال الاجتماعي" وما يستتبعه من غياب الثقة المتبادلة بين الجماعات المتناحرة، وهجرة أعداد ضخمة من الطبقة الوسطى إلى خارج العراق، وهي الفئات التي تحمل تقليديا مشروع بناء دولة غير طائفية، يبدو أن الحرب الأهلية في العراق ستستمر فترة طويلة. ويرجح من هذا السيناريو غياب جيش أو مؤسسات أمنية غير طائفية قادرة على أخذ زمام المبادرة وفرض القانون بالقوة العسكرية. كما أن خيار فرض الوصاية الدولية على العراق استنادا إلى قراءة معينة للمادة 32 من قرار مجلس الأمن رقم 1546 يبدو هو الآخر مستبعدا في المستقبل المنظور بسبب عدم وجود رغبة دولية في التورط عسكريا في المستنقع العراقي.

واستنادا على كل ما سلف، يبدو أن مسار الحرب الأهلية في العراق أبعد ما يكون عن النهاية القريبة. وبناءً عليه فإن أمام المجموعات العراقية المتناحرة ثلاثة سيناريوهات لإنهاء الحرب الأهلية، حتى ولو بعد سنوات ممتدة من الاقتتال: الأول هو تمكن فصيل بعينه من فرض سلطته ونفوذه على جميع الأراضي العراقية، والثاني هو وصول القوى العراقية المتصارعة إلى صيغة تفاهم مشترك قائم على تقاسم السلطة، أما السيناريو الثالث فيتعلق بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب.

السيناريو الأول:

مع ازدياد حدة الصراعات المسلحة بين القوى العراقية واستمرار تحلل أجهزة الدولة العسكرية والمدنية، ستختفي تدريجيا قدرة الحكومة المركزية على أداء وظائفها البيروقراطية وفرض القانون ومنع الجريمة. وبالتبعية، ستظهر مليشيات جديدة ويزداد الاقتتال داخل المليشيات القائمة أو ضد المليشيات الأخرى طمعا في تحقيق مكاسب مادية تتعلق بالسيطرة على أنابيب وموانى تصدير البترول أو طرق التجارة والتصدير أو الاستحواذ على أراض جديدة. وسيكون للصراع بالتأكيد بعد ثقافي يتعلق بفرض نموذج إيديولوجي ما "كدولة العراق الإسلامية" مثلا أو لتجنيد أتباع جدد داخل كل معسكر. وجرياً وراء معدلات أعلى من الهيمنة، ستحاول كل مليشيا طائفية فرض هيمنتها على طائفتها أولا سعيا للوصول إلى وحدة داخلية تحسن من شروطها التفاوضية وتخولها الحديث باسم الطائفة ككل في المستقبل. وأخذا بالغالبية العظمى من تجارب الحروب الأهلية من ناحية، وبتجربة العراق الخاصة من ناحية أخرى، فإن الدول الإقليمية، خاصة إيران وتركيا، ربما تتدخل بشكل عسكري مباشر في فترات مختلفة من الصراع لنصرة طرف ضد طرف آخر، وهو الأمر الذي سيساهم في زيادة حدة الصراع. إلا أن الأمر الحاسم هنا هو إمكانية نجاح طرف إقليمي، كإيران أو تركيا أو السعودية أو سوريا وربما الولايات المتحدة، في الدفع بفصيل بعينه ليتصدر ساحة المشهد السياسي؟ يبدو هذا الخيار صعبا في ظل توازنات القوى الموجودة حاليا على الساحة، فلا توجد أية مؤشرات على استعداد إيران لدعم فصيل سني مثلا، أو إمكانية أن تدعم السعودية فصيلا شيعيا بعينه للاستحواذ على السلطة. ومما يزيد من تعقيد هذا السيناريو أن تلجأ الدول الإقليمية إلى مقاربة الملف العراقي قياسا بواقع التجربة السورية خلال الحرب الأهلية اللبنانية. فدمشق غيرت من تحالفاتها مع الفصائل اللبنانية، فتارة تحالفت مع المليشيات المسيحية، وتارة مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومرة مع حزب اللـه أو حركة أمل الشيعيتين. واعتمد منطق هذه التحالفات على رغبة القيادة السورية في منع ظهور فصيل لبناني قوي، قد يكون مواليا لها في البداية، إلا أنه سيظل يمثل تهديدا لمصالحها الإستراتيجية على الأمد البعيد، ولهذا حرصت القيادة السورية على الإبقاء على توازن ما يضمن هيمنتها الكاملة على لبنان. هذا المدخل للتعامل مع الفصائل العراقية قد يبدو مرجحا من قبل إيران وسوريا وتركيا التي ستتأثر بوجود فصيل واحد يدعي التحدث باسم طائفة بعينها. ونظرا أيضا لمصالح الولايات المتحدة المتداخلة مع دول الجوار العراقي، ورغبتها في تأكيد سيطرتها على آبار البترول في جنوب وشمال العراق، لا يبدو مرجحا أيضا أن تدعم واشنطن سيطرة فصيل بعينه على مقاليد الأمور في العراق، خاصة لأن هذا السيناريو، في ظل وجود قواعد أمريكية في العراق، سيتطلب بحارا من الدماء لا تستطيع الولايات المتحدة تبريرها أمام الرأي العام الدولي.

السيناريو الثاني

لا يتحقق سيناريو مشاركة الفصائل المتصارعة في اقتسام السلطة إلا بعد سنوات طويلة من الصراع الدامي تستطيع بعده المجموعات المتناحرة أن تدرك تعقيد موازين القوى العسكرية وتتوصل إلى قناعة استحالة كسب المعركة عسكريا، كما حصل في نموذجي اتفاق الطائف بين الفصائل اللبنانية أو اتفاقية دايتون التي أنهت الحرب الأهلية اليوغسلافية. إلا أن نجاح هذا السيناريو يشترط أمرين أساسيين لا غنى عنهما في كل اتفاقيات تقاسم السلطة حول العالم. الشرط الأول يتعلق بتحول الحرب الأهلية داخل العراق إلى صراع بين قوى محددة وقليلة ومسيطرة بدرجة كبيرة على المجموعات السكانية التي تتحدث باسمها. أهمية هذا الشرط تكمن في أنه يوفر ضمانات كافية لبقية القوى للتخلي عن السلاح والدخول في مشاركة حقيقية في إدارة الدولة بغير أن تخشى من انهيار هذا الاتفاق لعدم التزام الأطراف الأخرى به. لا يبدو المسرح العراقي مهيئا في الفترة الحالية لاتفاقيات من هذا النوع بسبب تعدد مراكز القوى السياسية والعسكرية داخل كل طائفة، وبالأخص الشيعة والسنة. إلا أن تطور الحرب الأهلية قد يدفع في المستقبل، وبدعم إقليمي ودولي، إلى بروز فصائل معينة تستطيع الهيمنة على مقدرات الطائفة المادية والمعنوية عن طريق القهر أو الدمج الطوعي. ومما قد يساعد على تحقيق هذا السيناريو استمرار الحرب الأهلية لفترة زمنية طويلة ينتج عنها ارتفاع معدلات الضحايا إلى أرقام فلكية ونزوح ملايين العراقيين إلى دول الجوار مما يستتبع تدخلا دوليا وإقليميا لإنهاء هذه المعاناة الإنسانية. أما الشرط الثاني فيتعلق بوجود قوى إقليمية ودولية قادرة على فرض الحلول الوسطى على جميع الأطراف عن طريق استخدام مزيج من سياسات الترهيب والترغيب. وعلى نفس المنوال، فإن دول الجوار العراقي المتصارعة حاليا قد تتوصل إلى لعب هذا الدور في المستقبل إذا ازدادت تكلفة الحرب الأهلية في العراق، المادية والبشرية، وشكلت تهديدا استراتيجيا لمصالحها ووجودها. وتزداد أرجحية هذا الخيار مستقبلا إذا لم تتورط الولايات المتحدة بدعم سافر لإحدى الطوائف ضد الأخرى عن طريق التعجيل بانسحابها وأخذ مسافة واحدة من جميع القوى، مما سيؤهلها للعب دور الوسيط والضامن للعبة السياسية بالعراق في المستقبل.

السيناريو الثالث:

يعتبر سيناريو تقسيم العراق إلى دويلات جزئية أبعد وأصعب التصورات من حيث إمكانية التحقق لأسباب داخلية وإقليمية ودولية. صحيح أن القيادات الكردية نجحت في بلورة رأي عام كردي يحبذ الانفصال عن العراق، ساعدت عليه خبرات الأكراد المريرة في التعامل مع الحكومة المركزية منذ ثلاثينيات القرن المنصرم، وفترة الاستقلال النسبي التي حظى بها الأكراد منذ عام 1991، والتي نجحوا خلالها عن طريق وسائل الإعلام والتعليم ووجود سوق مشتركة في بلورة هوية قومية مكتملة الطابع تقوم على توحيد اللهجات الكردية وبناء بيروقراطية محلية بموظفين أكراد، شكلت قطعا سوسيولوجيا وسياسيا وثقافيا مع تدخلات الدولة المركزية في بغداد. إلا إن قراءة عميقة لخريطة موازين القوى الإقليمية، ستجعل القيادات الكردية تفكرا مليئا قبل الدفع بقوة لخيار إنشاء دولة كردية مستقلة في شمال العراق. فكردستان العراق بنسماتها الخمسة مليون وبنيتها التحتية المتخلفة نسبيا غير قادرة على صد هجوم عسكري تركي أو إيراني، كثيرا ما هددت به الدولتان في حال إعلان الأكراد لدولتهم المستقلة. كما أن جغرافية كردستان العراق، والتي لا تملك منفذا على البحر، يجعلها تحت رحمة دول الجوار في تصدير البترول والغاز الطبيعي الذي يعتبر المورد الاقتصادي الأهم لإقليم كردستان. وبالنسبة للشيعة، فلم تعبر أي من قواهم الرئيسية عن رغبة في تأسيس وطن حصري لشيعة العراق. وما يدعم وجهة النظر هذه هو أن مسألة النظم الفيدرالية لا زالت محل خلاف عميق داخل الأوساط الشيعية، فلم يدافع عنها بقوة سوى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والمؤتمر الوطني العراقي الذي يتزعمه آياد علاوي، وبدرجة أقل حزب الدعوة الإسلامية، فيما ترفضه أحزاب شيعية مهمة كحزب الفضيلة أو التيار الصدري، بالإضافة إلى مرجعيات دينية مهمة. مما يزيد من صعوبة هذا الاحتمال مستقبلا، حتى مع اشتعال وتيرة الحرب الأهلية، هو تخوف الأغلبية الشيعية من وقوع الدولة الشيعية الجديدة تحت هيمنة إيران والتي وإن شاركوها الاعتقاد المذهبي، إلا أن اعتزازهم بعروبتهم الثقافية سيمثل عائقا أمام قبول هذا السيناريو. وعلى الجانب السني، لم تطرح أية قوة سنية إمكانية أو الرغبة في تقسيم العراق لاعتبارات عدة، منها أن السنة شكلوا تاريخيا قادة العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، كما أن مناطقهم فقيرة بالموارد الطبيعية أو بمنفذ على البحر مما سيعوق إمكانيات تقدمها الاقتصادي، سواءً عن طريق تصدير البترول أو التجارة.

إلا أن العامل الأكثر أهمية في تقليص فرص انقسام العراق هو عدم وجود رغبة إقليمية في ذلك. فكما تخبرنا تجارب التاريخ، فإن تقسيم الدول، حتى بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وتصاعد سياسات الهوية منذ تسعينيات القرن المنصرم، لا يكتمل إلا بموافقة وتصديق إقليمي ودولي. فهل لأي من دول الجوار العراقي أو الولايات المتحدة مصلحة في تقسيم العراق؟ أن نظرة سريعة على دول الجوار العراقي تخبرنا بعدم وجود مثل هذا التصور لمستقبل الدولة العراقية. فإيران، بتركيبتها السكانية المتنوعة، والتي يشكل العرب فيها نحو مليوني نسمة من مجموع سكان إيران البالغ 70 مليون نسمة، لن تستطيع استيعاب 15 مليون شيعي عربي في تركيبتها السكانية، أو أن توفر لهم مظلة حماية عسكرية شاملة أو تمدهم بالمساعدات الاقتصادية الضرورية لمواجهة الأزمات الغذائية والطبية أو إعادة الإعمار. كما أن عملية إدماج الشيعة العراقيين في الكيان الإيراني أو فرض الوصاية الإيرانية عليهم سوف يستتبعها إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمة الإيرانية بالشكل الذي يعارض توجهات النخب السياسية الإيرانية بعد مرور 28 عاما على الثورة الإسلامية والتي تظهر نزوعا متأصلا نحو تعريف قومي، قائم على العنصر واللغة والثقافة للأمة الإيرانية بدلا من تعريفها اعتمادا على هويات مذهبية ودينية.

أما عن تركيا، فبرغم التصريحات الأخيرة لوزير خارجيتها عبد اللـه غول عن بحث إلغاء اتفاقية لوزان لعام 1923 مع البريطانيين والتي تم بموجبها ضم ولاية الموصل الشمالية إلى الدولة العراقية، إلا أن قبول تركيا بفكرة تقسيم العراق تبدو صعبة لأكثر من سبب. فالنخبة التركية، بشقيها المدني والعسكري، والعلماني والإسلامي، تبدو مجمعة على رفض تأسيس وطن قومي للأكراد في شمال العراق لأنه سيوفر مثالا موحيا لأكراد تركيا البالغ عددهم 15 مليون نسمة، يهدد بدوره بتقسيم الدولة التركية التي تخوض صراعا مسلحا ضد حزب العمال الكردستاني منذ عام 1983. كما تخشى تركيا، وهي من أهم دول الشرق الأوسط السنية، من بروز دولة شيعية تابعة لإيران في جنوب العراق بموارد نفطية هائلة قد تقلب موازين القوى في المنطقة لصالح إيران.

المخاوف من تقسيم العراق تشكل أيضا هاجسا للحكومة السورية، وخاصة في المسألة الكردية، حيث يبلغ عدد الأكراد أكثر من مليون نسمة في سوريا، وتشكيل دولة كردية سوف يمثل حافزا لأكراد سوريا أيضا. بالإضافة إلى ذلك، تتخوف القيادة السورية من احتمال تشكيل علاقات وثيقة بين أي حكومة كردية محتملة وإسرائيل، خاصة وأن العلاقات بين الجانبين ترجع إلى ستينيات القرن العشرين. كما أن تأسيس دولة سنية في وسط العراق ذات طبيعة إسلامية قد تشكل تهديدا جديا للنظام العلوي الحاكم في سوريا، خاصة لأنها قد تنشئ روابط إيديولوجية وتنظيمية مع جماعة الإخوان المسلمين، ألد أعداء نظام البعث في سوريا.

وتتركز المخاوف السعودية والكويتية والأردنية من سيناريو تقسيم العراق بالدرجة الأولى على فكرة تأسيس دولة شيعية في جنوب البلاد ذات امتدادات إقليمية واسعة مع إيران. فتأسيس مثل هذه الدولة، سيقدم للشيعة في كل من الكويت والسعودية، والمهمشين اجتماعيا وسياسيا، فرصة أوسع للمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية تدمجهم بشكل أكبر في التشكيلة المجتمعية الحاكمة. ولا يبدو خيار التقسيم العراقي مرحبا به في الأردن أيضا. ففكرة تقسيم وتجزئة بلدان المنطقة قد تشكل سابقة تسمح بإعادة رسم خرائط المشرق العربي وإحياء مشروع الأردن كوطن بديل للفلسطينيين. ويهدد تقسيم العراق أيضا بغياب العمق الإستراتيجي للأردن مقابل إسرائيل من ناحية، وفقدان ميزة العراق الاقتصادية كأول شريك تجاري للمملكة الهاشمية، خاصة وأن الأردن يحاذي جغرافيا مناطق العرب السنة الفقيرة بالموارد الاقتصادية.

كل هذه العوامل الإقليمية المتداخلة ستجعل من خيار تقسيم العراق الورقة الأخيرة التي قد يلجأ إليها لاعبو دول الجوار في حالة وصول معدلات القتل والتهجير إلى أرقام فلكية واستحالة تحقيق أي توافق بين الفرقاء العراقيين.

 

للأسف، هذا المقال يقدم رؤية متشائمة لإمكانيات تطور الأوضاع في العراق، وكل تمنياتي أن أكون مخطئا. كتب الفيلسوف الألماني فردريك هيجل في مقدمة كتاب فلسفة الحق: "إن بومة منيرفا لا تحلق إلا عند الغسق".. فهل أستطيع أن آمل فى أن نشهد قريبا، برغم كل شىء، غسق، أو أفول، عهد الحرب الأهلية وشلالات الدماء؟

 


نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:31.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Copy the characters (respecting upper/lower case) from the image.