البوصلة تعاتب ....


.. القضاة الذين يرفضون نوعا واحدا من الامتيازات

استقلال القضاء معركة خاضها مئات الشباب النشطين، من الأحزاب ومستقلين، وعشرات المدونين، ونساء مهتمات بالسياسة أو بالعمل الأهلى. هؤلاء جميعا لم يكونوا يتمتعون فى وقفتهم من أجل استقلال القضاء بأية حصانة من أى نوع، ولم يرتدوا أية أوشحة، اختاروا عن وعى أن يعرضوا حرياتهم للتقييد، وأجسادهم للضرب دفاعا عن استقلال القضاء، باعتباره ركنا من أركان فصل السلطات ومواجهة الاستبداد.

لم يتصور هؤلاء المناضلون والمناضلات، الحالمون بالحرية، أن يقف القضاء نفسه عقبة أمام حرياتهم وحقوقهم.

لم يتصوروا أن يرفض معظم أعضاء مجلس إدارة نادى القضاة، عدا أقلية تستحق كل التحية، تعيين قاضيات، فى إخلال واضح بمبدأ المساواة، وبحجج واهية تجاوزها العالم منذ قرن من الزمان. بصرف النظر عن المبادئ، أثبتت التجربة فى جميع أنحاء العالم أن النساء لا يقلون "بشرية" عن السادة الرجال، وأن النابهات منهن قادرات على المساهمة فى التقدم العلمى وصولا إلى الحصول على جائزة نوبل مرتين (مارى كورى)، وصياغة التشريعات، وقيادة الدول، بل وتحمل المسئولية عن الأمن القومى.. كما أنهن يعملن بالفعل قاضيات، بما فى ذلك المحاكم العليا الدستورية فى كثير من بلدان العالم. بغير حق تولى المناصب على أساس شروط موضوعية بصرف النظر عن الجنس، نكون أمام مجتمع ذكورى قائم على أساس امتيازات متعلقة بالنوع.

لم يتصور المناضلون والمناضلات أن يصدر القضاء أحكاما بحبس مدونين عند إعرابهم عن رأيهم، بحجة إهانة رئيس الجمهورية. كما صدمهم صدور حكم بحرمان مواطنين من حق استخراج بطاقة رقم قومى لأنهم بهائيين، أو لأنهم مسيحيون أسلموا ثم عادوا إلى المسيحية. حق استخراج بطاقة أو شهادة ميلاد مترتب فى الدولة المصرية بالضرورة على حق المواطنة، لأن جميع التعاملات الرسمية، حتى مع المؤسسات الخاصة، تتم بواسطة هذه الأوراق، وبغير كفالة هذا الحق لا حديث عن حرية عقيدة، بل عن دولة تميز بين المواطنين على أساس الدين.

أنصار استقلال القضاء، من باب الانتصار للحرية، هم نساء ورجال ينتمون لأديان مختلفة، ويعتنقون مبادئ سياسية مختلفة، وهم لا يريدون قطعا قضاءً يرعى إقامة دولة تميز بين مواطنيها على أسس مذهبية، أو تسوده اتجاهات ذكورية وسلطوية. الحرية والمساواة مبدأ واحد لا يتجزأ، وهو السند الوحيد لاستقلال القضاء، فلم يكن القضاء مستقلا قبل الدولة الحديثة، وفصل السلطات لا سند له سوى فكرة حماية الفرد أيا كان من تعسف السلطة. السلطة الاستبدادية بالمقابل هى التى تقوم على مبدأ الامتيازات، على طريقة فرق تسُد، وتطيح بالمساواة. فى الدولة الحديثة مبدأ الامتيازات ليس سوى شكل من أشكال الفساد.

علينا أن نصارح أنفسنا: إن عقلية الامتياز متفشية بالفعل فى صفوف جانب معتبر من القضاة، بما فى ذلك الدفاع عن امتياز تعيين أبنائهم فى القضاء بقبول الحاصلين على تقديرات ضعيفة فى دراساتهم القانونية الجامعية.

البوصلة تخشى أن تؤدى هذه المواقف إلى شق صف المكافحين من أجل الحرية وفصل السلطات، حين يجدون بعض القضاة المدافعين عن فصل السلطات، ولو بالمسيرات بالأوسمة والأوشحة، يقفون هم أنفسهم عثرة أمام زميلاتهن، فيمنحون الحكومة بذلك شرف الدفاع عن المساواة، بدلا من أن يسبقوها فى المناداة بها، ويسعون لتكريس حرمان فئة من المواطنين من أبسط حقوق المواطنة بغير سند من القانون، بدلا من أن يكونوا سباقين فى الدفاع عن الحريات.

الحرية والمساواة مبدأ واحد لا يتجزأ. إن من ينادون بالقضاء على بعض الامتيازات، مثل امتيازات السلطة التنفيذية وحدها، بينما يتمسكون بامتيازات أخرى، ليسوا أبطالا للحرية.

البوصلة

نشره البوصلة يوم ثلث, 10/30/2007 - 23:53.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Copy the characters (respecting upper/lower case) from the image.