من 2000 إلى 2003 كانت فلسطين والعراق في بؤرة المشهد السياسي المصري. من 2004 إلى 2005 انتقل موضوع رئاسة الجمهورية وقضية التوريث إلى البؤرة. من 2006 وحتى الآن تصدرت القضايا الاجتماعية والاقتصادية بلا منازع مركز الصراع السياسي.. من صراع على لقمة العيش، إلى احتجاجات ضد الحرمان من مرافق الدولة الأساسية مثل الماء، إلى تحركات لزيادة الأجر، الخ. الاقتصاد أولاً. هذه هي كلمة جماهير الشغالين والعرقانين والمظلومين في مصر. وبما أن الاقتصاد لا يمكن فصله عن السياسة، وبما أن مكتسبات الجماهير في الاقتصاد لا يمكن أن تتحقق بدون نضال في المجال السياسي وبدون تطوير منظمات وأدوات تمكنها من تكثيف النضالات وتخزين معارفها وخبراتها في أشكال مؤسسية، لذلك يصح أن نخصص هذه المقالة لمناقشة موضوع تطوير النضال الاقتصادي والاجتماعي.
السياسة تقوم على التجميع، تجميع أفراد مختلفين ومتفرقين لكي يعملوا معاً لصالح أهدافهم المشتركة. التحركات الاجتماعية في السنوات الماضية ضمت مصريين من محافظات مختلفة من خلفيات اجتماعية متباينة ومن مستوى تعليمي متفاوت. المشترك بينهم أنهم كانوا في حالة دفاع أو هجوم فيما يخص لقمة عيشهم، المشترك بينهم أنهم كانوا في حالة صراع طبقي مع صاحب العمل، أكان الدولة نفسها أو كان رجال أعمال أو مع الدولة كمنظم ومقدم للخدمات. هذا المشترك هو الأساس الذي سيتم بناء عليه مشروع يجمع مطالب هؤلاء كلهم في برنامج سياسي واحد. بناء هذا البرنامج لن يتم بالتطور التلقائي للتحركات المطلبية، وإنما بفعل نشاط سياسي تنظمه كوادر سياسية تقوم بتصعيد المشتركات بين كل هذه التحركات في المجال الاقتصادي إلى المجال السياسي. ومن هنا تطرح هذه المقالة الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها إطاراً لتجميع النضالات الاجتماعية كما تنقد مقترحات أخرى.
كان هناك في السنوات الماضية بعض الإرهاصات والمحاولات لطرح عناوين كبرى يمكن وضع التحركات الاجتماعية تحتها. كل العناوين مشروعة بشرطين.. أن تساهم في التجميع وأن تعطي بوصلة للحركة. كانت "المقاومة الاجتماعية" أحد تلك العناوين المطروحة سواء بشكل مباشر أو بشكل مضمر. ولا يخفى على القارئ أن هذا العنوان مستعار من شعار المقاومة الذي رفعته تنظيمات مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في فلسطين ومن التحالف الذي يقوده حزب اللـه في لبنان، وهو يعكس تطور أداء بعض المجموعات السياسية التي انتقلت من التركيز على التضامن مع الشعبين الفلسطيني واللبناني والعراقي ومناهضة الصهيونية والغزو الأميركي للعراق إلى التركيز على التضامن مع التحركات الاجتماعية في مصر. يبدو أن ميزة هذا الشعار هو أنه متداول إعلامياً وأنه يحظى بقبول عام لدى النخبة المسيسة. وهو يستدعي فكرة الظلم الذي تتعرض له شعوب عربية. كما يضع الصراع الاجتماعي في إطار دفاع مشروع من الطبقات الشعبية ضد هجمات تقوم بها الدولة أو رجال الأعمال على لقمة عيشهم.
مشكلة مصطلح "المقاومة الاجتماعية" هو أنه يستدعي في الذهن (على الأقل في ذهن المثقفين والسياسيين) حركات أصولية لها رؤيتها الخاصة تجاه مشكلة التحرر الوطني في فلسطين ومشكلة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان. لقد فشلت "حركات المقاومة" في فلسطين ولبنان في تجميع الشعبين الفلسطيني واللبناني، وساهمت هي وقوى أخرى في اندلاع صراعات واقتتال داخلي. وقد انعكست الصراعات بين القوى الأصولية من جانب وخصومها من جانب أخر على تعاطي الكتاب والسياسيين المصريين مع المسألة الفلسطينية واللبنانية، فانقسموا حول المسألة. ليس هنا المكان المناسب للقيام بنقد ما يسمى بـ"حركات المقاومة" في العالم العربي. يكفي هنا أن نقول أن مصطلح المقاومة لا يلبي شرطا أساسيا هنا، وهو الإجماع أو شبه الإجماع عليه من جانب السياسيين والمثقفين، بل هو يستدعي أحد الانقسامات الأساسية التي فتتت المعارضة في مصر والعالم العربي وهو الانقسام الأصولي/ العلماني. مشكلة هذا الشعار أيضاً أنه قاصر لأنه لا يعطي البوصلة ولا يطرح البديل.. ما هو الهدف من هذه المقاومة الاجتماعية؟ في أي شكل سياسي ستصب تحركات "المقاومة الاجتماعية"؟
مشكلة شعار "المقاومة الاجتماعية" ثالثاً هى أنه يقوم غالبا على فرضية خاطئة، وهى أننا إزاء تحركات دفاعية وفقط. في حقيقة الأمر التحركات الدفاعية هي مجرد جانب من التحركات التي عمت مصر في السنوات الماضية. هناك تحركات أخرى سعت إلى انتزاع مكتسبات وليس إلى الحفاظ على مكتسبات وحقوق تتعرض للانتهاك. على رأس هذه التحركات حركة موظفي الضرائب العقارية التي خاضوا فيها صراعاً مريراً لكي يحسنوا أوضاعهم المالية بواسطة نقل تبعيتهم من الحكم المحلي أو الإدارة المحلية إلى وزارة المالية حتى يحصلوا على دخول وظروف عمل مماثلة لزملائهم في المصالح الضريبية الأخرى. الأمر نفسه ينطبق على العديد من إضرابات العمال التي هدفت إلى تحسين ظروفهم وليس الحفاظ على ظروفهم القائمة.
شعار المقاومة يرتبط أيضاً بفكرة الإفقار المطلق والقائلة بأن الوضع المادي للطبقات العاملة والشعبية في مصر، بل والمتوسطة، يسير بالضرورة في منحنى هابط من سيء إلى أسوأ. بينما الواقع أكثر تعقيداً، لأنه كما أن هناك قطاعات تنحدر إلى أسفل هناك قطاعات ثابتة على حالها وهناك قطاعات أخرى تتحسن أحوالها. تلخيص النضال الاجتماعي في فكرة المقاومة الاجتماعية يعكس تركيز اليسار على البؤر الملتهبة والمتفجرة في الصراع الاجتماعي وإهماله لبؤر أخرى قد تكون أكثر هدوءاً وأقل ضجيجاً ولكنها تحمل في أحشائها قدرات كامنة يمكنها أن تساهم في طرح بدائل للسياسات القائمة وليس فقط التحرك الدفاعي ضد سياسات جديدة.
درجت بعض الكتابات – خاصة اليسارية – على وصف حكومة أحمد نظيف ومن ورائها مجموعة جمال مبارك، نجل الرئيس، بأنها نيوليبرالية، أو ليبرالية جديدة. المصطلح المستخدم مستعار من القاموس السياسي اليساري الأوربي لوصف مجموعة من الأفكار والسياسات طبقتها حكومات مثل حكومة مارجريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريجان في أمريكا إبان الثمانينيات. ومقاومة النيوليبرالية أصبحت فكرة راسخة في اليسار المصري كما في اليسار في بلاد أخرى، إلى الدرجة التي تحتم أن نقف أمامه بالتحليل والتأمل. وهنا من المهم التعرف على النيوليبرالية في نسختها الأصلية لكي نقارنها بما يحدث في مصر. النيوليبرالية أطلقت على السياسات الآتية..
تجد هذه السياسات تبريرها النظري في المدرسة النيوكلاسيكية في الاقتصاد التي قامت بهجوم كاسح على النظرية الكينزية منذ السبعينيات، تلك النظرية التي تأسست على حتمية قيام الدولة بدور فعال في إدارة الاقتصاد الرأسمالي، وإلا تعرض إلى أزمات كساد. باختصار ترى المدرسة النيوكلاسيكية أن نظام الاقتصاد الحر هو الشكل الأمثل لإدارة الاقتصاد. لا يجب على الدولة أن تتدخل في الحياة الاقتصادية إلا في أضيق الحدود ولكي تقوم بما يعجز عنه السوق مثل إنتاج السلع والخدمات العامة (مثل القضاء والدفاع والبنية الأساسية) ومكافحة الممارسات الاحتكارية.
النيوليبرالية هي إذن الفكر اليميني مرتدياً ثوباً جديداً ومسلحاً بأدوات نظرية جديدة، بعد أن خسر مواقع مهمة عندما تراجعت الليبرالية منذ الثلاثينيات لأسباب كثيرة منها أزمة الكساد العالمي ونجاح الاتحاد السوفييتي في تحقيق معدلات نمو وتصنيع مذهلة وصعود الفاشية، الخ. هكذا تراجعت النظرية الليبرالية التقليدية في البلاد الصناعية المتقدمة لصالح النظرية الكينزية المدافعة عن دور قوي للدولة. كان توماس فريدمان – أحد أهم نجوم المدرسة النيوكلاسيكية في السبعينيات والثمانينيات – يقول أنه وزملائه في الخمسينيات والستينيات كانوا على الهامش. فلم يكن الصحفيون مثلاً يبدون أي اهتمام بإجراء أحاديث معهم. لكن فريدمان وزملائه وعلى رأسهم هايك لم يضيعوا وقتهم عندما كانوا على الهامش. فكانوا يلتقون بشكل سنوي فوق أحد جبال سويسرا لتبادل الأفكار، وكانوا ينشطون في الكتابة، ويدعمون مواقفهم الليبرالية بمناهج تحليل أخرى، حتى الماركسية منها. فهايك على سبيل المثال أقام في كتابه "الطريق إلى العبودية"(1) هجومه ضد النظام الاشتراكي على أساس أن الاحتكار في الاقتصاد (الاشتراكية) يؤدي إلى الاحتكار في السياسة (الاستبداد). قد لا يخفي على القارئ الكريم أن تلك الطريقة في تفسير السياسة بالاقتصاد هي من أهم أسس المنهج الماركسي في التحليل.
المهم أنه بحلول السبعينيات كان لفريدمان وزملائه أن يخرجوا من الظل ويتصدروا المشهد. التفسيرات كثيرة لصعود الليبرالية الجديدة، وهي تشير إلى مجموعة من العوامل منها التحولات الفكرية في العالم الاكاديمي، ومنها أزمة الكساد التضخمي في السبعينيات، ومنها تراجع الحركات العمالية أو ما سماه بعض الباحثين الهزيمة التاريخية للعمل مقابل رأس المال(2)، ومنها أزمة دولة الرفاهة ودولة الخدمات الاجتماعية التي تأسست على تسوية تاريخية بين اليمين واليسار في أوربا، اعترف بمقتضاها اليسار في معظمه بشرعية الديمقراطية البرلمانية في مقابل تقبل اليمين لحق الطبقات العاملة في إقامة دولة رفاهة تنفق بسخاء على التعليم والصحة. كل هذه الأزمات والتحولات انعكست في صعود اليمين الجديد وفوز حزب المحافظين بقيادة مارجريت تاتشر بالانتخابات التشريعية في بريطانيا عام 1979، ثم فوز رونالد ريجان برئاسة أمريكا عام 1980. وتوالت الانتصارات بعد ذلك في الثمانينيات، حتى أن الدول التي سلمت من فوز تيارات اليمين النيوليبرالي لم تسلم من التأثير الفكري والسياسي لهذه التيارات على السياسات العامة. هذه باختصار شديد قصة النيوليبرالية في أوربا وأمريكا.
إذا كانت النيوليبرالية هي عقيدة "وحدانية السوق" (على وزن وحدانية الإله) كما سماها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو(3) فإن مصر بالتأكيد فيها نيوليبراليين؛ فيها من يؤمن بأن مشكلة مصر تكمن في الدولة وتدخلها في كل شيء، وأن حل مشاكلنا يكمن في إطلاق قوى القطاع الخاص وبعث اقتصاد السوق. وإذا كانت النيوليبرالية هي مجموعة من السياسات الاقتصادية مثل الخصخصة وتحرير التجارة الخارجية، فإن مصر بالتأكيد بها جناح نيوليبرالي في الحكم استطاع أن يزيد نفوذه سواء بقدراته الذاتية أو اعتماداً على الدعم الفكري والمالي والسياسي للمؤسسات المالية الدولية مثل الصندوق والبنك الدوليين، أو بسبب تحالفه مع ابن الرئيس. لكن الأمر ليس بهذه البساطة لأن هناك فروقا جوهرية بين ما يطلق عليه نيوليبرالية في مصر وتلك الموجودة في الدول المتقدمة ترجع لتباين السياق السياسي في مصر عن ذلك السياق في الدول المتقدمة.
النيوليبرالية في أوروبا وأمريكا انتشرت في مجتمع يتميز بالتعددية السياسية والحرية الفكرية، ثم وصلت إلى السلطة بواسطة انتخابات حرة ونزيهة، بينما ما يسمى بالفكر النيوليبرالي في مصر هو فكر على الهامش في مجتمع فقير في الحرية والثراء الفكري، وقد استطاع أن ينزل على السلطة بباراشوت، بواسطة تحالف مع ابن الرئيس وبسبب استناده على فكر سائد ومنتشر عالمياً، وقبل كل شيء بفضل احتياج السلطة المأزومة لطوق نجاة قدمه لها. ما يسمى بالنيوليبرالية في مصر ليس تياراً سياسياً متبلوراً له أحزاب ومؤسسات وإنما توجُّه كان على السلطة أن تميل إليه بعض الشيء وأن تستوعب بعض معتنقيه لكي تجدد نفسها.
النيوليبرالية في البلاد المتقدمة أتت لكي تفكك دولة الرفاهة التي أقامتها وسهرت عليها مؤسسات ديمقراطية منتخبة، بينما ما يسمى بالنيوليبرالية في مصر لا يواجه دولة رفاهة أقامتها مؤسسات ديمقراطية ولكنه يواجه دولة يسيطر عليها نظام متسلط ذو جذور شعبوية، اعتمد في استقراره على ثنائية القمع والمكتسبات المادية للطبقات العاملة والشعبية.
النيوليبرالية في البلاد المتقدمة شنت هجوماً على مكتسبات قائمة بالفعل، بينما ما يسمى بالنيوليبرالية في مصر تواجه اليوم مكتسبات تلاشي معظمها. ماذا تبقى من التعليم المجاني؟ القليل. ماذا تبقى من التزام الدولة بتعيين الخريجين؟ لا شيء. ماذا تبقى من الدعم؟ القليل جداً. "النيوليبرالية" المصرية هي بالأحرى الاعتراف بنهاية تلك المكتسبات وهدم شرعيتها. لذلك تبدو تلك "النيوليبرالية" أكثر وضوحاً وأقل كذباً من الأجنحة الأخرى في السلطة. فالنيوليبرالية تتحدث عن وجود الفقر في مصر، كما تتحدث عن حتمية نهاية التعليم المجاني. "النيوليبرالية" هي التي امتلكت الجرأة على إزالة المواد الاشتراكية التي ظلت عالقة بالدستور حتى سنة 2006.
الحديث عن نيوليبرالية" مصرية يتسم غالباً بالنزعة الاقتصادوية، أي بالتركيز على الاقتصاد وإغفال السياق السياسي الذي أتت فيه تلك النيوليبرالية. فالنيوليبرالية عندما يتبناها نظام ينتمي للديمقراطية الليبرالية تختلف تماماً عن نيوليبرالية يتبناها نظام سلطوى ذو أصول شعبوية. في الحالة الأولى نحن أمام تفكيك منجزات شعبية ديمقراطية، في الحالة الثانية نحن أمام مشروع تجديد لنظام حكم سلطوى عسكري عن طريق توسيع قاعدته الاجتماعية بواسطة قطاعات من الرأسمالية وبعض شرائح الطبقة الوسطى.
ولنأخذ مثال السياسة الضريبة. قامت "الإصلاحات" الضريبية في البلاد المتقدمة على تخفيض معدلات الضرائب على أرباح رأس المال. وهو ما يعني عملياً تركيز الثروة أكثر فأكثر. في مصر قامت السياسة الضريبة بالمثل على تخفيض معدلات الضرائب على أرباح رأس المال من 40% إلى 20%. لكن الفارق كبير بين هناك وهنا. مَن مِن الرأسماليين في مصر كان يدفع 40% فعلاً؟ الأغلبية كانت تدفع أقل أو لا تدفع على الإطلاق. تخفيض معدلات الضرائب في مصر كانت نوعاً من الواقعية، كانت تنازلاً من الدولة لتشجيع الممولين على الالتزام بدفع الضرائب. نظام الحكم يعاني من انخفاض حاد في إيرادات الدولة وفي نفس الوقت غير قادر على مطالبة الرأسماليين بدفع المستحق عليهم فعلاً من ضرائب، سواء لأنه لا يمتلك دولة قادرة على جمع الضرائب بكفاءة أو لأنه نظام غير منتخب وفاسد ولا يملك شرعية سياسية تمكنه من المطالبة بضرائب. بعبارة أخرى تخفيض أسعار الضرائب في البلاد المتقدمة التي يدفع فيها المواطن بالفعل الضرائب المستحقة عليه شيء وتخفيض أسعار الضرائب في بلاد لا يدفع فيها الرأسماليون ما عليهم من ضرائب شيء أخر.
التحفظ الذي أقدمه على استخدام مصطلح النيوليبرالية في مصر ليس خلافاً على المصطلحات والتسميات. ما يقلقني في الكلام عن النيوليبرالية في مصر هو أنه كثيراً ما يؤدي إلى التفرقة بين جناحين في السلطة: جناح يميني معتدل أو محافظ وجناح أخر يميني متطرف ومتوحش، هو الجناح النيوليبرالي. وليس هناك أضل من هذا التوصيف. فما يسمي بالجناح اليميني المحافظ أو المعتدل ليس أقل يمينية ممن يتبعون الفكر الجديد. حسني مبارك وصفوت الشريف وكمال الشاذلي ليسوا أقل يمينية من جمال مبارك ويوسف بطرس غالي ورشيد محمد رشيد. السلطة بالفعل فيها اتجاهات وأجنحة لكن ليس من المفيد إطلاقاً للمعارضة التقدمية أن تطرح تصنيفات تبسيطية ستجبرها في النهاية على الانحياز لطرف ضد طرف أخر بحجة أنه أقل وطأة. إما أن تتخذ المعارضة التقدمية موقف المعارضة من السلطة إجمالاً وأن تواجه سياساتها حالة بحالة، وإما أن تضطر إلى الانحياز إلى طرف ضد طرف أخر. هذا ما وقع فيه على سبيل المثال الباحث ضياء رشوان(4) والكاتب الناصري د. عبد الحليم قنديل عندما أيدا بشكل علني قيام الجيش بإقصاء مجموعة جمال مبارك وتولي أحد قادته الرئاسة، وهو ما يعني تأييدهم ليوليو جديدة لن تكون إلا مسخرة، باعتبار أن يوليو القديمة كانت مأساة. فكما قال ماركس عندما يعيد التاريخ نفسه فإنه يتحول إلى مسخرة.
إذا كان لنا أن نتحدث عن أجنحة في السلطة فإن كاتب هذه السطور يميل إلى تصنيفها تبعاً للمنهج الماركسي الذي يصنف الجماعات تبعاً لمواقعها في الاقتصاد وليس تبعاً لميولها الفكرية. فمصر عموماً والسلطة خصوصاً فقيرة في الأفكار.. وهنا نحن نتحدث عن جناح بيروقراطي عسكري كان هو الممسك بالسلطة منفرداً حتى وقت قريب، وجناح أخر رأسمالي صاعد أصبح شريكاً صغيراً في السلطة. وقد تعرضنا من قبل لهذه المسألة بالتفصيل في عدد البوصلة الأول(5). هذه عملية تاريخية تحدث لأن الجناح البيروقراطي العسكري لم يعد له أي مشروع وبات يحتاج إلى تدعيم نفسه ببعض مجموعات رجال الأعمال. وظيفة المعارضة التقدمية ليست محاولة دفع جناح منهم إلى التخلص من الجناح الأخر، خاصة أنهم على ما يبدو في تحالف استراتيجي لن ينفصم. فالجناح البيرقراطي العسكري يتبرجز ويمارس البيزنس أكثر فأكثر، وجناح رجال الأعمال في السلطة صنع ثروته اعتماداً على علاقاته الوثيقة بنظام الحكم التي أعطت له الكثير، من أول الأراضي الرخيصة إلى قروض البنوك العامة. وهذا الجناح لم يراهن قط على الديمقراطية، وهو مدرك جيداً مدى حاجته إلى ديكتاتورية ترعى مصالحه وتدافع عن استغلاله وفساده ضد النضالات الشعبية الصاعدة.
بعبارة أخرى، من يريد بناء تحالف ضد حكومة نظيف بالذات ومجموعة جمال مبارك بالذات باعتبارها الجناح الأخطر في السلطة هو غالباً مراهن على جناح ثانٍ هو الجيش يريد أن يصعد أحد قواده لكي يحتل الرئاسة. مشكلة هذا الطرح السياسي مزدوجة. سواء لأنه ليس هناك أي دليل على أن استمرار سيطرة العسكريين على رئاسة الجمهورية أفضل من انتقالها إلى أحد المدنيين المرتبطين بنظام الحكم (جمال أو غيره) أو لأن الرهان على قيام الجناح البيرقراطي العسكري أو الجناح الرأسمالي بالحكم منفرداً هو رهان بعيد عن معطيات الواقع. الأغلب أن مصر ستحكم في السنوات القادمة بنفس الصيغة التي حُكمت بها بلدان عديدة فى أمريكا اللاتينية في الثمانينيات. ديكتاتورية تقوم على تحالف بين العسكر ومجموعات من رجال الأعمال، بغض النظر عن رأس النظام. ربما ستفرض التوازنات الحالية خلفية عسكرية له، وربما تسمح برئيس من خلفية مدنية مدعوم من الجيش مثل نموذج بوتفليقة في الجزائر.
لكن ليس كل من وصف السياسات المطبقة بالنيوليبرالية هو مؤيد للجناح العسكري في النظام. ربما يرى البعض أن الضرب في السلطة يجب أن يتركز في جناحها "النيوليبرالي" وفي رموز مثل جمال مبارك ويوسف بطرس غالي وأحمد نظيف ومحمود محيي الدين ورشيد محمد رشيد ومحمد منصور، باعتبار أنه من السهل الضرب في هذا الجناح وتلك الشخصيات سواء لقربها الشديد من ابن الرئيس أو بسبب ثرائها وخلفيتها في البيزنس. ولكن تركيز الضرب في السلطة في هذا الجناح غالباً ما ينحدر إلى الشعبوية والإثارة وشخصنة مشكلات مصر السياسية. الشخصيات السالفة الذكر هي من أحدث الكوادر التي تعمل لحساب نظام الحكم. تركيز النقد عليها يعطي الانطباع بأن المعارضة لا تريد أي تغيير وأنها تقاوم تغيير السلطة، وكأن السلطة من عشر سنوات أفضل من السلطة اليوم. تركيز نقد السلطة في جناح "الفكر الجديد" لا يمكن قبوله إلا على أرضية واحدة وهي أن من يريد فعلاً أن يتجاوز نظاما ما لابد وأن يبين "كرامة" في مواجهة أفضل عناصره وأن يبين قصور أفضل سياساته وأنبغ أفكاره. المسألة بسيطة.. من يريد أن يقدم نقداً حقيقيا لمشروع السلطة عليه أن يواجه عبد المنعم سعيد وليس ممتاز القط. والمعارضة التقدمية لليبرالية الجديدة يجب أن تكون متوجهة صوب المستقبل وليس لمحاولة تثبيت الوضع القائم أو إعادة أوضاع قديمة.
قلت من قبل أن التعاطي مع النظام الحالي فقط باعتباره نظاما تحول إلى النيوليبرالية هو تعاطٍ اقتصادوي يغفل قضية الطبيعة السياسية لنظام الحكم. وقضية السياسة الأساسية في مصر اليوم هي قضية الديمقراطية والخلاص من الاستبداد السياسي. بالطبع بعض الذين يركزون على مناهضة النيوليبرالية (بعض اليساريين) هم من المناضلين أيضاً لصالح الديمقراطية. المشكلة أن التركيز على الوجه النيوليبرالي لنظام الحكم يغفل أن أصحاب الفكر الجديد هم أقل عناصر النظام من حيث الميل إلى استخدام العصا الغليظة وأن بعضهم – أسامة الغزالي حرب وهالة مصطفي – خرجوا منه عندما شعروا أن الأرض تهتز تحت أقدام النظام القائم، وأن بعضهم مثل عبد المنعم سعيد اعترضوا على تمديد حالة الطوارئ، وأن معظمهم له مواقف معقولة نسبياً (إذا قارناهم بمعظم فصائل المعارضة) في قضية المساواة بين المواطنين بغض النظر عن الجنس والدين، وفي حرية الفكر والتعبير وفي انفتاح مصر على العالم الخارجي، حتى ولو كان السياق السياسي لا يسمح لهم بالتعبير بشجاعة كافية عن مواقفهم.
ليس هناك من شك أن جناح "الفكر الجديد" أو النيوليبرالي هو جناح أكثر تقدماً من الأجنحة الأخرى فيما يخص بعض القضايا المهمة. وعلى هذا فإن تركيز الضرب على هذا الجناح يغفل قضية الديمقراطية والمواطنة. أنا لا أقول أن أصحاب "الفكر الجديد" ديمقراطيون، ولكن أقول أن تركيز الضرب عليهم يأتي كثيراً من قوى رجعية ومحافظة متخلفة عنهم بكثير. كما أقول أن هناك حاجة ملحة لتمييز المواقف بين نقد "الفكر الجديد" من موقف رجعي ونقد "الفكر الجديد" من منطلق تقدمي يبين قصور هذا الفكر وتعثره في القضية ذاتها الذي يحاول أن يروج لنفسه من خلالها، وهي قضية التحديث والتنمية والديمقراطية، بالإضافة بالطبع إلى انحيازه إلى الطبقات المالكة في المجتمع. النقد التقدمي لليبرالية ولليبرالية الجديدة هو بالضرورة نقد للرأسمالية كطبقة اجتماعية وهو بالضرورة دفاع عن العمل والعاملين. النقد التقدمي لليبرالية هو بالضرورة نقد للفردية الأنانية ودفاع عن الجماعية التضامنية.
ومن هنا أعتقد أن العنوان الملائم لعمل المجموعات التقدمية واليسارية ليس مناهضة النيوليبرالية – وإن كان نقد الفكر النيوليبرالي ضروريا - ولكن تحقيق الديمقراطية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذا العنوان أفضل ليس فقط لأنه يطرح البديل للسياسات القائمة وللسياسات القادمة ولكن أيضاً لأنه ينشيء اللُحمة بين مكونات برنامج القوى التقدمية الاقتصادية والاجتماعية.
الديمقراطية السياسية النيابية تعني حكم الناس لأنفسهم بأنفسهم بواسطة ممثليهم المنتخبين. فماذا تعني الديمقراطية الاقتصادية؟ هل هي انتخاب المساهمين في شركة معينة لمجلس إدارة هذه الشركة؟ الإجابة لا. صحيح أنه في الحالتين هناك انتخاب. لكن في الأولى هناك مبدأ "مواطن واحد= صوت واحد" الذي لا يمكن الحديث عن الديمقراطية بدونه، بينما المبدا في الثانية هناك هو القوة التصويتية للمواطن تبعاً لقوته المالية. في الحالة الأولى الغفير يساوي الوزير والمعدم يساوي الملياردير، على الأقل من الناحية النظرية، بينما في الحالة الثانية الرؤوس لا تتساوى لأن هناك احترام لمبدأ الملكية، لمبدأ حق المالك في التصرف في ماله، وهو المبدأ الذي يعبر عنه الملاك في مصر بمقولة "من حكم في ماله ما ظلم"!
لا يمكن الحديث عن ديمقراطية اقتصادية إذن بدون مشاركة العاملين بالشركات في عملية اتخاذ القرارات بها سواء من خلال وجود لجنة نقابية منتخبة من العاملين، تكون صوتهم المعبر عن مصالحهم فيما يخص توجهات إدارة الشركة، أو من خلال انتخاب ممثلين عن العاملين في مجلس الإدارة لكي يكون لهم حق المشاركة في اتخاذ القرارات في الشركة التي يعملون بها. عرفت مصر هذا المبدأ في الستينيات بعد تطبيق القرارات "الاشتراكية". دخل ممثلون عن العاملين بالفعل في مجالس إدارات الشركات. فهل عرفت مصر الديمقراطية الاقتصادية؟ لا. لأنه لا يمكن الوصول لديمقراطية اقتصادية بدون ديمقراطية سياسية. الحكم الناصري كان يقوم على احتكار السلطة للتفكير ولاتخاذ القرارات، كما كان يتأسس على قمع الآراء والمبادرات الحرة. لقد اتسمت الانتخابات التي أجرتها سلطة يوليو – أكانت برلمانية أو رئاسية أو نقابية – بالسيطرة البوليسية وبالتزوير الفاضح من أجل استبعاد المرشحين غير المرغوب فيهم وإسقاط من يفلت منهم من الاستبعاد. في هذا السياق السياسي من الديكتاتورية ومن قمع للحريات ومن فرض الوصاية على النقابات ومن اعتقال وتعذيب المعارضين، كما للكتاب والمفكرين، ما كان يمكن للعاملين أن ينتخبوا ممثليهم الحقيقيين في مجالس الإدارات، وما كان لهم أن يشاركوا بشكل حر وديمقراطي في إدارة الشركات التي كانوا يعملون بها. لذلك فإن أي حديث عن ديمقراطية اقتصادية بدون حديث مماثل عن ديمقراطية سياسية هو نوع من الدجل.
نقصد بالديمقراطية الاجتماعية، تلك السياسات التي تهدف إلى توزيع ناتج العمل بشكل أكثر عدالة ومساواة، كما ترمي إلى تضييق الفجوة بين الأكثر غنى والأكثر فقراً. من أهم تلك السياسات:
إذا نظرنا لواقع هذا السياسات في مصر سنجد أن وضع الديمقراطية الاجتماعية المصرية في حالة يرثى لها..
الديمقراطية الاجتماعية أو الاشتراكية هما عنوانين عمل تحتهما اليسار بمختلف أطيافه، وهما يشيران إلى مشروعات تتفق في شيء أساسي، وهي أنها تقوم على الجماعية المتجاوزة للفردية. الرأسمالية تقوم على الفرد المنتج والمستثمر الباحث عن تنمية مصالحه الفردية، وإذا كان فيها عمل جماعي فيكون مدموغا بالطابع القصري في أحيان وبالاغتراب عنه في أحيان أخرى. أما الجماعية التحررية فهي تقوم على الفرد المنتج والباحث عن تنمية مصالحه الفردية في إطار جماعة أكبر سواء كانت جماعة محلية أو طبقة اجتماعية أو وطن أو الإنسانية. الجماعية التحررية لا تقمع الفردية ولكنها تعتقد أن الفرد كائن اجتماعي، لذلك فهي تخاطبه كفرد عضو في جماعة أكبر منه.
كلمة ديمقراطية اجتماعية هي ترجمة لكلمة social democracy وكلمة اشتراكية هي ترجمة لكلمة socialism. اذن نحن نتكلم عن نفس الأصل اللغوي. لكن في الواقع كلمة اشتراكية توحي أننا بصدد نظام اقتصادي واجتماعي متكامل سوف يقوم على أنقاض النظام الرأسمالي. أما كلمة ديمقراطية اقتصادية واجتماعية فهي توحي بأننا أمام عملية متواصلة من النضال داخل المجتمعات والنظم الرأسمالية لكي نعمق من انجازاتها التحررية والتقدمية التي حققتها بالمقارنة بالنظم السابقة عليها والتي قد تفضي في النهاية إلى تجاوز الرأسمالية نفسها ومن ثم بناء نظم اشتراكية.
الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية تنمو وتصعد عندما يناضل الناس بشكل جماعي من أجلها بالأدوات التنظيمية المتاحة.
النقابات هي المدرسة الابتدائية لممارسة الديمقراطية. فيها يتعلم العضو الدفاع عن مصالحه ومصالح زملائه في المهنة قبل أن يحاول الدفاع عن مصالح اجتماعية واسعة أو مصالح وطنه. شهدت مصر منذ بداية القرن العشرين تأسيس العديد من النقابات المهنية مثل المحامين والصحفيين والمهندسين ونادي القضاة والمعلمين وبعض نقابات العمال. وكان لهذه النقابات العديد من المعارك سواء في سبيل الديمقراطية أو في سبيل حماية مصالح أعضائها. على أن وصول الضباط الأحرار إلى السلطة عام 1952 وضع نهاية لهذا الفصل من تاريخ العمل النقابي المصري. فقد تم إخضاع النقابات لسيطرة النظام العسكري الجديد وتم توحيد نقابات العمال في اتحاد واحد خاضع لسيطرة الدولة. ومن ذلك التاريخ يمكن الحديث عن تأسيس النظام الكوربوراتي المصري. مصطلح الكوربوراتية استُخدم لوصف الصيغة النقابية التي سادت في إيطاليا تحت حكم الفاشية قبل الحرب العالمية الثانية، وبمقتضاها أصبح لكل جماعة مهنية واجتماعية نقابة واحدة تحتكر تمثيل تلك الجماعة وتكون عضويتها إجبارية، وتقوم هذه النقابة بتنفيذ سياسات الدولة التي تأتي لها من أعلى في مقابل أن تعطي لها الدولة بعض المكتسبات أو المساعدات. هكذا فإن المهندس ليس أمامه إلا نقابة واحدة للمهندسين. وإذا لم تعجبه نقابته فليس من حقه تأسيس نقابة جديدة. التعددية النقابية هي أحد أهم الحقوق الديمقراطية التي تمنعها السلطة عن الشعب.
مشكلة النقابات لا تقتصر فقط على تبعيتها للسلطة. فالمصيبة أعظم. فقد أدت السيطرة الأمنية الحديدية على الأحزاب السياسية الموجودة وإعاقة تأسيس أحزاب لا ترضى عنها السلطة إلى هروب السياسة الحزبية إلى النقابات المهنية. وكان على رأس الجماعات السياسية التي نقلت نشاطها إلى النقابات جماعة الإخوان المسلمين.
ضعف النقابات المصرية وتركيزها في العمل الخدمي وبعدها عن ممارسة دورها الأساسي في المفاوضة الجماعية والدفاع عن مصالح أعضائها في المجال الاقتصادي حرم المجتمع المصري من أهم أدوات تحقيق الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية، بل وتحقيق الديمقراطية السياسية أيضاً، لأنه – كما قلنا من قبل – النقابات هي المدرسة الابتدائية لممارسة الديمقراطية. لذلك فضعف هذه المدرسة لن يؤدي إلا إلى وصول التلاميذ عند المدرسة الثانوية (الأحزاب) وهم في حالة يرثى لها. لذلك فبدون عمل ونضال دؤوب لإصلاح النقابات من داخلها أو تأسيس نقابات جديدة، وإقرار مبدأ حرية التنظيم النقابى، بما فى ذلك إمكان تعدد نقابات المهنة أو الصنعة الواحدة، من الصعب تصور تحقيق انجازات ملموسة على صعيد الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية.
إذا كانت الديمقراطية الاجتماعية قد تقدمت في بلاد أخرى فذلك لأن هذه البلاد أنتجت تيارات ديمقراطية اجتماعية نشطة ومتجمعة في تنظيمات حزبية. من المعروف أننا نفتقر في مصر إلى أحزاب حقيقية بشكل عام لأن سلطة يوليو حظرت الأحزاب عدا "تنظيمها الشعبى" المولود من أعلى. وإذا كانت الأحزاب السياسية بشكل عام تحارب فإن أحزاب اليسار والاشتراكية لها تاريخ طويل من معاناة قمع السلطة. فقد ظلت محظورة في العصر شبه الليبرالي الذي شهد السماح بقيام تنظيمات حزبية عديدة لليمين بل وشهد قيام جمعية الإخوان المسلمين بشكل شرعي قبل أن تجنح إلى العمل المسلح فتم حلها. وعندما عادت التعددية الحزبية المحدودة عام 1976 سمح النظام لبعض فصائل اليسار بتأسيس حزب التجمع. لكن نظام الحكم قام بحملة مكارثية على حزب التجمع بعد انتفاضة يناير 1977 نجحت في محاصرة الحزب وتقليص عضويته بشكل لافت. وقد تكفلت الصراعات الداخلية بالتجمع وانصراف معظم فصائل اليسار عنه ببقائه كحزب ضعيف داخل حياة حزبية هامشية.
شهدت السنوات الماضية بعض الحركية في أوساط اليسار الخامل منذ التسعينيات. وهي الحالة التي يشهد عليها ميلاد مجلات وجرائد ومراكز بحثية ولجان شعبية. وقد حاولت تلك التجمعات التفاعل مع التحركات السياسية والاجتماعية النشطة نسبياً في السنوات الماضية. لقد كان للاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة دوراً مهما في لفت أنظار المجتمع الثقافي والسياسي إلى أن فكرة اليسار لم تمت، حتى ولو كان اليسار المصري كتيار في حالة ضعف شديد. وهكذا عادت إلى ساحة اليسار فكرة حتمية قيام حزب علني واسع قادر على استيعاب طاقات اليسار المتبعثرة والمتناثرة. من هنا نشأ اتحاد اليسار ومن هنا جاءت مبادرة مجموعة المركز الديمقراطي الاجتماعي واليسار الديمقراطي في تأسيسي الحزب الديمقراطي الاجتماعي. لكن للأسف انتهي اتحاد اليسار وتعثرت تجربة الحزب الديمقراطي الاجتماعي. ويظل السؤال مطروحاً.. ألم ينضح الوضع بعد لتأسيس تنظيم سياسي يساري علني؟ أم أن الوضع ناضح لكن ما ينقص هو مبادرة معدة لها جيداً ومجموعة تأسيسية ذات حجم وقدرات وكفاءات مناسبة. والحقيقة أن هذا الأمر يستحق دراسة مستقلة ربما في عدد البوصلة القادم.
ــــ
(1) Friedman, Milton. Capitalism and freedom. Chicago, Chicago university press, 1962.
(2)Berger, Mark T. Up from neoliberalism: free-market mythologies and the coming crisis of global capitalism. Third World Quarterly, Apr99, Vol. 20 Issue 2, p453, 11.
(3) http://www.monde-diplomatique.fr/1998/03/BOURDIEU/10167
(4) أنظر ضياء رشوان. http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=112278
(5) أنظر. سامر سليمان، هل يحل جمال مبارك معضلة الدولة المصرية. البوصلة، العدد الأول، يونيو 2005.
(6) لمزيد من التفاصيل على الإنفاق العام وخضوعه للمنطق الأمني، أنظر.. سامر سليمان، النظام القوي والدولة الضعيفة. الأزمة المالية والتغيير السياسي في عصر مبارك. الطبعة الثالثة. القاهرة، الدار للنشر، 2008.
(7) تم حسابه من الباحث وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري، التقرير السنوي أعداد مختلفة. من 2002/3 وزارة المالية، التقرير المالي الشهري، يونيو 2008.
علِّق