برجوازية القصر: حدود الإصلاح الاقتصادى فى ظل نظام سلطوى

أولريش فورتزل(*)

ترجمة شريف يونس

من شأن هاجس السيادة والسيطرة المستولى على النخبة الحاكمة، والذى يرمى فى النهاية إلى الحفاظ على الوضع القائم، أن يجعلها تنظر مسبقا إلى أى تغيير باعتباره أمرا خطرا ومشروعا مهدِّدا. الهدف الأول للنظام هو منع التغيير، خصوصا التغيير الذى يمكن أن يؤثر على النمط الأساسى للتنظيم والضبط الاجتماعيين. بهذا المعنى نستطيع أن نعتبر النظام ناجحا للغاية، فهو قادر حتى الآن على الاحتفاظ بسيطرته على كل من النظم الفرعية والمجتمع والاقتصاد.

غير أن المشكلة تكمن فى أن نجاحه هذا بالذات هو الذى أنتج الأزمة الممتدة التى تعانى منها البلاد منذ عقود. معنى هذا أن قدرة النظام المشهودة على الإدارة والقيادة هى فى المحل الأول قدرة على منع الانتقال، سواء فى شكل انقطاعى أو تدريجى. إنها القدرة على إخماد أية ديناميكيات اجتماعية أو اقتصادية تستطيع أن تساهم فى التغلب على البنى المصابة بالتصلب السائدة فى المجتمع والاقتصاد ككل. بهذا المعنى، يملك النظام القدرة على إبقاء البلاد محبوسة فى وضع يستحيل فيه إقامة الأسس الأكثر جوهرية للمنافسة الدولية، ومن شأن هذا أن يهدد الحياة الاقتصادية للبلاد. ففى الاقتصاد المعولم للقرن الحادى والعشرين لا يوجد خيار أمام مجتمع فى حجم المجتمع المصرى سوى توليد المصادر الاقتصادية اللازمة لوجوده ذاته من خلال إنتاج بضائع وخدمات تنافسية. ففى الأجلين المتوسط والطويل، لا يمكن إعاشة سبعين أو تسعين أو مئة وعشرين مليون مصرى بالاعتماد فقط على فواتير السياحة والإعانات الخارجية.

 

أولريش فورتزل(*)

ترجمة شريف يونس


بعد تجدد المفاوضات مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى فرض الطرف الأخير على الحكومة المصرية "برنامج التثبيت والإصلاح الهيكلى" فى عام 1990/1991، بهدف استعادة قدرة الدولة المالية على سداد الديون. طَرح البرنامج إصلاحات كبرى كشرط لتخفيف عبء الدين وتقديم قروض جديدة ومساعدات مالية وتقنية أخرى. وكان الهدف من البرنامج ضمان استقرار الحكومة المصرية باعتبارها حليفا أساسيا "للغرب" فى المنطقة. منذ هذه اللحظة اتبعت الحكومات المتعاقبة مداخل مختلفة للإصلاح، أسفرت عن نتائج مختلفة بشدة؛ فبعضها كان رمزيا أو تجميليا فحسب، بينما أسفرت إصلاحات أخرى عن عواقب بعيدة المدى. فقد حدثت بعض التغييرات المهمة فى النظام الاقتصادى مثل إعادة توزيع واسعة النطاق للأصول الاقتصادية وسلطة صناعة القرار والنفاذ إلى البضائع العامة والامتيازات الاقتصادية، من الشرائح الدنيا للمجتمع إلى المجموعات الأعلى، وكذلك بين مختلف المجموعات الفرعية داخل النخبة نفسها. وثمة تغيرات قانونية ومؤسسية صاحبت هذا المنحى العام و/أو تفترضه مسبقا. ولكن إلى أين؟


تاريخ من العجز والفشل

بعد ثلاث سنوات من بداية حكومة نظيف، وخمسة عشر عاما من برنامج التثبيت، لا تبدو نتائج المسار المتعرج للإصلاح مشرقة على الإطلاق؛ فما زالت مصر تكافح ضد الهوة المتزايدة الاتساع التى تفصلها عن البلدان الأخرى من حيث الاستثمار والإنتاجية والتنافسية، ليس فقط بالمقارنة مع البلاد الصناعية المتقدمة فى الاتحاد الأوربى وأمريكا الشمالية، بل أيضا بالمقارنة مع كثير من البلدان المصنعة حديثا فى جنوب وجنوب شرق أسيا وأمريكا اللاتينية، وهو وضع يعرض مصر للخطر.

واقع الحال أن النظام يبدو عاجزا حتى الآن عن تحقيق أية نتائج تنموية ذات معنى، سواء بمفرده أو بالتعاون مع حلفائه الجدد من رجال الأعمال. وفى هذا الصدد، فإن الإطار الذى أقامه للسيطرة على كل من المجتمع والاقتصاد هو ذاته العقبة الأقوى أمام تعبئة موارد البلاد الاقتصادية الكامنة. يرى بعض المراقبين أن سيطرة الحكومة القوية، المباشرة وغير المباشرة، على الاقتصاد يمكن أن تساعد على الاستفادة من الموارد المتاحة للتوصل إلى نتائج تنموية إيجابية، مستشهدين بأمثلة من جنوب شرق آسيا. غير أن ضبط أشكال السيطرة والسيادة فى مصر لتتحول من الآليات الصريحة المباشرة القديمة إلى أشكال أكثر خفاء وغير مباشرة لا يتضمن بالضرورة أن النظام سيكون قادرا الآن على إطلاق عملية تنمية اقتصادية مستدامة – ولو حتى لزيادة شرعيته. بالعكس، ما زال النظام فاشلا فى التوصل إلى نتائج اقتصادية إيجابية قابلة للدوام. يشهد على ذلك كل من مؤشرات "مُدخَلات" العملية الاقتصادية، مثل مناخ الأعمال ووضع البلاد المقارن بشأن الحرية الاقتصادية وأرقام الادخار والاستثمار، الخ، وكذلك مؤشرات "المُخرَجات"، مثل حصة الصادرات المصنعة فى الصادرات الكلية (ناهيك عن التصنيف الداخلى فيها: حصة الصادرات كثيفة أو عالية التكنولوجيا)، وحصة البلاد فى التجارة العالمية، وعدد براءات الاختراع للفرد، الخ. كل هذه المؤشرات تبين عدم حدوث تحسن معتبر.

وليس الحال أفضل إذا طرحنا سؤال الاقتصاد من حيث علاقته بدعم شرعية النظام، أى: إلى أى حد تشعر قطاعات أكبر من السكان بتحسن ملموس فى مستويات معيشتها المادية وغير المادية. واقع الحال أن النظام فشل على هذه الجبهة أيضا. ففى بلد يزداد عدد سكانه بواقع 1.3 مليون نسمة سنويا، وتنمو قوة العمل فيه بما يتراوح بين 600 ألف و800 ألف سنويا، يكون أحد العلامات الكبرى على النجاح فى الإصلاح الاقتصادى خلق عدد معتبر من الوظائف فى القطاع الخاص الرسمى. غير أنه، وفقا لآخر المسوح، نجد أن هذا القطاع هو الذى ينمو فيه التوظيف بالمعدل الأبطأ بمراحل، وبالتالى فإنه يقدم المساهمة الأقل، بالمقارنة بالقطاع غير الرسمى، فى حل مشكلة البطالة.

والواقع أن عملية "الإصلاح" التى يجريها النظام تجنبت إجراء إعادة هيكلة أساسية للنظام الاقتصادى، لتحويله إلى اقتصاد سوق فاعل، وذلك لأن الهيكل الاقتصادى القائم يعتبر أهم أدوات النظام السلطوى الحالى فى السيطرة على المجتمع والسيادة عليه. وبالتالى لم تجر إعادة تنظيم أصيلة لعلاقات الدولة بالسوق، وظلت سيادة القيادة السياسية على القرار الاقتصادى مستقرة عن طريق الحفاظ على التوزيع التقليدى للمصادر الاقتصادية وفقا لاحتياجات السياسة المحلية المباشرة، وسنرى ذلك تفصيلا بعد قليل.


الاقتصاد الريعى واقتصاد السوق

    ربما يجب أن أبدأ أولا بتحديد التصور الذى يفترضه هذا المقال للإصلاح الاقتصادى، والمستقى من عمليات الإصلاح الناجحة فى بلدان أخرى فى العالم الثالث، ومحوره الانتقال من النظام الريعى إلى اقتصاد سوق فاعل. فالمفهوم الذى يُستخدم فى تشخيص النظام السياسى- الاقتصادى المصرى الذى أنتج أزمة اقتصادية حادة فى نهاية الثمانينيات هو "النظام الريعى"، وهو مفهوم يجمع بين نظام سلطوى تقوم سلطته السياسية على احتكار الدخل الريعى الاقتصادى والسياسى (أى الدولة الريعية)، واقتصاد قومى تكون فيه الأنشطة الاقتصادية، إلى حد كبير، إما ريعية فى الأساس أو ريعية التوجه (أى الاقتصاد الريعى). وفى النظام الريعى يعتبر تحكم نظام الحكم الهائل فى الاقتصاد، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، أحد أسس استمراريته السياسية. فى ظل هذا الوضع يعتبر المعيار الأكبر فى تقييم ما إذا كان التغيير الاقتصادى منذ أوائل التسعينيات يؤدى إلى إحداث تبديل جوهرى فى البينة السياسية- الاقتصادية، هو مدى نجاح الإجراءات المتخذة فى تحويل الاقتصاد الريعى الواقع تحت سيطرة النظام إلى اقتصاد سوق حديث.

بالمقابل فإن اقتصاد السوق هو نظام يجرى فيه إنتاج وتوزيع واستهلاك البضائع من خلال آليات الأسواق الحرة القائمة على نظام أسعار حر، وهو ما يعنى ضمنا أن قرارات الفاعلين الأفراد بشأن الإنتاج والتبادل الاقتصادى ستحددها قوى المنافسة والعرض والطلب. والحال أن اقتصاديات العالم الواقعية هى اقتصاديات تمزج بين آليات الأسواق المنظِّمة وتدخل الدولة، فاقتصاد السوق الخالص ليس سوى نموذج مثالى لا يمكن أن يطبق فى الواقع. وبالتالى تختلف درجة الحرية الاقتصادية، أى مدى الحرية الحقيقية للأسواق، بشكل جوهرى عبر البلدان والأزمنة.

وتتمثل العناصر الأساسية فى الاقتصاد الحر الموجه بالسوق – أى نظام السوق الحر – فى: حقوق ملكية آمنة ومنافسة فعالة وحرية تكون الأسعار وفقا للعرض والطلب وحرية دخول السوق للمنتجين والمستهلكين وحرية التعاقد وحرية التجارة وسيادة المستهلك وحرية العمل. وهذه العناصر هى ذاتها معايير الحرية الاقتصادية فى المجتمع.

وتنبع أهمية الانتقال إلى اقتصاد سوق فاعل من افتراض أن الشرط المسبق العام لأى تطور اجتماعى أو ثقافى لأى مجتمع هو قدرته الاقتصادية، وأن هذه القدرة تقاس فى الشروط المعاصرة بقدرة المجتمع التنافسية على المستوى الدولى، التى تقاس بدورها بمدى قدرة المجتمع المعنى على إنتاج بضائع وخدمات تستطيع أن تجتاز اختبار الأسواق العالمية – فى شروط السوق العادل الحر – وتحقيق تزايد فى الدخول الحقيقية لمواطنى الأمة موزعا توزيعا عادلا. وتعتمد التنافسية فى نظام اقتصادى معولم على تزايد إنتاجية الشركات بشكل متواصل. ولا تستطيع الشركات، أو الاقتصاديات القومية ككل، أن تكتسب مكانة متقدمة فى الإنتاجية إلا إذا استطاعت أن تربط بنجاح العوامل التقنية والاقتصادية والاجتماعية. فالعوامل التى تسيطر على الآليات والأنماط التنظيمية التى تشجع الإبداعية والابتكار فى الاقتصاد، وكذلك فى المجتمع، أصبحت هى المحددات المركزية للنجاح.

الإنتاجية ظاهرة الاجتماعية، ينتج ارتفاعها عن الابتكار الناجح للأنشطة فى مجالات التكنولوجيا المعنية. والابتكار ظاهرة معقدة تتعلق بإنتاج وانتشار المعرفة التكنولوجية وترجمتها إلى منتجات وأساليب إنتاج وأنماط تنظيمية ومفاهيم تسويق جديدة. وإلى جانب العمليات التقنية – الاقتصادية التقليدية، تلعب أنماط التنظيم المناسبة، سواء فى الشركات أو المجتمع ككل، دورا حاسما فى نجاح أو فشل المشروعات والصناعات والاقتصاديات القومية فى خلق التنافسية من خلال الابتكار. وبالتالى يعنى إرساء أسس التنافسية الدولية ضرورة إجراء عدد من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى تخلق البيئة المناسبة لتمكين الابتكار التكنولوجى- الاقتصادى من التوصل إلى السيطرة على التكنولوجيا الحديثة، وصولا إلى تحقيق الزيادة الضرورية فى الإنتاجية.

كما أن إجراء تحول جوهرى للنظام الاقتصادى إلى اقتصاد سوق تنافسى يمكن أن يشجع أجزاء من جماعة رجال الأعمال على تحرير أنفسهم من القيادة السياسية التى تسيطر بشكل مباشر وغير مباشر على أجزاء كبرى من الاقتصاد. فبمقدور دوائر الأعمال هذه أن تؤسس أجندة خاصة لسياستها الاقتصادية، بل وتؤسس لمشروع سياسى ليبرالى، وهما مسألتان تتحديان سلطوية النظام. ويتطلب ظهور اقتصاد سوق حقيقى فى مصر توفير الحرية الاقتصادية للرأسماليين لتمكينهم من الاستمرار والصمود فى المنافسة على حصص فى الاقتصاد العالمى. ومن جهة أخرى من شأن مثل هذا التحول أن يحفز عددا متزايدا من الرأسماليين ويمنحهم الوسائل للضغط من أجل الحد من السيطرة الحكومية على الاقتصاد وتحقيق المساواة فى فرص الاستثمار. ونجد المثال على ذلك فى عدد من بلدان أوربا الشرقية، حيث كان إنهاء نظام الحكم المطلق وإقامة ديمقراطية برلمانية ناتجا، بين عوامل أخرى، عن محاولات الطبقة الرأسمالية التى تزايدت قدرتها الاقتصادية والسياسية للتغلب على القيود التى تواجه نموها والمرتبطة بالحكم السياسى المطلق. فالنتيجة لم تقتصر على التحرر الاقتصادى للطبقة البرجوازية الجديدة، ولكنها شملت أيضا تغييرا أساسيا فى البنية السياسية – برغم أن هذه التحولات تضمنت قدرا عاليا من التعقيد واتخذت مسارا متعرجا وبالغ التناقض بدرجة أو بأخرى.

غير أن هذا كله يتطلب تحلى أجزاء من مجتمع الأعمال المصرى بسمات معينة، ترتبط عادة بنوع معين من رجال الأعمال، تسمى "المنظِّم". والتعريف الأكثر عمومية للمنظِّم هو ذلك الذى ينظم مشروعا ويخاطر فيه مقابل الأرباح التى يعد بها، فيشكل توليفات جديدة من عوامل الإنتاج بالمعنى الواسع للكلمة، ويدفعه حافز الربح وضغط المنافسة إلى بذل أقصى جهده لإدخال منتجات أو عمليات إنتاج أو أنماط تنظيمية أو مناهج تسويق جديدة، ليظل متقدما على منافسيه. ويطلق شومبيتر على هذا التكوين روح المنظِّم، كما وسَّع تطبيقه ليتجاوز المنظِّم الفرد ويشمل نظام الشركات الجديد.

ويتطلب أى تحويل بنيوى أساسى لاقتصاد مصر الريعى إلى اقتصاد سوق، لأسباب اقتصادية بحتة (على رأسها المنافسة المحلية والدولية وخطر الإفلاس)، تحولات أساسية فى كل من سلوك ونوعية مجتمع الأعمال: من البحث عن الريع إلى البحث عن الربح، ومن القدرة على استجلاب الحظوة عند أصحاب السلطة إلى القدرة على إقامة وتشغيل مشروعات تنافسية. فى نفس الوقت فإن كلا التغييرين المذكورين يعتبران شرطين مسبقين مهمين لانعتاق مجتمع الأعمال من قبضة القصر الحاكم وكذلك تأسيس طبقة واعية بذاتها من المنظِّمين.


هل تغيرت بنى السيادة والسيطرة؟

غير أن المعيار الذى يستخدمه المقال فى قياس التغير فى النظام الاقتصادى المصرى هو مدى فاعلية الإجراءات المتخذة، كما تمارس فى الواقع، فى إجراء التغيرات البنيوية الضرورية لتحقيق الانتقال من بنى الاقتصاد الريعى إلى اقتصاد سوق ليبرالى فاعل. بناء على هذا المعيار، فإن المشهد العام للاقتصاد المصرى يبين أن الإصلاحات ظلت تهدف أساسا إلى الحفاظ على الوضع القائم من حيث الترتيب السياسى والاقتصادى الداخلى، لا توفير الأطر الضرورية لإقامة اقتصاد سوق حديث ليبرالى. صحيح أن دور دوائر الأعمال فى المساندة الفعالة للنظام قد تزايد، غير أن هذا لم يؤد إلى استقلال أكبر لرجال الأعمال عن القصر. فلم يزدد تأثير مجتمع الأعمال السياسى ولا اتسع هامش المناورة أمامه إزاء النظام الحاكم، بل حدثت عملية موازية من الاندماج المتسارع لأجزاء من رجال النخبة العسكرية- البيروقراطية والتكنوقراطية السابقين (أى "طبقة الدولة" فى النظام الريعى) مع الطبقة البازغة حديثا من كبار رجال الأعمال التى رعاها النظام فى الثمانينات والتسعينيات. وتتخذ عملية الدمج هذه بين "المدافع والمال" أشكالا مثل المصاهرة بين الطرفين أو محاولة عدد متزايد من أبناء وبنات أعضاء طبقة الدولة لدخول مجال الأعمال. ويتضمن هذا بالطبع كل أنواع إعادة توزيع الموارد الاقتصادية. فرجال النظام يتحولون إلى رجال أعمال، أو بالعكس، يتحول رجال الأعمال إلى سياسيين يتولون مناصب. وقد صحب هذا التعاون بين كبار رجال الأعمال والنظام منح هؤلاء مساحة أوسع فى مجال الجدل العام ودورا أكبر فى المجتمع ككل.

غير أن نتيجة هذه العملية الواقعة تحت سيطرة النظام لإعادة ترتيب قاعدة السلطة المحلية (إعادة توزيع السلطة الاقتصادية والنفاذ إلى الموارد) لم تكن إلا تقوية الحكم السلطوى، لا إضعاف سيادته على الاقتصاد والمجتمع. فمن الواضح أن التغيير، إذا كان ثمة تغيير أصلا، محكوم بسيطرة النظام. فهو أساسا مجرد زحزحة منتظمة فى توازن السلطة بين مختلف أقسام النخبة، بما فى ذلك صعود مراكز سلطة جديدة وشبكات نافذة لحساب فاعلين آخرين، وذلك إما لأن القيادة العليا لم تتدخل لوقفه – أو حتى لأنها شجعت إعادة توزيع السلطة والامتيازات لصالح أصحاب الحظوة الجدد. ولا يبدو حتى الآن إلا علامات قليلة على احتمال خروج عملية التغيير المقصود هذه من تحت سيطرة النظام.


خصخصة وقطاع خاص فى إطار النظام الريعى

علاوة على ذلك فإن بعض مكونات الإصلاح التى كان متوقعا أن تضعف مركز النظام الحاكم ونفوذه الاقتصاديَّين بشكل جوهرى لم تُنتج الأثر المتوقع. لنأخذ خصخصة قطاع الأعمال العام: كان القطاع العام بشركاته المملوكة للدولة وبنوك الدولة الرافعة الاقتصادية الكبرى للنظام حتى منتصف أو أواخر التسعينيات. فقد جرت عملية خصخصة محدودة فى منتصف التسعينات، ولكنها لم تغير البنية العامة للملكية ولا الآليات الفاعلة فى الاقتصاد المصرى. وقد بدأت حكومة نظيف الجديدة دورة جديدة لخصخصة قطاع الأعمال العام وبنوك الدولة، أسفرت بلا شك عن انتقال بعض الأصول الكبرى إلى ما يسمى القطاع الخاص. غير أن الخصخصة "على الطريقة المصرية" أدت فى حالات كثيرة إلى توزيع الأصول المملوكة سابقا للدولة على عدد محدود من رجال الأعمال ذوى الصلة الوثيقة بالنظام، وعلى أصدقاء وأقارب لأعضاء النظام – ويقال أيضا أن أجزاء أكبر من أصول الدولة المربحة قد استولى عليها بعض كبار رجال النظام أنفسهم. ويبدو أن مجلس وزراء "الإصلاحيين الشباب" مهتم بتعظيم عوائد الخصخصة كوسيلة لتغطية العجز فى الخزانة الحكومية. ولكن يجب أن نأخذ فى الاعتبار أن أية عملية خصخصة تقدم فرصا كثيرة للإثراء غير القانونى أو شبه القانونى للبيروقراطيين والسياسيين المشاركين فى العملية، مثلما حدث فى روسيا وأمريكا اللاتينية فى التسعينيات.

لا غرابة إذن فى أن هذا النمط من الخصخصة لم يغير بشكل أساسى أشكال التنظيم والسيطرة والسيادة فى مصر. بل كان العكس صحيحا فى حالات كثيرة: ففيما مضى كانت سلطة النظام الاقتصادية تمارس مباشرة من خلال القطاع العام، الذى ضمنت قوانينه ونظمه، برغم كل الأمثلة المعروفة للاحتيال والفساد، حدا أدنى من القانونية والشفافية.

ومع ذلك، فإن عملية الخصخصة الأخيرة لا تعنى انتهاء وسيلة السيطرة المباشرة على الاقتصاد، فما زال هناك قطاع أعمال عام معتبر جدا – يشمل المجمع العسكرى الصناعى – يؤمن السيطرة المباشرة على أجزاء كبيرة من الاقتصاد. وتنتج قناة السويس وصناعة الأسلحة وعمليات القطاع المالى للحكومة موارد معتبرة تحت تصرف النظام. إلى جانب هذا ما زال كثير من وحدات الاستثمار التى يتم تصويرها على أنها تنتمى إلى "القطاع الخاص" لا تفى بالتوقعات التى ترتبط عادة بهذا المصطلح فى سياق اقتصاد سوق حقيقى. حيث توجد شركات كثيرة مسجلة وفقا لقانون القطاع الخاص وهى فعليا مملوكة لهيئات القطاع العام أو تحت سيطرتها. بعض هذه الشركات أقيمت كمشروعات مشتركة بين القطاعين العام والخاص، بينما أقيمت أخرى بواسطة واحد أو أكثر من شركات الدولة أو سلطات اقتصادية من نوع أو آخر. الآن أضيفت لهذه القناة من قنوات النفوذ (أو حل محلها فى أحيان كثيرة) طريقة غير مباشرة فى تنظيم الأعمال من خلال شبكات أعضاء النظام وكبار رجال الأعمال فى التجارة والصناعة والمال، تشمل أحيانا مشاركة أجنبية.

وهناك ادعاء آخر يقول بأن ما يسمى الإصلاحات منذ 1990/1991، وخصوصا منذ 2004، تقدم مساحة أكبر للقطاع الخاص بصفة عامة. غير أن هذا أيضا أسطورة. أحد الأسباب هو الاندماج المذكور بين طبقة الدولة وكبار رجال الأعمال. فالكثير من شركات القطاع الخاص مملوكة أو تحت سيطرة و/أو إدارة أعضاء طبقة الدولة، الأمر الذى لا يحدد فقط البيئة المؤسسية والتنظيمية لهذه الشركات، ولكنه يجعلها تملك أيضا سلطة هائلة فى صناعة القرار (مثلا بشأن العقود الحكومية) وتحصل على معلومات من الداخل ذات أهمية لعملياتها. بعبارة أخرى، فإن هذه الشركات برغم أن أنماط ملكيتها قد تهيمن عليها الملكية الخاصة، فإنها تتمتع بكل مزايا الارتباط بمنظمات الدولة والوظيفة العامة. يترتب على هذا كله ضيق الهامش المتاح للحرية الاقتصادية بالنسبة لنشطاء القطاع الخاص الذين لا يتمتعون بهذه الظروف الداعمة.

والسبب الثانى أن العديد من مساحات الإصلاحات التى كان يُفترض أن تخلق مناخا أفضل للاستثمار لمجمل القطاع الخاص كانت ببساطة سطحية أو ناقصة أو غير فعالة، لتقتصر فى كثير من الحالات على تغييرات قانونية de-jure، لا تتحقق فى التطبيق الواقعى. فمثلا أدى تحرير التجارة إلى زيادة المنافسة فى عدد من الأسواق، غير أن ضغط المنافسة يتوزع بشكل شديد التباين على الدوائر المختلفة من مجتمع الأعمال، فلا يشمل ملوك المال ذوى العلاقات الوثيقة بالنظام. كما أن بقاء مستوى البقرطة والفساد على حاله وغياب ساحات استثمار ذات فرص متساوية يصب لصالح كبار اللاعبين النافذين باتصالاتهم. وما زالت الأسواق المالية تتصف بكثير من القصورات وبالتمييز الجوهرى ضد الشركات الصغيرة والمتوسطة. فى ظل هذه الظروف، لا نستطيع أن نسلم بوجود ساحات ذات فرص متساوية فى المنافسة الاقتصادية. وما زال النظام يصنع أو يقتل رجال الأعمال، ماليا، ويخلق فرص أعمال مربحة للبعض، وفى نفس الوقت ينكر على آخرين الحقوق الاقتصادية الأكثر أساسية. وبالإجمال، تم الإبقاء على تركيز السلطة الاقتصادية فى أيدى قلة، وثيقة الارتباط بالنظام الحاكم.

ولكن ماذا عن الاستثمار الأجنبى المباشر، هل يشارك فى إحداث تغير بنيوى؟ تصدر الحكومة المصرية بانتظام بيانات بشأن هذا الاستثمار، وتقدمها كإثبات لنجاح سياستها الاقتصادية. كما يستشهد بها مؤيدو النظام ليدَّعوا بموجبها أن الإصلاحات الاقتصادية الجارية ستؤدى إلى تغيير بنيوى حقيقى. وتتمثل الحجة الرئيسية فى أن الاستثمار الأجنبى المباشر يؤدى إلى منافسة أقوى، وأن سلوك المستثمرين الأجانب لا يتفق مع "النظام القديم". وهكذا فإن الاستثمار الأجنبى المباشر يقدم كنتيجة لإصلاحات اقتصادية ناجحة، وفى نفس الوقت كدافع إضافى لمواصلة التغيير الهيكلى الذى يقال أن ما يسمى الإصلاحات مصممة لتحقيقه.

غير أن أنماط الاستثمار الأجنبى المباشر لا توحى حتى الآن بأن المستثمرين الأجانب سيشاركون بشكل جوهرى فى وضع "قواعد اللعبة" و/أو تحقيق مستوى أعلى بشكل ملحوظ من التنافسية الدولية. فأولا، ما زال مجمل تدفق هذا الاستثمار محدودا بالمقارنة بالحجم الكلى للاقتصاد وبالمقارنة مع بلدان نامية أخرى. هذه النسبة المحدودة تؤدى بالضرورة إلى محدودية التأثيرات الإيجابية المحتملة له على مناخ الاستثمار وثقافة الأعمال فى مصر. وثانيا فإن مصادر الاستثمار الأجنبى المباشر وكذلك الصناعات التى يتوجه لها لا يوحيان ببشائر تغيير إيجابى كبير. فالاستثمار الأجنبى الموجه للإنتاج الحديث للسوق العالمى يشكل نسبة صغيرة جدا، بينما يتجه الحجم الأكبر منه إلى قطاع البترول والغاز المولِّد للريع، والذى لا يرتبط بشكل يُذكر بروابط مع قطاعات الاقتصاد الأخرى، سواء روابط أمامية (أى من حيث استعمال منتجاته فى قطاعات أخرى- المترجم) أو خلفية (أى خلق طلب فعال على قطاعات أخرى- المترجم)، فضلا عن أنه قطاع يتميز تقليديا فى العالم كله بعدم الشفافية والفساد الذى يشمل ممثلى الحكومات المعنية. على هذا النحو لا يُتصور أن يقوض الاستثمار الأجنبى النمط الريعى لتوليد العائد فى هذا البلد، بل سيعززه.

أما الاستثمارات الأجنبية الكبيرة الأخرى فتتركز فى العقارات والتشييد والتنمية السياحية، وهى صناعات لا يبدو أنها تمتلك فى الإجمال إمكانية الدفع فى اتجاه تغيير بنيوى معتبر فى اقتصاد ريعى، لأنها تشكل جانبا من الطرق المستقرة لصناعة الأموال السهلة بغير استثمار كثير فى الإنتاجية والتكنولوجيا والابتكار. وفوق ذلك فإن عمليات الترخيص لتطوير مناطق سياحية جديدة وتخصيص الأرض لمشروعات جديدة ترتبط دائما بدعاوى الفساد وخرق القانون والتحيز والمحاباة، الخ.

وبرغم أن السياحة تتمتع ببعض الروابط الخلفية بقطاعات أخرى، فإنه ليس بمقدورها أن تنتج ضغطا قويا على بقية الاقتصاد من أجل التحديث للصمود فى وجه المنافسة العالمية. فالسياحة المصرية بصفة خاصة تتميز ببعض السمات الريعية، مثل استغلال تراث البلاد الأثرى الفريد وجوها وشروط الموقع التى تسمح بازدهار سياحة البحر الأحمر برغم المستوى المنخفض للخدمات بالمعايير الدولية. أما نشاط العقارات والتشييد فى مصر فيتميز بالمضاربة منذ أن فتحه السادات لمشاركة القطاع الخاص. ويقر العاملون فى هذه الصناعة فى مصر بالفعل بأن الاستثمار المحلى والأجنبى الكبير فى العقارات، وما أسفر عنه من رواج صناعة التشييد، قد أنتج فقاعة من المتوقع أن تنفجر سريعا، بما يؤدى إلى عواقب وخيمة للاقتصاد المحلى (تبين صدق ذلك مؤخرا- المترجم). بالإضافة إلى ذلك، فإن جانبا كبيرا من الاستثمار المحلى المباشر فى الصناعات المذكورة، وكذلك فى التجارة واستصلاح الأراضى والبنية التحتية، قد أتى من بلدان الخليج البترولية، بفعل ارتفاع أسعار البترول فى السنتين الأخيرتين، والقيود على استثمار الفوائض فى الغرب بعد 11 سبتمبر، أى من اقتصاديات لا تشتهر بشكل خاص بالتمتع بنظام سوق حر شفاف.


أمراء الاستثمار والسلطة: التراكم من خلال الامتيازات

طوال تاريخ مصر الحديث أقام رجال الأعمال الأقوياء اقتصاديا روابط وثيقة بالدولة ليتمتعوا بدعم وحماية الحكومة. وكانت العلاقات بالقصر دائما أحد أسس – إن لم تكن أحد الشروط المسبقة – للتراكم الرأسمالى البدائى والنمو اللاحق للشركات.

ويتضح مدى اعتماد التراكم الرأسمالى لكبار الرأسماليين المصريين ونجاحهم اقتصاديا على اكتساب الحظوة عند الأقوياء سياسيا بعد الانفتاح من تتابع ظهور وانهيار محاسيب بعينهم من رجال الأعمال وإمبراطوريات الأعمال التى يملكونها. وقد أحصى المحللون المصريون عدة موجات لبناء وتحطيم (واستبدال) أجيال متلاحقة من نخب الأعمال على أيدى الحكام منذ عهد السادات. وتبدو الدوافع المحركة لذلك شديدة التعقيد، تبدأ من لعبة فرق تسد السياسية الفظة، مرورا بحسابات وظيفية تتصل بمعايير المتطلبات الاقتصادية، وأحيانا العسكرية، واحتياجات السياسة الخارجية، وصولا إلى عوامل مثل التفضيلات الشخصية والثقة والصداقة والتعاطف. بكلمات أخرى، فإن الحكام يستطيعون أن يسحبوا الامتيازات التى تتيح التراكم والتوسع الاقتصادى بنفس السهولة التى قدموها بها فى البداية.

وتتمثل القنوات الأكثر أهمية للتراكم من خلال امتيازات النفاذ للموارد الاقتصادية بأوسع معنى للكلمة فى الآتى: أولا، التفاعل بين الشركات الخاصة ومشروعات القطاع العام؛ ثانيا، تعاقدات الحكومة من كل الأنواع؛ ثالثا، الاحتكارات الكثيرة التى تمنحها أو تضمنها الدولة لتجارة أو إنتاج منتجات معينة، أو توفير خدمات بعينها فى السوق المصرى؛ رابعا، القروض والائتمان الذى تقدمه بنوك الدولة للاستثمار الخاص – غالبا بعد تدخل مباشر من أصحاب المناصب العليا فى النظام؛ خامسا، القيود الجمركية وغير الجمركية على الاستيراد المرتبطة بقضية الاحتكار المذكورة سابقا؛ سادسا، البورصة التى تتميز بتلاعبات تجارية؛ سابعا، توزيع أراضى الدولة على القطاع الخاص عن طريق مسئولى الحكومة؛ ثامنا، ميزانية الدولة وسياسة مصر المالية عموما؛ تاسعا، الاستخدام المفرط للدين الداخلى؛ عاشرا، التضخم؛ حادى عشر؛ المشاركة فى القطاع الخاص. وفوق هذا كله، فإن الفساد والافتقار إلى السيطرة والمصداقية على كل مستويات آلة الدولة عموما يفيدان الأغنياء وذوى العلاقات القوية بالنظام.


السمات المميزة للاستثمار الخاص الكبير

أسفر النمط التاريخى لعلاقات النظام بالأعمال فى مصر والبيئة المخصوصة التى يترعرع فيها مجتمع الأعمال – بما فى ذلك الشكل الذى اتخذته الإصلاحات منذ أوائل التسعينيات – عن عدد من الخصائص التى تميز الاستثمار الخاص الكبير:

 أولا، الضعف أمام القصر: فبرغم أن أصحاب الأعمال لديهم مساحة أوسع (ويلعبون دورا ينمو بسرعة فى الاقتصاد وفى السياسة) وأن القيادة السياسية بدورها تريد أن تكون مرتبطة بدوائر الأعمال، فإن أجندة النخبة الحاكمة واضحة فى أنها تهدف إلى إبقاء النظام فى موقع قوة غير منازَع فى مواجهة كل الفاعلين الآخرين فى المجتمع. وبالتالى يظل رجال الأعمال المقربين "الجدد" ضعفاء بالمقارنة بصناع القرار المركزيين فى النظام. ففى أى صدام محتمل ستكون سيادة الدولة هى العليا.

ثانيا، الاعتمادية: فمنذ ظهور طبقة كبار رجال الأعمال المصرية الجديدة تحت جناح نظامى السادات ومبارك كان مصير وحظوظ أى من رجال الأعمال معتمدا على ثقة وحظوة الأقوياء سياسيا. فإلى جانب اعتماد وضعهم الاقتصادى على أريحية القصر، فإن الأثر النفسى بصفة عامة هو سلوك معمم للخضوع والسعى للفوز بالحظوة عند السلطة.

ثالثا، السعى إلى الريع بدلا من الربح: ففى بيئة تكون فيها الحظوة عند اللاعبين الأقوياء سياسيا هى الشرط الأولى للنجاح الاقتصادى، يركز رجال الأعمال جهودهم على النفاذ إلى صناع القرار السياسى الكبار وتوثيق العلاقة معهم وإدامتها (الواسطة)، لا الاستثمار فى مشروعات مبتكرة. وتتضمن عواقب هذا الوضع نتائج اجتماعية- نفسية صيغ لوصفها مفهوم "العقلية الريعية".

رابعا، الصراع على الاحتكارات: يعنى غياب اقتصاد سوق حقيقى، وخصوصا أحد سماته الكبرى (المنافسة)، أن يتصف نشاط كثير من الفاعلين الاقتصاديين والأنشطة الاقتصادية بالاحتكار واحتكار القلة. فثمة دوافع قوية للغاية بالنسبة لرجال الأعمال الأفراد أو شبكاتهم للحصول على وضعية الاحتكار هذه فى مجالات نشاطهم. وتعتمد فرص تحقيق ذلك، مرة أخرى، على حماية الرعاة الكبار والحظوة لديهم. وبالتالى فإن أية محاولة لتحرير الأسواق وتخفيض الحواجز أمام المنافسة تعتبر تهديدا للبؤر الربحية التى تكونت من خلال المحسوبية والواسطة. ومن ثم يسود الاتجاه المعادى بشدة لليبرالية الاقتصادية بين ممثلى الاستثمار الكبير عموما.

خامسا، تفتيت مجتمع الأعمال: هناك مراكز قوى وشبكات وأجنحة عديدة، متنافسة غالبا، داخل عالم الأعمال المصرى. ولكنها ليست منافسة على أفضل الحلول للأسواق من حيث المنتجات أو الخدمات، ولكن على حظوة ورعاية كبار صناع القرار. ومن شأن هذا أن يخلق مناخا لعدم الثقة والشك بين مختلف الأجنحة والشبكات التى تشمل ملوك الأعمال المختلفين. ويصل عدم الثقة العامة إلى حد إهدار فرص تعاون اقتصادى مفيد لأطرافه.

سادسا، فردنة وتشوه مؤسسات العمل الجماعى: فوق ما سبق، هناك عدد من المؤسسات والمنظمات التى يجب أن تخدم المصلحة الجماعية لمجموعات معينة من رجال الأعمال لا تستطيع أن تؤدى دورها لأنها تقع فى معظم الأحيان تحت سيطرة رجال أعمال أفراد أو شبكاتهم ليستخدموها كوسيلة لمكاسبهم الشخصية. وينطبق هذا مثلا على كثير من جمعيات المستثمرين ورجال الأعمال (مثلا فى المجتمعات الصناعية الجديدة) وكذلك على بعض الغرف التجارية الأجنبية فى مصر، فيرأسها عادة أعضاء بعينهم من ذوى النفوذ. وبالمقابل، يستعمل النظام كثيرا من هذه المنظمات فى ممارسة النفوذ والسيطرة على دوائر الأعمال (فالعضوية غالبا إجبارية، مثل اتحاد الصناعات).

 وبعد تعيين عدد من رجال الأعمال القياديين فى مجلس الوزراء وفى مناصب صناعة القرار السياسى فى الإدارة انتقل نفس النمط (أى تحويل الدولة إلى إقطاعيات للأفراد والشبكات) إلى بعض منظمات الدولة المركزية. فالمنصب العام لا يُستخدم لمتابعة سياسة تراعى المصالح الجماعية لمجتمع الأعمال ككل، أو على الأقل أقسام مهمة منه، وإنما يُستغل بلا حياء لتحقيق مصالح اقتصادية فردية.

 سابعا، غياب المسئولية الاجتماعية: تتضمن ظاهرة مراعاة المكسب الأنانى على المدى القصير بهذه الطريقة الشخصية الفردية الضيقة، التى تستبعد حتى العمل الجماعى بين الدوائر المحدودة للاستثمار الكبير، أن مسائل المسئولية الاجتماعية التى تتجاوز الاحتياجات الوظيفية لشبكة الرعاية والمحسوبية للرأسمالى الفرد لا تحظى بأى قدر من الاهتمام. على العكس، نلاحظ أن ممثلى الاستثمار الكبير المصرى فى أحاديثهم الشخصية، وعند تحليل الاستراتيجيات والأنماط الفعلية لتعاملهم مع حائزى أو مالكى قطع الأرض الصغيرة، التى تُعتبر بشكل ما مشروعا استثماريا، أو مع العمال فى القطاع الخاص، أو مع شركاء الأعمال الذين يمكن أن يُستغلوا بلا رحمة بسبب وضعهم الاقتصادى الأدنى (لافتقارهم إلى الواسطة)، الخ، نلاحظ فى كل هذه الحالات قدرا هائلا من الاحتقار والازدراء ونزعة الشك تجاه معظم سكان مصر.

ثامنا، عدم الاهتمام بالتغيير الجوهرى: يستفيد رجال الأعمال المرتبطين بالنظام بشكل غير عادى من الرعاية السياسية والامتيازات الاقتصادية والروابط المفيدة بالقطاع العام. فبرغم كل هذه الطنطنة عن اقتصاد السوق الحر التى يروجها بعض المنظِّمين الرياديين فى العلن، فإن مصالحهم الاقتصادية تدفعهم بشدة إلى معارضة أى تغيير جوهرى فى النظام الذى يحتضنهم. هذا لا يعنى أن كل المنظِّمين الذين صنعوا ثرواتهم بفضل ما ضمنه لهم النظام من دعم وامتيازات يقفون ضد أى تغيير من أى نوع: فالجدل الدائر بشأن إجراءات الإصلاح الاقتصادى – بما فيها قضايا مثل الخصخصة وتحرير التجارة وإصلاح القطاع المالى، الخ – تبين أن الكثير من رجال الأعمال يرحبون بشدة بالتغييرات التى تتضمن تحسينات مباشرة لصالح أنشطتهم الاستثمارية الخاصة. وخلال العقود الأخيرة نجح عدد منهم فى استغلال فرص أعمال ناتجة عن إجراءات إعادة هيكلة عديدة غير متسقة وناقصة، اتُّخذت فى بيئة إصلاح مترددة وكثيرة التعطل. وفى هذا الصدد لم يكن التغيير يقابل بالضرورة بمقاومة رجال الأعمال أصحاب الحظوة عند النظام. غير أن المصالح الاقتصادية لنخبة الأعمال المصرية الحالية ستهددها بشدة أية محاولة لإجراء إصلاحات أساسية تؤدى إلى إقامة اقتصاد سوق حقيقى. فالذين حققوا أرباحا ضخمة من غياب المنافسة الحقيقية – وفى نفس الوقت لم يعانوا من بيئة الاستثمار المشوهة كبقية أهل الأعمال فى مصر بسبب علاقاتهم الوثيقة بالقصر – ستكون خسارتهم مؤكدة إذا حدث انتقال حقيقى إلى نظام السوق.


هل يشكل كبار رجال الأعمال طبقة؟

السؤال الذى يعنينا هنا هو: إلى حد يمر كبار رجال الأعمال بعملية تشكُّل طبقى بالمعنى السياسى- الاقتصادى الكلاسيكى؟ وبافتراض ذلك، هل يوجد نوع من الوعى الطبقى والهوية الطبقية يقدمان حافزا لقادة الاستثمار ليلزموا أنفسهم بإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية؟ يشير ما ذكرناه من قبل بوضوح إلى أن عملية تشكُّل كبار رجال الأعمال فى مصر كطبقة واعية "فى ذاتها ولذاتها" تواجهها عقبات قاسية. فسمات هذه النخبة ومصالحها الاقتصادية المباشرة تمنع تشكل طبقة مستقلة من كبار الرأسماليين وظهور الوعى الطبقى المرتبط بهذه العملية، ناهيك عن تشكل إيديولوجية واعية أو أجندة سياسية جماعية.

فوق ذلك، يتضح من النظر إلى شروط وجودهم الاقتصادى كرأسماليين (أى مصدر التراكم الرأسمالى والربح) أن تطبيق مصطلح "المنظِّم" عليهم غير مناسب إلى حد كبير. فالمنظم يأخذ على عاتقه المخاطرة (الاقتصادية) والابتكار ليستمر فى ظل المنافسة ويحصل على الربح فى أسواق صراعية مفتوحة. أما كبار المستثمرين فى مصر فيصنعون أرباحهم بفضل غياب المنافسة الاقتصادية، والخطر الأكبر الذى يواجهه ملوك الأعمال هو خسارة حظوة القصر أو الخسارة أمام ذوى الواسطة الأفضل، وهى فى النهاية مخاطر اجتماعية أو سياسية، لا اقتصادية. وبينما يمكن التعامل مع المخاطرة الاقتصادية المتأصلة فى تفاعلات السوق بطرق من بينها الابتكار التقنى- الاقتصادى وإبداعية المنظِّم (سواء كان فردا أم شركة)، ومن ثم تكون المخاطر حوافز للتطور التقنى- الاقتصادى والاجتماعى فى المجتمع، فإن استراتيجيات الأعمال الكبيرة فى مصر لتأمين أوضاعها – بالبحث عن الريع بأوسع معانى الكلمة – باهظة التكاليف بطرق عديدة، والأهم أنها أيضا تسد أفق التطور الاجتماعى- الاقتصادى بمجمله.

فالروابط الاقتصادية والشخصية والعائلية بين ملوك المال القياديين والنظام بالغة القوة لدرجة لا تسمح بأى نوع من الفعل المستقل الذاتى، أو المعارض. وربما يصور رجال المال الناجحين أنفسهم كعصاميين وذوى تفكير مستقل، أو حتى كمتشككين تجاه الوضع السياسى الحالى فى مصر – وربما يؤمن بعضهم بالفعل بهذه الصور التى خلقوها لأنفسهم. ولكن هذه الصور لا تترتب عليها أية نتائج مادية، أى أن التعبير عن عدم الرضا عن بعض سياسات النظام أو كبار رجاله فى الأحاديث الخاصة ليست لها حاليا أية أهمية سياسية. وذلك لأنهم جميعا، باستثناءات قليلة، من صنع النظام ويتشكل سلوكهم بناء على ذلك. وهذا يعنى أن "نخبة" الأعمال المصرية من أصدقاء النظام يصعب أن تطور وعيا ذاتيا أو إدراكا ذاتيا أو هوية صريحة على غرار تلك القطاعات الجديدة من الرأسماليين خلال حقبة الثورات البرجوازية الديمقراطية المبكرة فى أوربا التى اشتبكت فى نضال للتغلب على النظم السياسية المستبدة.

بل يمكن الشك فى أن كبار رأسماليى مصر لديهم هوية طبقية أصلا. فهم لا يدينون بثرواتهم إلى أى عمل جماعى، مثل العمل لتحسين الظروف الكلية للتراكم الرأسمالى والتجارة والإنتاج، بل حققوا ما حققوه بسبب تلقيهم لعطف وامتيازات رعاتهم من رجال النظام على أساس فردى للغاية، وعلى حساب الغالبية من زملائهم من رجال الأعمال المصريين. ومن لا يستفيد منهم من مثل هذه الامتيازات، حتى الآن، يسعى بدوره للوصول إلى موارد الريع، لا إلى التغلب بشكل جماعى على النظم التى تتصف بعدم المساواة فى الفرص والاحتكار والتمييز الاقتصادى. كيف يمكن فى ظل هذه الظروف أن تنشأ هوية جماعية لهم كرجال أعمال أو رأسماليين أو منظِّمين؟ من الواضح أن استراتيجية النظام المصرى للحفاظ على السلطة السياسية والسيطرة بتكتيكات فرق تسد، بما فى ذلك توزيع الامتيازات الاقتصادية على مؤيدين موالين مختارين، تمنع بشكل فعال تشكل طبقة بين رجال الأعمال القياديين.


المطرودون من الجنة:

الطبقات الوسطى "الليبرالية" و"الإسلامية العصرية" من رجال الأعمال

تتغير القاعدة الاجتماعية للنظام المصرى بحيث تزداد أهمية النخبة البازغة حديثا من كبار مسئولى الدولة (مدنيين وعسكريين) وأعضاء الطبقات المالكة. وتكتسب هذه الشبكات من رجال الأعمال المحاسيب ومسئولى الدولة ذات الروابط الوثيقة فى مجال الأعمال أهمية متزايدة على حساب قاعدة دعم النظام السابقة خلال عهد العقد الاجتماعى الشعبوى (أى الفترة الناصرية- المترجم)، والتى تشكلت من سكان الريف والطبقة العاملة المدينية والمستويات الدنيا والوسطى من العاملين فى القطاع العام والحكومة. وهى قاعدة تفقد الآن وضعها الاقتصادى وأهميتها السياسية المحلية عند النظام. أما الفاعلين الاجتماعيين الذين يتم تهميشهم بشكل متزايد فهم عمال الزراعة فى الريف وصغار الحائزين والمستويات الدنيا والوسطى من قوة العمل فى القطاع العام والحكومة، والمتعلمين من مختلف الخلفيات المهنية.

غير أن امتيازات العدد المحدود من كبار رجال الأعمال تتضمن أيضا قيودا قاسية على الغالبية من صغار ومتوسطى رجال الأعمال المصريين فى كل من القطاع الرسمى وغير الرسمى. يستثنى من ذلك عدد قليل من المستفيدين من إدماجهم فى الشبكات الزبونية لكبار اللاعبين. فالأفراد الذين يرغبون فى إقامة مشروع خاص يعتمدون غالبا على موافقة صريحة أو ضمنية من رجال الأعمال الكبار الواصلين. وفى حالات كثيرة يعرض القادمون الجدد المشاركة فى مشروعات أو يقبلون، من البداية ذاتها، وضعا أدنى كشركاء صغار فى المغامرات التجارية الكبرى. وتوحى المصالح الاقتصادية لملاك الأعمال الصغيرة والمتوسطة بأنهم يدركون القيود التى تفرضها عليهم البنى القائمة، كما توحى بأنهم قد يسعون للانفصال عن الاستثمار الكبير، وربما حتى أنهم يعرِّفون أنفسهم كمعارضين لكل من النظام وأصحاب الحظوة عنده من رجال الأعمال.

وقد تؤدى الإصلاحات الاقتصادية إلى تناقص الأهمية الاقتصادية النسبية لرجال الأعمال الموالين للنظام والمعتمدين عليه بالمقارنة بدور رجال الأعمال الآخرين الأكثر استقلالا. لا شك أن دوائر رجال الأعمال المستقرين والمتمتعين بالامتيازات بارتباطاتهم بالأقوياء سياسيا سيحاولون أن يحافظوا على الترتيبات الخاصة التى تفيدهم، ولكن وفى نفس الوقت، يمكن أن نتوقع أن المنظِّمين الأقل اتصالا بالسلطة الصاعدين حديثا سوف يضغطون لتحقيق إصلاحات جوهرية. ويمكن أن يكون لهذا تأثير إيجابى فى اتجاه انتقال النظام الريعى المصرى إلى اقتصاد سوق.

غير أن ثمة شرط مسبق أساسى لكى يحدث مثل هذا النوع من التغيير، وهو وجود عدد معتبر من المنظِّمين المستقلين المتمتعين بقوة اقتصادية كامنة. وتفتقر الحالة المصرية إلى هذه الكتلة الحرجة الأدنى من رجال الأعمال المستقلين. ففى الظروف المعطاة يكاد يكون مستحيلا أن يجمع رجل أعمال بين النجاح الاقتصادى والاستقلال عن النظام الحاكم، على الأقل بعد الوصول إلى مستوى معين من اتساع النشاط الاقتصادى. فالنظام ما زال قويا بما يكفى لتدمير العمليات الاستثمارية لأى منظِّم لا يساير ما يعتبره السلوك اللائق. فرجال الأعمال من الحجم الكبير مُجبَرون إذن على لعب الأدوار التى يحددها لهم النظام.

ويتضمن هذا أن أغلبية رجال الأعمال المستقلين ذهنيا يوجدون فى الطبقة الوسطى الاقتصادية، أى البرجوازية الصغيرة بالمصطلحات السياسية- الاقتصادية التقليدية. وأُطلق هنا مصطلح "الطبقة الوسطى الليبرالية" للإشارة إلى رجال أعمال يتمتعون بمستويات عالية نسبيا من التعليم (الغربى جزئيا) وبرؤية دولية، يتبنون غالبا صراحة أو ضمنا نماذج غربية، وأوربية غربية خصوصا، لاقتصاد السوق كإطار مرجعى. وقد حولتهم خبرة الفرص الاقتصادية المحدودة والتدخل الفظ للبيروقراطيين من كل الأنواع فى عملياتهم إلى مدافعين عن بيئة اقتصادية أقل احتكارية وأكثر تحررا، وأساسا عن ساحات قائمة على المساواة فى الأسواق المحلية. ويتضمن هذا أيضا قدرا من المعارضة للنظام السياسى القائم.

بطبيعة الحال، وضع كثير من المراقبين المصريين ذوى الخلفية الليبرالية والليبرالية الجذرية آمالا عريضة للغاية على "الإصلاحيين الشباب" حين شغلوا المناصب الوزارية فى 2004. ولكن بعد أربع سنوات يعبر الكثير منهم عن استيائه وإحباطه من النتائج المتحققة حتى الآن. وتشمل الشكاوى الكبرى غياب ساحات للأنشطة الاستثمارية فى البلاد قائمة على المساواة، والافتقار الواضح إلى رؤية وخطط، ناهيك عن الاستراتيجيات المتسقة، لإعادة هيكلة الاقتصاد. بل يرى رجال الأعمال فى بعض القطاعات ميلا لتدهور شروط الإطار العام للنشاط، مثل تزايد تركيز السلطة الاقتصادية.

وقد يختلف أعضاء الطبقة الوسطى الليبرالية فى درجة تقديرهم للمسئولية الاجتماعية، غالبا من حيث تفضيلهم للنموذج الأنجلو-سكسونى أو مدخل "اقتصاد السوق الاجتماعى" لأوربا الغربية. غير أنهم يشعرون بحاجة قوية لإجراء إصلاحات اقتصادية أساسية. وقد يتبنون منظورات مختلفة بشأن الحماية الضرورية للاقتصاد المحلى فى سياق عملية العولمة المتزايدة العدوانية، ولكن الكثيرين منهم لا يعتبرون المجال الاقتصادى الدولى مجرد مصدر للأخطار، وإنما مجال للفرص أيضا.

أما مصطلح الطبقى الوسطى "الإسلامية العصرية" فأصف به أعضاء مجتمع الاستثمار المصرى الذين يشاركون "رجال الأعمال الليبراليين" فى معظم سماتهم الاجتماعية- الاقتصادية المذكورة من قبل، ولكنهم يعرِّفون أنفسهم بإحالة أقوى بكثير إلى مفاهيم إسلامية عن الدولة والمجتمع والاقتصاد. وبالتالى فإن المعيار الضمنى ونظم القيم والرؤية الاجتماعية- الاقتصادية والاجتماعية- الثقافية تختلف جوهريا عن مثيلاتها عند المجموعة الأولى من البرجوازية الصغيرة. وفى المجال الاقتصادى، قد تمثل النماذج الإسلامية بمختلف درجات الحداثة فيها – وكلها تشدد على العدالة الاجتماعية والتضامن داخل الأمة – مشروعا مضادا صراحة أو مخططا بديلا للنموذج المستوحى من الغرب عند المجموعة الأولى لاقتصاد السوق (الاجتماعى). وتوجد اختلافات أيضا بشأن ما يعتبر مناسبا من حيث الاندماج فى الاقتصادى العالمى والتعاون الاقتصادى (وغيره) مع "الغرب" بالمقارنة بالتعاون مع العالم العربى والإسلامى والتعاون الجنوبى- الجنوبى عموما.

غير أن كلا القطاعين من الطبقة الوسطى الاقتصادية يشتركان فى سمتين أساسيتين. فأولا كلاهما يمكن أن يكسب الكثير اقتصاديا ومن حيث المكانة الاجتماعية من إصلاحات بنيوية حاسمة للاقتصاد، وثانيا، ليس كلاهما حاليا فى وضع يتيح له تحدى الترتيب القائم. الأمر الأكثر صعوبة هنا هو تقييم ما إذا كان ثمة عملية تشكُّل طبقى فى أوساط البرجوازية الوسطى والصغيرة فى مصر. فدوافع تشكل برجوازية واعية – حتى ولو كانت منقسمة إلى جناحين "علمانى" و"إسلامى" – هى التمييز الاقتصادى والقمع السياسى الذى تعانى منه. فهناك عدو يوحدهما وإمكانية لإطار مرجعى (رؤية ورؤية للعالم وإيديولوجيا) يمكن أن تكون ملهما ومرشدا وقضية مشتركة لهما تدعم تكون طبقة ووعى طبقى. وربما كان الجناح "الإسلامى" يتمتع برؤية أقوى ومشروع أكثر جذرية، وهى حقيقة قد تساعد على الإسراع بتشكل الهوية والطبقة عند الرأسماليين الصغار والمتوسطين الإسلاميين. أما العقبات فهى محدودية الموارد والقدرات التنظيمية، خصوصا بالنسبة للمجموعة الأولى، أى "الطبقة الوسطى الليبرالية". فقد تركت عقود السلطوية السياسية آثارها الاستبدادية على المجتمع المدنى المصرى بأوسع معانى الكلمة.


هل يوجد تحالف ما لتغيير النظام من الداخل؟

نظرًا لأن قطاعات كبيرة من الإدارة المدنية- العسكرية قد تم تهميشها، بينما زاد نفوذ جهاز الأمن الداخلى وأهميته، أصبح أحد الشروط المسبقة لإحداث تغيير أساسى من الداخل فى النظام السياسى- الاقتصادى القائم اشتراك جزء معتبر من جهاز الأمن فى تحالف سياسى لتحقيق هذا التحول. ففى حالة اشتراك فاعلين أقوياء من المخابرات وأجهزة الشرطة فى محاولة للتغلب على الركود الاجتماعى- السياسى والاجتماعى- الاقتصادى فى مصر، سيكون التحول ناجحا، بافتراض تدعيم وتعاون أجزاء أخرى من الآلة الحكومية وكذلك من نخبة الأعمال.

نستطيع أن نجد أمثلة مشابهة فى بعض من أكثر "دول النمور" الآسيوية نجاحا، مثل كوريا الجنوبية وتايوان. فبعد تحقيق مستوى معين من القوة العسكرية والتطور الاقتصادى سلَّم القادة العسكريون المستبدون السلطة السياسية طوعا، بشكل أو بآخر، إلى حكومات مدنية ديمقراطية، حيث أدركوا أن هذه النقلة ضرورية لتيسير مواصلة التطور الاقتصادى لبلدانهم وتمكينها من الصمود فى المنافسة الدولية الاقتصادية والسياسية – خاصة المنافسة مع الصين فى الإطار الإقليمى. فقد رأوا ضمنا أو صراحة أن الانتقال إلى الديمقراطية شرط مسبق من الناحية الوظيفية لتحقيق المزيد من تعبئة رأس المال البشرى (وغيره من الموارد) فى إطار مشروع تنمية قومى يهدف إلى زيادة القدرات التكنولوجية والتنافسية الاقتصادية.

ولكن هذه الرؤى العميقة أو سيناريوهاتها السياسية لا تبدو متوقعة فى مستقبل مصر القريب. فنظرًا لأن كبار رجال الأجهزة الأمنية هم المستفيدون الأُول من الترتيب القائم، لا يبدو أن لديهم حوافز تُذكر لمشاركة الفاعلين المعنيين فى أية محاولة للتغلب على النظم الاقتصادية القائمة، حتى ولو اقتصرت فحسب على التغيير التدريجى. وينطبق نفس الأمر على الأعضاء القياديين فى نخبة القطاع الخاص – برغم أن بعض ممثليها ربما يكونوا قد فهموا ضرورة إجراء تغيير جوهرى لضمان مستقبل البلاد الاقتصادى فى بيئة منافسة عالمية.


هل يلعب الضغط الخارجى دورا؟

    بالنسبة للوقت الحالى، يبدو أن الميول البنيوية العالمية والفاعلين الدوليين لا يؤثرون كثيرا فى عملية إعادة التنظيم الاقتصاد. حدث هذا الضغط عند إقرار اتفاقية التثبيت الهيكلى فى أوائل التسعينيات. ولكن مع تغلب النظام على مشكلة الدين الخارجى وتحقيق بعض التطور الإيجابى على جبهة الاقتصاد الكلى، بما فى ذلك الاحتفاظ باحتياطيات معتبرة من العملة الخارجية، تبدد التأثير الخارجى على سياسة مصر الاقتصادية فى أواخر التسعينيات.

    فقط فى أعقاب هجمات 11 سبتمبر، حين أعلن بوش رؤيته الخاصة بمقرطة الشرق الأوسط، زاد الضغط الخارجى على النظام مرة أخرى. ولكن واشنطن لم تكن تنادى هذه المرة بالمزيد من تنظيم الأسواق أو تحرير التجارة الخارجية، بل بحد أدنى من الديمقراطية وحقوق الإنسان. غير أن الضغط على نظم المنطقة السلطوية تراجع مع ظهور الكارثة التى واجهتها سياسة الولايات المتحدة فى "مقرطة" العراق. وكان هذا يعنى بالنسبة للحكام المصريين خفوت أى نقد تجاه كيفية معالجة النظام لأى نوع من المعارضة (إسلامية أو غيرها) والغياب التام تقريبا لأى ضغط إضافى لمواصلة – أو إحياء – عملية الإصلاح الاقتصادى. وفوق ذلك شعر النظام بالراحة وعدم الحاجة إلى القيام بأى خطوة مع الانتعاش الاقتصادى بسبب الارتفاع الكبير فى أسعار البترول، الذى ترافق مع ظهور فشل الولايات المتحدة فى العراق، وصعود من يسمون "الإصلاحيون الشباب" إلى الوزارة فى مصر.


آثار الوضع الاجتماعى وشرعية النظام

    لقد أثرت عملية إعادة توزيع الثروة الهائلة فى المجتمع المصرى، وتغير دور الدولة فى توفير السلع العامة والخدمات بشكل سلبى على التماسك الاجتماعى، وأدت إلى المزيد من تآكل شرعية النخبة الحاكمة. لقد تغيرت علاقات الدولة بالعمل – من بين أشياء أخرى – بطريقة أثرت بشكل سلبى على المساواة. وينطبق نفس الأمر على إعادة ترتيب ملكية الأصول وحقوق الحائزين فى الريف المصرى، وهى عملية تسمى، وفقا لأحد الباحثين، "التراكم بنزع الملكية"، مشيرا بذلك إلى الطرد العنيف للحائزين من الأرض واستيلاء كبار الملاك على أراضى صغار المزارعين بشكل غير قانونى، بتواطؤ ضباط الشرطة والقضاة المحليين وغيرهم من موظفى الدولة. ومن هنا أدى هذا النوع من إعادة الهيكلة السلطوية إلى صراع اجتماعى، وكذلك إلى تدعيم العلاقات الاجتماعية الزبونية وشبكات التضامن غير الرسمية (على أساس عائلى، دينى، الخ)، بما يؤدى غالبا إلى المزيد من تفتيت المجتمع.

    وتؤدى العواقب السلبية للسياسات الاقتصادية الحالية بالنسبة لقطاعات كبرى من السكان إلى تزايد السخط والمعارضة. وقد تساعد ظروف معينة على أن تصل الآليات الجديدة لهذه المعارضة – ومعها المساحة الجديدة المتاحة للنشطاء بفعل العولمة (المعلومات، التأييد الخارجى، الحماية من خلال تغطية إعلامية عالمية) - إلى تحدى النظام. لقد أوضحت الإضرابات الأخيرة أن قوة العمل فى القطاع العام السابق قد تصبح قوة سياسية مرة أخرى، كما بيَّنت أن التشكيلات النقابية الرسمية التى يتحكم فيها النظام لا صلة لها بنضالات العمال من أجل حقوقهم، بما يتيح إمكانية فتح الطريق لآليات إضافية للتعبئة والتغير المؤسسى (من قبيل محاولة تحرير الاتحادات العمالية من سيطرة النظام).


خاتمة

من شأن هاجس السيادة والسيطرة المستولى على النخبة الحاكمة، والذى يرمى فى النهاية إلى الحفاظ على الوضع القائم، أن يجعلها تنظر مسبقا إلى أى تغيير باعتباره أمرا خطرا ومشروعا مهدِّدا. الهدف الأول للنظام هو منع التغيير، خصوصا التغيير الذى يمكن أن يؤثر على النمط الأساسى للتنظيم والضبط الاجتماعيين. بهذا المعنى نستطيع أن نعتبر النظام ناجحا للغاية، فهو قادر حتى الآن على الاحتفاظ بسيطرته على كل من النظم الفرعية والمجتمع والاقتصاد.

غير أن المشكلة تكمن فى أن نجاحه هذا بالذات هو الذى أنتج الأزمة الممتدة التى تعانى منها البلاد منذ عقود. معنى هذا أن قدرة النظام المشهودة على الإدارة والقيادة هى فى المحل الأول قدرة على منع الانتقال، سواء فى شكل انقطاعى أو تدريجى. إنها القدرة على إخماد أية ديناميكيات اجتماعية أو اقتصادية تستطيع أن تساهم فى التغلب على البنى المصابة بالتصلب السائدة فى المجتمع والاقتصاد ككل. بهذا المعنى، يملك النظام القدرة على إبقاء البلاد محبوسة فى وضع يستحيل فيه إقامة الأسس الأكثر جوهرية للمنافسة الدولية، ومن شأن هذا أن يهدد الحياة الاقتصادية للبلاد. ففى الاقتصاد المعولم للقرن الحادى والعشرين لا يوجد خيار أمام مجتمع فى حجم المجتمع المصرى سوى توليد المصادر الاقتصادية اللازمة لوجوده ذاته من خلال إنتاج بضائع وخدمات تنافسية. ففى الأجلين المتوسط والطويل، لا يمكن إعاشة سبعين أو تسعين أو مئة وعشرين مليون مصرى بالاعتماد فقط على فواتير السياحة والإعانات الخارجية.

__________

(*) أستاذ الاقتصاد والاقتصاد السياسى بجامعة العلوم التطبيقية ببرلين، ألمانيا. تخصص فى دراسة الاقتصاد والتطور الاقتصادى-الاجتماعى لمصر منذ 1991، ونشر دراسات عديدة عن الاقتصاد المصرى، يجد القارئ بعضها فى نهاية المقال، غير أن هذا المقال مكتوب خصيصا للبوصلة: المترجم.

المراجع:

Weiss, Dieter, Wurzel, Ulrich, 1998: The Economics and Politics of Transition to an Open Market Economy. Egypt, OECD Development Centre, Paris, OECD.

Wurzel, Ulrich G., 2004: Patterns of Resistance: Economic Actors and Fiscal Policy Reform in Egypt in the 1990s. In: Heydemann, Steven (ed.), Networks of Privilege in the Middle East: The Politics of Economic Reform Revisited, New York, N.Y.: Palgrave Macmillan, 2004, pp. 101-132.

Wurzel, Ulrich, 2007: Limits to Economic Reform in an Authoritarian State. In: Weiss, Dieter, Wippel, Steffen (Eds.), Diskussionspapiere Volkswirtschaft des Vorderen Orients, Klaus Schwarz Verlag, Berlin.

 

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.