اليسار وفقا لدولوز: لا حكم ولا ثورة بل الصيرورة أقليةً وصنع اجتهادات قانونية

فادي العبد اللـه

في الواقع، لا يمكن لحكومة يسارية القيام بأكثر من دور إصلاحي. ذلك أن الثورة بلا مستقبل، أما اليمين فله الدولة أمس وحتى اليوم، كما أن له جسدها من الموظفين، على ما يرى دولوز في موضع آخر. إلا أن دولوز لا يتوانى عن اتهام الإصلاح بالنفاق، مرتكزاً على ما أوضحه فوكو من خزي الحديث في موضع امرئ آخر.

فادي العبد اللـه


منذ انتهاء الاتحاد السوفيتي نعيش في عهد مهجوس بـ"صراع الحضارات" (اقرأها: الأديان) بدل الإيديولوجيات. يجعل هذا الهاجس من السعي السياسي نافلاً، أو مشروطًا بالمستوى الدولي حصرًا، بينما تُترك للاقتصاد الحر إدارة شؤون المجتمعات نفسها. إلا أن تحرر الاقتصاد من قيود السياسة، بالترافق مع عولمته، يعني تفكك أسس الاجتماع، الذي تقوم السياسة أصلاً على الرغبة في حفظه، ناهيك بما يحمله العمى الاقتصادي من كوارث للفقراء والعمال والعاطلين عن العمل والبيئة.  

في الأصل من ذلك، وكنتيجة له معاً، على ما نزعم، وقع التباس لليسار الذي فقد، مع تكلس حيويته الذهنية وخسارته سنداً واقعياً سوفييتيا، القدرة على الجزم بمعناه هو أو ماهيته، مثلما فقد القدرة على تحديد بوصلته أو على استبقاء خياراته الاقتصادية الأولى التي أحرزت إخفاقات فاضحة. يكفي للتثبت من ذلك النظر إلى المثال الفرنسي في 1981 ـ 1983، مطلع عهد فرانسوا ميتران، واضطراره إلى إعادة إقامة حكومة إنقاذ اقتصادي، وتحول العهد إلى حكم هرِم على مدى اثني عشر عاماً، كثيراً ما شاطره اليمين إدارتها.

مع تحول اليسار من مجموعة مطالب اجتماعية لم تعد صالحة إلى نوع مبهم من طلب العدالة والإنسانية، بما يتطلب رعاية من الدولة، أصبح اليسار يضم في صلبه تناقضاً غريباً: هل من الطبيعي أن يكون اليسار منادياً بالدولة وبرعايتها، في حين يحيي اليمين الفرد والحرية؟ ألم يكن اليسار دوماً متوجساً من أنماط الحكم والسلطة، فحلم بإنهائها، في حين كانت قيود العائلة والطبقة تشكل مرتع الحلم اليميني؟ وكيف ينشد اليسار دولة قومية، في حين أن القومية ودعوى تمثيل الأمة، رغم تلفيقات بعض أهلينا العرب، كانت سلاح البرجوازية في وجه النبلاء؟

في محاولة الخروج من هذا الالتباس، وإعادة الاعتبار إلى السعي السياسي خياراً داخل المجتمعات، بدل "حوار الحضارات" الذي يحجر كلاً منها في إطار كتاب ديني لا يأتيه التغيير من ورائه ولا من بين يديه، يبدو من الملائم، في رأينا، العودة إلى فكر دولوز ونظرته إلى اليسار. ربما لم يصبح القرن الحادى والعشرين (بعد؟)، دولوزياً، على ما تنبأ فوكو، إلا أن في حيوية دولوز وثراء المفاهيم التي صاغها ما يسمح لها بحق أن تكون "صندوق أدوات" يجوز استخدام بعضها لمحاولة التفكر ورسم خطوط جديدة يمكن عبرها الإفلات من ضغط الأفكار المسبقة والمفروضة فرضاً.

ثم إن دولوز، الذي كان بين قلائل من جيله ممن لم يدخلوا الحزب الشيوعي، كان أيضاً بين قلائل لم يتنكروا لماركس. وقد تجنب تناول السياسة مباشرة في أعماله، مفضلاً تناول شؤون أخرى شكلت "خارج" le «dehors» فلسفته وجناحها غير الفلسفي، على ما يعبر، كالسينما والأدب والجزر المهجورة والفصام.. الخ. أي أن فكر دولوز السياسي، برغم كثرة التذرع به لاحقاً، كثرة تداني حجم ما ألصق به من تهم، لم يتورط مباشرة، سوى في دعم الفلسطينيين ربما، في إطار مباشر، أو في إطار تبريري لسياسة معينة، ما حفظ له ارتفاعاً لائقاً.

يرتكز هذا المقال على حوارين أجريا في زمنين متباعدين مع دولوز. الأول حوار بينه وبين فوكو، في 1972، نشرته مجلة ARC، تحت عنوان "المثقفون والسلطة". والثاني، تلفزيوني، مع كلير بارنيه، في أبجد هوز دولوز Abécédaire، الذي أجري في 1988، على ألا ينشر إلا بعد وفاته. وقد توفى دولوز في  1995، وأذيع الحوار للمرة الأولى في 1996. نقتطف منه مقاطع من الجزء المعنون "ياء مثل يسار" (G comme Gauche).

اختيار الأحاديث يأتى من رغبة في الاتكاء على السيولة اللغوية، برغم انضباط المفاهيم، وهو ما نلاحظه فى محاضرات دولوز الجامعية، التي يمكن قراءة ومشاهدة بعضها على الانترنت. فضلاً عن أن شرارات الحوار سمحت لدولوز بصنع بعض أجمل أعماله، ككتاباته مع فيليكس غواتاري، أو محاوراته dialogues المكتوبة مع بارنيه. كما أننا نزعم أننا لمحنا، في حديثين يفصل بينهما 16 عاماً، تكاملاً لا يجيز الفصل "التعسفي" بينهما، بل يظهر تناسق فكر دولوز المتواصل وحيويته وسرعته، وقدرته على الإيجاز البليغ.

نشير أخيراً إلى خطأ اختزال مفهوم اليسار لدى دولوز إلى فكرتين فحسب، على ما سبق لعبد السلام بنعبد العالي أن فعل في مقالة على موقع الأوان، برغم أن دولوز نفسه يعددهما (وهما: اليسار هو نظر إلى الأفق، واليسار تجمع صيرورات أقلية). فقد سبق هذا التعداد الذي سنتناوله تعريف ثالث (اليسار إنشاء للاجتهاد القانوني)، فضلاً عن أسئلة مكملة مهمة تتعلق بمعاني النضال والإصلاح وغياب مستقبل الثورة وحكومات اليسار ودور المثقفين وشهوة السلطة. وقد أوردنا كل ذلك دون ترتيب، لأن كل ترتيب ممكن، في ظل أفكار صاحب فلسفة التشبيك والريزوم rhizome أو ما يسميه كاظم جهاد "الجذمور" (ما لا ساق ولا جذر له، وينمو متشعباً) وصاحب "ألف هضبة" mille plateaux (في ترجمة جهاد، الذي يقترح أيضاً "ألف نجد").


اليسار نظر إلى الأفق

لا يعني ما سبق من امتداح دولوز أنه معصوم من المركزية الثقافية الأوروبية، رغم أن تعريفه لليسار يحاول تحديداً تجاوزها، وهو ما يكشفه الحوار مع بارنيه والأمثلة التي يعطيها دولوز. فبالنسبة إليه، ليس اليسار مسألة "روح خيرة" بل مسألة "منظور".

يشبه الأمر العنوان المكتوب على ظرف بريدي: اسم الشخص، فالمبنى، فالحي، فالمدينة، فالبلد، وربما القارة. هكذا، بحسب دولوز، يرى اليميني العالم. أما اليساري فيراه على العكس من ذلك، مثلما يراه اليابانيون على ما يقال. وإذ اعترضت بارنيه أن اليابانيين ليسوا يساريين، بأغلبيتهم، رد الفيلسوف بأنهم يساريون بحسّهم المنظوري هذا.

لنوضح أن دولوز لا يشير إلى المنظور كي يقول برؤية الكل قبل الجزء، والشامل قبل المشمول... الخ. بل ليقول برؤية الأفق أولاً: On perçoit d’abord l’horizon، كي يعلن أن اليساري هو من يرى أن مشاكل الآخرين البعيدين أقرب إليه من مشاكل حيه، ذلك أن كل هذا الظلم لا يمكن أن يدوم، ولا يمكن للمرء أن يظل يحلم بامتيازاته ورخائه الخاص. يضرب دولوز في هذا المعرض المثال المتوقع، أوروبا والعالم الثالث، مشدداً أن الأمر لا يتعلق بروح خيرة محسنة، بل بالمنظور نفسه الذي يفرض نفسه على المرء الذي يرى تشابك المشاكل.

لكن هذا التعريف الدولوزي لا يستقيم متى كان الراغب في اليسارية هو نفسه من هذا العالم الثالث. فهل يفترض باليساري، ابن العشوائيات القاهرية، أن يرى أولا مشاكل الضواحي الفرنسية، ناهيك بعثرات الاقتصاد الأمريكى، قبل أن يفكر في مشاكله الخاصة؟ لا شك أن هذه المشاكل مترابطة بالفعل، وأن العولمة تحث الخطى كي يصبح مصير العالم مقرراً في ضاحية بشيكاغو، أو برهون عقارية في بلدة أميركية أو يابانية. لكن هذه الدعوى، غير المقرونة بنداء لأممية عالمية جديدة، تعني إبقاء اليساري العالم ثالثي في الجمود نظراً لعجزه عن التأثير في تلك الأمم البعيدة، خلافاً لمثقفي ويساريي العالم الأول.

هل يظل لليساري العالم ثالثي حلم الثورة؟ الثورة بلا غد والكل يعلم ذلك، يجيبه دولوز.

 

الثورة بلا غد.. الكل يعلم ذلك.

لا يؤمن دولوز بمستقبل الثورات، ويرى، في أبجد هوزه، أن "الاكتشاف" الذي يهتف به المؤرخون، من أن الثورات تأكل أحلامها وتنتهي إلى كوارث انما هو اكتشاف ساذج، لأن الكل كان يعلم ذلك. الثورة الفرنسية أنتجت نابوليون، والانجليزية كرومويل، والروسية ستالين. أما الثورة الأمريكية، التي يغفلها الكثيرون، والتي قامت على تخطي فكرة "الأمم" الأوربية والرهان على "الهجرة العالمية"، مثلما راهن ماركس على "البروليتاريا العالمية"، فقد انتهت أيضاً إلى إخفاق ذريع، وإلى رونالد ريجان، على ما يقول دولوز ضاحكاً.

الثورة ليس لها غد. لكن هذا شأن المؤرخين؛ الموضوع المهم ليس غد الثورة، بل صيرورة الثوريين. لن يمنع ترداد القول بأن الثورات تنتهي إلى الفشل الناس من التحول إلى ثوريين، مثل الجنوب افريقيين (آنذاك)، ومثل الفلسطينيين. هذه شعوب "مأخوذة"، بحسب دولوز، في صيرورة ثورية devenir-révolutionnaire. أما غد الثورة ومستقبلها فشأن نافل، لأن الأشخاص لن يكونوا عينهم، ولا الأوضاع، ثم إن صيرورات ثورية أخرى قد تندلع.

المهم هو فهم كيف ومتى يؤخذ أناس في صيرورة ثورية، وماذا يعني ذلك. ربيع 1986 الفرنسي كان، في نظر دولوز، صيرورة ثورية دون مستقبل للثورة. وسيظل الناس يصيرون ثوريين في حالات القمع والطغيان، ولا راد لذلك. باسم ماذا وكيف؟


حقوق الإنسان صفر: اليسار إنشاء للاجتهاد القانوني

يسخر دولوز سخرية مريرة وجارحة من "البلهاء" الذين يكتفون بترداد حقوق الإنسان وتلاوتها. ويعتبر أن الأمر عائد إلى رخاوة الفكر في حقبة فقيرة. ذلك أن "حقوق الإنسان" في نظر دولوز شديدة التجريد، وعاء خاوٍ، فضلاً عن كونها تُتلى من جانب المفكرين، دون مشاركة من يعنيهم الأمر فعلاً.

حسناً، لا يجوز للأتراك ذبح الأرمن، يقول دولوز. قد نقول معه، حسناً لا يجوز للعساكر المصريين قتل اللاجئين السودانيين. لا يجوز لإسرائيل انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني وقتله وإذلاله. لا يجوز لهذه الدولة أو تلك قمع حرية الرأي أو منع حرية المعتقد، وذلك باسم حقوق الإنسان. وماذا بعد؟ بالطبع لا يجوز لهم ذلك، لكن تلاوة حقوق الإنسان لا تحل المشكلة. ذلك أن هنالك مشكلة وراء هذه الانتهاكات. مسألة أراضٍ وتعايش، هجرات شرعية أو غير شرعية، عنصرية، تسلط.. الخ. هذه "الأوضاع" لا تُحل بمبدأ عام، بل بإنشاء اجتهادات قانونية، حالة بحالة. العدالة غير موجودة، بحسب دولوز. الموجود هو اجتهادات قانونية، أي قرارات القضاء وترتيباته. السوابق القانونية التي ننشئها.

هكذا يحدد دولوز ربما التعريف الأصفى لليسار الفاعل. "النضال من أجل الاجتهاد القانونى lutter pour la jurisprudence. هذا ما يعنيه أن يكون المرء يسارياً: خلق القانون". غير أن خلق القانون، كما ذكرنا، لا يتم بالمبادئ والمثل العليا، بل بالتطبيقات القانونية والترتيبات المنشأة بناءً عليها، وكذلك بالعقود التي لفتت نظر دولوز، كما في المقدمة التي كتبها لكتاب مازوخ. في هذا المعنى، ليس ضرورياً لليسار أن يصدر القوانين كي "يخلق القانون". في الأصل، وفقا لدولوز، الحكومة اليسارية غير ممكنة.


لا حكومة يسارية ممكنة

لا ينبغي، بحسب أبجد هوز دولوز، أن ندهش لأن أي حكومة لن تكون يسارية. اليسار ليس قضية حكم. في أحسن الأحوال يمكن الوقوع على حكومة حساسة تجاه بعض الطلبات. لا أكثر.

قبل إيضاح هذه النقطة عبر ربط اليسار بالصيرورات ـ أقليةً، نحسب أن حديث دولوز وفوكو ينير بشكل آخر هذا التأكيد الدولوزي، الذي يكاد يمحو أمل اليساريين التقليديين.

في الواقع، لا يمكن لحكومة يسارية القيام بأكثر من دور إصلاحي. ذلك أن الثورة بلا مستقبل، أما اليمين فله الدولة أمس وحتى اليوم، كما أن له جسدها من الموظفين، على ما يرى دولوز في موضع آخر. إلا أن دولوز لا يتوانى عن اتهام الإصلاح بالنفاق، مرتكزاً على ما أوضحه فوكو من خزي الحديث في موضع امرئ آخر.

في الإصلاح، بحسب الحوار الدولوزي الفوكوي (أو الفوكالدي إذا ما شئنا تقليد صيغة النسبة الفرنسية)، تزعم مجموعة من "المصلحين" لنفسها صفة تمثيلية للآخرين، فتقوم من علٍ بإملاء ما تراه مناسباً، باسمهم ودون رأيهم. أما إذا كان المشروع "الإصلاحي" مطلوباً من هؤلاء المعنيين به فعلاً، كنزلاء السجون مثلاً، فإنه لا يكون إصلاحاً، بل فعلاً ثورياً، ذلك أن النظام، بسبب شموليته (وكل نظام يقوم بـ"تشميل" totaliser (أى الإدراج في كلّ شامل) أنماط قمعه من وجهة علاقتها به)، لا يتحمل أي مطلب يصدر عنهم. تنفيذ المطلب الأهون شأناً في السجون إنما يشكل بداية انهيار النظام.

غير أن الأمل الذي قد يبرق في عيني أحدنا، عند قراءة هذا الوصف لبلوغ النظام قمة الشدة وتالياً قمة الهشاشة، سرعان ما يبدده التساؤل: "باسم من تنطق؟ أي دور للمثقف؟". ("هل أنت من أهل القرصاية؟ هل أنت من باب التبانة؟ من نزلاء هذا المعتقل أو ذاك السجن؟ هل أنت امرأة؟ أقلية؟ شاذ؟ عصفور؟").

يرفض دولوز وفوكو أن يكون المثقف ناطقاً بلسان من لا لسان لهم، أو كاتباً يصوغ لهم نظرياتهم ومطالبهم. ويؤكد فوكو أن جماعة الناس تعرف جيداً مصالحها. إلا أنها محرومة من سلطة الكلام. لا ينبغي للمثقف إذن أن يكون "الوعي والفصاحة" بدلاً منهم. بل إن هذا الدور جزء من النظام نفسه. لذا كان على المثقف، بالنسبة إلى فوكو، أن يلعب دور "مقاومة أشكال السلطة"، حيث هو لها غرض وأداة في الوقت عينه، أي على صعيد "المعرفة" و"الحقيقة" و"الوعي" و"الخطاب".

أما دولوز فيوضح هذا الدور أكثر عبر متابعة انغماس المثقف في عمله النظري إلى الحد الأقصى. في الحد الأقصى لأي نظرية ستصطدم بجدار، لا تنفع معه النظريات. يحتاج المرء حينها إلى موصل، إلى العمل، كي يوصله من نقطة نظرية إلى أخرى. وبالمثل، يحتاج العمل، في حده الأقصى، إلى موصل نظري، يوصله إلى نقطة عملية أخرى. إلا أن نقاط الوصل هذه، كالنظريات والأعمال نفسها، موضعية دوماً، محلية، وجزئية. لا يشتق العمل تطبيقاً من النظرية وليس نتيجة لها، كما أنه ليس بالضرورة ما يوحي بها أو ما يخلق شكلاً مستقبلياً لها.


اليسار تجمع صيرورات أقليات

حسناً! لا مستقبل للثورة، ولا مضمون لحقوق الإنسان، ولا حكومة يسارية ممكنة، ولا موقع متقدم للمثقف الناطق بلسان الجماهير، ولا نظرية يسارية متماسكة وشاملة. ماذا يظل لليسار؟ ما هو الجانب التوكيدي في التعريف (بالإضافة إلى التشديد على الاجتهاد القانوني وخلقه، وعلى العمل الموضعي وإدراك أن الظلم والتفاوت لا يمكن أن يستمرا)؟

لا حكومة يسارية ممكنة، بالنسبة إلى دولوز، لأن الحكم يعود، في الأنظمة الديمقراطية طبعاً، للأغلبية، التي يحوزها دائماً الحزب أو الطرف الأقدر على التماهي مع صورة المقياس الطاغي étalon majoritaire؛ هذا المقياس، الذي يصفه دولوز بالفارغ، هو في أوربا الرجل الذكر البالغ الأبيض المديني. قد يكون في مصر مثلاً الرجل الذكر البالغ المسلم المديني أيضاً، الفقير إلى اللـه وإلى الناس... أو قد يكون في لبنان الرجل الذكر البالغ الطائفي ذو الهجرات... الخ.

أما اليسار، وفقا لتحديد دولوز له، فهو تجمع صيرورات أقليات. الصيرورة امرأةً، الصيرورة طفلاً، الصيرورة حيواناً، الصيرورة شواذاً أو موسيقى أو سوى ذلك. الصيرورة الوحيدة الممتنعة، في نظره، هي الصيرورة رجلاً، لأن الرجل هو المقياس الطاغي، الأكثري، فلا صيرورة له، إلا أن يصير شيئاً آخر. يضيف هذا المفهوم شرحاً جزئياً بالطبع لبعض الظواهر الغريبة، كسرعة انهيار التجربة اليسارية في مصر بمجرد أن تماهت مع مقياسها الطاغي، أو سهولة ابتلاع الحركة الطائفية لما عُرِف في لبنان بالحركة الوطنية، أي اليسار، برغم امتداداته الواسعة بحسابات لبنان، وذلك بعد أن بدأ بعض أفراده بالتنظير للطبقة ـ الطائفة، أول الحرب الأهلية.

بإمكان الرجل، الفرد، أن يكون مأخوذاً بدوره في صيرورات أقلية، كأن يمتلك صيرورة امرأة، أو صيرورة طفل. لكن دولوز، في مواضع أخرى كثيرة، يشرط الصيرورة بما يمكن ترجمته بصعوبة "المفارقة المزدوجة للتأريض" double déterritorialisation، أي انتزاع طرفي الصيرورة من أرضيهما على التوالي. "ليست الصيرورات ظواهر محاكاة، ولا هضم، بل هي (ظواهر) قنص مزدوج، ونمو غير متواز، وأعراس بين عالمين مختلفين"، على ما يقول في محاوراته المكتوبة مع بارنيه (الترجمة لكاظم جهاد). أو كما يشرح، بشأن المؤلف الموسيقى الألمانى موتسارت، فإن الصيرورة عصفوراً مشروطة بصيرورة العصفور موسيقى أيضاً، أو خطاً نقياً في الأفق.

أي أن صيرورة الرجل، أو المرأة، أو الطفل، امرأة أو طفلاً أو عصفوراً أو سوى ذلك، مرتبطة أيضاً بنمو غير متوازٍ لطرف الصيرورة الآخر. عبر هذا الاشتراط يطرح دولوز علينا دوماً تحدي تحويل الطرف الآخر إلى إشكالية، وعدم تبني القضايا جاهزة.

الصيرورة أقلية، بهائياً كان أو امرأة أو زنجياً، تعني وتفترض وتشترط، في الوقت عينه تحول هؤلاء إلى أمر آخر، في نمو يشدد دولوز على كونه مسارّة ومصاحبة، لكنه دون توازٍ. أصير بهائياً حين يصير البهائي لا-طائفةً (على ما قد يأمل البعض في تطور أحكام القضاء المصري، رائعة العبثية). أصير امرأة حين تصير المرأة مشكلة غير معروفة من قبل، لا حين تعود إلى فخ السؤال عن الجسد. الخروج من الأسئلة المسبقة، برأي دولوز، لا يتم سوى عبر صياغة أسئلة أخرى وإشكاليات أخرى. أصير طفلاً مصرياً أو عربياً حين الأطفال لا يولدون أطفالاً، بل يصيرون بدورهم مشاريع حيوانات وأحلام، وحين الانتماء الوطني أو القومي بدوره يصبح أمراً آخر، ليس معطى الآن، بل هو صيرورة لا هوية. (ما يسعى دولوز بشكل دائم إلى التقاطه هو طاقات وقوى تعبر المرء، وليس المرء سوى تقاطعاتها، لكن التقاطها معزولة عن مصدرها المعتاد، التقاطها في الصفاء. كقوة السُكر (أو الثمل) بالماء النقي، وطاقة الفصام دون تحول المرء إلى رمّة... الخ).  

في كل ذلك، ينعكس عمل دولوز وغواتاري ضد التحليل النفسي. ذلك أن النفس في رأيهما مصنع، لا مسرح، حيث الإنتاج المتواصل يحل محل تكرار لعب هاملت وأوديب. ولا ينفصل ذلك ولو لثانية عن السياسة، لكون الصيرورة أيضاً تركُّبَ واستثمار رغباتٍ منتَجة، كالسلطة.


السلطة رغبة، لا مصالح

يتساءل فوكو ودولوز عن السبب الذي يحدو بكتل بشرية إلى السير عكس مصالحها، في ركاب السلطة. ويصر دولوز على الاستماع إلى ما كتبه رايش، فقد رغبت جماهير واسعة، عكس مصالحها، في أن تقودها الفاشية (ماذا عن رغبات جماهيرنا العارمة؟ أن يقودها الشهداء والمنتحرون؟).  وإذ يخلص فوكو إلى سريان السلطة في ثنايا المجتمع كله وتضاعيفه، منتقداً الاختزال الذي يمارسه مفهوم الطبقة الحاكمة، فإنه يستند تحديداً إلى دولوز في الحديث عن استثمارات الرغبة في السلطة. ويصر الاثنان على غموض مفهوم السلطة، ما لم تُدرَج فيه استثمارات الرغبة هذه.

في المقابل، فإن مفهوم الاستغلال كان، بفضل الماركسية خصوصاً، قد بات أوضح. إلا أن محاربة الاستغلال تعني أن تحدد البروليتاريا الأهداف والوسائل. أما مكافحة السلطة فتعني أن بإمكان كل فرد، من موضعه، النضال ضدها. تلتقي كل النضالات عند وحدة السلطة، إلا أنها تظل، وينبغي لها أن تظل، بحسب دولوز، موضعية ومحلية ومتفرقة. وهي ستلتقي، بحسب فوكو، بنضال البروليتاريا، بما أن قمع النظام يحمي الاستغلال نفسه.

ذاك أن السلطة وحدها هي التي تقوم بجهد هذا "التشميل"، وتسعى إلى ضم المتفرق والسائل والمنتشر إلى إطار الهرمية والمركزية. لذا لا ينبغي "تشميل" النضال، لأن "التشميل" لا يكون سوى من وجهة السلطة. بدل ذلك، ينبغي البحث عن إقامة شبكات أفقية، ونقاط التقاء. هل هناك دليل على ذلك أبلغ مما جرى في القرصاية (الجزيرة الواقعة فى النيل التى أرادت الدولة مصادرتها وبيعها للمستثمرين)؟ حيث ظهر التقاء شبكات فنية وثقافية بكفاح أهلها أنفسهم الذي التقى آخر الأمر بما يجري في مصلحة الضرائب العقارية... مثل هذه الشبكات، على حد علمي، غائبة تماماً في لبنان.

أخيراً، يمكن للمرء أن يقاوم من موضعه، وان يصير في مكانه أقلية، غير أن ذلك يعني أيضاً صيرورة الأقلية نفسها شيئاً آخر. لا قضية معطاة، بل إشكاليات نخلقها. لا مبادئ متسامية، بل حلول ملموسة لأوضاع مشكلة. لا جبهة موحدة، بل شبكات ونقاط لتلاقي ردود موضعية على السلطة، واستثمارات رغبة في سواها. مثلما ينادي فوكو، متكئاً على دولوز نفسه: لا ترغبوا في السلطة.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.