هل الدين بطبيعته دين فحسب؟

الدين الحقيقي، الدين المحض، طبع الدين
ياسين الحاج صالح


ثمة افتراض شائع بقدر ما هو غير مفحوص بأن الدين دين، حيز خاص، متماثل مع ذاته دوما، لخبرة إنسانية نوعية، تتصل بما وراء الحس أو عالم الغيب، وأن التاريخ هو ما يجعل منه أكثر من دين، دينا وأشياء أخرى: "دنيا" أو "دولة" أو سياسة أو أعرافا اجتماعية.. ..

لا يولد الدين دينا فحسب، ثم يكسر التاريخ تطابقه مع نفسه، بما يوجب "إصلاحه" واستعادة التطابق؛ بل إن الدين المُصلَح، هذا الذي يفترض أنه يعيد تطابق الدين مع ذاته ويميزه عما هو غيره، هو تشكل تاريخي بدوره للدين، ما من سبب لدينا لافتراض أنه النهائي. إن ضبط دائرة خاصة للدين هو تطور مرتبط بالحداثة من حيث هي علمانية، أو باعتبار العلمانية وجها أساسيا فيها.

الدين الحقيقي، الدين المحض، طبع الدين

ياسين الحاج صالح


ليس السؤال في عنوان هذه المقالة مبررا منطقيا إلا إذا كانت كلمة "الدين" الأولى فيه مختلفة عن "دين" الثانية. وسنقول إنها مختلفة بالفعل. والسؤال بصيغة أكثر تحديدا: هل الأديان الإبراهيمية، المسيحية والإسلام بخاصة، هي "أديان فحسب"، تقتصر على الهداية والإيمان الشخصي بالله وتربية الضمير، وفقا للفهم العلماني المعاصر للدين؟ في سياق الإجابة على هذا السؤال الاستهلالي، ستحاول هذه المقالة اقتراح تمييزات مفهومية ربما تفيد في ضبط وتنظيم وعينا بتاريخية الديني.
ثمة افتراض شائع بقدر ما هو غير مفحوص بأن الدين دين، حيز خاص، متماثل مع ذاته دوما، لخبرة إنسانية نوعية، تتصل بما وراء الحس أو عالم الغيب، وأن التاريخ هو ما يجعل منه أكثر من دين، دينا وأشياء أخرى: "دنيا" أو "دولة" أو سياسة أو أعرافا اجتماعية.. هذا ما يقوله "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وهو أيضا شرط إمكان أطروحة عادل ضاهر عن "العلمانية الصلبة" في كتابه "الأسس الفلسفية للعلمانية"(1). وكنت، على تواضع مقدار اشتغالي بهذا الشأن، قد شاركت في هذا الافتراض الأساسي في غير مقالة، بالخصوص "تأملات في السلطة السياسية والسلطة الدينية ومعنى العلمانية في عالم الإسلام السني"(2). لكن يبدو لي اليوم أن هذا الطرح تبسيطي وغير تاريخي هو ذاته، وأن ما هو تاريخي ليس نشوء الدين فقط، ولا توسعه واشتماله على دوائر "غير دينية" فقط، ولا ضبط دائرة الدين واستقلالها عن غيرها فقط، وإنما كذلك مفهوم الدين ذاته. بعبارة أخرى، لا يولد الدين دينا فحسب، ثم يكسر التاريخ تطابقه مع نفسه، بما يوجب "إصلاحه" واستعادة التطابق؛ بل إن الدين المُصلَح، هذا الذي يفترض أنه يعيد تطابق الدين مع ذاته ويميزه عما هو غيره، هو تشكل تاريخي بدوره للدين، ما من سبب لدينا لافتراض أنه النهائي. إن ضبط دائرة خاصة للدين هو تطور مرتبط بالحداثة من حيث هي علمانية، أو باعتبار العلمانية وجها أساسيا فيها.
لمفهوم الدين "نواة سيمانتية (أى دلالية أو خاصة بالمعنى اللغوي) أساسية" بتعبير عادل ضاهر، تحيل إلى علاقة الإنسان بالكون وما يتجاوزه، أي اللـه كإرادة منشئة، واعية، وعادلة. وتقرر الأديان الإبراهيمية أن اللـه يرسل إلى الناس رسلا لهدايتهم، وفي المسيحية والإسلام ثمة يوم آخر، يحاسب فيه الناس، فينجو البررة منهم ويهلك الجاحدون أو الكفرة. وهذه النواة لا تطابق الدين لحظة ولادته، ولا هي الدين في وعي المؤسسين الدينيين ذاتهم، كالمسيح والنبي محمد؛ إنها حصيلة جهد تحليلي نقوم به كدارسين مستقلين، أي "علمانيين".
يولد الدين دعوة اعتقاد نزاعة إلى الشمول والاستغراق، لا تفكر في ذاتها كحيز خاص مفصول عن غيره أو كجزء من حيز أوسع. وفي هذا ليست المسيحية مختلفة عن الإسلام. فهي ليست "مجرد دين"، تميز بين ما للـه وما لقيصر، ومن ثم تكون أقبلُ للعلمانية من الإسلام. فقد كان يحرك مسيحية المسيح ذاتها الطموح الحصري نفسه إلى احتكار تشكيل الإنسان، ومعلوم أن المسيح كان يريد لأتباعه أن يتركوا آباءهم وأمهاتهم ويتبعوه، وأنه ميز بين دائرتين لأنه تنبه إلى حيلة تهدف إلى الإيقاع به، أي لسبب "تاريخي" (سأستدرك على هذا الحكم فورا). حتى إذا تمكّنت المسيحية توسعت على حساب قيصر، فأخذت تنازع القياصرة المُلْك، وصار هؤلاء يتوسلونها من أجل حكم ممالك هذا العالم. هذا من التاريخ وليس من الدين؟ بلى، لكن بولس أيضا من التاريخ، والمجامع الكنسية التي قررت "العقيدة القويمة" وطردت مخالفيها من التاريخ، والانقسام إلى كنيستين غربية وشرقية، فضلا عن القبطية والإثيوبية.. من التاريخ، والبروتستانتية من التاريخ. فإذا حذفنا التاريخ، لا يبقى من الدين إلا ما نريد أو يزين لنا الهوى.

"طبع الدين" وتجربته المكونة
ثم إنه بخصوص مؤسسي الأديان لا يتميز التاريخي عن "الجوهري"، أي بين ما هو من "ذات" الدين وما يفترض أنه عارض تاريخي طارئ عليه. فلأنهم متصلون بالإلهي، المتعالي على التاريخ، فإن كل أفعالهم تبدو مشحونة به في أعين المؤمنين (فكيف إذا كان المؤسس هو اللـه ذاته، أو ابنه الفادي؟). وإنما على هذا النحو غدا تمييز المسيح بين ما للـه وما لقيصر، رغم ملابساته الظرفية التي تذكرها الأناجيل نفسها، من "جوهر" المسيحية لا من تاريخها.
ومن أجل بناء جسر تحليلي بين جوهر الدين وتاريخه قد يفيد استحضار مفهوم "التجربة المكوِّنة" للدين. ونفهم هذه التجربة كحصيلة لاندماج الشروط الاجتماعية والبيئية والتاريخية الحاضنة لميلاد الدعوة الدينية بهذه الدعوة ذاتها. اقتران الدعوة بالحرب وبناء "أمة" في الإسلام ينتمي إلى التجربة المكوِّنة وليس إلى "ذات" الدعوة. ورغم عسر هذا التمييز التحليلي، ورغم أن من سمات نشوء الدين تشرّب "ذات" الدعوة بالشروط الحاضنة لها، إلا أنه يبقى ضروريا نظريا وعمليا كما سنرى. والتجربة المكوِّنة هي التي صاغت طبع الإسلام، إن صح التعبير.
وطبع الدين ليس تعاليمه ودعوته (ما يفترض أنهما "ذاته" أو روحه العميقة)، بل هو عاداته ونزعاته المتأصلة التي نُقشت فيه منذ أيام طفولته. وإذ تُكتسب في الفجر الباكر للدين، فإن التجربة المكوِّنة ليست تاريخا يعادل تاريخ الإسلام مثلا في أي عصر من عصوره، ولا هي من "ذات" الدين أو "صورته الربانية"؛ إنها تكثفهما معا. هي تاريخ مكثف ودعوة دينية متأرِّخة. وهي مكوّنة، كما قلنا، لطبع الدين. ونقترح في هذا السياق أن الإصلاح الديني يعني تغيير طبع الدين أو إصلاح عاداته وتقاليده، وليس المساس بجوهره العقيدي، الذي يعني في حالة الإسلام الإيمان بإله واحد وبنبوة محمد (لا إله إلا اللـه، محمد رسول الله) وباليوم الآخر. والحال إن الطبع المنبثق من التجربة المكونة هو ما يستلهمه المناضلون الإسلاميون المعاصرون، جامعين مجددا بين الدعوة والتنظيم والحرب التي يفترض أنها التقت في "الزمن المقدس" أو الأصلي(3). وبفعل تجربة تكونها في فلسطين، بين يهود معادين وفي ظل الإمبراطورية الرومانية، سيغدو التمييز بين اللـه وقيصر جزءا من الديانة المسيحية، وهو جزء سيتعطل طوال قرون بعد قسطنطين، ولن يستعاد قبل أن تعاد هيكلة الإيمان المسيحي والمؤسسة المسيحية على يد الإصلاح الديني، ثم الدولة القومية العلمانية. إن في "طبع" المسيحية وتجربتها المكونة، وليس في تعاليمها النزاعة بداهة للحصر والاستئثار بتشكيل الإنسان، ما يسوغ العلمنة، فيما لا يسعف طبع الإسلام، ولا تعاليمه أيضا، في هذا الشأن.

".. وتطَبُّعَه"    
ولا ينبغي أن نستدل من الكلام على طبع الدين أن الدين ثابت، تكون مرة أولى ونهائية في الطور التأسيسي... فالواقع أن الدين منخرط في عملية تطبع مستمرة للتوافق مع حاجات المؤمنين وأوضاعهم التاريخية المتغيرة. لكن كما يغلب طبع المرء تطبعه عادة، كذلك يغلب طبع الدين تطبعه، أي تفاعله التاريخي. وكما أن فرص تطبع فردي جديد تحتاج إلى تجارب مكونة جديدة، محن قاسية بخاصة مثل سجن مديد أو صدمة عنيفة، تصنع ذاكرة جديدة وتقاليد جديدة، فإن طبع الإسلام سيبقى متغلبا على تطبعه طالما لم يمر بتجربة تكوُّن جديدة، تفصل الدعوة المفتوحة تاريخيا وإنسانيا عن التنظيم المخصوص المرتبط ببيئة وتاريخ محددين، وعن الحرب، أي عن ملابسات التجربة الأولى في الحجاز. ولم يكن الإصلاح الديني المسيحي غير تجربة إعادة تكوين، نعرف أنها كانت بالغة القسوة والوحشية، شهدت حروبا وصراعات عنيفة ودماء غزيرة(4). وحدود عملية التطبع محفورة في كونها عملية "مادية" إن صح التعبير، أعني عملية تكيف سلبية، تحاكي تكيف شخص مع ظروف حياته واستهلاكه لعمره، لكنها لا تطال طبعه المتأصل (التجربة المكونة)، دع عنك ذاته الروحية العميقة (التصميم الإلهي أو الصورة الربانية). وربما نلاحظ أن أقصى ما يفعله إسلاميو اليوم هو مراجعة تطبع الدين، دون طرح طبعه للتساؤل، ودون التفكير في علاقة الطبع هذا بجوهر الدعوة الدينية.

"الدين الحقيقي"
وإنما يدخل التاريخ بعدا مؤسسا لكل دين بتوسط مفهوم طبع الدين. أما "الدين الحقيقي" فلا يوجد في الواقع ولا في التاريخ، وإن كان "موجودا" تحليليا، وإن كان ضروريا كركيزة مفهومية لنقد تشكلات الدين التاريخية والحث على إصلاحه. وهو، أى "الدين الحقيقي"، لا يوجد إلا كمتخيل إيماني، كمشاركة عابرة للعصور في تجربة أصلية، إلا أنه لا يدرك ذاته كمتخيل بل كـ"علم" ويقين. أما افتراض أن "الدين الحقيقي"، هو أيضا الدين الذي يكون "دينا فحسب"، "دينا محضا"، أي الذي تفرزه العلمانية عن غيره، فلا يستند إلى أساس مقبول. اللهم إلا إذا افترضنا أن مسيحية ما بعد الإصلاح الديني والإصلاح المضاد هي تماما مسيحية المسيح أو "المسيحية الحقيقية"، وهي أيضا الصيغة النهائية للمسيحية. وهذا بالطبع غير مسوغ عقليا، ولو لأننا حيال مسيحيتين، كاثوليكية وبروتستانتية، على اختلاف عميق بينهما (بل مسيحيات متعددة في الواقع). وسنقول بعد قليل إن افتراض تطابق "الدين الحقيقي" و"الدين المحض" يستمد تبريره في مجتمعاتنا من اعتبارات عملية، تتعلق بنموذج المجتمع والدولة المرغوبين في العالم الإسلامي.
فضلا عن ذلك يختلف "الدين الحقيقي" عن الدين المردود إلى "نواته السيمانتية الأصلية" بدرجة لا تقل عن اختلافه عن "الدين المحض" أو "الدين فحسب". فالأول مثال إيماني، والثاني حصيلة تحليلية مجردة، والثالث مفهوم لصورة الدين على نحو ما يفترض أن ترتسم كنتاج للعلمنة كعملية تاريخية. ونعثر على "الدين الحقيقي" بالعودة إلى الوراء، إلى الأصل، عبر عملية تنقية يقوم بها مؤمنون، وحصيلتها إعادة بناء الدين حول ما يفترض أنه جوهره أو ذاته، كما براه اللـه. وتختلف ثلاثتها عن "طبع الدين"، المفهوم الذي يكثف ملابسات نشوء الدين التاريخية أو تفاعل تعاليمه مع شروطه بيئته الاجتماعية والطبيعية والتاريخية.

تاريخية الديني
الخلل المشترك في أطروحتي عبد الرازق وضاهر هو فصل مجرد ولا تاريخي بين الدين والتاريخ. يُفترض أن الإسلام تكون واكتمل بوفاة النبي محمد، أي أنه "الرسالة" (وبالتحديد، القرآن)(5)، وأن المسيحية هي تعاليم المسيح. هذا غير صحيح بحال، حتى وإن كان أقرب بالفعل إلى مقاصد الدعوة النبوية وتبشير المسيح. تكونت المسيحية خلال قرون من المعارك اللاهوتية وعبر تدخل أباطرة وأمراء، وتولت هذه المعارك والتدخلات و"المجامع" "صنع المسيحية"، بما في ذلك "صنع المسيح" نفسه: ولادته من عذراء، معجزاته، صلبه وقيامته.. وعند إمعان النظر يمضي المرء إلى حد التساؤل عما إذا كانت المسيحية قد كفت يوما عن التشكل وإعادة التشكل، أو التطبع. لا تشبه مسيحية اليوم مسيحية عصر محاكم التفتيش، ولا مسيحية القرون الوسطى، ولا مسيحية زمن قسطنطين، ولا تكاد أي منها تشبه مسيحية يسوع الذي "لم يكن مسيحيا". هذا دون أن ننسى المسيحية الأرثوذكسية في المشرق العربي واليونان وروسيا وغيرها. والمسيحية الغربية في زماننا هي حصيلة تحولات أكرهت عليها إكراها، بقوة الدولة القومية وفعل الحداثة والرأسمالية والعلمانية. وهي في كل صورها تشبه عصرها ربما أكثر مما تشبه أصلها المفترض. وليس لأن المسيح ميز بين ما للـه وما لقيصر تعم العلمانية بلدان الغرب، بل لأن الكنيسة أُجبرت على أن "تتذكر" اللـه، ولأن "القياصرة" المحدثين ضيقوا عليها فرص التدخل فيما قرروا أنه من شأنهم وحدهم. وسيكون التمييز المسيحي بين قيصر واللـه سندا بعديا لتسويغ تحول جرى اضطرارا(6).
وليس الإسلام اليوم نسخة طبق الأصل عن إسلام المدينة المنورة. تفصلنا عنه "الفتنة" التي مزقت المسلمين من باب السياسة بعد حرص واع جدا، عبر عنه الرسول ذاته وخلفاؤه الأولون، على التوحد وعدم تفريق دينهم شيعا(7). يفصلنا عنه "الفقه" الذي أعاد "اختراع" الإسلام وتشكيله، إلى حد أنه لم يعد مقبولا مقاربة الإسلام دون اهتمام بالفقه، بل إلى حد رد الإسلام إلى "الشريعة الإسلامية"(8). تفصلنا عنه دول وسلطنات استبدادية تشكل الدين بالتعايش معها وأناطت بنفسها واجب "حراسته"(9). وتفصلنا عنه اليوم حركات إسلامية تستعيد المثال الإسلامي الباكر، لكنها أقرب شيء إلى حركات تحرر وطني دينية، معنية بتحرير "الأمة"، مفهومة كجماعة دينية، وفق مثال مستلهم من طبع الدين(10). هذا فضلا عن تنوع صيغ الإسلام المعاصرة بين سني وشيعي...، وبين إخواني وسلفي جهادي، ورسمي وشعبي..
وليس لأن الإسلام لا يميز بين الديني والسياسي دولنا ليست علمانية. دولنا ليست علمانية فعلا، والإسلام المعاصر يناهض تمييز نصاب الدين عن نصاب السياسة لجملة شروط تاريخية مغايرة لتلك التي أثمرت العلمنة في الغرب. من هذه الاغتراب الاجتماعي والسياسي والحضاري لأكثريات اجتماعية كبيرة في بلادنا بفعل بقاء ديناميات الحداثة الاقتصادية والثقافية والسياسية برانية وغير مسيطر عليها. "الإسلام" يقوم هنا بدور وطن روحي، عالم من الرموز والعلامات المألوفة، لكتل سكانية كبيرة مغتربة وبلا وطن سياسي، ولا تملك مرجعية تماهٍ أخرى. ومن تلك الشروط انفلات الدولة خارج السيطرة الاجتماعية وعدم انضباطها بأي قانون وتفقيرها السياسي الشديد لرعاياها. هنا يشكل "الإسلام" رافعة تبقي السكان عند خط الفقر السياسي، فثمة "تجمع مستقل" لا يمكن لأية سلطات استبدادية في "دار الإسلام" تفريقه هو الصلاة في المسجد، و"رأي علني" لا يمكنها إخراسه هو قراءة "القرآن" (والتجمع المستقل والرأي العلني هما نقطتان يمتد بينهما خط الفقر السياسي) (11). ومنها بلا شك الصورة الفاحشة والمنتهكة للضمير للسيطرة الغربية، الأميركية الإسرائيلية بالخصوص، في منطقتنا، السيطرة التي يشتغل "الإسلام" "قاعدة" مقاومة لها. فكان أن أخذ الدين ينهض بوظائف متعددة منها "المقاومة"، ومنها "الأمة"، ومنها الحزب السياسي، ومنها "المشروع الحضاري"(12)، ومنها "الهوية"، ومنها مبدأ العدالة والأخلاقية العامة.. ما جعله فاقدا للشكل وبلا مفهوم أو صورة ذهنية تنظم إدراكه(13). فهو في كل الحالات يتشكل بالوظائف التي تقع على عاتقه، لا بأصل ثابت ينزلق عليه التاريخ على نحو ما تنزلق قطرات الماء على البلور.
وبالنتيجة تسببت حداثتنا غير المسيطر عليها وغير المستوعبة في تضخم الدين لا في ضبطه، وتاليا في تصعيب الإصلاح الديني لا في تسهيله. إذ سيكون إصلاح الدين شاقا حين يكون سياسة وثقافة واجتماعا وأخلاقية وقانونا..، أي مصدرا لكل "صلاح" يمكن الاعتراف به. وستقتضي عملية الإصلاح التقدم على مستوى نزع وظائف المقاومة والأمة والهوية والحزب والقانون منه، وتولي الدولة الحديثة والثقافة الحديثة والنخب السياسية الحديثة.. القيام بها، ما يعني أن إصلاح الدين جزء من عملية إصلاحية أوسع، تشمل إصلاح الدولة والسياسة والثقافة والنظام الاجتماعي، إصلاحا ينعكس نفعا ماديا وسياسيا وروحيا على الجمهور العام.
وهذه عملية اجتماعية وتاريخية، لا تنبثق تلقائيا من الدين. لكنها كذلك لا تستأذنه من أجل أن تقوم. لذلك لا معنى للقول إن إصلاح الإسلام ممكن أو غير ممكن، إن الإسلام يقبل أو لا يقبل العلمانية. فالإجابة في التاريخ وليست في الدين. والواقع أن الدين، الإسلام أو غيره، لا "يَقبَل" العلمانية بالفعل، ولا "يُقبِل" على الإصلاح إلا مضطرا. والاضطرار التاريخي هذا مصنوع من إكراهات معنوية ومادية وسياسية جديدة، تؤول إلى نزع سيادة الدين أو كبح مطامحه السيادية، وانتصاب سيادة جديدة، أوسع استيعابا وأشمل قيما. وإذ تعاد هيكلة الدين ويتم إصلاحه، أي تغيير طبعه وفتح صفحة لتطبع جديد، فإن المؤمنين هم من سوف يتطوعون إلى "تأصيل" هذه التحولات القسرية، وسيبدو الإسلام المصلح هو "الإسلام الحقيقي"، وقد يبدو عندها أن إسلام اليوم "جاهلية". ألا ترى أن العلمانية في الغرب تُنسب اليوم إلى المسيحية، رغم أن هذه تقبلتها مضطرة، ولا تزال تتحفظ على أوجه عديدة لها؟
ومجمل القول إن ما هو من الدين وما ليس من الدين مسألة تاريخية بالكامل، وهي في كل مرحلة تاريخية محصلة موازين قوى اجتماعية وثقافية، أي سياسية بالمعنى الأقوى للكلمة. وبالتالى يتعين أن تنكب الجهود الفكرية والسياسية على إعداد موازين قوى مواتية للعلمانية. وفي قلب هذه تطوير مقاربات تحليلية ورؤى اجتماعية متفوقة فكرية وأخلاقيا، بما يمكنها من مخاطبة قطاعات نشطة من الجمهور العام، متلهفة إلى رؤى فكرية "تقدمية" فعلا، وستزداد تلهفا بقدر ما يتأكد عجز الإسلاميين عن تلبية طلباتها. ولا نرى أنه يخدم قضية المساواة والتحرر العقلي والسياسي والعلمانية اختزال هذه إلى الردح ضد الإسلاميين أو تحريض السلطات عليهم. هذا مسلك عقيم، أسهم في توصيل العلمانية إلى طريق مسدود.
على أن الصفة التاريخية والسياسية لمساحة النصاب الديني لا تحكم فورا بانعدام فائدة الجهود الفكرية التي تحاول فرز "الدين" عن تشكلات تاريخية مفترضة له؛، لكنها تطالبها بوعي الشروط التاريخية لنجاعتها، ومن هذه الشروط تكوُّن القوى الاجتماعية والفكرية التي تتولى إنجاز الفرز أو الفصل. فالمسألة مرة أخرى تاريخية وليست منطقية، وعملية وليست نظرية.
وفي الأصل ليست أطروحة أن "الدين الحقيقي" هو "الدين المحض" خطأ نظريا بقدر ما هي حيلة عملية نبيلة، يريد القائلون بها جعل الدين حليفا لهم في كفاحهم من أجل مجتمع حديث وعلماني. هذا واضح في مقالة الصديق راتب شعبو "علمانية على هدي الرسول محمد"(14)، حيث يطابق بين الدين و"الرسالة"، ويشبه الإسلام بسفينة تبنى على سرير مصنوع من السياسة التي تعين على الرسول ممارستها كي تنجح دعوته (فشل "الحنفاء" لأنهم لم يفعلوا ذلك، حسب راتب)، حتى إذا اكتمل بناء السفينة ولجت البحر تاركة سريرها السياسي على البر. الصورة جميلة، لكن الفكرة التي تتحمس لها مسبقة الصنع. والسؤال الذي لا يوفر هذا الطرح إجابة عليه: لماذا تعجز أجيال المؤمنين عن تبين الصلة العارضة بين الدين والسياسية التي يراها بسهولة مثقفون علمانيون؟ أو كيف يحدث أن يرى مثقف عصري الطابع الجائز لهذه العلاقة بينما تخفى على الإسلاميين؟ ولا نتصور إجابة لهذين السؤالين لا تحيل إلى الصفة التاريخية الجوهرية للديني. والصورة التي نراها أنسب لتمثيل التاريخية هذه هي تلك التي تقرب الدين من صرح مقدس، لنقل مسجد، تصيبه عوامل البيئة بالتعرية، ويجري تدعيمه لمقاومتها، ويحصل أن يعاد بناؤه من مواد أمنع على فعل الزمن، وأن يُزيّن ويضاف إليه لتعزيز قداسته، ولا يلبث ما زال وما أضيف وما عُدّل فيه أن يغدو جزءا "أصيلا" منه(15).
على أن راتب محق في نقطة أساسية غالبا ما تنسى: إن الفاعلية البشرية علمانية بطبيعتها، بما فيها فاعلية النبي محمد، في ما عدا الوحي الذي هو، تعريفا، نافذة على الغيب. وما كان يحرك النبي فيما عدا ذلك هو دوافع السلوك البشري العادية. وهو ذاته كان واضحا في هذه النقطة حين قال إنه يأكل ويشرب ويأتي النساء..، وزاد إنه يرغب لملته أن تفعل فعله في هذا الشأن. لم يكن نبي الإسلام "إسلاميا" قطعا.

"اختراعات" الإسلام المتعددة
بيد أن المهم في سياقنا ليس منطق الفاعلية النبوية، كما قد تبدو لعين دارس عقلاني. المهم، بالأحرى، هو سيرورة امتلاك الدين وتقنينه ومأسسته التي تكاملت تدريجيا في القرنين الثاني والثالث الهجريين، والتي ستعيد تشكيل الإسلام النبوي ذاته وتدمج "السنة" "القولية" و"الفعلية" في الدين، الأمر الذي لا يبدو أن النبي قد "سنّه"(16). ومن هنا فقط ستكتسب طريقة أكله الطعام وإتيانه النساء.. وطول ثوبه ولحيته، قيمة دينية، وتمسي هديا يحتذى. وبنتيجة هذه السيرورة البانية للدين، سينسّب النبي محمد إلى الإسلام المعاد تشكيله وتعريفه، أي سيغدو "مسلما سنيا" مستوفيا شرائط الإسلام التي قننها الفقهاء.
وفي سياقنا هذا، المهم كذلك سيرورة تضخم الدين في العقود الأخيرة، ليمسي كما ذكرنا أمة وهوية ومقاومة ومشروعا حضاريا وحزبا سياسيا ونظاما حقوقيا، السيرورة التي تعيد بناء الإسلام في وصفه "عبادة وقيادة ودين ودولة وروحانية وعمل، لا ينفك واحدها عن الآخر" حسب الإمام حسن البنا(17)، أو "عقيدة وشريعة، ودينا ودولة، وعبادة وقيادة، وصلاة وجهادا" حسب الشيخ القرضاوي(18). والذروة التحكمية التي تجعل كل نقاش حول الإسلام، في علاقته بالدولة بخاصة، بلا محصول، هي تقرير القرضاوي نفسه أن الإسلام ليس دينا(19) أو هو أوسع من الدين. الشيخ هنا يقطع درب المفهومية بأن يفرد الإسلام عن غيره، بما يحرره من أية قاعدة عامة للفهم، من أجل أن يسوغ توسيع ولايته إلى جميع مجالات الحياة، وبما يجعل منه سلطة لا تنضبط بأي قانون إلا قانونها الذاتي كما قد يحدده الشيخ القرضاوي نفسه. وهذا هو معنى الحاكمية الإلهية.
إن دافع عبد الرازق وعادل ضاهر العملي هو في أغلب الظن ما دفع إلى تبسيط عملية العلمنة بافتراض أنها لا تعدو إعادة الأمور إلى نصاب أصلي لها. فإذا أقررنا بأن الدولة أو الخلافة من "خطط السياسة" لا من خطط الدين حسب عبد الرازق(20)، أو أن العلاقة بين الدين والسياسة "جائزة" وتاريخية وليست ضرورية، أي لا تنبع من ماهية دين الإسلام ذاته حسب عادل ضاهر(21)، نكون كسبنا الإسلام والمسلمين إلى جانب العلمانية والحداثة والديمقراطية و.. ضد الإسلاميين. أما إذا قلنا إن الدين تاريخي بمعنى صميمي، بمعنى أن أدياننا ثمرة تجارب مكوِّنة (تاريخ مكثف..) والتاريخ العادي، وليس فقط التاريخ المقدس والتأسيسي، وأن بشرا مثلنا، فقهاء و"علماء" ودعاة دينيين وسلاطين (وليس أنبياء فقط) أسهموا في صنعها، ثم اكتسب صنيعهم القداسة بفعل الزمن والعادات..، أقول: أما إذا قلنا ذلك فسيبدو الإصلاح الديني متعذرا، والعلمانية غير ممكنة، والحداثة مستحيلة.
والحال، إن العكس هو الصحيح. فلأن الدين متشكل تاريخيا، بل لأن تشكُّله عملية تاريخية مستمرة (وإن لم تكن متجانسة، وإن لم تكن الأزمنة متساوية في فاعليتها التشكيلية)، فإن الإصلاح الديني ممكن مبدئيا، وإن ضبط مجال الدين وتمييزه عن السياسة والمعرفة والأخلاق ممكن تاريخيٌ من جنس عملية توسعه وضمه مجالات معرفية وسياسية وأخلاقية تحت خيمته. ولأن بشرا مثلنا أسهموا في تشكيل الدين وفقا لهذه الصورة، فإن بشرا مثلنا أيضا يمكن أن يعملوا على تشكيله في صورة أخرى.
لكن كذلك لأن للدين طبع، ولأن الطبع هذا المتشكل أيام يفاع الدين يتصلب تحت طبقات تطبّع خلال مئات السنين، فإن إصلاحه، الممكن مبدئيا كما قلنا، عملية شاقة واقعيا. بل قد تكون عنيفة جدا، كما يبرهن مثال الإصلاح الديني المسيحي الذي نعرفه في القرن السادس عشر. ولعلنا "فيها" على أية حال. فمن الواضح أننا في قلب صراع متعدد الجبهات والوسائل، عسكري وسياسي وفكري، مع الإسلام وعليه وضده وفيه. ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن هذا الصراع المركب حول الإسلام هو "قضية العرب الأولى"، يشاركهم في ذلك على الأرجح الإيرانيون والباكستانيون على الأقل من بين المسلمين. ولقد سالت دماء غزيرة على جبهات الصراع العسكرية والأمنية، أكثرها داخل مجتمعاتنا وبين المسلمين أنفسهم، وبعضها في الصراعات مسلمين يعرِّفون أنفسهم كذلك مع غيرهم.
وقد كُتب كثير حول جوانب متعددة مما نفضل أن نسميها "المشكلة الإسلامية" في كل مكان من العالم. كتب غربيون وكتب عرب وكتب مسلمون وكتب إسلاميون. فمن خصوصيات المشكلة الإسلامية عالميتها، أعني تخطي الانشغال بها جمهور من يدينون بالإسلام إلى جمهور واسع في كل مكان من العالم. وأيا تكن صيغة انتهاء المشكلة الإسلامية التي قد تدوم جيلا آخر أو أكثر، فإن الإسلام لن يخرج منها كما كان، لكنها لن تنتهي دون الفصل بين الدين والعنف، ما يتضمن التخلي عن التطلعات السيادية للإسلامية المعاصرة.
ونحن نميل إلى اعتبار جملة التفاعلات المحتدمة حول الإسلام وفيه بمثابة حركة إصلاح ديني، لا يحتجب عنا طابعها هذا إلا وراء مفهومنا المعياري للإصلاح الديني، أعني فرض مفهوم لصلاح الدين مستمد من خارجه، من إيديولوجياتنا العصرية أو من الزاد الفكري للحداثة. هذا ليس إصلاحا دينيا، بل هو ما يغذي اعتقاد المتدينين الأكثر تشددا بانخراط الحداثيين والعلمانيين في مؤامرة ضد الإسلام، عبر نخره وتجويفه من الداخل، بعد أن تعذر عليهم طرده كلا وجميعا من الحياة العامة. أما اهتمام أمثالنا من المثقفين العلمانيين بالمشكلة الإسلامية فموجه نحو غرض مختلف عن الإصلاح الديني، غرض يتمثل في تحويلها إلى مسألة إسلامية، أي اقتراح أدوات نظرية ومنهجية تتيح إنارتها وتنظيمها وضبطها، نقلها من دائرة الشعور والانفعال والهوى إلى دائرة الوعي والتفكير المنظم. ولعلنا نساعد في الإصلاح ذاته عبر الدفاع عن/ والالتزام بقيم المساواة والحرية والجدارة الإنسانية المتكافئة، للإسلاميين كما لغيرهم. فبهذا ربما نشكل ضغطا أخلاقيا يلزم الإسلاميين بدرجة أعلى من الانضباط الأخلاقي.
ويتولد لديّ الاعتقاد بأن الإصلاح الديني الإسلامي هو مرحلة تاريخية، نحن فيها اليوم كما قلت، أكثر مما هو إخضاع الإسلام لمفهوم متسق للصلاح مستمد من خارجه، أو حتى منه هو. وقد يدافع الإصلاحيون الإسلاميون عن قيم وتوجهات تبدو محافظة من وجهة نظر الحداثة، لكنها تندرج في عمليات أو تجارب تاريخية للوصول إلى إسلام جديد يفوز بمطلبي الاستمرارية (ينكر جدته) والاستجابة للاضطرارات التاريخية المعاصرة. وقد يُرى يوما أن نظرية الحاكمية الإلهية، وهي الصيغة القياسية للتفكير السياسي الإسلامي، عنصر من عناصر (أو ربما مرحلة من مراحل) إصلاح ديني إسلامي، أي إعادة بناء مفهوم الإسلام بصورة تستجيب لتحدي الحداثة والدولة الأمة الحديثة. هذا لأن الحاكمية تبدو لنا أعلى مراحل "الإسلام السياسي"، الصيغة التي تمنح سلطة مطلقة للإسلام وتضعه في مقابل العالم (بما فيه مجتمعاتنا ذاتها) والحداثة(22). والإخفاق المحتوم الذي قد يأخذ أشكالا كارثية لهذا الطموح الطغياني قد يدفع نحو صيغة روحية من الحاكمية، أي الانضباط الشخصي الطوعي بما يفترض أنها عقيدة وشريعته وشعائره.
لذلك لا يطعن في تصورنا للحاكمية كعنصر أو مرحلة محتملين في حركة إصلاح ديني إسلامية أن الحاكمية نظرية لإسلام شمولي يشبه النظام الشيوعي والنظام البعثي، وأنه كان يتعذر التفكير بها لولا مفاهيم الدولة القومية الحديثة والدستور والسيادة الشعبية والمواطنة. لكن لا يطعن فيها أيضا قول الشيخ القرضاوي إن الحاكمية أصل قديم من أصول الإسلام(23). فكل إصلاح أو تجديد يعمل على "اختراع التقاليد" التي يمنحه الاندراج فيها شرعية أكبر، و"يقيم لنفسه استمرارية مع ماض تاريخي يوافقه"(24). ولعل وظيفة مفهوم "التأصيل" الشائع في أوساطنا التمويه على اختراع الأصول، ومنح مظهر استمرارية لما هي في الواقع استجابات لا مفر منها لشروط راهنة.
وليس عمل عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" بعيدا عن إرادة "اختراع تقليد"، سيوصف فيما بعد بأنه "علماني"، ولا من جهة أخرى عن شروط تاريخية بالغة التحديد. فالأزهري المصري الذي بدا أنه يعود إلى إسلام أصلي، إنما كان يقوم بإعداد نموذج للإسلام في سياق سياسي عملي كان منخرطا فيه شخصيا كفاعل نشط. وأطروحته لا تنفصل عن السياق ذاك وتوزع الأدوار والمواقع فيه، بما في ذلك إلغاء كمال أتاتورك للخلافة، وتطلع الملك فؤاد الأول إلى توليها ومعارضة حزب الأحرار الدستوريين الذي كان ينتمي إليه عبد الرازق لهذا التطلع. بهذا المعنى فإن فكرة أن الخلافة من خطط السياسة لا من أصل الدين هي نظرية عملية، إن صح التعبير، نظرية لا تقول شيئا عن الماضي إلا كي تؤسس لشيء في الراهن والمستقبل، أو هي تعيد بناء الماضي، بل "اختراعه" بلغة هوبسباوم، بمقتضى حاجات مستقبل وشيك وفي حقل صراعات فعلية لبناء هذا المستقبل. ومن وراء تقريره أن الإسلام لا يقتضي تنظيما بعينه للدولة والسياسة، ربما كان عبد الرازق يريد القول إنه يمكن بناء النظام السياسي الذي نريد دون أن يعني ذلك أي خروج على "الإسلام"، الذي كان، ولا يزال، أساسا لشرعية لا منافس له في مجتمعاتنا. ولأنه كذلك فهو ميدان لما سماه رضوان السيد "الصراع على الإسلام"(25)، صراع يتسع لاختراع أكثر من تقليد إسلامي "أصيل"، كما يثبت مثالا عبد الرازق والقرضاوي(26).
ويبدو لنا أن "الدين المحض" هو نتاج للعلمانية كعملية ذهنية وتاريخية، لا يوجد إلا لأنها توجده. فليست العلمانية هي المحصلة البديهية لكون الدين في حقيقته دينا محضا، تطرأ عليه السياسة أو يضطر إليها؛ بالعكس، إن الدين لا يكون دينا محضا إلا نتيجة ممارسة سياسية وفكرية تفرزه عن غيره، لتحدد ما سيعتبر ليس هو وليس منه. هذه الممارسة هي ما نسميها العلمانية. إننا لا نعود إلى الأصل فنكتشف العلمانية، بل إن الموقف العلماني هو ما يدفعنا إلى "اختراع" الأصل، أو في الواقع إعادة بنائه. ومن ثم فإن عادل ضاهر يصادر على المطلوب حين يؤسس تصوره للعلمانية على افتراض إسلام ماهوي أو مفهومي، مستقل من جراء ماهيته بالذات عن السياسة. وهو لم يستطع تقرير تاريخية علاقة الدين بالسياسة إلا بنفي تاريخية الدين ذاته، وإيجاب ماهية مفترضة له، تشترك فيها الأديان جميعا(27).

من أجل مفهوم علماني للدين
الغرض أن نقول إن تاريخية الدين هي حليف مبدئي للإصلاح الديني والعلمانية، منظورا إليهما كعمليات تاريخية صراعية لا كإيديولوجيات، وليس العكس. وهي التي تفتح الباب على طرح عملي للمشكلة، بدل الطرح الإقناعي السائد، الذي ينافس الإسلاميين على الإسلام. منطق الإيديولوجية، وهو لا تاريخي بالضرورة، هو ما يشوش الأمر، ويتصور أن الدين يتطوع من تلقاء ذاته لإصلاح ذاته، أو ينفصل طوعا وبصورة حُبّية عن الدولة والمعرفة والأخلاق، وإلا فهو مقاوم للإصلاح والعلمانية والحداثة والحرية، وسيتمثل واجب العلمانيين والحداثيين إذن في تسفيهه و"تكفيره". هذا موقف ديني مقلوب، لا أكثر ولا أقل.
والغرض الجوهري لهذا المقال ككل هو علمنة مفهوم الدين كشرط لعلمنة موقع ودور الدين في الحياة العامة، إذ لا نرى كيف تكون العلمانية ممكنة بمفهوم لا تاريخي وديني، هو ذاته، للدين.
والخلاصة، إن التاريخ هو مصدر التناقض المنطقي، أي عدم تطابق الدين والدين، أو انتهاك مبدأ الهوية الذي أباح لنا أن نطرح سؤال العنوان: هل الدين دين فحسب؟ الدين، خلافا لما يظن الإسلاميون، وخلافا لما يفضل أن يظن أعداؤهم الأشد تزمتا، متعدد التكافؤ تاريخيا. لا يستمر في التاريخ لولا استعداده للتفاعل مع أوضاع متنوعة، بل متناقضة. هذا يصح على المسيحية وعلى الإسلام. وهو في الواقع ليس فضيلة ذاتية للأديان بقدر ما هو فضيلة للمؤمنين: يأخذون إيمانهم معهم إلى حيث يضطرهم التاريخ إلى الترحل من عالم إلى عالم(28). ينقذون بذلك أديانا قلما يبدي الناطقون باسمها كبير حرص على إنقاذهم.
وتنفتح مسألة العلمنة، من ثم، على وضع ووزن القوى التاريخية التي قد تحقق انفصالا مؤسسا لاجتماع جديد وشرعية جديدة، تتميز فيهما منازل الدين والسياسة عن بعضها.

ـــ
(1) الأسس الفلسفية للعلمانية، الطبعة الأولى، دار الساقي، بيروت، 1993. والعلمانية الصلبة في تعريف ضاهر هي إقامة الفصل بين الدين والدولة على أسس إبستمولوجية ومفهومية ضرورية، لا على اعتبارات تاريخية واجتماعية عملية، ص 74.
(2) نشرت في مجلة "الديمقراطية" المصرية في ربيع 2007،
http://democracy.ahram.org.eg/archive/Index.asp?CurFN=file2.htm&DID=9173 .
(3) من أجل مفهوم "الزمن المقدس"، بالتقابل مع "الزمن الدنيوي" أو العادي أو التاريخي، انظر كتاب ميرسيا إلياد، "أسطورة العود الأبدي"، ترجمة حسيب كاسوحة، الطبعة الأولى، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1990. ص 63- 98.
(4) حول القسوة الوحشية لزمن الإصلاح الديني المسيحي، يراجع الكتاب المهم جدا الذي صدر مؤخرا لجورج قرم: المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين، ترجمة خليل أحمد خليل، الطبعة الأولى، دار الفارابي، بيروت، 2007. ص 163-220. يرى قرم أن عنف الحروب الدينية هو النموذج الأولى لعنف التوتاليتاريات الحديثة، منتقدا من يعيد العنف الأخير إلى الثورة الفرنسية وفكر التنوير.
(5) السمة المشتركة لكل "المصلحين الدينيين" الإسلاميين هي رد الإسلام إلى الرسالة والقرآن، والتحفظ على "الحديث" أو رفضه بتاتا. يسعنا القول إن جميع الإصلاحيين الإسلاميين المعاصرين "قرآنيون" حتى لو لم يصفوا أنفسهم كذلك. بالمقابل تتميز الإسلامية المعاصرة في تجسداتها الإخوانية والسلفية الجهادية بالتركيز على الشريعة، وتاليا بمنح الحديث والسنة مرتبة توازي مرتبة القرآن بل تفوقه. ونأمل أن يتسنى لنا يوما تقصى هذا الحكم وتدقيقه وتأسيسه.
(6) قارن مع محمد أركون العلمنة والدين: الإسلام، المسحية، الغرب؛ ترجمة هاشم صالح، الطبعة الثالثة، دار الساقي، بيروت، 1996. ص 83.
(7) على أننا نرجح أن حديث الفرق وانقسام المسلمين إلى 73 فرقة.. موضوع بغرض إدراج الانقسام الإسلامي في مخطط كوني أصلي، ومن ثم مساعدة الضمير الإسلامي المفجوع بالانقسامات والحروب على تحمله والتعايش معه.
(8) مقتبسا من الدكتور محمد شحرور دون أن يسميه، يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "فمنهم من يقرأ القرآن قراءة جديدة معاصرة، تلغي قراءة الأمة طوال أربعة عشر قرنا، فهو يلغي تراثها كله، ويلقيه في سلة المهملات، ويبدأ من الصفر، لا يعتمد على حديث مرفوع، ولا على أثر موقوف على صحابي، ولا على قول صحيح عن تابعي، ولا على رأي إمام في اللغة أو إمام في الفقه أو إمام في التفسير". كتابه: ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، الطبعة الأولى، دار الشروق، القاهرة، 2000. وواضح أن الشيخ الفقيه يميل إلى توسيع مجال الإسلام ليضم "تراث الأمة كله"، أي طبع الإسلام وتطبعه. لكن كيف سنتحرك وعلى كواهلنا تكدس هذا الحمل المختلط كله؟ وشحرور إصلاحي و"قرآني"، ويرفض "الحديث" بطريقته الخاصة (صرح بذلك شخصيا في حوار أجراه معه موقع العربية نت في 27/1/2008: http://www.alarabiya.net/articles/2008/01/27/44810.html)، فيما القرضاوي أبرز ممثلي الشمولية الإسلامية المعاصرين.
(9) مفهوم حراسة الدين كوظيفة مناطة بالدولة في أدبيات الإسلاميين المعاصرين مأخوذ مباشرة من تنظير الماوردي لـ"إمارات الاستيلاء" في زمنه. حول موقع الدين في الدولة السلطانية انظر عز الدين بو علام: الآداب السلطانية، دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، الطبعة الأولى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2006؛ ص 112-116 و133-142 و 172-176. وهو موقع تابع وأداتي بلا جدال، يلبي وظيفة استقرار حكم السلطان.
(10) تبدو لنا "القاعدة" حركة تحرر في بلدان تقوم وطنيتها على الدين، ولم تعرف استعمارا وحركات تحرر وطني في تاريخها، كأفغانستان والسعودية. وهي أوفى للأسس الفكرية "للوطنية السعودية" القائمة على الإسلام (السني الحنبلي الوهابي) من الحكم السعودي.
(11) انظر مقالة لكاتب هذه السطور بعنوان: "في مفهوم خط الفقر السياسي"، الحياة، 5/12/2004. وكذلك مقالتي "الطائفية كحصيلة للفقر السياسي وكحدٍّ له"، الحياة، 27/1/2008.
(12) "المشروع الحضاري لسورية المستقبل" هو عنوان الوثيقة التي أصدرها الإخوان المسلمون السوريون في أواخر صيف 2004، قبل أن يبدلوا عنوانها إلى "المشروع السياسي..." ويصدروها في آخر العام نفسه.
(13) لا يسع الدين النهوض بهذه الوظائف في الواقع. فالمقاومة الدينية تواجه قطاعات من مجتمعاتنا بقدر أو أكثر مما تواجه أعداء محتملين، والهوية الدينية جزئية، والأمة الدينية طائفية، والمشروع الديني هو مشروع هندسة اجتماعية شمولي، والحزب الديني ليس حزبا مثل غيره يقف على قدم المساواة إلى جانب غيره.. ما يجعل الدين عامل تمزيق إضافي في مجتمعاتنا يعزز فعل الحداثة البرانية (أي غير المستوعبة نظريا وعمليا ومؤسسيا) ويندرج ضمن منطقها التفكيكي ذاته. ولعل الأصل التاريخي لكل ذلك هو أن الإسلام غدا جزءا من مجتمعاتنا، طائفة، ولم يعد "الأمة"، بينما لا يزال الفكر الإسلامي متثبتا عند تصور الأمة الإسلامية ومطالبا لـ"الإسلام"، أي للإسلاميين، بالسيادة. وهو عاجز اليوم عن التأسيس للمساواة والحرية والوحدة في مجتمعاتنا المعاصرة. والحال إن محنة اجتماعنا المعاصر أنه لم تتبلور فيه أمة جديدة وسيادة عليا استيعابية. هذا ما يجعل مجتمعاتنا "أبعاضا" لا تجمع ولا تجتمع، أنواع اجتماعية أو "أقليات".
(14) http://www.alawan.com/index.php?option=com_content&task=view&id=2256&Ite....
(15) كان مسجد الرسول في المدينة مبنيا من طين وجريد نخل، وأرضه من الحصباء، وكان يحصل أن يلعب فيه الأطفال، وفي مرة واحدة على الأقل تصرف إعرابي على سجيته فبال فيه. لا أعرف كيف هو اليوم، لكن لا شك أنه لا يشبه أصله المفترض بتاتا.
(16) هذا يعادل ما سبق ما أشرنا إليه في المتن من "صنع المسيحية" والمسيح ذاته. وهو نتاج صراعات سياسية وفكرية وحروب و"فتن"، أي حروب دينية، وانقسامات في "الأمة" وتكون مذاهب ومدارس فكرية... ولعل طبع الإسلام كما نعرفه يدين لهذا ا"لإصلاح" الباكر، الذي سيتنافس القائمون عليه في إعادة بناء الحقبة التأسيسية. إذا صح ذلك، وهو ما يحتاج إلى مزيد من التقصي، فإن "التجربة المكونة" للإسلام تلت التكون المفترض للإسلام بنحو قرن وامتدت أزيد من قرن آخر. و"طبع الدين"، تاليا، يكون نتاج هذه التجربة المعاد بنائها بعد زمنها المفترض.
(17) وارد عند عادل ضاهر، سبق ذكره، ص 10.
(18) د. يوسف القرضاوي: من فقه الدولة في الإسلام، الطبعة الرابعة، دار الشروق، القاهرة، 2005، ص 9.
(19) يقول: ".. وعلة ذلك أن هناك خلطا كبيرا بين ما هو إسلامي وما هو ديني، فكثيرون يحسبون أن كل ما هو إسلامي يكون دينيا. والواقع أن الإسلام أوسع وأكبر من كلمة دين. حتى أن علماء الأصول المسلمين جعلوا "الدين" إحدى الضروريات الخمس أو الست التي جاءت الشريعة لحفظها. وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وزاد بعضهم: العرض". المصدر نفسه، ص 58.
(20) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام. إعادة طبع في دار التكوين، دمشق، 2005، ص 121.
(21) ضاهر، سبق ذكره، الفصلان الأولان من الكتاب، ص 9- 75.
(22) من أجل تناول أوسع حول مسألة الحاكمية الإلهية، تراجع مساهمة كاتب هذه السطور في ملف لجريدة "الأحداث المغربية" في هذا الشأن، وقد نشرت يومي 14 و15 أغسطس 2008.
(23) "وبعض الناس يعتبرون كأن مبدأ الحاكمية مبدأ غير إسلامي وزعم بعضهم أن الذي اخترع مبدأ الحاكمية هو الإمام المودودي والشهيد سيد قطب رحمهما اللـه والواقع غير ذلك، الحاكمية مبدأ إسلامي مبدأ أصولي، الأصوليون جميعا يقرون أن الحاكمية للـه عز وجل. فيه في علم الأصول أشياء بيسموها مقدمات الأصول لأن الأصول بيتكلم عن الحكم، الحكم الحاكم والمحكوم به والمحكوم له والمحكوم عليه وكذا ولم يتكلموا عن الحاكم من هو الحاكم؟ الإمام الغزالي حينما تحدث في كتابه الشهير الأصولي المستصفى في علم الأصول قال الحاكم هو اللـه الذي يحكم {إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ}..(..) فهو الحاكم، الحاكم من ناحية الكون هو الذي يتصرف في الكون ومن ناحية الأمر والنهي والتشريع فهو حكم كوني وحكم أمري {أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ} فالله هو الحاكم وهو من حقه وحده أن يحرم ويحلل ويأمر وينهى ويكلف ويعفي هذا من شأن اللـه". من برنامج "الشريعة والحياة" على قناة "الجزيرة" في 24/10/2007.
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/1F5A3441-5AD8-4588-A195-EE7D0247C1F6.htm
وبما هو سلطة دينية حائزة على "رأسمال رمزي" كبير، فإن كلام الشيخ القرضاوي يمسي جزءا من الدين في عين مؤيديه. وهكذا نرى مثالا عيانيا على تشكل الدين، أو "تطبعه".
(24) "اختراع التقاليد" عنوان مقالة شهيرة لإريك هوبسباوم، المؤرخ الماركسي البريطاني. ويربط هوبسباوم بين الإكثار من اختراع التقاليد الجديدة وبين "الفراغ الذي خلقه الانحطاط العلماني لكل من التقليد القديم والعادة". ويبدو الأمر سهل الانطباق على تأصيلات الإسلاميين ومنها حاكمية الشيخ القرضاوي الخالدة. ويفترض أن يصدر قريبا عن وزارة الثقافة السورية كتاب من تحرير هوبسباوم نفسه بعنوان "اختراع التقاليد"، من ترجمة الحارث النبهان.
(25) رضوان السيد، الصراع على الإسلام، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، بيروت، 2004.
(26) وربما عبد الكريم سروش. يميز المؤلف الإيراني في كتابه "القبض والبسط في الشريعة" بين الدين، أي "كلام الباري وسنن الأولياء" كما يقول مرة (ص 31) و"مجموعة من الأركان والأصول والفروع المنزلة على النبي، إضافة إلى سير الأولياء وسننهم" كم يقول في موقع آخر (ص 30) وبين المعرفة الدينية، التي هي "فهم الناس المنهجي والمضبوط للشريعة" (ص 30). وبينما الشريعة "قدسية وكاملة وإلهية المصدر والمنشأ، لا يتسرب الخطأ والتناقض إلى داخلها، وهي ثابتة وخالدة، لا تستعين بالعقل ولا المعرفة البشريين" (ص 31)، فإن فهم الشريعة ليس ثابتا ولا بعيدا عن الخطأ والخلل، "ولا مستغنيا عن المعارف البشرية أو مستقلا عنها، ومنشأه ليس قدسيا ولا إلهيا، وهو ليس بمنأى عن تحريف المحرفين... وليس خالدا ولا أبديا" (ص 31). مقصد سروش أن يمنح حرية واسعة للتفكير الإنساني وينزع عنه القداسة، غير أن طرحه يثير مشكلتين. أولاهما افتراضه أن التمييز المفهومي بين الدين والمعرفة الدينية يطابق تمايزا واقعيا بينهما. ماذا بشأن الأحاديث الموضوعة؟ والتفاسير القرآنية والفقه والسيرة التي أضحت من "الدين" رغم أنها من مجال المعرفة الدينية؟ وسير الأئمة المعصومين من آل البيت وأقوالهم، وهي تعتبر من المتن العقيدي الشيعي؟ والمشكلة الثانية افتراض سروش أن المعرفة فعل سلبي وغير منشئ، وأن "موضوع" المعرفة يبقى مطابقا لذاته قبل المعرفة وبعدها. الدين متميز من المعرفة الدينية إن قبلنا ذلك فقط. أما إذا اعتبرنا المعرفة فعلا منشئا، وأن الموضوع "مخلوق معرفي"، فإن التمييز السروشي يفقد وضوحه. والقصد أن نقول إن الدين شيء غير موجود إلا داخل المعرفة الدينية. فقد "صنع" المحدثون والرواة والمتكلمون والفقهاء والمفسرون الإسلام. ولا سبيل لنا لمعرفة "الدين" إلا عن طريقهم. إن "الدين في ذاته" مستحيل المعرفة مثل "الشيء في ذاته" الكانطي. ولا يغدو التمييز السروشي ممكنا إلا بفعل قوة لا بفعل تأمل، والقوة هنا نظرية تأويل جديدة تسندها وتكفل سيادتها قوة مادية، أي هيمنة جديدة. نقلت كتاب سروش إلى العربية دلال عباس. وقد صدرت طبعته الأولى عن دار الجديد، بيروت، 2002.
(27) عادل ضاهر: الفصلين الأولين بصورة خاصة، ص 9- 75. وموقف ضاهر نقيض موقف الإسلاميين وطباقه. فهم يرون أن السياسة تنبع من ماهية الإسلام بالذات، وهو يؤسس مفهومه لـ"العلمانية الصلبة" على اعتبارات أبستمولوجية ومفهومية تقضي بأن ماهية الدين، ومنه الإسلام، لا سياسية. بالمقارنة، الموقف الذي ندافع عنه تاريخي، يرى أن العلاقة بين السياسية والدين، ارتباطا وانفصالا، تاريخية. فلا السياسة من ماهية الدين ولا ثمة ماهية دينية مبرأة من السياسة. وهذا ما يقودنا إلى الانحياز إلى ما يسميه ضاهر نفسه "العلمانية اللينة"، أي الفصل بين الدين والدولة المؤسس على اعتبارات عملية، تتصل بالمساواة والمواطنة والحرية الدينية. وتجدر الإشارة إلى أن منهج ضاهر في كتابه القيم استدلالي صوري، يستبعد التاريخ مبدئيا.
(28) افتقد سمير أمين في الإسلام المعاصر خاصية افترضها ملازمة للأديان، سماها مرونة الأديان أو تكيفها. لكن لو كان تفكير المفكر الماركسي المرموق أكثر مرونة وأقل معيارية وتمركزا حول الذات الإيديولوجية، لتبين أن نزوع الإسلام المعاصر، العالِم والحركي بخاصة، إلى التشدد هو تبدٍ لمبدأ المرونة في ظروف تتميز بانسداد آفاق تطور أكثرية المسلمين وانفلات شروط حياتهم من بين أيديهم، ما يدفعهم إلى الاعتصاب حول دينهم في جهد، مخفق حتما، للتماسك أمام الزعزعة التي تسببها الحداثة لمجتمعاتهم. فالمرونة هي تفاعل العقائد، دينية أو دنيوية، مع شروطها التاريخية، انفتاحا بانفتاح وانغلاقا بانغلاق. وما منع أمين من تبين مبدأ المرونة هذا في الإسلام المعاصر مفهومه الإيديولوجي للعصر ومفهومه المعياري للمرونة. على أنه لا حاجة إلى القول أن ملاحظة سمير أمين مبرأة تماما من أية نزعة جوهرانية. سمير أمين وبرهان غليون: حوار الدين والدولة، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 1996. ص 18 وص 103.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.