النموذج الاقتصادي للحركة الإسلامية في مصر

حازم قنديل


هل تقدم الحركة الإسلامية في مصر نموذجاً اقتصادياً محدد المعالم؟ وهل يصلح هذا النموذج كبديل واقعي يمكن أن تلتف حوله الشرائح الاجتماعية المضارة من الأوضاع الاقتصادية الراهنة؟ يزعم هذا المقال أن بعض مفكري أكبر منظمات الحركة الإسلامية المصرية، وهي جماعة الإخوان المسلمين، قد وضعوا أسس نموذج اقتصادي إسلامي، إلا أن الجماعة لم تنجح حتى وقتنا هذا في البناء على هذه الأسس لصياغة نموذج اقتصادي واضح.

 

حازم قنديل


هل تقدم الحركة الإسلامية في مصر نموذجاً اقتصادياً محدد المعالم؟ وهل يصلح هذا النموذج كبديل واقعي يمكن أن تلتف حوله الشرائح الاجتماعية المضارة من الأوضاع الاقتصادية الراهنة؟ يزعم هذا المقال أن بعض مفكري أكبر منظمات الحركة الإسلامية المصرية، وهي جماعة الإخوان المسلمين، قد وضعوا أسس نموذج اقتصادي إسلامي، إلا أن الجماعة لم تنجح حتى وقتنا هذا في البناء على هذه الأسس لصياغة نموذج اقتصادي واضح.

ولكن قبل الاستطراد في هذه الأطروحة، يحسن التنبيه على النقاط التي لا يتعرض لها المقال، إما بسبب ضيق المساحة أو عدم الاختصاص. فلا يتناول هذا المقال موقف الدين الإسلامي من النظام الاقتصادي، وبالتالي فلن يجد القاريء أية إشارات لآيات قرآنية، أو أحاديث نبوية، أو آراء فقهية. ولا يبحث أيضاً في الأحكام الشرعية، مثل تحريم الربا، والسحت، والقمار، وبيع الخمور، وغيرها. كما لا تشمل السطور التالية عرضاً للنماذج الاقتصادية للحركات الإسلامية الممتدة بطول العالم الإسلامي وعرضه. هذا المقال يركز تحديداً على إسهامات بعض مفكري الإخوان، محاولاً ترتيبها بشكل متسق لتخريج أسس نموذج اقتصادي محتمل للجماعة، ثم يقيس مدى انعكاس هذه الأسس الفكرية على البرنامج الاقتصادي الذي صاغه الإخوان لحزبهم السياسي المزمع إنشاؤه. وأخيراً يحاول المقال تفسير أسباب عدم تقديم الجماعة لبديل اقتصادي قادر على إعادة رسم الحياة الاقتصادية في مصر اليوم.

* *

في رحلة البحث عن أهم الروافد الفكرية لجماعة الإخوان بشكل عام هناك أربعة أسماء تطرح نفسها بقوة، وهي الأستاذ حسن البنا، مؤسس الجماعة، والأستاذ سيد قطب، أبرز مفكريها في مرحلة ما بعد ثورة يوليو، والشيخان محمد الغزالي ويوسف القرضاوي، اللذان كتبا بغزارة في مجال إعادة بناء المجتمع الإسلامي. فإذا ما بدأنا بالأستاذ البنا ورسائله المنشورة في مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا (القاهرة: المكتبة التوفيقية، طبعة 1990)، نجد في البداية رفضاً للنظم الاقتصادية غير الإسلامية التي "نبتت في غير أرضنا لأوضاع غير أوضاعنا"، وتأكيداً على أن المسلمين لديهم "النظام الكامل الذي يؤدي إلى الإصلاح الشامل في توجيهات الإسلام الحنيف" (ص267). يعقب ذلك تقرير من الأستاذ البنا بحق الفقراء "في مال الدولة ومال الأغنياء" (ص270)، وهو ما يدعوه لاقتراح إعادة النظر في نظام الملكيات في مصر، بما يؤدي إلى تقليص الملكيات الكبيرة وتعويض أصحابها، وتوزيع تلك الملكيات المنزوعة على الفقراء "حتى يشعر الفقراء المعدمون بأنه قد أصبح لهم في هذا الوطن ما يعنيهم أمره". ويعتمد بالتوازي مع ذلك اقترح نظام "ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي – بحسب المال لا بحسب الربح" كآلية ثابتة لإعادة توزيع الثروة – وليس فقط الدخل – في المجتمع (ص277). كما نادى البنا بحزمة من التشريعات الاقتصادية التي تهدف لمحاربة كنز الأموال وحبسها عن التداول، والاحتكار الزراعي والصناعي والتجاري، والترف والنمط الاستهلاكي، وغيرها من الوسائل والمظاهر التي تزيد الأغنياء قوةً وبريقاً (ص270).

والواقع أن قضية التفاوت الطبقي كانت مسيطرة على الرسالة التي خصصها البنا للاقتصاد، حيث تشير مقدمة الرسالة إلى "أن التفاوت عظيم، والبون شاسع، والفرق كبير، بين الطبقات المختلفة في هذا الشعب، فثراء فاحش وفقر مدقع، والطبقة المتوسطة تكاد تكون معدومة، والذي نسميه نحن الطبقة المتوسطة ليس إلا من الفقراء المعوزين، وإن كنا نسميهم متوسطين". لذلك تجتهد الرسالة في تقديم اقتراحات تقضي على "الثراء الفاحش والفقر المدقع"، وتوفر "الضمان الاجتماعي لكل مواطن" من أموال الأغنياء (ص266-268).

أما فيما يتصل بالعلاقات بالسوق الخارجي، فقد ركز البنا على ضرورة استقلال النقد المصري واعتماده على رصيد ثابت من موارد الدولة، والاستفادة به في تمويل التنمية في مصر بدلاًً من استثماره في اقتصاديات الخارج عن طريق شراء أذون الخزانة وغيرها من السندات والأوراق المالية. كما دعم القيام "بتمصير الشركات، وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية"، وأكد على ضرورة بقاء المرافق العامة والأرض والماء والبناء والكهرباء والنقل الداخلي والخارجي في أيد أمينة تضمن توفرها لجميع المواطنين (ص273-275). وتحث الرسالة في الختام على الاهتمام الخاص بالتعاون العربي والإسلامي في المجال الاقتصادي، وذلك لتحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي، والتصدي لتحكم الغرب (ص280).

يتكرر التركيز على هذه القضايا، ولكن بإسهاب أكبر، في مؤلف الأستاذ سيد قطب المعنون العدالة الاجتماعية في الإسلام (القاهرة: مكتبة الشروق، الطبعة السادسة عشرة 2006). وبرغم أن قطب خط سطوره قبل أن ينضم بشكل رسمي لجماعة الإخوان، إلا أنه يعتبر من أبرز الأعمال التي تناولت النموذج الاقتصادي الإسلامي. والفكرة المهيمنة على الكتاب هي كيفية "تحقيق معنى العبودية للـه" عن طريق إخضاع "تداول المال لشرع اللـه" (ص87).

يبدأ الكاتب بالإشارة إلى أن هناك "قيماً أخرى غير القيم الاقتصادية البحتة، يحسب الإسلام حسابها، ويجعلها هي القيم الحقيقية، ويجعل منها وسيلة للتعادل في المجتمع حين تتفاوت الأرزاق المالية بين الناس". بمعني آخر، يؤكد قطب أن الإسلام لا يفرض "المساواة الحرفية في المال، لأن تحصيل المال تابع لاستعدادات ليست متساوية. فالعدل المطلق يقتضي أن تتفاوت الأرزاق" (ص29). وهذا في نظره هو الفارق الأكبر بين المنهج الإسلامي والمناهج الاشتراكية.

إلا أنه عند تناول الملكية الخاصة يقرر أن "الإسلام لا يدع حق الملكية الفردية مطلقاً بلا قيود ولا حدود – كالنظام الرأسمالي"، فهو وإن كان يقره من حيث المبدأ إلا أنه يحيطه بأربعة قيود "تجعله أداة لتحقيق مصلحة الجماعة" . فالإسلام أولاً يعتبر "أن الفرد أشبه شىء بالوكيل في هذا المال عن الجماعة، وأن حيازته له إنما هي وظيفة أكثر منها امتلاكاً، وأن المال في عمومه إنما هو أصلاً حق للجماعة، والجماعة مستخلفة فيه عن اللـه". ويضيف قطب هنا، أن هذه النظرة العامة وما تولده من "شعور الفرد بأنه مجرد موظف في هذا المال الذي في يده والذي هو أصله ملك الجماعة، يجعله يتقبل الفروض التي يضعها النظام على عاتقه، والقيود التي يحد بها تصرفاته، كما أن شعور الجماعة بحقها الأصيل في هذا المال، يجعلها أجرأ في فرض الفروض، وسن الحدود".

ثاني القيود على ملكية المال في الإسلام هو كراهية "أن يُحبس في أيدي فئة خاصة من الناس، يتداول بينهم ولا يجده الآخرون"، وهو ما يسوغ للقائمين على النظام الإسلامي حق "أن يؤخذ بعض المال من الأغنياء" ليعطى للفقراء، بالإضافة إلى ضرورة "تعديل الأوضاع" وإعادة توزيع الثروة في المجتمع بشكل دائم، "ذلك أن تضخم المال في جانب وانحساره في الجانب الآخر، مثار مفسدة عظيمة...وهذا ما وقع في النظام الرأسمالي". بمعني أوضح، يجب أن يسعى المجتمع الإسلامي لمحاربة "أن يكون المال دولة بين الأغنياء" لمنع قيام طبقة ذات نفوذ سياسي قائم على الملكية والثراء.

القيد الثالث على الملكية هو منع تملك أية موارد أو مرافق عامة ضرورية لحياة الجماعة، فالانتفاع بمثل هذه الموارد والمرافق يجب أن يبقى "للجماعة كلها على وجه الشيوع والمشاركة العامة" (ص90-94). القيد الرابع هنا هو أموال الزكاة التي يعتبرها قطب "حق يؤخذ، لا فضل يعطى...حق تأخذه الدولة" (ص43).

ويوضح قطب أن "للإمام الحق في أن يأخذ بعد الزكاة ما يمنع به الضرر، ويرفع به الحرج، ويصون به المصلحة لجماعة المسلمين" (87). وهو ما يعني أن الدولة لها الحق في انتزاع رؤوس أموال وملكيات خاصة إذا ما ارتأت في ذلك مصلحة عامة، وأنها غير مقيدة في ذلك بحدود الزكاة أو "الضريبة المتفاوتة حسب المقدرة" فقط. فالدولة مطالبة بتوفير الضمان الاجتماعي الشامل لجميع مواطنيها حسب مبدأ "الرجل وحاجته" بجانب مبدأ "الرجل وبلاؤه". والمثل الأبرز على رؤية قطب لحدود مسؤولية المجتمع الاقتصادية هو تأكيده على أن " كل أهل بلد مسؤولون مسؤولية مباشرة عمن يتلفه الجوع، مسؤولية جنائية يؤدون فيها الدية، بوصفهم قتلة لذلك الذي أتلفه الجوع وهو بينهم مقيم" (ص179-180). وهو ما لخصه في ادعائه أن النموذج الاقتصادي الإسلامي يقوم على فكرة أن "كل فرد مكلف أن يرعى مصالح الجماعة كأنه حارس لها، موكل بها. والحياة سفينة في خضم، والراكبون فيها جميعاً مسؤولون عن سلامتها، وليس لأحد منهم أن يخرق موضعه منها باسم الحرية الفردية" (ص57).

إذا انتقلنا إلى الشيخ محمد الغزالي، نجده قد اختار في أول كتاب له أن يتناول النظرية الاقتصادية الإسلامية. وقد حقق كتاب الإسلام والأوضاع الاقتصادية (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة السادسة 2006) انتشاراً واسعاً في الأوساط الإسلامية. يتفق الشيخ الغزالي مع من قبله في أن "حرية التملك التي أباحها الإسلام تكتنفها قيود كثيرة" (ص41). ولكنه يركز في كتابه على قضيتين رئيسيتين: القضية الأولى هي منع ظهور الطبقات المترفة في المجتمع، والقضية الثانية المكملة لها هي منع نشوء النظام الطبقي ذاته.

يشير الغزالي إلى أن "الترف يفسد ذوق الفرد وحكمه"، وأن المترفين "قلما ينهضون إلى نصرة حق...أو التضحية من أجل مبدأ"، وهو ما دعا القرآن لاعتبار المترفين خطراً داهماً على الحياة العامة، وأنهم "أعداء كل إصلاح" (ص31-33)، بل ويقرر القرآن أن المترفين "أعداء الشعوب". ذلك لأن أعضاء الطبقة المترفة في الغالب "يحسبون أن دعوات الإصلاح والعدالة ليست إلا ستاراً يختفي وراءه الطمع في انتزاع ما يستمتعون به من سلطان. فكل صيحة تنادي بالإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وتتيح لأبناء الأمة أقساطاً متساوية من الحياة الصحيحة...تعتبر في عرف هؤلاء الطغاة وفهمهم، صيحة لمنازعتهم السلطة، ومشاركتهم الدولة" (ص38-39). ويخلص الغزالي من ذلك كله إلى أنه حتى "لو أن الحلال المحض أثل لأصحابه مجداً جعلهم يعيشون مترفين لكان من حق الأمم أن تحرس كيانها بمنع هذه الحال" (ص41).

أما بالنسبة للنظام الطبقي، فيفرق الغزالي بين الدرجة والطبقة، ويؤكد أن الآيات القرآنية التي تتناول رفع اللـه الناس بعضهم فوق بعض درجات، وتلك التي تتحدث عن تفاوت الأرزاق، إنما تشير إلى التفاوت في المواهب، والإرادة، والعقل، والتقوى وغيرها من الصفات والهبات، وأنه لا يجوز أن تساق هذه الآيات لتبرير "نظام الطبقات المعروف بمآثمه ومغارمه ومظالمه" (ص17). ذلك أن قبول الإسلام للتفاوت في الأجور لا ينبغي أن يفسر كإقرار للنظام الطبقي الذي يقسم الناس إلى طبقات على أساس ما يمتلكون، فالدرجة "صفة نفسية خاصة"، أما الطبقة "فمجموعة من الناس ادعت لنفسها صفات وحقوقاً معينة"، ويترتب على هذا "أن اختلاف الناس درجات غير انقسامهم طبقات. فالقوانين الطبيعية شىء، والأمراض الاجتماعية شىء آخر". ومن هنا فقد عمل الإسلام على هدم هذه الطبقية، ومعها الفكرة الباطلة "أن اللـه جعل الأغنياء أغنياء هكذا، لأن اللـه أحب لهم أن يستمتعوا بنعمة الغنى، وأن الفقراء فقراء هكذا، لأنه شاء لهم أن يشقوا بمصيبة الفقر". فيؤكد الغزالي "أن الأغنياء – في نظر الإسلام – لا يجوز أن يبقى لهم غناهم كاملاً، وأن الفقراء لا يجوز أن يبقى عليهم فقرهم كاملاً. ولا بد أن يشترك هؤلاء وأولئك في إقامة مجتمع لا يوجد فيه الرجل المترف والرجل المحروم". وبعد أن يوضح الغزالي أن النموذج الاقتصادي الإسلامي يجب أن يقوم على تلك الدعامتين، أي منع ظهور الترف، ونقض الطبقية من أساسها، يختم قائلاً: "لو استقام كل شىء على وجهه الذي يرضي اللـه لارتقت جماهير هائلة من الحضيض الذي تقلب فيه، إلى مستوى آخر... فما أحوج الشرق إلى أن تعمر العدالة الاجتماعية ربوعه الخربة" (ص21-26).

أما الشيخ يوسف القرضاوي فيعالج في كتابه "الحل الإسلامي فريضة وضرورة" (القاهرة: مكتبة وهبة، الطبعة السادسة 2001) موقف الإسلام من الاقتصاد من زاوية مماثلة موضحاً أن القرآن والسنة أوليا رعاية خاصة للمجال الاقتصادي بسبب "أهمية المؤثرات الاقتصادية في السلوك البشري". ويتفق القرضاوي مع ما تم ذكره مراراً وتكراراً من أن الإسلام أقام نظامه الاقتصادي على وضع حدود لحق التصرف في الملكية الفردية، وأنه فرض على المالك حقوقاً دورية وغير دورية، "وقبل ذلك كله اعتبر المالك الحقيقي للمال هو اللـه تعالى، والناس أمناء عليه، أو وكلاء فيه". كما أكد على ضرورة "محاربة السرف والترف"، والسعي لتقريب الفوارق الاقتصادية بين فئات المجتمع، وذلك "بالعمل الدائب على الحد من طغيان الأغنياء، والرفع من مستوى الفقراء، وتصفية الامتيازات، وتضييق الفروق" وصولاً إلى مجتمع يختفي منه تماماً "منظر الثراء الفاحش إلى جانب الفقر المدقع". ومع اعتماد حق الدولة في تحصيل الزكاة بوساطة جهاز قوي وفعال، ينادي القرضاوي بوجوب توسيع قاعدة الأموال التي تُحصل عليها الزكاة "بحيث يشمل كل مال نام، وكل دخل فائض عن الحوائج الأصلية" بهدف محاربة الكنز ومنع تكتل الأغنياء في صورة طبقة اجتماعية.

ويُحَمِّل القرضاوي الدولة الإسلامية مسؤولية توفير العمل الملائم لكل مواطن قادر، وكفالة العيش الكريم لكل من عجز عن العمل أو زادت أعباؤه عن دخله، وإتاحة الغذاء والملبس والمسكن والعلاج والتعليم المجاني لكل مواطن يعيش في كنف الدولة المسلمة، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، مع ضمان "إعطاء الأجر العادل لكل عامل بما يكافئ عمله ويغطي حاجته"، حيث يأخذ الإسلام في اعتباره كلاً من العمل والكفاية والحاجة عند توزيع الموارد الاقتصادية. وفيما يتعلق بالخارج، يشدد القرضاوي على "التكامل الاقتصادي بين البلدان الإسلامية للعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي فيما بينهما" (ص56-61).

*  *

يمكننا إذاً اعتماداً على الإسهامات الفكرية المعروضة أعلاه أن نلخص النموذج الاقتصادي للحركة الإسلامية في مصر في خمسة مفاهيم أساسية:

أولاً – مفهوم "الاستخلاف في المال"، ويشير إلى أن مالك رأس المال مستخلف فيه من اللـه، وأنه بالتالي وكيل في التصرف فيه وليس مالكاً أصلياً، ويتعارض هذا بوضوح مع مبدأ الاستحقاق الفردي في النظرية الرأسمالية. فالفرد في النظام الرأسمالي يشعر أنه مستحق لماله بشكل مطلق، فقد حصل عليه بجهده الشخصي ولا يدين به لأحد. وبالتالي فله الحق الأخلاقي في توجيهه كيفما يشاء. كما أنه يعتقد أن الآخرين بإمكانهم تحقيق مكاسب مماثلة إذا ما أرادوا، وبالتالي فهم الملومين على فقرهم ورقة حالهم. والمال في النظام الرأسمالي غاية في حد ذاته ولا يعد – كما في المفهوم الإسلامي – فتنة واختبار.

ثانياً – مفهوم "محاربة الترف"، فالترف في النموذج الإسلامي علة اجتماعية خطيرة تهدد أمن وسلامة المجتمعات، علة يجب أن يتم استئصالها بشكل كامل، وأن توضع الآليات التي تضمن عدم تكرر ظهورها. ويتناقض هذا المفهوم مع نمط الاستهلاك البرجوازي المرتبط بالمجتمعات الرأسمالية الحديثة.

ثالثاً – مفهوم "العدالة الاجتماعية"، وهو مفهوم يتنافي رأساً مع النظام الطبقي بمفهومه السياسي، بمعني أنه يمنع قيام طبقة من ملاك رأس المال تقوم بترجمة ثرائها سياسياً عن طريق التأثير على السلطة الحاكمة وتوجيه المجتمع بشكل كلي نحو تحقيق مصالحها، ومراكمة أموالها، وإعادة إنتاج نظامها الاقتصادي.

رابعاً – مفهوم "العمل"، وهو يؤكد أن العمل حق لجميع أفراد المجتمع، وليس سلعة خاضعة لرغبات سوق العمل وتقلباته، كما أنه واجب على الكل، وهو ما يمنع البعض من التعيش على مجهود الآخرين.

خامساً – مفهوم "الاستقلال"، الذي يركز على ضرورة التكامل الاقتصادي الإسلامي، والتعامل مع الآخر من منطلق تبادل المنافع وليس التبعية.

باختصار، النموذج الاقتصادي للحركة الإسلامية يتناقض مع الاستحقاق الفردي، والترف، والطبقية، والخمول، والتبعية. وبإسقاط هذا النموذج على الواقع المصري المعاصر يمكن أن نتوقع أن تعتبر الحركة الإسلامية نفسها جزءاً من التيار المعارض للأوضاع الاقتصادية الحالية، وأن تشترك مع اليسار، برغم اختلافهما حول الكثير من القضايا، في تقديم قيم العدالة الاجتماعية، والضمان الاجتماعي للمواطن، والاستقلال الاقتصادي عن السوق العالمية، وتقف موقف عداء من أرباب مدرسة الليبرالية الجديدة في مصر. ويمكن أن نتوقع أيضاً أن تحظى الحركة الإسلامية بدعم ذات الفئات الاقتصادية التي يخاطبها اليسار، وأن تتعاون بشكل عام مع قوى اليسار في دعم المبادرات وسن التشريعات التي تعطي الدولة دوراً أساسياً في إدارة الحياة الاقتصادية، وتحد من نمط الاستهلاك المترف، وتفرض الضرائب التصاعدية، وتمنع ترتب الحقوق السياسية على أسس طبقية، وتقيد المستثمر الوطني والأجنبي بواجبات اجتماعية محددة، وتعيد ترتيب أولويات الموازنة العامة لصالح المواطن.

إلا أن ما يمكن للمرء أن يستخلصه من الأسس الفكرية لنموذج لحركة الإسلامية لا علاقة له في الواقع بسلوك الإخوان في الحياة السياسية، ولا علاقة له بما جاء في الشق الاقتصادي لبرنامج الحزب السياسي المزمع إنشائه.

*  *

يشهد القارئ لبرنامج الإخوان تحولاً ملحوظاً من التركيز على الحد من طغيان الأغنياء وترفهم وتحقيق العدالة الاجتماعية إلى مفاهيم رأسمالية أصيلة. فيقرر البرنامج أن القيمة المرجعية الأولى في الاقتصاد هي "تعمير الأرض لتحقيق طيب الحياة"، وأن ذلك يتم عن طريق "إنتاج الطيبات" من "الضروريات ثم الكماليات فالتحسينات" من خلال "قوى العرض والطلب، وميكانيكية الأثمان" في ظل "ملكية متعددة تشمل الملكية العامة، وملكية القطاع العام، والملكية الخاصة"، بشكل يضمن التوازن بين التكافل الاجتماعي من جانب، و"أكفأ استخدام ممكن للموارد" من الجانب الآخر. أما التكافل الاجتماعي، الذي يشير إليه البرنامج بشكل عابر، فيمول بشكل رئيسي من الزكاة وغيرها من النفقات "التطوعية".

ودور الدولة طبقاً لواضعي البرنامج يجب أن يكون وسطاً "بين النظام الشيوعي التي تهيمن فيه الدولة على السوق وبين الرأسمالية المفرطة التي لا تهدف إلا إلى تحقيق الأرباح المادية بأي وسيلة ممكنة". أما القطاع الخاص فيبقى هو "القاطرة التي تقود التنمية في ظل اقتصاديات السوق". ومن هنا فإن البرنامج يؤيد الخصخصة، وإن كان يعتب على الدولة بسبب تخليها عن شركات القطاع العام "قبل أن تطمئن إلى وجود ذلك القطاع الخاص القوي والقادر على تحمل مسؤلياته". وبالنسبة للضرائب، فيطالب البرنامج الدولة بالتوسع في "سياسات الإعفاءات الضريبية" لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي. وبالنسبة للعلاقات الخارجية، يدعو البرنامج إلى "تشجيع مخطط للاستثمارات الأجنبية"، وإلى العمل على الاندماج في السوق العالمية مع ترتيب الأولويات بحيث يتم التركيز على "التعاون العربي، فالإسلامي، فالإفريقي، فالجنوبي، ثم الدولي" حيث أن مصر مطالبة بالوفاء بالتزاماتها "العربية والإسلامية والإفريقية والجنوبية والدولية".

بمعنى آخر، يبدو هذا البرنامج وكأنه يتخلى عن الأسس الاقتصادية التي وضعها مفكري الإخوان، ويستبدلها بقيم رأسمالية مغلفة بغلاف إسلامي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا هذا التحول من نموذج فكري اقتصادي منحاز بشكل واضح للفئات الدنيا إلى برنامج حزبي يدعم القوى الرأسمالية في المجتمع إلى درجة تكاد تكون مماثلة للحزب الحاكم. والحقيقة أن إجابة هذا السؤال غاية في الصعوبة. هل تحاول الجماعة أن تتجنب استعداء أصحاب المصالح الرأسمالية من ذوي النفوذ في مصر وخارجها؟ هل يمثل هذا "الانفتاح" الاقتصادي محاولة لموازنة "الانغلاق" السياسي في أجزاء البرنامج الأخرى؟ هل يتعلق الأمر بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العميقة التي شهدتها مصر وشهدها العالم خلال العقود المنصرمة؟ هل هو حراك جيلي داخل الجماعة أم صراع رؤى بين القيادات؟ هنا ينتقل المقال من محاولة العرض الأمين لأسس النموذج الاقتصادي للحركة الإسلامية كما تظهر في مؤلفات مفكريها، وعرض لتوجهات برنامج الإخوان الاقتصادي في النسخة المتداولة حالياً، إلى مجال الاستنتاج المبني على التحليل. وللأسف فإنه عندما يتعرض الكاتب لدوافع وأهداف الآخرين، فإنه لا يمكن أن يجزم على وجه اليقين بصحة آرائه، فيبقى تحليله مجرد وجهة نظر قد تخطئ أو تصيب.

*  *

السبب في تقديري يرجع لاستراتيجية التغيير الاجتماعي والسياسي لدى الإخوان. لقد نشأت الجماعة لتحقيق أهداف عامة وشاملة. فتفسيرها الخاص لمبدأ "شمول الإسلام"، والذي أرسى ملامحه الأستاذ حسن البنا، وصار مع الوقت أهم المحددات الفكرية للإخوان، يتعدى مجرد هيمنة الإسلام كمرجعية عليا للشئون العامة، إلى تنظيم الإسلام لجميع مناحي الحياة، وتحقيقه لجميع المصالح الدينية والدنيوية لكافة فئات المجتمع. إلا أن البنا وضع أيضاً استراتيجية محددة لتحقيق هذه الأهداف، استراتيجية تبدأ بتغيير الفرد المسلم وتكوين نواة جديدة لمجتمع إسلامي يماثل في نقائه وإخلاصه مجتمع المدينة الأول. لهذا تأسست الجماعة كهيئة تربوية في الأساس، هيئة تعمل على تذكير المجتمع بما تناساه من مبادئ إسلامية، وإنشاء جيل متمسك بقواعد وتعاليم الإسلام. وبالتالي تركزت جهود الجماعة على الوعظ والإرشاد، وتمحور عملها حول التوجيه الفقهي والأخلاقي. لذا فعلى الرغم من المناوشات السياسية التي قامت بها الجماعة قبل الثورة وبعدها، وعلى الرغم من مشاركتها - مع آخرين - في مقاومة الاحتلال في مصر وفلسطين، إلا أن نشاط الجماعة ظل نشاطاً دعوياً بالدرجة الأولي.

ويبدو لي أن الجماعة ظلت أسيرة لاستراتيجية العمل الاجتماعي تلك، أي استراتيجية الدعوة الدينية والأخلاقية. فالجماعة في تصوري سعت، على سبيل المثال، لترسيخ المحددات الشرعية للاقتصاد في أذهان كوادرها، ولكنها لم تهتم بتعميق استيعابهم للاقتصاد كعلم مستقل، ولا بتثقيفهم فيما يتعلق بالتطورات التاريخية والنماذج المعاصرة للحياة الاقتصادية. ويمكننا أن نختبر ذلك عملياً بسؤال أي من أعضاء الإخوان عن موقف الجماعة من الاقتصاد. فالأغلب أنه سيفصل لنا موقف الإسلام من الربا، وبيع الخمور، وغيرها من القضايا الشرعية، ثم يحيلنا فيما يتعلق بالنموذج الاقتصادي الخاص بالجماعة وخطتها المحددة للتنمية على "المتخصصين" (أعضاء الجماعة ذوي الخلفية الاقتصادية الذين يظهرون فقط في المناسبات). فالأسئلة المتعلقة بالتغييرات الاقتصادية الملموسة التي تسعى الجماعة لتحقيقها لا تحتل حيزاً كبيراً في فكر أعضاء الجماعة. المهم هو "الحدود الشرعية" التي ستفرض على العاملين في المجال الاقتصادي: تحريم الربا، منع تقديم الخمور، فرض تحشم السائحات، الخ.

إذا أردنا مثالاً عملياً آخر يمكن أن نراجع الموضوعات الأساسية التي شغلت قيادات وشباب الإخوان أثناء المناقشات التي سبقت وصاحبت صياغة البرنامج السياسي للحزب المزمع تأسيسه. كانت هذه الموضوعات في أغلبها قضايا دينية بحتة: هل سيتم فرض الحجاب بالقانون؟ ما هو موقف الشريعة من تولي المرأة وغير المسلمين مناصب قيادية في الجهاز التنفيذي؟ ما هو الفرق بين الرئيس والخليفة، وهل الخلافة فرض ديني أم شكل تاريخي للحكم؟ وما هي الشروط الشرعية للشورى، وكيف تختلف عن الديمقراطية؟ الخ. لم نشهد خلافاً حول السياسات الاقتصادية الملموسة التي تؤثر بشكل أساسي على حياة المواطنين، والتي تنبني عليها الأحزاب في العالم كله، والتي تسقط من أجلها الحكومات وتنتخب غيرها. لم نقرأ عن الجهود المضنية التي بذلتها الجماعة في صياغة نظرية اقتصادية إسلامية واضحة المعالم، نظرية تمزج بين فهم الجماعة للإسلام، واستيعابها لمبادئ علم الاقتصاد الحديث والواقع الاقتصادي المتغير والمتدهور في مصر.

والقراءة المتأنية للجانب العملي لاستراتيجية التغيير الاجتماعي والسياسي لدى الإخوان تشير إلى الخلل ذاته. فالجماعة برعت في تقديم الخدمات، سواء في مواسم الانتخابات أو في غيرها (على عكس الأحزاب الأخرى)، لسكان الدوائر الانتخابية والنقابات المهنية والاتحادات الطلابية، وغيرها من الجماعات المكونة للمجتمع المدني. ولكن التعامل مع الحوائج الآنية للجماهير، وإن كان يدل على وفرة الموارد، والإخلاص في العمل، إلا أنه لا يشير إلى نموذج اقتصادي، أو حتى سياسية اقتصادية محددة. الشىء نفسه ينطبق على عمل نواب الجماعة في البرلمان. فنواب الإخوان يشاركون باقي أعضاء المعارضة في إدانة الفساد وتعريته، كما أنهم يتصدرون المعارضة حين يتعلق الموضوع بالأخلاق العامة، إلا أنهم لا يبادرون بطرح تشريعات اقتصادية تعبر عن رؤيتهم الخاصة للإصلاح الاقتصادي.

من الطبيعي بالتالي أن ينعكس هذا التغييب للجانبين الفكري والعملي للاقتصاد على الشق الاقتصادي لبرنامج الإخوان، ليخرج فارغاً من المضمون، مبتوراً عن ما سبقه من اجتهادات "أولية" لمفكري الإخوان. فحل التوليف محل الاجتهاد، والاقتباس من مصادر متعددة محل الإنتاج الذاتي، وانصب اهتمام "خبراء" الجماعة الحاليين على زخرفة البنود الاقتصادية بآيات قرآنية، وتغليفها بديباجات شرعية وألفاظ ذات رنين إسلامي للإيحاء - الشكلي فقط - بأن مواقفهم "لا شرقية ولا غربية" بل "إسلامية إسلامية".

* *

في المحصلة النهائية، يبقى النموذج الاقتصادي للحركة الإسلامية في مصر مشروعاً ناقصاً، وضع لبناته منظرو الجماعة الأوائل ولكنه ظل حبيس الكتب. فقد أدى الاهتمام الزائد بالجانب الدعوي لعمل الحركة إلى تهميش القضايا الاقتصادية في عقول أعضائها الحاليين، وفي المناهج التي تستخدمها لتثقيف أعضائها الجدد. وباتت السياسة الاقتصادية للجماعة تتلخص في التأكيد على "الحدود الشرعية" المقيدة للعمل الاقتصادي، بدلاً من صياغة تصورات مفصلة للتنمية وإعادة التوزيع والقضاء على الفقر.

لهذا يصعب أن يدعي المرء أن جماعة الإخوان تقدم بديلاً اقتصادياً محدد المعالم، بديلاً يمكن أن تلتف حوله شرائح اجتماعية بعينها وتؤيده. فبرغم الانحيازات المبدئية لبعض مفكري الجماعة، إلا أن البرنامج الحالي للإخوان لم يطور هذه الانحيازات ويصوغها في شكل نظري محدد، ولكنه أتى بتوليفة غير متناسقة من المبادئ والسياسات تحت شعار النظام الاقتصادي الإسلامي. ولا يلحظ المراقب أثراً للإسلام في هذا البرنامج سوى في الأجزاء المتعلقة بالشريعة، وفي الديباجات الفضفاضة والشعارات الرنانة التي تزين فقراته.

على الإخوان أن يدركوا أن الدعوة الأخلاقية، وإن كانت هامة، إلا أنها غير كافية لتحقيق تغيير سياسي حقيقي. وأن حشد الدعم لمعارضة الأوضاع السياسية والاقتصادية الحالية يتطلب رؤية محددة لما يجب أن يأتي، وليس فقط لما يجب أن يذهب.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.