نحو تصور ديمقراطى للسياسة الخارجية (2 من 3)

الأمن القومى والقضية الفلسطينية

شريف يونس

الفكرة المهيمنة بشأن أسس إسرائيل فى إيديولوجيات الهوية هى نظرية المؤامرة. وقد تراوح التصور القومى- الدينى العام بين نظريتين للمؤامرة، أولاهما أن إسرائيل جسم زرعه "الغرب" فى المنطقة لخدمة مصالحه الاستعمارية والحيلولة دون الوحدة العربية. كانت هذه النظرية مفضلة فى الخمسينيات والستينيات، لأنها أتاحت للنظم العسكرية العربية الموصوفة آنذاك بالتقدمية أو الاشتراكية، فضلا عن الوطنية، أن تمنح نفسها الدور الرئيسى فى المواجهة، وأن تطالب الضحايا الفلسطينيين بالانتظار فى مخيماتهم إلى أن تنجح فى الانتصار على إسرائيل واستعادة أرضهم لهم.

الأمن القومى والقضية الفلسطينية

شريف يونس

 

اقترح مقال "المدخل" فى العدد السابق تشخيص المرحلة الحالية بأنها "مرحلة انهيار النظام القديم"، مشيرا بذلك إلى انتهاء الحرب الباردة و"التعايش السلمى" معا بسقوط الاتحاد السوفييتى وحلف وارسو، وتراجع النزعة القومية العربية منذ هزيمة 1967، وبالتالى تحول القضية الفلسطينية إلى قضية وطنية لها أبعاد إقليمية، وانتقال لواء الخطاب القومى المتشدد إلى الإسلاميين، ولكن بغير أفق واقعى لحل القضية الفلسطينية. محليا، بدأ النظام، منذ ما قبل الهزيمة، فى التوجه بخطى بطيئة ومترددة نحو اقتصاد السوق، والارتباط بالرأسمالية العالمية، وقد تبنى بعد 1973 صراحة مبدأ "مصر أولا"، الذى كان مبدأ فاعلا ولكنه مضمر فى الحقبة الناصرية.

وقد تركت التحولات العالمية والإقليمية التى تناولناها آثارها على النظام المصرى، حيث أخذ يستجيب لسيطرة المعارضة على المجال الإيديولوجى، ثم لفقد سيطرته المطلقة السابقة على الإعلام والتعليم. تمثلت استجابته فى التخلص من مركزية الدعاية والإيديولوجيا فى بنية النظام وتجنيد قوى من داخل المعارضة العلنية نفسها. كما استجاب لفشل سيطرته شبه الكاملة على الاقتصاد بإنشاء طبقة من رجال الأعمال، يحاول أن يستبقيها خاضعة لبيروقراطيته وأجهزته الأمنية بالامتيازات والعقوبات، أى لاستبقاء علاقات زبونية شبه مملوكية داخل اقتصاد السوق الصاعد. وهو يواجه أيضا تراجع دوره الإقليمى ومشكلات العولمة، والسخط المتفاقم بسبب نتائج سياساته الاقتصادية بالنسبة لقطاعات واسعة من الجمهور.

وانتهى المقال إلى محاولة تحديد أسباب ارتفاع صوت التيار القومى برغم هذه التحولات المحلية والإقليمية والدولية، فأشار إلى أنه أصبح ذيلا للدولة الأمنية، القائمة حتى الآن، تتمثل وظيفته فى تبرير احتكارها للسياسة الخارجية، وسلطويتها عموما، بتقديم خطاب مزايد أكثر قومية وسلطوية مما يطرحه النظام. وفى إطار وظيفته المحدودة هذه أصبح عاملا مهما فى إدامة الشلل السياسى بإغلاق كل أفق آخر، بتأكيده بشكل مباشر وغير مباشر على وجود صلة غير منفكة بين الاستقلال الوطنى والسلطوية السياسة، وبتأكيده على نوع أو آخر من إيديولوجيات الهوية: عربية، إسلامية، أو مصرية، يقال باستمرار أنها "مستهدفة"، وأن كل معارض للتيار القومى (أو قل لتيارات الهوية عموما) إنما هو "عميل" يخترق "الجبهة الداخلية"... إلى آخر هذا الخطاب المشهور.

هذه تقريبا النقاط التى تهمنا الآن من مقال "المدخل" لننطلق منها إلى تناول قضايا السياسة الخارجية نفسها من منظور التحرر من أسفل، أو الديمقراطية الجذرية. ومع ذلك لن يستطيع هذا المقال بدوره أن يتناول المجال الواسع لهذه القضايا ذات التاريخ الطويل والطبيعة المقعدة، ولذا سيكتفى بطرح بعض الخطوط العريضة للعلاقة بين السياستين الداخلية والخارجية، والتى تترتب مباشرة على التحليل السابق لنتائج سياسات الهوية الخارجية بالنسبة للداخل، ثم ينتقل إلى القضية الإقليمية الكبرى، وهى القضية الفلسطينية.

 

(2) الأمن القومى

السياسة الخارجية بصفة عامة هى جزء من أدوات أية سلطة محلية لتحقيق أهدافها. فالقول بانتماءات أعم وأشمل، عربية أو إسلامية أو غيرها (فى أية دولة عربية مثلا)، لا تقول به سلطة ما إذا كان سيؤدى إلى تآكلها. فالسياسة الخارجية تكون دائما جزءا من "الأمن القومى"، أو حتى الحزبى، أى أمن سلطة ما، شاملا حماية اقتناعاتها السياسية ومبادئها أو نشرها. ينطبق هذا على علاقات مصر الناصرية بالعرب، كما ينطبق على علاقات الإخوان المسلمين فى مصر بما يسمى التنظيم الدولى للإخوان، فكلاهما يمارس دوره بقدر ما يؤمن له ريادة ومصالح معينة، وينسحب، أو يحاول أن ينسحب، حين تتكاثف الغيوم السياسية فى وجهه. وليس فى ذلك أية "خيانة" للمبادئ، لأنه من الطبيعى أن تعتبر أية سلطة من هذا النوع نفسها التجسيد الأمثل للمبدأ الذى تعتنقه، وبالتالى تكون مهمة المحافظة على مكاسبها ومكانتها، فى نظرها، أول واجباتها تجاه مبادئها. وحين تكون هذه المسألة تتعلق بدولة، تسمى هذه الأصول "الأمن القومى".

بناء على هذه الملاحظة العامة تكون السياسة الخارجية الديمقراطية الجذرية هادفة فى الأساس لتمكين وتعزيز سلطة ديمقراطية جذرية فى الداخل، بما فى ذلك تكوين التحالفات المناسبة فى الخارج، مع القوى المشابهة أو القابلة للتعاون، وبصفة عامة تعزيز بيئة خارجية ملائمة للنظام القائم. وبالتالى يمكن أن نسمى هذه الاستراتيجية "أمنا ديمقراطيا جذريا". وهو تصور لا يمكن تأجيل التفكير فيه لحين قيام نظام حكم ديمقراطى. لأن أى تيار سياسى ليس لديه تصور عن الشروط السياسية لأمن النظام الذى يسعى إلى إقامته لا يستطيع أن يواصل كفاحه من أجل السلطة، بل لا يمكن أصلا أخذ تصوراته بجدية أو اعتبارها أكثر من ظاهرة ثقافية، قد تكون ذات مطالب، ولكن ليس لها رؤية سياسية عامة.

وأول النقاط التى تتعلق بهذا الأمن من الناحية الخارجية، وهى التى نتناولها هنا، هى ضبط، أو وضع شروط، تأثيرات القوى الخارجية بما يتفق مع مصالح وأمن النظام، خصوصا إذا كان تدخلها من شأنه أن يمثل خطورة على النظام السياسى. وأساس هذه المسألة أن كل كيان نظامى، بما فيه الدولة، يعيش فى علاقة متشابكة مع قوى كثيرة تقع خارج نطاق سلطته، يتبادل معها مصالح ونزاعات. ومن هنا فإن الحد الفاصل بين الداخل والخارج هو فى معظم الأحيان حد تصورى، ومن المؤكد أنه الآن، مع العولمة، حد مطاط تماما وغير واضح المعالم، نظرا لتزايد التفاعلات على مستويات عديدة بين مختلف سكان العالم، وتزايد عدد الفاعلين المحليين والخارجيين على مستوى يتخطى الحدود القومية، حتى بغير أن يغادروا بلادهم (عن طريق الانترنت مثلا).

ومن الطبيعى أن يقوم الأمن القومى للنظم السلطوية، فى هذا الجانب، على الدفاع الشرس عن الاحتكار المطلق للسياسة الخارجية فى أيدى الأجهزة الرسمية والأمنية خصوصا. وتُستخدم المعارضة القومية، ووسائل أخرى أكثر شراسة، فى قتل أية إمكانية لتحدى هذا الاحتكار، بما فى ذلك، أو على رأسه، إشاعة جو من التحريم حول السياسة الخارجية يجعل الميل السائد عند الجمهور اتهام كل من يمد إصبعه فيها بالخيانة أو العمالة أو الهوى الأجنبى. وبرغم أن هذه السلطات تدرك أن التفاعلات العالمية أصبحت أوسع بكثير، بما يهدد الأساس ذاته الذى يقوم عليه هذا الاحتكار، فإنها تحاول أن تحتفظ بسيطرة مطلقة على أوسع مجال ممكن مما يحيط بالسياسة الخارجية بالمعنى الضيق، أى العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية.

بالمقابل يمكن أن تطرح القوى الديمقراطية أن تحييد الآثار السلبية للتدخلات الخارجية لا يتحقق بهذا الاحتكار الأمنى، وإنما بمعالجة ما ترتب على السياسة السلطوية من توترات محلية تهدد بالانفجار، وقد تكون بالفعل تكأة لضغوط خارجية. فبدلا من اتهام كل القوى لإسكاتها، يكون إقرار الحقوق المتساوية لجميع الجماعات والأطراف فى الداخل، ومنحها حرية التعبير والتنظيم للدفاع عن مطالبها، بما فى ذلك التعاون مع قوى مشابهة عالميا، هو الوسيلة الديمقراطية الأكثر فاعلية فى تحقيق نوع من المناعة، بدلا من الحماية. هذا يتطلب إتاحة الفرصة لكل القوى التى تتمتع بالشرعية فى النظام الديمقراطى، من نقابات عمالية وجمعيات أهلية وأحزاب وغيرها، للحركة الحرة، بما فى ذلك إجراء اتصالاتها وتحالفاتها الدولية التى تناسبها، وفقا للتطورات العالمية وتشابكات المصالح.

وعلى خلاف المفهوم السلطوى للأمن الذى يعتبر أن هذه السياسة جديرة بتفكيك المجتمع وإخضاع "الوطن" للمؤثرات الخارجية، فإنها تؤدى فعليا إلى زيادة ارتباط مختلف الأطراف المتصارعة بالداخل، لأن اتساع المجال العام الداخلى يمنحها فرصة الصراع من أجل تحقيق ما يمكن تحقيقه من مطالبها عن طريق الدعاية والتحالف مع قوى الداخل الأخرى. وعلى سبيل المثال فإن مشكلة الشيعة المصريين، أو ما يسمى "مؤامرات" أقباط المهجر، تصبح أقل تهديدا لأمن الدولة (لا النظام) وأبعد عن أخطار التدخل الإيرانى أو الأمريكى، الحقيقى والوهمى (أو المؤامرات الإسرائيلية التى يزعم البعض أنها تكمن خلف كل اقتتال طائفى فى البنادر والأرياف)، بقدر ما يتاح للجميع مساواة قانونية فى الداخل، وإمكانيات للتعبير والدعوة والتنظيم الذاتى، وبالتالى إدماج القوى والتجمعات المختلفة فعليا فى المجتمع وتفكيك الارتباطات الطائفية التى عززتها الديكتاتورية والقهر.

ومن المتصور أن مثل هذا الوضع من شأنه أيضا أن يقوى النزعة الرقابية الداخلية فى الجماعات المختلفة لمحاصرة العناصر الساخطة على التوافق الديمقراطى، وبالتالى الأكثر ميلا لتحقيق مكاسب عن طريق استثمار ضغوط خارجية أساسا.

ومن المفترض فى نظام ديمقراطى أنه قادر على أن يرى أن المشكلة الأكثر عمقا هنا ليست ما يسمى مؤامرات الأقليات، بل على العكس: محاولات قوى سياسية استبدادية للحديث باسم أغلبيات ما، لتحقيق ما يمكن أن نسميه "تطييف" الدولة، أى جعلها تنتسب لطائفة ما. ومن أهم الأمثلة بالطبع القول بأسلمة الدولة، ولكن أيضا عروبة الدولة. فبصرف النظر عن مسألة الهوية كلها، فإن واقع وجود دولة مصرية حديثة عمرها قرابة القرنين يضع حدودا واقعية، فى هذه اللحظة التاريخية، لطبيعة الجماعة البشرية التى يمكن أن تمثلها الدولة بشكل ديمقراطى، أى مجمل سكان البلاد على اختلافهم وعلى قدم المساواة. بينما تلعب الأفكار العروبية والإسلامية مجرد دور معرقل لأداء ديمقراطى للدولة، بلا أفق حقيقى سوى تبرير إدامة السلطوية باسم رسالة مقدسة.

على هذا الأساس يكفى أن تحدد القوانين حدود التفاعلات الخارجية المشروعة لمنظمات المجتمع المدنى المصرية، مثل عدم الاتصال بجماعات مسلحة، أو تلقى أموال منها أو مَنحها لها، ووضع سقف يتمثل فى نسبة مئوية معينة من أموال الجماعة التى يمكن أن تأتى من المساعدات المالية الخارجية، أو تخرج من أموالها لمساعدة جهات خارجية، وغير ذلك من الضوابط التى ينبغى ألا تهدف إلى المنع والتضييق، وإنما إلى إتاحة التفاعلات والتحالفات الخارجية ولكن بحيث ألا تطغى على المرتكز المحلى، أى ألا تكون بقدر يغير بشكل جوهرى التوازنات النسبية بين الجماعات المختلفة. وبطبيعة الحال يجب أن تشمل هذه القيود كافة القوى المنظمة على قدم المساواة، بما فيها الأحزاب الحاكمة والجماعات ذات النفوذ.

غير أن من شأن هذه المحددات أن تحفز مقرطة العلاقة بين الداخل والخارج، وتجاوز الوضع الحاضر، حيث تتمثل العلاقة فى كثير من الأحيان فى طرف مانح خارجى وطرف ممنوح. فقد أدت هذه العلاقة الهرمية، من المانح الخارجى، إلى منظمات المجتمع المدنى (مثل حقوق الإنسان والمنظمات التنموية)، ومنها إلى المنتفعين، إلى ثلاثة مشكلات: الأولى والأكثر أهمية أن أصبحت العلاقة بين هذه المؤسسات والجمهور علاقة وصاية خدمية (نظرا لأن المجتمع المحلى نفسه لا يساهم بقدر يذكر فى الإنفاق عليها)، تهمل إشراك الجمهور نفسه فى صياغة الأهداف أو النضال من أجلها. أما المشكلة الثانية فهى طغيان الجانب الدعائى الخارجى على نشاط هذه المنظمات، نظرا لارتباط التمويل بها. فالبيانات والأحداث الساخنة إعلاميا أكثر أهمية فى كثير من الحالات من، الانتهاكات اليومية لآدمية الناس فى الأحياء الفقيرة وأقسام الشرطة بها والتى لا تصل إلى الإعلام. والمشكلة الثالثة هى أن هذه المنظمات تضطر إلى الخضوع لابتزازات النظام نظرا لافتقارها إلى دعم داخلى قوى. وتكون المحصلة فى معظم الأحيان، برغم النوايا الحسنة، سياسة وسطية بين ضغوط المانح وضغوط النظام.

غير أن هذا التأكيد على أولوية الداخل على الخارج، وعلى فكرة الدولة المصرية، لا يعنى أن الدولة الديمقراطية تقوم فحسب على فكرة القومية القديمة والإشكالية. فالقومية فى حد ذاتها لا تقوم على أى تصور ديمقراطى، بل تميل إذا تُركت لذاتها، إلى الأشكال الاستبدادية فى الداخل. السبب فى ذلك أن القومية تصور السكان كجسم عضوى تربطه روابط خاصة ذات قدسية، لا كأفراد متساوين فى الحقوق ومختلفى الرؤى والمصالح. وبالتالى تطالب كل فرد بأن يساهم فى تحقيق الالتحام الداخلى، وتجسيد وحدة الداخل فى مواجهة الخارج، ونبذ كل المتمردين على الوحدة القومية المفترضة، والتكريس لاضطهاد الأقليات، أى من يعتبرون "أقل قومية" من الآخرين. القومية لا تتفق مع الديمقراطية بغير أن يتخللها فى نفس الوقت شعور ما بالعالمية، أى بفكرة الحقوق المتساوية للبشر عموما، بغض النظر عن العرق أو النوع أو... الخ. والحال أنه بعد إلغاء كل هذه الفروق، تختفى أية أسس متخيلة مما يقام عليها مبدأ القومية.

بعبارة أخرى، تعنى الحقوق المتساوية لمجموع سكان دولة ما بالضرورة أولوية موازية لمبدأ آخر بخلاف مبدأ القومية (ناهيك عن فكرة الدولة الدينية، حتى لو تم تزيينها بعبارات من قبيل: لهم ما لنا وعليهم ما علينا). المبدأ الإنسانى الديمقراطى يحد من الميل الاستبدادى، العرقى أو الدينى، الناتج عن أن أية هوية تعرِّف نفسها على وجه أو آخر تجعل البعض بالضرورة أكثر قومية من الآخرين، وبالتالى تجعل من هؤلاء الآخرين من السكان أقل درجة، ومشكوكا فى ولائهم، وبالتالى أعداء محتملين، خصوصا إذا حاولوا أن يحصلوا على مساواة حقيقية، وخصوصا إذا كان ما يجعلهم "أقل هوياتية" يقربهم فى الفكرة الهوياتية لطرف آخر خارجى (مثل الشكوك بشأن الشيعة المصريين وقابليتهم للاستخدام من جانب إيران، أو الأقباط وأمريكا).

وينعكس الموقف القومى بالنسبة للخارج فى تعميم رفض فكرة تحرر البعض على حساب آخرين، أمما أو دولا أو فئات اجتماعية (مثل تأييد مصر الرسمية وتياراتها القومية على حد سواء لحكومات عرب السودان فى مواجهة الجنوبيين والنوبيين، إلى حد تأييد ما يشبه التصفية العرقية بحجة مواجهة الاستعمار؛ أو المعاملة الشاذة لسكان سيناء على أيدى الدولة المصرية، سواء اقتصاديا أو أمنيا؛ أو موقفها السلبى من توطين النوبيين أو إعادة توطينهم حول بحيرة ناصر). فأمن الدولة السلطوية المبنى على هوية ما، عرقية أو دينية، يعنى بالضرورة خرق مبدأ المساواة.

بالمقابل فإن الفكرة اليسارية مبنية بالضرورة على الفكرة الإنسانية التحررية العالمية، ويصعب تماما أن تقوم على أساس قومى، ومن باب أولى أى أساس هوياتى آخر. فحتى الاعتراف بحقوق الشعوب فى التحرر الوطنى ليس لدى اليسار سوى نوع من الاعتراف بحقوق ثقافية متساوية للجماعات البشرية على اختلافها، لا من باب أى تقديس خاص لأفكار الهوية، وبما لا يتعارض مع حقوق كل فرد فى تطوير رؤاه الخاصة بحرية، حتى ولو اختلف مع جماعته الثقافية المفترضة.

كذلك تختلف الفكرة اليسارية عن سواها من الأفكار الإنسانية التحررية، فى تقديرى، فى أنها تقوم على فكرة التحرر الذاتى، بمعنى أن التحرر ليس سوى حركة المضطهدين وتنظيمهم الذاتى من أجل تحقيق أهدافهم. فالتحرر ليس هو وضع تصور "صحيح" أو مثالى عن مجتمع ما بواسطة نخبة أو نُخَب، ثم السعى لتحقيقه، أو لفرضه، أو لتأييد قوة ما قادرة على فرضه، وإنما اكتساب القوى الاجتماعية المضطهَدة نفسها الوعى والطاقة والخبرة من خلال حركتها نفسها، بما فى ذلك تحالفاتها، فى ظروف معقدة للتطور التاريخى والاجتماعى.

ويختلف هذا بالطبع عن الميل المتأصل فى تيارات القومية، والهوية عموما، إلى اختصار كل قضايا التحرر فى قضية واحدة: قضية هوية محاصرة أو مضطَهدة، يتم بناء عليها مطالبة كل الهويات الأخرى وكل الجماعات التى تعتبرها فرعية بالسكوت أو الصبر، أو تمنحها وعدا فضفاضا بتحرر ما فى المستقبل مرتبط بتحقيق الأهداف "العليا"، وتصم كل من لا يقبل بهذا الإخضاع بالخيانة والخروج على "الصف". بالمقابل فإن التيار الديمقراطى يجب أن يقبل من حيث المبدأ تعدد أهداف التحرر، بسبب تعدد قوى التحرر النابعة من أسفل، وبالتالى يضع على عاتقه مهمة السعى لصياغة التحالفات عبر التفاوض، وقبول الانشقاقات والاختلافات الناتجة عن هذا الوضع.

بصفة عامة، فإن منظور التحرر من أسفل يميل بالطبع إلى إنتاج سلطة تبحث عن تحالفات مع أشباهها، أو مع قوى قريبة من ذلك، ولكنها قد تقبل أيضا تحالفات مع قوى أخرى لأسباب تكتيكية. غير أن قضية التحالفات الخارجية لقوى ديمقراطية أوسع من أن يتم تغطيتها هنا، فالهدف هو مجرد وضع الأطر العريضة للغاية، أى إيجاد نقطة انطلاق متفقة مع التصور الديمقراطى الجذرى.

 

(3) القضية الفلسطينية

بدلا من مواصلة بناء تصور عام، أو الانتقال إلى التفاصيل، وهو ما يحتاج إلى عصبة من أولى العزم، يحاول هذا الجزء أن يقدم الخطوط العريضة والأفكار الرئيسية لرؤية متكاملة بقدر الإمكان لقضية واحدة من قضايا السياسة الخارجية، لما لها من أهمية محورية بين كافة قضايا السياسة الخارجية، سواء من حيث مركزيتها بالنسبة لإيديولوجيات الهوية عندنا، أو لأهميتها فى حد ذاتها من حيث أنها الظاهرة الاستعمارية الأبرز والأكثر خطورة فى المنطقة، بل والعالم. وهى أيضا، فوق أهميتها فى حد ذاتها، ربما تكون أنسب القضايا لمحاولة صياغة نموذج أو تصور لكيفية تناول قضايا السياسة الخارجية عموما من منظور ديمقراطى جذرى، لنفس السببين، أى تعقدها وعمقها وأهميتها، واشتباكها التاريخى العميق مع فكر الهوية السياسى.

 

أولا: "القضية الإسرائيلية"

نعنى بهذا العنوان الغريب نوعا ذلك الجانب من القضية الفلسطينية المتعلق بالموقف من إسرائيل نفسها، أولا كدولة قائمة فى المنطقة، وثانيا كمنطلق أساسى لخطابات الهوية التى تناولناها سابقا. فوجود إسرائيل قضية أكبر من مسألة قيامها على الأرض الفلسطينية وتشريد جانب معتبر من سكانها وإخضاع الباقين، لتشمل قضية دورها داخل المنطقة وعلاقتها بالشعوب المجاورة. ويرى هذا المقال ضرورة التمييز بين الجانبين تحليليا، ومواجهة ادعاءات خطابات الهوية بشأن كلاهما على حدة بهدف تحديد موقف نضالى عقلانى من الظاهرة ككل.

الفكرة المهيمنة بشأن أسس إسرائيل فى إيديولوجيات الهوية هى نظرية المؤامرة. وقد تراوح التصور القومى- الدينى العام بين نظريتين للمؤامرة، أولاهما أن إسرائيل جسم زرعه "الغرب" فى المنطقة لخدمة مصالحه الاستعمارية والحيلولة دون الوحدة العربية. كانت هذه النظرية مفضلة فى الخمسينيات والستينيات، لأنها أتاحت للنظم العسكرية العربية الموصوفة آنذاك بالتقدمية أو الاشتراكية، فضلا عن الوطنية، أن تمنح نفسها الدور الرئيسى فى المواجهة، وأن تطالب الضحايا الفلسطينيين بالانتظار فى مخيماتهم إلى أن تنجح فى الانتصار على إسرائيل واستعادة أرضهم لهم.

بحلول هزيمة 1967 فقد هذا التصور مصداقيته، وأعلن عبد الناصر صراحة أن استعداداته العسكرية تهدف إلى "إزالة آثار العدوان"، أى عدوان 1967، وقبل مبادرة روجرز بهذا الشأن. ومع هذا التحول وتلك الهزيمة المروعة، وبالذات مع انتقال قضية مواجهة إسرائيل لاحقا إلى قوى الهوية الإسلامية، انقلبت نظرية المؤامرة، لتقوم على فكرة عداء يهودى متأصل للإسلام أو للعرب، وأحيانا للعالم أجمع، باعتبار أن اليهودية، لا الصهيونية بالذات، هى الشر المطلق، بالاعتماد على كتابات مزيفة، على رأسها "بروتوكولات حكماء صهيون" التى زيفتها، بشكل فج وواضح، الأوخرانا، أى جهاز الأمن القيصرى الروسى. وبناء على هذه الرؤية صيغ ما يسمى "المؤامرة اليهودية العالمية"، وقيل أنها هى التى تسخِّر الغرب لخدمة مصالحها. وقد أدى انتصار هذه النظرية إلى تعزيز ظاهرة محو الفارق بين اليهودية والصهيونية. ولم تفلح الجهود العقلانية فى إزالة سوء الفهم هذا، سواء بالإشارة إلى التيارات اليهودية والمفكرين اليهود المعادين للصهيونية فى العالم، أو إلى التيارات الصهيونية غير اليهودية، التى ترى أن حل المشكلة اليهودية فى أوربا يتمثل فى تدعيم مشروع رحيلهم إلى فلسطين، ثم تدعيم إسرائيل.

وبديهى أن هذا التصور التآمرى انعكس بدرجة أكبر على رؤية إسرائيل ذاتها، حيث يتم تصويرها كمعسكر واحد متجانس، متفق على شىء يقال، على خلاف الواقع، أنه موجود فى قاعة الكنيست (البرلمان الإسرائيلى)، وهو إقامة دولة من النيل إلى الفرات. وبرغم أن البعض أشار إلى اتجاهات ومفكرين إسرائيليين معادين بدرجات مختلفة للصهيونية، أو متضامنين بدرجة أو بأخرى مع العرب، أو تيارات إسرائيلية تميل إلى مشاريع تسوية أفضل مما تطرحه التيارات اليمينية والوسطى فى إسرائيل، فإن الرؤية العامة لإسرائيل كجسد واحد ورؤية واحدة ظلت كما هى، بفعل سقوط الإعلام تحت سيطرة إيديولوجيات الهوية ونفوذ القوى الأمنية القومية الحاكمة. وفى أفضل الأحوال يقال أن هذه الفوارق، إذا تم الاعتراف بوجودها، مصطنعة، بغرض إيهام العرب أو العالم بوجود معسكر غير متشدد.

وتلعب هذه الرؤية دورا محوريا فى تدعيم المعسكرات السلطوية العربى، بالقول بأن انتصارات إسرائيل ناتجة عن هذه الوحدة الوهمية المطلقة، وبالتالى القول بأن السبيل إلى النصر هو إقامة وحدة مماثلة. وبرغم أن الديكتاتورية الوحشية قد فرضت بالفعل مثل هذه "الوحدة الوطنية" بالحديد والنار على مواطنيها فى عدة دول عربية، لا على إسرائيل، وبرغم أن هذه "الوحدة" أفضت إلى منازعات عربية لا تنتهى وإلى حقول شاسعة من وحل الهزائم، فإن تيارات الهوية ما زالت تردد نفس الكلام، مطالبة بإخراس أى صوت يختلف معها، لأن السلطوية هى أكسير الحياة بالنسبة لها.

هذا التصور جوهرى أيضا لأنه يتيح، كما نلمس كل يوم، توظيف إسرائيل فى الصراع السياسى الداخلى، بما يؤبد هيمنة تيارات الهوية وتسلطيتها. فإسرائيل مسئولة تقريبا عن كل قضية كبرى أو مشكلة صغرى فى حياتنا. ويكفى أن نتذكر كيف صورت الصحافة القومية والإسلامية أن إسرائيل تلعب الدور الجوهرى فى مشكلات السودان وفى العراق ولبنان وغيرها، سواء كفاعل أصلى، أو بتوظيف قوى عظمى. وبالنسبة للداخل فإنها تلعب أيضا الدور الجوهرى فى مختلف القضايا، بدءا من أهمها، مثل المسألة الطائفية المتزايدة الاشتعال فى مصر، إلى أبسطها، مثل النكت على الصعايدة (نسبها البعض إلى مؤامرة إسرائيلية تهدف إلى تفكيك الشعب المصرى)، أو نشر الإباحية، أو حتى ظهور شعراء التسعينيات الذين اتهموا بالتآمر للقضاء على الأدب واللغة لصالح إسرائيل والاستعمار!

يمكن أن نسمى هذه الظاهرة "صهينة" الواقع السياسى والاجتماعى والثقافى المحلى والعربى، وربما العالمى، حيث أصبحت إسرائيل (غالبا تحت مسمى الصهيونية عموما) تلعب فى وعى الكثيرين الدور المحرك الصريح أو الخفى لكل ما يحدث فى الواقع.

وتفضى هذه الظاهرة إلى ثلاثة نتائج خطيرة: الأولى التسليم بأننا نواجه عدوا "خفيا" يلعب فى الظلام، وبالتالى يجب ترك الصراع بمجمله لأجهزة دولنا القمعية المختصة بتتبع المؤامرات والتآمر المضاد، أى الأجهزة الأمنية، وهذا هو المكسب الصافى لنظم الحكم السلطوى. والثانية استعمال الصراع فى المجال السياسى باتهام كل تيار وطرف لمنافسيه أو أعدائه بأنهم "صهاينة"، أو عملاء، أو حتى يخدمون الصهيونية بدون وعى. وفى حالة القول بـ"عدم الوعى" هذه، يكون الأساس افتراض مؤداه أن كل من لا يحترم الخطوط الحمراء التى وضعتها خطابات الهوية (القومية والدينية)، أو حتى يختلف معها لأسباب أخرى، إنما يشق "الصف" وبالتالى يخدم شاء أم أبى المعسكر المضاد. وينطبق نفس الشىء بالطبع على الصدام بين التيارين القومى والدينى، وبين الاتجاهات المختلفة لكل منهما. بل وصل استعمال سلاح التكفير الوطنى والدينى باستعمال فزاعة إسرائيل إلى ساحة الصراع بين المدارس الأدبية والفنية والفكرية (تذكر مثال شعراء التسعينيات)، بما أدى فى النهاية، كما هو معروف، إلى إضفاء طابع أمنى على الحياة السياسية والثقافية والإعلامية بمجملها.

ويترتب على هاتين النتيجتين نتيجة أخرى لا تقل خطورة، هى دفن كل القضايا الواقعية الحساسة، بإخراجها من مجال الصراع السياسى والثقافى إلى مجال الجدل الأمنى فى أرخص أشكاله وأكثرها انحطاطا، أى إلى دفاع أو هجوم بشأن عمالة طرف فى الصراع، أو كل الأطراف، للخارج. ويمكن أن نضرب، بغرض التوضيح فحسب، مثلا من الخارج وآخر من الداخل: يفضى اختزال قضايا صراعات السودان إلى "الأصابع الخارجية"، الصهيونية أساسا، إلى تجاهل مشكلة استئثار عرب السودان بالسلطة والثروة على حساب غيرهم، أى الجنوبيين والنوبيين، بل واحتقارهم وتسميتهم عبيدا بلهجة عنصرية فاقعة. كما يفيد اختزال الصدامات الطائفية فى مصر إلى مؤامرات أو دسائس نفس الأصابع فى التعمية على دور ما يسمى "الصحوة الإسلامية" والنظام الديكتاتورى وسياساته فى إثارة الطائفية، وإبقاء التوترات الدينية على حالها باتهام كل من يتحرك لحلها (مثل مجموعة مصريون ضد التمييز) بالعمالة. والنتيجة هى التعمية على المشاكل وتبرئة تيارات الهوية من نتائج سياساتها المدمرة، بالإحالة إلى عدو وهمى، أو فى أفضل الأحوال يلعب دورا ثانويا أو مساعدا فى تأجيج شىء موجود بالفعل.

باختصار، تلعب "الصهينة" دورا خطرا ومدمرا لتيارات التحرر، بل ولمبدأ الفاعلية السياسية للقوى الاجتماعية والسياسية المختلفة، وللعقلانية عموما، وتعد مرتكزا مهما للهيمنة الإيديولوجية للنظام السلطوى، ولإيديولوجيات الهوية السلطوية وانتشارها فى المجتمع ككل على مستويات عديدة وبشأن قضايا متنوعة. والسبب الجوهرى لذلك أن كل إيديولوجية سلطوية تحتاج إلى إيجاد، أو حتى اختراع، "فزاعة" ما، لا يمكن مواجهة أساليبها الملتوية ولا فهمها، كمبرر لإجراءاتها القمعية.

*

وبالتوازى مع التصورين المتعاقبين لإسرائيل، تنافس، إيديولوجيا، على قضية كيفية حل الصراع العربى الإسرائيلى توجهان، كلاهما من طرح الدول والقوى السياسية السلطوية الهوياتية. أولهما نهج القتال، بهدف افتراضى، لم يُقل صراحة أبدا إلا فى خطب قليلة موجهة للجمهور، هو القضاء على إسرائيل. وهو هدف بطبيعته ذاتها مستحيل. أولا، لأنه كان يتطلب إلحاق هزيمة فادحة ونهائية بإسرائيل نفسها، وهو أمر فى منتهى الصعوبة برغم كل الكلام المرسل فى الخطب والصحف الذى اختصر دولة إسرائيل فى "عصابات صهيونية"، ولاحقا "الكيان الصهيونى". ولكن الأخطر أنه حتى بفرض نجاح المواجهة العسكرية نفسها، لم يطرح معسكر المواجهة أى تصور سياسى بشأن نتائج الانتصار: ماذا سيفعل فى عدة ملايين من الإسرائيليين اليهود بعد النصر؟ ترحيلهم أو "إبادتهم" أمرين مستحيلين، إنسانيا ودوليا، لأنه يفترض مواجهة المعسكرين الغربى والشرقى معا، اللذان كانا يعترفان بإسرائيل، ولأن السلاح فى كل المعارك كان وظل مستوردا من جهة أو أخرى.

بالطبع يمكن أن يكون للانتصار المفترض نتائج أخرى، غير أن الهدف السياسى من المواجهة العسكرية لم يتم الإفصاح عنه أبدا من جانب الأنظمة القومية العربية، الناصرية أو البعثية على السواء. ومع ذلك فقد ساد هذا التصور، أى التخلص نهائيا بشكل أو آخر من يهود إسرائيل، وما زال سائدا، فى اللاوعى السياسى العربى، إن جاز التعبير، بفعل الدعاية المكثفة، والمترتبة منطقيا على الفكرة القومية نفسها، التى افترضت أن الصراع منذ البدء "صراع وجود"، لا حدود، وبالتالى يعتبر كل قبول بوجود ما ليهود إسرائيل فى فلسطين تنازلا غير مبرر إيديولوجيا. القبول يظل دائما، وفقا لهذا اللاوعى، هزيمة أو استسلام.  

ولما كان مشروع اللاوعى السياسى مستحيلا، تبلور مع الوقت تصور آخر أكثر تحديدا من الناحية السياسية، هو تصور السلام. ووفقا له يتم قبول إسرائيل كدولة صهيونية والتفاوض معها للحصول على ما يمكن الحصول عليه من الأراضى المحتلة ومن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطينى. وقد أنجز هذا الخط رسم حدود نهائية مع مصر والأردن، فضلا عن القبول بوجود "سلطة فلسطينية" ما، تمهيدا لقيام دولة فلسطينية ما. غير أن هذا الإنجاز لم يتم فى الواقع بفعل استراتيجية السلام فى حد ذاتها، بقدر ما تم بفعل عوامل منها أنه الخيار الأفضل بالنسبة لإسرائيل، فى ظل الإجماع السابق على عدم الاعتراف بها فى المنطقة، وقدرته على استثمار ادعاءات إسرائيل المستمرة بأنها دولة راغبة فى العيش فى المنطقة بسلام (وهى فكرة جمعت حولها قطاعات من المجتمع الإسرائيلى نفسه)، بالإضافة إلى رغبة المجتمع الدولى فى تحقيق استقرار المنطقة.

غير أن هذا الخط لم يتمتع أبدا بمشروعية كافية، لأنه تجنب مواجهة اللاوعى السياسى الذى انبنت عليه الأنظمة التى قادت عملية السلام نفسها. على هذا النحو قام ازدواج غير معلن بين إيديولوجية "صراع الوجود" غير الفاعلة، أو المستحيلة، والسياسة الفعلية، بل وازداد اتساعا. وهكذا أصبحت السياسة العملية فاقدة للشرعية، بينما ظلت الإيديولوجية المهيمنة القادرة على منح الشرعية عاجزة، بالضرورة، نظرا لتشبثها بمشروع وهمى تماما. استطاعت مصر السادات أن تبرر للجمهور السلام بموجب فكرة "مصر أولا"، أى: مبرر السلام أننا حصلنا على أرضنا، ولو بسيادة مشروطة بالاتفاقية نفسها، بصرف النظر عن قضية الصراع فى مجملها. غير أن هذه الشرعية تصطدم باستمرار بحدودها، التى تتمثل فى المحل الأول فى قضية فلسطين نفسها.. أى الموقف من علاقة إسرائيل بالفلسطينيين. ونظرا لأن النظام المصرى ظل يدعى أنه يقوم بدور عربى ما، ظلت الإجابة التى قدمها خط السلام غير كافية من ناحية المشروعية.

أضف إلى ذلك أن الأنظمة السلطوية نفسها لم تحاول أصلا أن تقدم مبررا كافيا لهذا التحول، وإنما أجرته من أعلى، وبالاستناد إلى الثقة فى عدم رغبة السكان فى مواصلة الحروب، ولكن بغير أن تقدم تصورا آخر للعلاقة مع إسرائيل والصراع الفلسطينيى- الإسرائيلى. بل حرصت الدولة فى الحقيقة على احتكار العلاقات مع إسرائيل، فيما يعرف بالسلام البارد. بعبارة أخرى أكدت سياسة النظام للسكان بآلاف الطرق، بما فيها الإفساح للتيار القومى، أن كلامها عن مشروعية وجود إسرائيل مجرد كلام رسمى.

ومع تبين عجز استراتيجية السلام عن إنهاء الصراع فى المنطقة، لأسباب كثيرة، معظمها إسرائيلية، وجدت الأنظمة نفسها فى وضع لا تُحسد عليه من ناحية الشرعية، خاصة أن العديد من الدول العربية قررت أن تلعب على مشكلة الشرعية هذه، بطريقة مجانية فى أغلب الأحوال، مما جعل النظام السلطوى يزداد تسلطا وحرصا على احتكار العلاقة مع إسرائيل عبر أجهزته الخاصة.

غير أن جرح الشرعية الذى أصاب طريق السلام مع إسرائيل يرجع أيضا إلى ازدواجية أخرى، على الجانب الإسرائيلى هذه المرة. فمن وجهة نظر صهيونية متشددة، يمتلك الشعب اليهودى مجمل أرض فلسطين، وليست إقامة دولة إسرائيل سوى "عودة" "الشعب اليهودى" إلى أرضه المقدسة، وكأن الصهيونى الحالى هو نفسه اليهودى الذى طُرد من أرض إسرائيل من ألفى عام ويزيد. هذه الإيديولوجية بدورها قد تقبل التنازل عن سيناء، مثلا، برغم الادعاءات بوجود "حقوق" يهودية ما فى مناطق منها. أما أرض فلسطين نفسها، فالحل "النموذجى"، أو المتسق مع هذه الإيديولوجيا، هو ببساطة "الترانسفير"، أى نقل كل العرب خارج "أرض إسرائيل المقدسة"، أو إبادتهم. ونظرا لأن كلا الحلين مستحيلين دوليا، حتى الآن، برغم توافر الإمكانية العسكرية البحتة لتنفيذهما، فإن الخيار الصهيونى الخالص، مثل الخيار العربى الخالص، يظل مستحيلا.

يترتب على ذلك أن السياسة الإسرائيلية الفعلية لا تفعل سوى تأجيل المشكلة، لتحاول قضم قطعة من الأرض بعد الأخرى، بالاستيطان، بالجدار العازل، بطرد العمال الفلسطينيين (وهو أمر ساعدتها عليه الفصائل المسلحة التى استعملت العمالة الفلسطينية فى عمليات انتحارية ضد مدنيين إسرائيليين). غير أن الإيديولوجية الصهيونية بدورها، كإيديولوجية هوية، تواجه مصاعب متزايدة، بحيث أصبحت كل قضمة جديدة للأرض مشكلة أكثر منها حلا، بقدر ما أنها تجعل أى تسوية مستحيلة عمليا وفقا لحل الدولتين. لأن الأراضى المصادرة تعنى تقلص فرصة توفير ظروف معيشة ملائمة لعرب 1967، وهو شرط جوهرى لأى سلام حقيقى. وفضلا عن ذلك فإن عمليات الانتقاص المستمرة من حقوق عرب 1948 دفعت بهم إلى سياسة معادية للدولة الصهيونية. هنا أيضا يتناقض اللاوعى السياسى مع الواقع السياسى، برغم أن أعمال العنف الفلسطينية ضد المدنيين الإسرائيليين وعمليات الانتقام الإسرائيلية الوحشية تلقى بضباب كثيف يخفى المشكلة.

بسبب الازدواج الإيديولوجى/ السياسى على الجانبين، وتعذر حل التناقض بسبب تغذى كل طرف على إيديولوجية الطرف الآخر، ظلت الإيديولوجيات الكامنة فى اللاوعى السياسى حية خلف كل عمليات السلام. فأصبحت غنيمة يتلقفها كل طرف ناشئ ليبنى عليها شرعيته فى مواجهة الأطراف التى انسحبت من إيديولوجية "صراع وجود لا حدود". وهكذا ظلت هذه الإيديولوجية المستحيلة سائدة بين من يحملون السلاح ضد إسرائيل، تحت شعارات "التحرير من النهر إلى البحر"، أو "فلسطين وقف إسلامى لا يجوز التفريط فى أى جزء فيه"، كما تقول حماس الآن.

لعل هذا ما يفسر أيضا عودة أفكار من قبيل "إسرائيل أداة استعمارية فى المنطقة". فطالما ظلت إيديولوجيات الهوية قائمة على الجانبين، يستطيع أنصار فكرة "صراع وجود" أن يشيروا دائما إلى شىء صحيح، هو أن خيار السلام فاشل حتى الآن، وأنه ليس خيارا إسرائيليا حقيقيا. وهكذا أصبح اللا وعى يتحكم فى المشهد الإيديولوجى، نظرا لأن القبول باتفاق سلام بالنسبة لإسرائيل مسألة شائكة تضع الإيديولوجية الصهيونية على المحك، وتهدد بنقل إسرائيل إلى "ما بعد الصهيونية". على الجانب العربى، كان السلام فى الحدود التى مارسته فيها أنظمة الهوية السلطوية، وفى حدود خيارها الاستراتيجى باستبعاد السكان من الفعل السياسى، بل وانعدام رغبتها فى أية علاقات مع إسرائيل وسكانها إلا من خلال أجهزة المخابرات والأجهزة الدبلوماسية، أو مخاطبة الرأى العام الداخلى والإسرائيلى بشكل فعال فى إطار استراتيجية سلام تحررية بالفعل، كل ذلك أدى إلى الإبقاء على اللا وعى السياسى على الجانبين، ليدفع بالمشهد ككل إلى أزمة مزمنة.

فى ظل هذه الأزمة/ الازدواج، أدى "السلام" إلى انتقال الفكرة الهوياتية بشأن القضية الفلسطينية إلى الإسلاميين، أى وراثتهم بلا منازع للخطاب القومى، ومن هنا قدرتهم على جذب القوميين واليسار القومى، برغم الاختلافات الكبيرة فى نواحى إيديولوجية أخرى. ووفقا للتحليل المذكور، يرجع ذلك إلى اللا وعى السياسى الكامن، الناتج أساسا عن بقاء البنية السياسية والإيديولوجية السلطوية الهوياتية فى المنطقة كلها، والمضطرة بالتالى إلى الإبقاء على الخطاب القومى/ الإسلامى سائدا، برغم إفلاسه، ووجود نظم داعمة للقوى الهامشية فى إطار الصراعات العربية- العربية، بل بما سمح ببروز داعمين هامشيين مثل قطر، مدفوعين بصراعاتهم العربية (صراع قطر مع السعودية مثلا)، ومستغلين ما قد أسميه "فائض القوة الإيديولوجى" (من خلال قناة "الجزيرة") لينفخ فى قوتهم الهامشية.

ومع تبلور محدودية الحدود الممكنة للصراع تزداد الفجوة بين الأفعال والأقوال اتساعا: الطريق الثانى، أى "السلام"، هو الذى يُمارَس بالفعل، برغم تعثره، بل وتناقضه مع نفسه، بفعل الازدواج، بينما الطريق الأول هو الذى يحتل وسائل الإعلام. وفى فجوة الشرعية هذه تكبر ظواهر صغيرة مثل حزب اللـه أو حماس لتأخذ أبعادا أسطورية، بالضبط لأنها تستفيد من مجال قُوى أكبر من حجمها، ولكنه يصب لمصلحتها. على هذا النحو أصبح خطاب الهوية بشأن إسرائيل مجرد أداة تحملها كل قوة صاعدة، تصعد بها على أجنحة فجوة الشرعية هذه وما تولده من فائض القوة الإيديولوجية. وكلما حققت إحدى هذه القوى أهدافها (نجاح حزب اللـه فى فرض شروطه فى المشاركة فى السلطة فى لبنان، أو السيطرة على معبر غزة، إذا نجحت فيه حماس)، لا تجد أمامها سوى مواصلة المسيرة على نفس الطريق: من المواجهة إلى الهدنة ثم التفاوض.

يمكن أن نقول، بصفة عامة، أن الازدواج المتزايد الاتساع بين السياسة والإيديولوجيا يفسر لنا لماذا ظلت المسألة الفلسطينية استثمارا متاحا لقوى متعددة، فلسطينية وعربية، داخلة فى حالة من الشد والجذب المستمرين، بحيث اشتبكت مع كثير من الأهداف السياسية لأطراف عديدة.  

يفضى هذا التحليل إلى نتيجة أولية: إن التحدى الحقيقى لأى تصور ديمقراطى بشأن القضية الإسرائيلية ينبغى أن ينبنى على تجاوز فاعل لهذا الازدواج، لا مجرد شرحه. إذا صح التصور السابق يمكن القول بأن الوقت قد أزف، بعد حوالى قرن من الصراع، قبل وبعد تأسيس دولة إسرائيل، لطرح استراتيجيات مختلفة، تتجاوز الازدواج المتفاقم بين الشرعية والسياسة، لتضع سياسات جديدة تقوم على أسس شرعية واضحة. ويمكن مبدئيا أن نقول أنه حل يقبل مبدئيا بوجود خمسة أو ستة ملايين يهودى، وخمسة ملايين عربى فى أرض فلسطين حسبما رسمتها المعاهدات الدولية بين القوى الاستعمارية بعد الحرب الأولى، فضلا عن حقوق المنفيين خارجها. وأن التسوية التى تقوم على هذا الأساس يجب أن تتجاوز من البداية نفسها، بضربة مزدوجة، كلا من اللا وعى السياسى المشلول والواقعية السياسية منقوصة الشرعية لمعسكر "السلام".

*

ولكن قبل أن نتناول الخطوط العريضة لحل كهذا يجب أن نقول شيئا عن طبيعة القضية نفسها من وجهة نظر يسارية وديمقراطية. يطرح هذا المقال أن القضية الفلسطينية والعربية، من الناحية "الإسرائيلية" فيها، هى فى المحل الأول قضية إقامة دولة استعمارية استيطانية فى المنطقة. ليست المشكلة الجوهرية هى أن اليهود، الذين اعتادوا على مدى التاريخ على الحج إلى فلسطين والإقامة فيها أحيانا، قد وفدوا بكثافة تفوق قدرات السكان العرب على استيعابهم. فبرغم أن هذه مشكلة مهمة فى حد ذاتها، فإنها لا تفضى بالضرورة للمشهد الذى نراه. لقد شهد التاريخ فى جميع أنحاء العالم تقريبا عمليات نزوح وهجرة لشعوب وقبائل، منها هجرة القبائل التركية التى استقرت فى النهاية فى الأناضول، أو الهجرة العربية إلى أسبانيا، أو غزو النورمان للجزيرة البريطانية، الخ.

عادة تؤدى التنقلات الجماعية للأقوام إلى احتكاكات وحروب محلية، ثم تجرى مع الوقت عمليات اندماج بين القبائل أو الأجناس المقيمة والوافدة. وبرغم الاحتكاكات والحروب، فإن هذه التحركات لا تتضمن بالضرورة مواجهات شاملة، ولا تستبعد، حتى فى حالة الصراع الممتد، استمرار وجود الطرف المهزوم، ولو فى مرتبة أدنى، سواء كان هو الطرف الوافد أو الأقدم. أما الهجرة اليهودية تحت رعاية الصهيونية فلم تكن هجرة قبائل، ولا حتى جماعات، مثل جماعات اللاجئين الموجودة حتى الآن فى أماكن كثيرة فى العالم، بالملايين أحيانا. كانت هجرة منظمة على الطريقة الحديثة، تقوم على تجنيد أفراد فى مشروع استيطانى، يدعى أنه قومى، ويستبعد من حيث المبدأ السكان الأصليين، فينكر وجودهم فكريا، ثم يتخلص منهم بالمذابح والتشريد والطرد عمليا.

أتى هذا النزوح إذن كاستعمار استيطانى حديث يتسم بالآتى: أنه يعبر أساسا عن مشكلة لا تخص المنطقة أصلا، وهى العلاقات المتوترة بين المسيحيين الأوربيين واليهود فى أوربا عموما، وأوربا الشرقية والوسطى خصوصا، وما صحب ذلك من اضطهادات ومذابح متنوعة (وهذه هى معاداة السامية)، تزايدت مع انتقال أوربا إلى الحداثة، لأنها تجاوزت مجرد صدامات أو اضطهادات محلية، لتصبح خطابا عاما، بفعل نشأة الدولة الحديثة وصحفها، بحيث أصبح من الممكن أن يشيع العداء لليهود بين أوربيين لم يروا يهوديا فى حياتهم. وكما هو معروف بلغت معاداة السامية ذروتها فى عهد ألمانيا النازية.

من جهة أخرى كانت الصهيونية من الناحية الفكرية نتاج تبنى الرؤية المسيحية الغربية لليهود (مما لا مجال للتوسع فى توضيحه هنا)، ولمحاولة لإدماج اليهود (الذين كانت أوربا تنظر لهم كشرقيين) داخل التفسير الأوربى للتقدم، مقترنا مع رفض إدماج يهود أوربا الشرقية أنفسهم فى مجتمعاتهم أو فى المجتمعات الأوربية الغربية التى وفدوا عليها. وبالتالى ظهرت فكرة أن اليهود، على غرار الأمم الأوربية، أمة مستقلة بدورهم، وهو أساس الفكرة الصهيونية، كحل للمشكلة الأوربية. ومنذ هذه اللحظة بدأ الصهيونيون، يهود وغير يهود، يحاولون تأويل تواريخ الجماعات اليهودية المختلفة على هذا الأساس، أى فكرة القومية. ومنذ هذه اللحظة اعتمدت الصهيونية على معاداة السامية، وقاومت مثلها محاولات إدماج اليهود فى مجتمعاتهم المختلفة.

والمقصود من هاتين النقطتين التأكيد على أن الاستيطان الصهيونى، بخلاف أية هجرات يهودية أخرى سابقة، ليس أجنبيا فحسب، ولكنه يسعى باستمرار للانتساب لأوربا ولأن يستمر أجنبيا عن المنطقة العربية، رافضا التوطن فيها أو التأقلم معها. فالمنطقة بالنسبة لهذا المشروع مجرد "مكان"، أو فراغ. ويظل العرب بالنسبة للصهيونية شيئا "تصادف" لسوء حظهم أنه وُجد فى الأرض الموعودة، أو "أرض الأجداد"، ثم "تصادف" أنه يحيط بهم فى شكل مجموعة دول عربية.

وبهذه العقلية ليست إسرائيل سوى نوع من الجيتو (المعزل) اليهودى، يتميز عن أى جيتو آخر بأنه مستقل ومسلح. وقد نشأت الجيتوهات فى أوربا فى القرن السادس عشر، كنوع من حماية اليهود من المذابح من جهة، وعزلهم باعتبارهم محتقرين ومكروهين من جهة أخرى. فالجيتو، ابن الحداثة، هو بالفعل النموذج الأصلى لفكرة الدولة الإسرائيلية، مع فارق أساسى، أنه فاقد الصلة بالمنطقة.

وربما بسبب هذا المنشأ تحتاج الصهيونية دائما إلى تصوير أوضاع اليهود فى كل أنحاء العالم على أنها أوضاع جيتو آخر، ولكنه مضطهد، أو يمكن أن يتعرض للاضطهاد (مثل دعوة رئيس وزراء إسرائيل ليهود فرنسا للهجرة إلى إسرائيل منذ بضعة أعوام، الأمر الذى أثار غضب السلطات الفرنسية). ووفقا لهذا التصور من البديهى أن الجيتو المستقل المسلح أفضل من غيره. وليس قانون العودة سوى التجسيد لهذه الرابطة المتخيلة بين يهود العالم، التى تتصورهم جميعا، على خلاف الواقع، كشبكة من الجيتوهات، عليها جميعا أن تقر بأن إسرائيل هى الجيتو الأعظم والقائد والهدف النهائى.

وبهذا المعنى تتوافق الصهيونية مع معاداة السامية، أو تعتمد عليها، بقدر ما أن هذا العداء يثبت الضرورة الحيوية لإسرائيل كملجأ نهائى ليهود العالم من الاضطهاد، وبالتالى تلتقى أيضا مع النزعة المعادية لليهود، بوصفهم يهودا – أى بغير تمييز بين الصهيونية واليهودية – فى كل مكان، بما فى ذلك مصر والبلاد العربية الأخرى. وتتمثل نقطة الالتقاء فى أن مفاد الفكرتين أنه لا نجاة لليهود ولا مستقبل لهم خارج قلعتهم الحصينة، أى دولة إسرائيل.

وعلى خلاف التصور القائل بأن معاداة السامية قد انتهت فى العالم بعد هزيمة النازى، فإنها فى واقع الأمر مستمرة بأشكال عديدة فى الحضارة الأوربية، فضلا عن انتقالها إلينا، فكلاهما يولد الآخر ويعتمد عليه. لم يعد باستطاعة أحد، سوى قلة، أن يجاهر بهذا العداء فى الغرب، غير أن ثمة أشكال كثيرة غير مباشرة من العداء، بما يفسر مثلا هجرة بعض اليهود من أوربا والولايات المتحدة نفسها إلى إسرائيل حتى الآن. ولعل أوضح أشكال معاداة السامية هذه، ويا للغرابة، المسيحيون المتشددون فى الولايات المتحدة، الذين ينادون بما يسمى "عودة" كل اليهود إلى إسرائيل لكى يأتى المسيح المنتظر، حيث سيكون على اليهود، وفقا لمعتقداتهم، الاختيار بين التحول إلى المسيحية والقتل. فمثل هذا الشكل من الصهيونية المسيحية مبنى فى واقع الأمر على عداء للوجود اليهودى فى الولايات المتحدة مغطى بشكل مبالغ فيه من "محبة" إسرائيل. وليس التأييد الصريح لإسرائيل والاعتراف فوق ذلك بأنها "دولة يهودية"، ويجب أن تظل كذلك، سوى نوع من الرياء الغربى الذى يرمى إلى مواصلة معاداة السامية، مع تصديرها إلى الخارج، والتنصل من تحمل مسئولية التاريخ الطويل من الاضطهاد والمذابح ضد اليهود.

من الناحية العملية يفضى تصور الوضع على هذا النحو إلى إدراك الأهمية الكبرى للفصل بشكل حاسم بين الصهيونية واليهودية، أى الإصرار على أن معاداة الصهيونية لا تعنى بأية حال معاداة اليهود، بل ربما العكس تماما. هذا التصور يتسق مع تصورات اليسار عن التحرر الشامل، حيث يجمع بين مواجهة الصهيونية ومكافحة العداء للسامية، ومن شأنه أيضا أن يواجه ما أسميته "صهينة" الثقافة العربية، بمعنى قبولها لفكرة وجود جوهر يهودى واحد مشترك، التى تعد أساس أفكار "المؤامرة اليهودية العالمية"، وأساس الإصرار، عبر تأييد أشكال مختلفة من الدولة السلطوية، على بناء "جوهر عربى" مضاد. بالمقابل فإن التوجه المطروح هنا من شأنه أن يفتح الباب لحوار خلاق مع القوى التقدمية الإنسانية الأخرى فى العالم، التى تبدى الآن حيرة بالغة إزاء التناقض بين واجب الدفاع عن الفلسطينيين باعتبار اضطهادهم وقهرهم المشهود على أيدى إسرائيل، وبين الاقتناع بحق اليهود، بوصفهم أصلا ضحايا اضطهاد، فى بناء دولة ما تخصهم، فضلا عن اهتمامهم بالبعد عن شبهة العداء للسامية المتفشية فى الأوساط اليمينية الغربية.

 

ثانيا: القضية الفلسطينية

من حيث المبدأ تتناقض الرؤية القومية للقضية الفلسطينية من جوانب عديدة مع الديمقراطية والعقلانية وتنضح بالسلطوية، فهى مرتبطة بظاهرة "الصهينة" التى تناولناها سابقا، سواء من حيث تأييدها المباشر وغير المباشر للدول والقوى السلطوية، بشعارات من قبيل "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، أو ترويجها للرؤية الأسطورية لإسرائيل كما نوقشت أعلاه. من هنا نفهم لماذا يعترض البعض على تقديم برامج تليفزيونية وثائقية عن إسرائيل، ربما لأنها تجعل المشاهدين يعرفون أن الإسرائيليين قوم يمشون فى الأسواق ويأكلون ويشربون ولديهم مشكلات اجتماعية، بما يكسر تابو الرهبة القومى.

ولكن لا يمكن اختزال القضية الفلسطينية، كما ترى بعض الأصوات الليبرالية، إلى مجرد سلاح إيديولوجى اخترعته نظم وتيارات الهوية السلطوية. بل يمكن القول، على العكس، أن هذه القضية قد أفادت هذه النظم والتيارات بقدر ما أنها قضية حقيقية، سواء كقضية أمن لعدة دول فى المنطقة، أو كقضية استعمار استيطانى مدمر للشعب الفلسطينى. واقع الأمر أن أوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال وفى المنافى تفرض نفسها كقضية أساسية على كل تيار ديمقراطى أو تحررى أو يسارى، فى المنطقة عموما، وفى مصر خصوصا. وبالتالى هناك مهمة ملحة لبناء رؤية ديمقراطية جذرية للقضية ككل، بدءا من أسبابها وحتى كيفية النضال مع الفلسطينيين وأهداف هذا النضال.

ولنبدأ من البداية، أى طبيعة المشكلة الفلسطينية التى ترتبت على إقامة إسرائيل ثم حرب 1967. أدت الحربين إلى تقسيم الفلسطينيين من حيث علاقتهم بأرض وطنهم إلى:

1- عرب 1948، أى من بقى أو أفلح فى التسلل عائدا من سكان فلسطين إلى وطنهم داخل حدود إسرائيل بعد حرب 1948. وهؤلاء حصلوا على الجنسية الإسرائيلية، لكى تنفى إسرائيل عن نفسها أنها دولة عنصرية. وبرغم تمتعهم بالحقوق السياسية، فإن التمييز ضدهم مستمر فيما يتعلق بتملك الأرض وفرص الترقى والتعليم، فى ظل مبدأ الحفاظ على "يهودية" الدولة، واحتكار اليهود، الأوربيين خصوصا (الأشكيناز)، للمناصب الرئيسية فى الدولة.

 

2- عرب المخيمات فى الأردن ولبنان أساسا، وكذلك فى الضفة الغربية وقطاع غزة قبل 1967، بوصفهم نازحين من المناطق التى احتلتها إسرائيل فى حرب 1948 (ومما له دلالة، أن المخيمات ما زالت قائمة حتى الآن فى الضفة لمن نزحوا إليها من مناطق 1948!). 3- الفلسطينيون فى الضفة والقطاع، الذين يعتبرون وفقا للقانون الدولى واقعين تحت الاحتلال الإسرائيلى، والذين حصلوا عبر أوسلو وما تلاها على نوع من الحكومة الواقعة تحت التهديد الإسرائيلى الدائم.

 

4- فلسطينيو الشتات، الذين يعيشون فى دول كثيرة، حيث حصل بعضهم على جنسية البلد المضيف (فى الدول غير العربية فى معظم الحالات، عدا الأردن التى منحت الجنسية لعدد كبير منهم) والباقى يعيشون بإقامة مؤقتة ووثائق سفر.

من الناحية العامة أضير كل هؤلاء بطريقة أو بأخرى بقيام الدولة الصهيونية، ويتمتعون جميعا من حيث المبدأ، وفقا لفكرة وجود أمة فلسطينية، بحق إقامة دولتهم. ويمكن القول بأنهم جميعا يعيشون بقدر أو بآخر فى منفى، اختيارى أو إجبارى، إذا فهمنا المنفى بمعنى أوسع قليلا من الحياة مطرودا من مسقط الرأس: من منفى داخلى بالنسبة لفلسطينيى 1948، لمنفى ناتج عن نقص السيادة والتدخلات المستمرة بالنسبة للمناطق الواقعة جزئيا تحت سيطرة الحكومة الفلسطينية، إلى المنفى "الرسمى"، أى سكان المخيمات فى كل مكان، وأخيرا المنفى نصف أو ربع الاختيارى، لمن يعيشون خارج المخيمات وخارج فلسطين معا.

وبالنسبة للتيار القومى، ظل القسم الأكثر أهمية لمدة طويلة هو سكان المخيمات، الذين خرجت منهم كوادر حركة التحرير الفلسطينية (فتح) والتنظيمات الموازية لها، والتى اجتمعت فى "منظمة التحرير الفلسطينية". فبفعل سوء وضعهم بصفة خاصة، أى معيشتهم فيما يشبه الجيتوهات فى الدول العربية، ظهرت منهم الكوادر المقاومة الأولى. وقد انتهت هذه المرحلة بهزيمة المنظمة عام 1982، باضطرارها للرحيل عن آخر معاقلها المجاورة لإسرائيل، وهى لبنان (فقد سبقتها عمليات تصفية فى سوريا والأردن، بينما لم يتح لهم أصلا المقاومة من مصر، برغم كل الشعارات القومية الناصرية وما بعد الناصرية)، لتعيش فى المنفى البعيد فى تونس. وفى المرحلة الثانية أتت الانتفاضة الفلسطينية الأولى من داخل الأراضى التى تم احتلالها فى 1967، أى الضفة والقطاع، والتى كان حصادها النهائى عملية السلام التى نقلت منظمة التحرير إلى مناطق فى الضفة والقطاع وفقا لاتفاق أوسلو، وإنشاء حكومة فلسطينية، استطاعت حتى الآن أن تبنى توافقا مع سكان الضفة الغربية، بينما فشلت فى غزة، حيث قامت حكومة حماس الموازية التابعة للتيار القومى- الإسلامى.

وبينما يوكل لفلسطينيى "الشتات"، وبالأدق بعضهم، لعب دور ما فى تمويل الكفاح الفلسطينى، والدفاع عن القضية الفلسطينية فى البلدان الأخرى، ظل عرب 1948 يُنظر إليهم كنوع من "الخونة"، أو على أقل تقدير كعناصر مشكوك فى ولائها، حتى أن غلاة أنصار رفض "التطبيع" يرفضون إقامة علاقات معهم، باعتبار أنهم يحملون جواز سفر إسرائيليا، وبافتراض أنهم "متأقلمون" مع الدولة الصهيونية أو "مستسلمون" لها. ووفقا لهذا المنطق الغريب، ولكن المفهوم تماما فى ضوء أساطير التيار القومى، فإن من هربوا فى أحداث 1948 الدامية وعاشوا فى المخيمات هم أكثر فلسطينية ممن ظلوا فى بلادهم وتحملوا الحكم الإسرائيلى.

والذى يعنينا هنا هو أن هذا التصور يميل بطبيعته إلى النظر إلى الفلسطينيين من الخارج. فكلما كان الجسم الفلسطينى متخارجا تماما عن أرضه، وكلما كانت ظروفه أقل طبيعية، وكلما اعتمد، بالتالى، على السلاح أساسا، كلما زادت أهميته وقيمته واعتُبر الممثل أو النموذج الحقيقى أو المرغوب فيه للفلسطينى. كانت الأولوية فى البداية للنظم العربية السلطوية القومية المحيطة، ثم للمقاومة الفلسطينية من المخيمات (فتح وغيرها)، ثم لحماس التى نقلت المقاومة المسلحة لتنبع من القطاع، بينما ظلت المقاومة الفلسطينية اليومية داخل حدود 1948، وما زالت، مستبعدة وهامشية ومشكوكا فيها. فالنضال من الداخل، وفى تماس مع المجتمع الإسرائيلى، ليس شيئا مرغوبا فى رؤيته فى الطبعة الهوياتية (قومية/ دينية) للقضية الفلسطينية.

ويرجع هذا الوضع الغريب إلى أن إيديولوجيات الهوية إنما تسعى إلى حشد أنصار فى معسكرين متمايزين بشكل قاطع، واستبعاد جميع التعقيدات، بما يطمس كل التمايزات فى الداخل كما فى الخارج. وهو ما يتطلب بالضرورة إخفاء جميع هذه التعقيدات عن أعين الجمهور.

بصفة عامة تقوم سياسة التيار القومى (والدينى، ولو بلغة مختلفة) على مبدأ الفصل الحاسم بين معسكر عربى أو إسلامى وآخر إسرائيلى أو يهودى. وبالطبع يعنى هذا وضع كل ما لا يتفق مع أجندتهم ورؤاهم فى خانة الأعداء، أى فى المعسكر الآخر. والمهمة المستمرة بعد إنشاء هذا الحائط المانع تسوية كل معسكر الآخر ببلدوزر فكرى ثقيل وفظ، فمن لا يتفق معهم فهو "عميل". وعلى الجانب الآخر، أى الجانب النضالى وفقا لهم، يُستخدم نفس البلدوزر فى "تشذيب" الصورة العربية عن الفلسطينيين، بتصويرهم كجسد واحد له أهداف واحدة.

من أهم النتائج التى تترتب على هذه "الحتمية الإيديولوجية" هى اضطرار هذا التيار لحجب أو تجاهل واقع وجود عرب يحملون الجنسية الإسرائيلية (عرب 1948)، ومن ذلك مثلا إشاعة أن عددا كبيرا (على خلاف الواقع) من المصريين تزوجوا من "إسرائيليات" (على خلاف الواقع أيضا، لأنهن فى معظم الأحيان من عرب 1948 حاملات الجنسية الإسرائيلية). وكذلك تجاهل واقع وجود يهود عرب، ما زالوا موجودين فى المغرب بالذات بأعداد كبيرة، وآخرين اضطروا للهجرة وقرروا ألا يتوجهوا إلى إسرائيل، أو هاجروا إليها، بسبب الدعاية الصهيونية جزئيا، وبسبب عمليات الاضطهاد المنظم من قبل بعض الحكومات العربية أيضا (مثلا الضغوط التى تواصلت على اليهود المصريين حتى خلت البلاد منهم فى الخمسينيات)، واحتفظوا بقدر من ثقافتهم العربية.

وبالطبع يتجاهل التيار القومى جرائم ترحيل اليهود العرب، لأنها بالنسبة له مأزق لا حل له: فهو بعد أن طردهم من بلادهم الأصلية لا يستطيع أن يلوم من رحل منهم إلى إسرائيل (وهم عادة الفئات الأفقر التى لم تجد لها ملجأً آخر)، إلا إذا كان يفترض أن اليهود ليس لهم حق فى الحياة أصلا، أى ليعلن عن نفسه باعتباره تيارا عنصريا هدفه الإبادة، أى أسوأ من الصهيونية، ومفيد، بالتالى، عمليا للصهيونية. الحل إذن هو "النسيان". هذه الحالات جميعا تضايق الأصولية الهوياتية لأنها تكشف زيف الأطر الحادة الجامدة والصور المبسطة التى أنتجتها هذه الإيديولوجية، أو بتعبيرهم "تميِّعها".


ثالثا: كفاحية سلامية: نحو حل ديمقراطى جذرى للقضية الفلسطينية

ينطلق التصور الديمقراطى الجذرى للقضية الفلسطينية المطروح هنا من قضية مبدئية: أن القضية تخص تحرير قطاعات من البشر تخضع لاضطهاد منظم باسم الهوية. هذا التصور يعنى أن الجانب المتعلق بالثقافة أو الهوية من القضية ليس إلا جانبا واحدا من قضية إنسانية تتعلق بظروف حياة وحقوق سكان محددين. بهذا المعنى فإن جوهر القضية الفلسطينية، ليس "إثبات" التمسك بالهوية، التى هى فى الواقع موجودة بشكل تاريخى، وإنما شروط حياة عائلات وقرى ومدن فلسطينية، بشر فلسطينيين، يعيشون بشكل أو بآخر فى منفى داخلى أو خارجى، منتقصى الحقوق. إن ما يجعل القضية الفلسطينية حية ليس وجود فتح أو حماس، بل الخمسة ملايين فلسطيني الذين يعيشون فى فلسطين، سواء فى الضفة والقطاع، أو فى أراضى 1948، ومجمل التوازنات والاعتبارات الإقليمية والدولية التى حالت وتحول دون ترحيلهم بالكامل أو إبادتهم. أضف إليهم من يعيشون فى مخيمات خارج فلسطين فى وضع معلق، بلا أمل فى حياة طبيعية فى بلدان "الأخوة العرب". لقد ظل عرب 1967 تحت الاحتلال عشرون عاما قبل أن يبدأوا "انتفاضة الحجارة". وهذا درس يعلمنا الكثير عن أهمية الحفاظ على الإنسان الفلسطينى كأولوية أولى، قبل الإلقاء به فى مواجهات فاشلة.

وبهذا المعنى فإن مستقبل الصراع من الناحية الاستراتيجية يعتمد بالدرجة الأولى على مدى تقدم وتحضر فلسطينيى الداخل، سواء فى أرض 1948 أو 1967، أو فى المخيمات داخل فلسطين، أى مستوى تعليمهم وثقافتهم، ومهاراتهم بصفة عامة، وفى المجمل إنتاجيتهم، وبالتالى قدرتهم على الصمود بأشكال مختلفة وعديدة، انتهاء إلى حسم الصراع بالتوصل إلى اكتساب حقوقهم الإنسانية، المدنية والسياسية، كاملة. بعبارة أخرى: بالنسبة لتصور ديمقراطى، الموقف من القضية الفلسطينية هو موقف من الفلسطينيين أنفسهم كبشر، وبالتالى يكون للجانب الذى أسميته "القضية الفلسطينية" أولوية على ذلك الجانب الآخر الذى أطلقت عليه "القضية الإسرائيلية". والحال أنه وفقا للوضع الراهن، والتيار الهوياتى السائد، العكس هو الصحيح. فـ"التحرر" وفقا للتصورات الهوياتية يتحقق بالتخلص من الجزء اليهودى الغريب، أولا وأخيرا، قبل أى التفات لأوضاع الفلسطينيين أنفسهم. وقتيل أو جريح واحد إسرائيلى يستحق التهليل، حتى ولو كان ثمنه مئة فلسطينى. ومن هنا نلمس هذا الاستعمال المتكرر لأوضاع الفلسطينيين بغرض أساسى، هو التشهير بإسرائيل، بغير التفات إلى المهمة الحقيقية، وهى تطوير أوضاع الفلسطينيين أنفسهم وارتفاع وعيهم وتنظيمهم.

القضية إذن هى الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية لهؤلاء البشر، بتحررهم من الأشكال المختلفة من المنفى. غير أن هذا لا يمكن تحقيقه من جانب واحد، بفعل التداخل الكبير، السكانى والمفهومى، بين القضيتين، الفلسطينية والإسرائيلية. فتحرر الفلسطينيين لا بد أن يترافق مع تحرر سكان فلسطين اليهود بدورهم من عقلية ووضع الجيتو الأوربى المعزول والمتفوق. فالمسألة الأكثر أهمية هنا هى الربط على نحو إنسانى وواقعى بين القضيتين، بالتخلص من تصور وجود علاقة أحادية قائمة على صراع هويتين على أرض واحدة، كل هوية منهما كتلة واحدة لا تنقسم ولا تختلف، ولا حل، بالتالى، إلا بالتخلص من إحدى الكتلتين.

هذا الموقف المبدئى يعنى تبنى استراتيجية محورها بلورة قوى، أسسها موجودة بالفعل، تقبل فكرة تحمل مسئولية تجاه الكتلتين السكانيتين، العربية واليهودية، فى فلسطين، كشرط أساسى لتجاوز الازدواج بين ما هو مشروع وما هو ممكن، والذى ذكرنا فى البداية أنه يميز الصراع الدامى الطويل، سواء على الجانب العربى أو الإسرائيلى، ويعرقل أية إمكانية لإنهائه. ما يجعل هذا الطرح ممكنا الآن ليس أى ذكاء خاص للكاتب، وإنما واقع أن الصراع القائم على مبدأ الهوية كشف عن حدود فاعليته، بما تطور إليه من اتساع لا يطاق بين الواقع والمثال، حتى بغض النظر عن أنه مثال غير إنسانى أصلا.

ولكن على أى أساس يمكن طرح موقفنا هذا؟ نقد الرؤية الهوياتية ليس مطلوبا لذاته، ولكنه بقدر ما أنها رؤية تحجب الواقع الكامن الذى تختزله فى تصوراتها الأحادية. بداية نستطيع أن نميز داخل إسرائيل بين أطراف عديدة داخلها، وبين مشروعين منفصلين. من الناحية الأولى، أشار القوميون أنفسهم مرارا إلى الاحتكاكات داخل المجتمع الإسرائيلى بين اليهود الغربيين المسيطرين على الدولة واليهود الشرقيين، بما فيهم اليهود العرب، التابعين، وإلى مشكلات المجتمع الإسرائيلى النابعة من امتصاصه لعناصر مختلفة ثقافيا وتاريخيا واجتماعيا. غير أن الاستنتاج الوحيد الذى بنوه على ذلك هو أن المجتمع الإسرائيلى "هش" ومرشح للانهيار. وبرغم أن ستين عاما من الصراع كذبت هذا التوقع الدائم، فإنه ما زال يقال بلا أدنى مسئولية. واقع الحال أن الدولة الإسرائيلية، شأن أية دولة حديثة تمارس عمليات إدماج، من خلال الجيش والتعليم والسوق. أضف إلى ذلك أنه نظرا لاستمرار الصراع يميل معظم الإسرائيليين إلى ممارسة اختلافاتهم فى إطار مبدأ الدفاع عن الدولة التى تضمهم. وتميل الفئات الأفقر والأدنى إلى تأييد اليمين الإسرائيلى، بقدر ما يعدهم التوسع بفرص أفضل. فمثلما يفيد تعليق وإدامة الصراع القوميين والإسلاميين العرب فى الحفاظ على النظم الاستبدادية والهيمنة الإيديولوجية، يفيد أيضا غلاة الصهاينة فى إسرائيل ويرسخ هيمنة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. هذه التناقضات يمكن أن تكون فاعلة سياسيا، فقط إذا تم التفاعل معها فى إطار مشروع للتحرر.

غير أن ثمة اختلاف آخر أعمق من هذا التمايزات داخل المجتمع الإسرائيلى، يمكن تسميته الخلاف بين الرؤية الصهيونية المؤسسة للدولة والرؤية الإسرائيلية. الأولى تتعلق بالمسعى الأصلى للحركة الصهيونية العلمانية، أى جمع يهود العالم (بوصفهم جنسا، لا بوصفهم حاملى ديانة) فى هذه البقعة من الأرض. والتجسيد الأعلى لهذه الرؤية- الحركة، هو قانون العودة، الذى يمنح الجنسية فورا لكل يهودى يأتى إلى فلسطين. أما الرؤية الأخرى، الإسرائيلية، فهى تنبع من ما بعد الصهيونية، أى ما بعد تأسيس الدولة، حيث وُلدت أجيال جديدة فى أرض فلسطين من اليهود المهاجرين، فضلا عمن أتوا إليها أطفالا مع آبائهم. هؤلاء لا يعرفون عمليا وطنا آخر لهم سوى هذه الأرض. ويترتب على ذلك نتيجة مهمة، وهى أن هؤلاء لا مصلحة لهم عمليا فى استمرار قانون العودة، ولا فى مواصلة المشروع الصهيونى عموما، إلا بشكل دفاعى، لمواجهة تزايد السكان العرب فى إطار صراع الهويات. هذا يعنى أنهم قد يكتسبون بشكل متزايد وعيا إسرائيليا، ما بعد صهيونى، إذا فُتح أمامهم، أى أمام السكان اليهود، لا أمام الجهاز القمعى الصهيونى، أفق آخر للتعايش مع الفلسطينيين ومع المنطقة عموما.

من الناحية النظرية، يمكن، إذا اختلفت الظروف كما ذكرنا، أن تؤدى هذه التناقضات والاختلافات إلى تفكيك الأسطورة الصهيونية بشأن العودة إلى "أرض الأجداد"، غير أن هذا يتطلب عمليا إقرارا ما من جانب العرب بأن الصهيونية قد نجحت بالفعل فى تكوين نوع من "وطن قومى" لبعض اليهود – جنسا – أى تكوين نوع من شعب إسرائيلى من بعض اليهود بمكونات مؤسسية وثقافية جديدة، دون أن يعنى ذلك بالضرورة إقرارا بمشروعية المشروع الصهيونى المؤسس نفسه. فهذا الإقرار بوجود بشر يهود (ثقافةً، أى بصرف النظر عن اعتقادهم باليهودية كدين، أو ادعائهم بأنهم جنس قائم بذاته) لهم أوضاع مكتسبة فى هذه البلاد، ولهم بالتالى حق ما فى الوجود، مشروط بحقوق مساوية للفلسطينيين، يرتب نتائج سياسية واسعة المدى. فلأن هذا الإقرار يقدم مكسبا ملموسا للإسرائيليين بالإقرار بإمكان التعايش معهم فى المنطقة، فإنه يحرم وضع الجيتو الذى يحقق التماسك حول الأسطورة الصهيونية من أحد أهم مقوماته، ويفسح المجال لبلورة مواقف سياسية إسرائيلية مختلفة بشأن العرب الفلسطينيين والدول المجاورة. ومن ناحية أخرى فإنه يُضعف الأسطورة الصهيونية بشأن الجزيرة المتحضرة التى يحيط بها عدد مهول من "العرب المتوحشين" من كل جانب، بل يتواجدون فى "أرض إسرائيل" ذاتها.

ومن جهة ثالثة، وأكثر أهمية، فإنه يتيح تفاعلا واسعا مع المجتمع الإسرائيلى، كشرط أساسى لتعزيز المقاومة من الداخل للصهيونية وعقلية الجيتو. فمن خلال هذا التصور يمكن بناء علاقات نضالية ضد العدوانية الصهيونية مع العناصر الأكثر تقدما فى المجتمع الإسرائيلى، وعلى رأسها عرب 1948، واليسار الإسرائيلى، واليهود العرب، أو من أصل عربى. وتفصيل ذلك كالآتى:

على خلاف الفكرة القومية التى تميل إلى تقديس الصراع المسلح، باعتباره ذروة النضال، لأنه ذروة تحقيق فصل مطلق، نظريا، بين معسكرين، وما يستتبع ذلك من جعل "التطبيع" ذروة المحرمات والجرائم، يرمى المشروع الديمقراطى المطروح هنا إلى إذابة الحدود أو، بالمصطلحات الهوياتية، تمييعها، وتحقيق أكبر تداخل وتفاعل بين القوى المتقاربة سياسيا، وتنمية المعسكر الذى يرمى لتجاوز الصهيونية من منطلق ديمقراطى، والمتحالف على كلا الجانبين، أى على حساب كل من الفكرة الصهيونية والفكرة القومية السلطوية فى بلدان عربية مختلفة.

ويتسق مع هذه الاستراتيجية إعطاء أهمية خاصة لمساندة عرب 1948 وتدعيم نضالاتهم والتعلم منهم. فعلى مدى ستين عاما استطاع هؤلاء الفلسطينيون أن يحافظوا على وجودهم، وأن يبنوا مؤسساتهم المختلفة، وأن يستفيد بعضهم من التقدم الاقتصادى والعلمى فى إسرائيل، وما أتيح لهم من حقوق، منقوصة، فى جو ديمقراطى عام فى إبراز أصوات خاصة معادية للعنصرية المستترة داخل المؤسسة الإسرائيلية، وبالتحالف مع بعض قوى المجتمع الإسرائيلى أحيانا، وابتكار أشكال عديدة من المقاومة من خلال هذا التداخل. كما يبرز داخل مجتمع الضفة تيار مروان البرغوثى الداعى إلى ممارسة النضال السلمى ضد الاحتلال الإسرائيلى ومقرطة المجتمع الفلسطينى والسلطة الوطنية، وعديد من الجمعيات والمنظمات التى تدافع عن دولة واحدة ذات قوميتين، سواء فى الضفة أو بين عرب 1948، وبعض المفكرين والأكاديميين الفلسطينيين والعرب فى الشتات.

وهناك أيضا أصوات عديدة مفيدة داخل المجتمع الإسرائيلى: ما زالت أقلية شجاعة، ما زالت غير مؤثرة سياسيا، ترمى إلى التخلص من عنصرية الدولة الصهيونية، منها أصوات بعض المؤرخين الجدد فى إسرائيل، الذين كشفوا من واقع الوثائق الإسرائيلية كيفية ارتكاب مؤسسى إسرائيل لجرائم حرب وإرهاب وما يشبه التطهير العرقى فى عملية إنشاء الدولة، بما يضع أخلاقية المشروع الصهيونى محل تساؤل داخل المجتمع الإسرائيلى. كما تنشط أقلية ضد فكرة أن إسرائيل دولة يهودية، مطالبة بأن تكون دولة لكل مواطنيها، بما فى ذلك العرب، على قدم المساواة. وعادة يميل التيار القومى هنا إلى التقليل من شأن هذه الأفكار، بقياسها من حيث مدى انطباقها مع تصوراتهم القومية، ليحكموا عليها بأنها غير كافية، أو حتى بأنها نوع من التجمل، ناسين أن هؤلاء دفعوا ويدفعون ثمنا كبيرا لقاء تحديهم للأفكار الإسرائيلية السائدة. وواقع الحال أن هؤلاء النقاد الأشداء لم يبدوا عُشر معشار هذه الشجاعة فى نقد مسلمات الخطاب القومى العربى أو المصرى، جالسين فى المقعد المريح الذى منحوه لأنفسهم فى "التعبير عن الأمة" بكافة أشكال المزايدة. ويمكن القول بضمير مستريح أن هذا التيار عموما، بما فيه اليسار القومى، مضطر إلى تجاهل واقع وجود إسرائيليين مناصرين لقدر ما، يتسع ويضيق حسب الاتجاهات، للنضالات الفلسطينية.

ولعل أهم ما يساعد على تقوية هذه التيارات مبادرة التيارات الديمقراطية العربية فى اللحظة المناسبة بإعلان الإدانة الواضحة لكل عمليات اضطهاد اليهود السابقة فى بلدانهم، والاعتراف بحق هؤلاء اليهود فى العودة إلى بلادهم العربية، وصولا إلى تشجيع جهود بعضهم للحفاظ على تراثهم الذى رحلوا به إلى إسرائيل، ومساعدتهم على الاحتفاظ بروابط مع شعوبهم الأصلية. فمثل هذه الخطوة ذات قيمة رمزية كبرى فى الاعتراف بإنسانية اليهود وحقهم فى عدم التعرض لاضطهاد على أساس دينى أو قومى، وبالتالى تحقيق مواجهة فعالة للادعاءات الصهيونية: لا أمان خارج الجيتو.

باختصار، يفترض التصور الديمقراطى المطروح هنا أن حل القضية الفلسطينية بطريقة ديمقراطية هو بالأساس حل سياسى، تصنعه تحالفات قوى سياسية ديمقراطية، وعلى أسس تتجاوز فكرة صراع معسكرين قوميين لصالح صراع بين معسكر ديمقراطى تحررى وآخر استبدادى أو عنصرى، وفى كل الأحوال هوياتى. وبالتالى فإنه يعتمد على إدراك الدلالات المهمة التى تشير إليها هذه الحالات البينية، الفلسطينية والإسرائيلية، وصولا إلى التعاون معها، والمراهنة على أنها يمكن أن تصبح مرتكزا فاعلا لتحالفات أوسع وأقوى وأقدر على الحركة بقدر ما يضاف إليها من رصيد من مصر والبلدان العربية الأخرى، من خلال تفاعلات ومواقف سياسية حية ملموسة فى مواقف بعينها، ومن خلال حوارات ومشاورات على مستويات عديدة. وهو ما يتطلب أيضا مواجهة قدس الأقداس الهوياتى، أى عقدة "التطبيع"، وسنعرض لها بعد قليل.

ولا يقل أهمية عن ذلك البحث عن تحالفات مع قوى التحرر العالمية، وعلى أساس أجندة محددة، هى مساندة مثل هذا الخيار الديمقراطى، ومواجهة كل من نزعة معاداة السامية التى تصب فى طاحونة الصهيونية، وتحميل الدول الأوربية والتيارات الرجعية فى "العالم الأول" بمسئوليتها الجسيمة عن القضيتين اليهودية والفلسطينية. هذا بالإضافة إلى فضح ومواجهة الرؤى الاستعمارية التى تحط من شأن العرب والفلسطينيين، وتتعامل مع المنطقة ككل على أنها مجرد مورد من موارد الاقتصاد العالمى، وتساند فى هذا السياق النظم السلطوية وتيارات سلطوية مختلفة حسب الظروف، وفقا لأفكار منافقة بالغة التناقض.

وفى ضوء الأوضاع والتوازنات الحالية، يبدو أن هذا النوع من النضال من أجل حل ديمقراطى جذرى لا يمكن أن يتحقق من خلال الدول القائمة، سواء الداخلة فى معاهدات سلام مع إسرائيل أو غير الداخلة فيها. فهو حل يعتمد تماما على حركة من أسفل، تتولى عبر نضال طويل تجميع وتنمية القوى والمصالح التى يمكن أن تدعم هذا الحل، أى على قوى مناضلة مدنية مختلفة، تنظيمات حزبية، جمعيات أهلية، نقابات، مبادرات فكرية، الخ. فهذه القوى هى التى تستطيع أن تمد جسور التعاون سواء مع القوى الديمقراطية المناظرة فى صفوف عرب 1948، أو عرب الضفة والقطاع، أو القوى الإسرائيلية الناقدة للمشروع الصهيونى، أو الناقدة لاستكماله بالطريقة التى سار عليها من قبل، أى بالعنف والتوسع، أو اليهود العرب فى إسرائيل.

من خلال فتح أفق الحوار، وصولا إلى التعاون فى مواجهة كل من العدوانية الصهيونية والقوى الهوياتية العربية (التى ستصرخ "خيانة.. خيانة")، يمكن دعم نضالات ديمقراطية من أجل حقوق أكبر وتنظيم أفضل للفلسطينيين، من خلال أعمال احتجاج أشمل وأكثر تنظيما على السياسات الصهيونية، ومساعدات منظمة وتبادل خبرات، ونضالات فكرية، قد تشمل مثلا إصدار تقرير شامل مشترك عن النزعات القومية والدينية المتطرفة والعنصرية. مثل هذا التصور يمكن أن يتسع لإشراك قوى تحررية من مختلف أنحاء العالم. فالمتوقع أن معظمها سيرحب بتجاوز المنطق القومى/ الدينى للصراع لصالح حل إنسانى ونضالى للمشكلة الاستعمارية الأكبر الباقية فى عالم اليوم.

واتساقا مع هذا الموقف فإن الهدف النهائى يصعب أن يكون تقسيم فلسطين إلى دولتين. فالأكثر تناسبا مع الهدف الديمقراطى، والأكثر واقعية أيضا، هو دولة واحدة ثنائية القومية، بمعنى أن دستورها يعترف بوجود قوميتين على قدم المساواة، عبرية وعربية. وهو تصور بدأت بعض الأبحاث العربية والإسرائيلية فى وضع تصورات أكثر تفصيلا بشأنه. ويجب أن نلاحظ هنا أن هذا الحل يختلف عن الحل الذى طرحته قوى فلسطينية من قبل، وهو "دولة ديمقراطية علمانية على كامل التراب الفلسطينى". هذا الحل الأخير غير واقعى لأنه يفترض أمة متجانسة أصلا، وبالتالى، كما يحدث فى بلدان كثيرة فى العالم، يؤدى إلى استعمال الديمقراطية من جانب الأغلبية ضد الأقلية فى مئات التفاصيل فى التشريع والتنفيذ، بما يؤدى فى النهاية، خاصة فى ضوء تاريخ طويل من الصراع الممتد، إلى حالة حرب أهلية حادة أو مزمنة. فى حين أن دستورا يقوم على فكرة ثنائية القومية يعنى أن الديمقراطية تمارس فى حدود مراعاة المصالح الأساسية، اقتصادية وثقافية وغيرها، لكلا القوميتين، بحيث يجرى التشريع والتنفيذ فى حدود الحفاظ على المصالح الأساسية للقوميتين المكونتين للدولة.

ماذا إذن عن عملية السلام الجارية بالفعل؟ أى ذلك السلام غير الديمقراطى وغير العادل الذى تسعى قوى مختلفة لفرضه من أعلى ودفع ثمنه بالمساعدات؟ من وجهة نظر عملية فإن اتفاقية أوسلو، برغم نجاحها فى انتزاع قدر ما من الحكم الذاتى لبعض الفلسطينيين، ولكن تحت سيوف القمع الإسرائيلية، لا يبدو أنها يمكن أن تنتهى إلى إقامة دولة فلسطينية "قابلة للحياة"، بتعبير بوش، ومكتملة السيادة فى نفس الوقت. والحال أن النهاية المتاحة لهذه العملية، إن كان لها نهاية ما أصلا، هو إقامة نوع من حكم فلسطينى على أراض مجزأة، يصعب تصور أن ينجح حتى فى القيام بوظيفته الأساسية، وهى حماية إسرائيل كدولة "يهودية"، حسب تعهدات بوش، من الفلسطينيين، مقابل حصول بعضهم على هذه الأراضى كتنازل نهائى من قبل إسرائيل.

مثل هذا "الحل"، بفرض إمكان التوصل إليه أصلا، لا يعنى مطلقا أننا قد وصلنا إلى نقطة النهاية، أو أن "حل دولتين لشعبين" قد انتصر وانتهى الأمر. لأنه فى النهاية "حل" لا يقضى على استعمارية المشروع الإسرائيلى وخارجيته عن المنطقة، أى لا يحل مشكلة ما أسميناه "القضية الإسرائيلية". كما أنه لا يمنح الشعب الفلسطينى حقوقا مساوية، أى لا يحل القضية الفلسطينية. وبالتالى فهو غير مستقر بطبعه، إلا بقدر استمرار الدولة الإسرائيلية مسلحة حتى أسنانها ومتمسكة بفكرة الجيتو الأعظم. وبالتالى من المشروع تماما تصور اشتعال الصراع على أساس الهوية مرة أخرى، حتى بعد التوصل إليه، الأمر الذى يعنى أنه يجب على القوى الديمقراطية بدورها مواصلة النضال حتى بعد "إنجاز" هذا "الحل"، بفرض التوصل إليه أصلا، من أجل إقامة دولة واحدة لقوميتين.

ولا يعنى هذا، بالطبع، المطالبة بفرض حل الدولة المزدوجة القومية على الطرفين. فالفقرة السابقة تتناول مشكلات حل القوميتين الحالية، والتى ربما تتجاوزها صياغة أخرى. ولكن بفرض إمكان تسوية مستقرة على هذا الأساس، فإنها تتطلب أيضا تعايشا سلميا وتبادلا للمنافع بين الدولتين، وهو ما يتطلب بدوره أيضا ذلك النمط من النضال الذى اقترحناه بشأن التوصل لحل الدولة مزدوجة القومية.

وفقا لهذا التصور لا تصبح القضية صراع وجود (مثلما يصرخ الخطاب القومى والدينى)، ولا صراع حدود (وفقا لمنطق أوسلو)، وإنما شيئا ثالثا، هو صراع ديمقراطى ضد كافة أشكال التسلط والاضطهاد القومى والعدوانية. صراع داخل إسرائيل بين توجه الجيتو الانعزالى الاستعلائى، وتوجه يسعى للاندماج فى المنطقة ويقر بالحقوق المتساوية لكل السكان، بما فيها الحقوق الثقافية والقومية، على أساس التعايش المشترك. ونفس الأمر على الجانب العربى.

بصفة عامة يعتبر هذا المشروع أن الهدف هو تبيئة السكان اليهود فى إسرائيل فى المنطقة، وتخليصهم بالتالى من الطابع الخارجى المنفصل والعنصرى للدولة الصهيونية، أى ما يمكن أن نسميه باختصار "امتصاص إسرائيل" فى المنطقة، وهو نفسه شرط تحرر يهود إسرائيل من عنصريتهم. ويتضمن هذا التصور جوانب أخرى، مثل بناء علاقات تعاون قوية مع المنظمات اليهودية غير الصهيونية فى العالم، وكافة المنظمات التى تكافح العداء للسامية (وهو ما يتكامل مع أى مطلب مشروع لمكافحة نزعة العداء للعرب والمسلمين فى الغرب). ومن الواضح أن هذه جميعا أهداف لا تتحقق إلا بقدر اتساع دوائر التعاون بين اليهود والعرب المؤمنين بها. وهناك مبادرات سبقت فى هذا الاتجاه، منها مبادرة إدوارد سعيد والموسيقار اليهودى الشهير دانييل بارنبويم، وهى لم تحقق نتائج مهمة، برغم أنها نواة قابلة للتنمية. يرجع تفاؤلى بإمكان استئناف هذه الجهود الآن إلى الفشل الواضح الذى أفضى إليه مسار "المقاومة"، واتضاح أبعاد الأزمة المزمنة التى تكتنف المشروع الصهيونى، برغم تفوقه فى السلاح والعلم والإنتاج.

نحن لسنا وحدنا. فالعالم بأكمله الآن يستشعر الحاجة إلى التوصل إلى حل ما. ثمة شعور بأن ثمة شىء ينضج فى الأفق وضرورة إيجاد حل ما لهذا الصراع، وأن التصورات القديمة قد انتهت، إلا عند قوى تزداد هامشية. والحال أن الأجندة الأمريكية الإسرائيلية بشأن "حل الدولتين" جاء فيما يبدو لى متأخرا كثيرا، وبعد أن أصبح شبه مستحيل واقعيا. كما أنه، من وجهة نظرى، ليس حلا قابلا للاستمرار بقدر ما أنه يغفل جذور الصراع التى حاولت فحصها أعلاه.

كما أن هذا التصور يقدم الأساس الوحيد الممكن لتجاوز، ولا أقول إلغاء، الصراع التاريخى العربى الإسرائيلى والفلسطينى الإسرائيلى، الذى يصعب أن نتخيل أنه مجرد صراع على حدود معينة، فهو أيضا صراع على حقوق تاريخية وعلى الشرعية. صحيح أن هذا الصراع، برغم أنه استمر لأكثر من ستين عاما، لم يسفر عن عدد بالغ الضخامة من القتلى، وحتى من المشردين، بالمقارنة بصراعات عالمية أو فى أقاليم أخرى (مذابح التوتسى والهوتو مثلا). ولكنه مع ذلك انطوى على تناطح بين قوميتين كانتا فى طور التشكل، آنذاك، فلسطينية قائمة وإسرائيلية وافدة، وبالتالى انطوى الصراع على مرارات إيديولوجية عميقة بشأن ما هو حق تاريخيا وما هو أخلاقى أو غير أخلاقى، بما لا يمكن تجاوزه بغير نضال مشترك بين أفضل العناصر وأكثرها بصيرة على كلا الجانبين، إلى أن تؤسس شيئا جديدا بمساعدة قوى التحرر فى المنطقة والعالم.

وبصفة خاصة فإن المجتمع الإسرائيلى يقوم على أكاذيب كبرى بشأن أصوله وأخلاقياته فى الصراع. ونظرا لذلك فإن الشرعية الدولية التى تتمتع بها إسرائيل مجروحة بعمق، بقدر لا شفاء منه ولو بالتخلص من الفلسطينيين تماما (وهو مستحيل)، لأن القضية الفلسطينية لعبت دورا تكوينيا فى بناء هذه المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية وفى تاريخ عدد من أكبر شعوبها (سوريا والعراق، مثلا، ومن ناحية مختلفة مصر). وبالتالى فإن الأفق الوحيد المتاح، خارج فكرة الإبقاء على الجيتو وتدعيمه إلى ما لا نهاية، هو إعادة بناء الدولة على أساس جديد، ديمقراطى غير عنصرى، ثنائى القومية، لتصبح مندمجة فى المنطقة وجزءا من النظام الإقليمى. ويجب أن يؤخذ فى الاعتبار أيضا أن من شأن مثل هذا الحل أن يوفر الأساس للتعامل مع قضية "العودة"، سواء وفقا لقانون العودة الصهيونى، أو عودة من يشاء من اللاجئين الفلسطينيين، بمنظور متوازن وعقلانى باتفاق الأطراف.

غير أن التحفظ الأهم الذى يجب أن يُذكر هنا، هو أن هذا التصور لا ينطوى بأية حال على "تخفيف" عدالة القضية الفلسطينية، أو وضعها على قدم المساواة مع حق إسرائيل كدولة يهودية ليهود العالم فى الوجود، لأنه يرتكز، كما لعله قد اتضح، على نفى جذرى ليهودية الدولة ولاستمرار المشروع الصهيونى. ومن هنا اتساقه مع الموقف المضاد للعداء للسامية، باعتباره أهم أسباب كارثة الشعب الفلسطينى، ولكنه لا يعفى بالطبع الدول العربية التى طردت يهودها من المشاركة فى المسئولية، ولا القوى التى روجت لمفهوم عنصرى- مضاد للصراع.

ومع ذلك يجب أن نلاحظ هنا أن المشاكل الحقيقية التى تواجه رؤية كهذه أبعد بكثير من قضية تحدى تيارات الهوية بمجملها. فأعداء مثل هذا التصور يشملون كل القوى السلطوية فى المنطقة، وعلى رأسها، عندنا، الدول السلطوية، بقدر ما ينمو بحيث يهدد بانتزاع المبادرة منها فى نضال ديمقراطى مفتوح. غير أن العدو الرئيسى لمثل هذه الرؤية هو المؤسسة الإسرائيلية وجانب معتبر من القوى السياسية الإسرائيلية الصهيونية، خاصة المتطرفة منها. فالمشروع المطروح يعنى ما لا يقل عن إجراء تعديل جوهرى فى بنية الدولة الصهيونية، بحيث تصبح فعليا شيئا آخر تماما، وهو أمر يستحيل تحقيقه إلا عبر نضال طويل يحرر فيه الإسرائيليين أنفسهم من الإيديولوجية الصهيونية العسكرية السائدة.

هذه بالطبع قضية جوهرية، يصعب الكلام فيها فى سطور قليلة أو تحديد موقف منها بغير مراجعة شاملة لتاريخ المؤسسة الإسرائيلية وتواريخ تيارات الهوية الفلسطينية. ما زال ثمة الكثير الذى يجب إنجازه لبلورة موقف عملى من هذه المؤسسة وهذه القوى، بما فى ذلك تحديد موقف متماسك من الكفاح المسلح الفلسطينى فى إطار هذه الاستراتيجية.. وهو ما يتجاوز إمكانيات هذا المقال الذى طال كثيرا، برغم أنه تبقى أن نتناول دور النضال الديمقراطى فى مصر فى مثل هذا التصور.


رابعا: مصر والقضية

ما يعنينا هنا، فى إطار قضية السياسة الخارجية الديمقراطية الجذرية، هو مساهمة مصر ودول الجوار أيضا فى عملية التعايش، وتبيئة الدولة الجديدة فى المنطقة بشكل طبيعى، باعتبار أنها ستكون نتاجا لجهود القوى الديمقراطية فى المنطقة، مع مساعدات من قوى ديمقراطية أخرى.

من الطبيعى أننا نفترض أن للقوى الديمقراطية المصرية دورا مهما لتلعبه فى تقريب هذا المشروع من التحقق، ليس فقط بنشر هذا التصور المضاد لتصور الهوية السلطوى، ولكن أساسا لأن نمو هذا التيار فى مصر يعد واحدا من أهم ضمانات تشجيع مختلف قوى التحرر الفلسطينية على خوض هذا النمط من النضال من أجل الحقوق المتساوية إزاء الدولة الإسرائيلية، وتشجيع قطاعات أكبر من الإسرائيليين على النضال من أجل القبول بهذا الحل، على حساب الإيديولوجية الصهيونية، واجتذاب اليهود العرب الذين يعانون من تدنى نسبى لوضعهم فى إسرائيل، خاصة حين تتراجع القوى العربية الديمقراطية عن سياسة الإنكار التام لإسهام بلادهم فى معاناتهم بطردهم منها.

نأتى إلى التحديات التى يواجهها هذا المشروع هنا: وفقا للمنطق القومى فإن هذا التصور المركب يُختزل فى شىء واحد: المساس بأيقونة ما يسمى "التطبيع"، وهو أمر تحرمه هذه الإيديولوجية على الجميع عدا أجهزة الدولة الأمنية. ومن هنا فإن أى تفعيل لهذا التصور يعنى قبول دفع ثمن المساس بقدس أقداس تيارات الهوية.

وهنا يجب أن نميز أولا بين فكرة "التطبيع" كما وردت فى اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية فى 1978، وبين المقصود هنا. الفكرة الأولى ناشئة عن اتفاقية بين القوى الحاكمة فى دولتين. أما المقصود هنا فهو إقامة علاقات مع عرب 1948 وعرب 1967 وقوى يهودية غير صهيونية أساسا، ثم قوى إسرائيلية معتدلة عموما فى مرحلة لاحقة، وفى تنسيق وتشاور مع القوى الفلسطينية الديمقراطية. فعلى خلاف التيار القومى الذى يبدى تساهلا رهيبا حين تمارس أجهزة الدولة، والأجهزة الأمنية بالذات، "التطبيع"، بينما يتشدد تماما فى مواجهة الأفراد، خاصة المثقفين أو السياسيين، يتسق مع منطق هذا المقال اعتبار علاقات القوى الديمقراطية التحررية، واليسارية خصوصا، المستقلة عن النظام وأجهزته، عبر الحدود، هى الأكثر مشروعية، بحكم مشروعها بالذات، الذى هو سلامى ونضالى وديمقراطى فى نفس الوقت، من الأجهزة الأمنية.

القضية الحقيقية هى بناء تصور ديمقراطى، واستخدام أدوات الاتصال المعولمة فى محاولة بناء محاور نقاش وبناء مبادرات نضالية مشتركة مع كل المهتمين بالنشاط فى هذا الاتجاه، سواء مع العرب فى الدول العربية الأخرى، أو مع الفلسطينيين، فى الشتات أو فى إسرائيل، أو يهود إسرائيل، العرب وغير العرب، وتيارات اليسار المهتمة، فى الغرب أساسا، وفى العالم عموما. فمن خلال هذا الحوار ستتضح مدى واقعية هدف كهذا وكيفية صياغته بشكل أكثر دقة، ومواجهة الصعاب المختلفة فى بناء القوى التى تؤيده على مختلف الجبهات والتعرف على اختلافاتها وإمكانيات بناء التحالفات وأسسها.

ومع ذلك يجب ألا ينتابنا أى وهم فى أن يقنع هذا التصور، مهما كانت عقلانيته ونضاليته تيارات الهوية، لأنها بنت مواقفها أصلا على اعتبارات غير قابلة للمناقشة، لأنها فى أساسها أسطورية. فبرغم كل الكلام الكثير عن الخصوصية القومية فإن القوميين، هنا وفى العالم كله، فشلوا فى تحديد أية خصوصيات تميز القوميات التى نادوا بها أو دافعوا عنها. ليس ثمة أى تصور واضح لما هى القومية العربية، أو حتى المصرية، أو أية قومية من أى نوع، ونادرا ما جرت محاولة لتعريف قومية كهذه. القوميون ليسوا فى حاجة إلى تعريف القومية التى تخصهم، لأنها بالنسبة لهم نداء عاطفى يقوم على شىء يشبه رابطة الدم، بينما هو ليس كذلك بأى حال. وهم بالمقابل يميلون بشكل طبيعى إلى اختزال الآخر فى "العدو"، ويرفضون أن يروا فى تعقد تركيبته أكثر من علامات ضعف تؤذن بانهياره، وفى نفس الوقت ينكرون وجود هذه الاختلافات إذا طولبوا باستغلالها. غير أن الهوياتيين عموما يبحرون فى التناقضات بسهولة ويسر.

ومع ذلك، لا تكمن مشكلة الصراع مع التيار القومى (وتيارات الهوية عموما) فى لا عقلانيته فى حد ذاتها، بل فيما يترتب عليها من ميل طبيعى للإرهاب الفكرى، باعتباره الموقف الوحيد "المعقول" و"المشروع" فى مواجهة كل من يختلفون معه باعتبارهم "خونة". فهو فى حاجة دائمة، بصفته تيارا سلطويا، إلى أن يبلور مواقف أحادية البعد لها معيار واضح يفصل بين "الحق" و"الباطل"، بين "الوطنية" والخيانة"، أو بين "الكفر" و"الإيمان". ومن هنا لا يهتم معظمهم كثيرا بالأمانة أو الدقة فى ممارسة الصراعات الفكرية، فالغرض هو تشمم رياح الاختلاف، أى رياح "الخيانة"، ومواجهتها بما يتاح من أسلحة، وأهمها "التكفير الوطنى"، تشويه السمعة، إطلاق الشائعات، من أجل الهدف "الأسمى"، وهو "تطهير" المجال العام، وقمع أية إمكانية لتشكل مجال عام ديمقراطى لممارسة الصراع الفكرى والسياسى. ولعل برامج "الجزيرة" المسماة "حوارية" وصحيفة "الأسبوع" من النماذج البارزة على هذه العقلية وهذا النوع من "الحوارات" التكفيرية المبتذلة. كل إناء بما فيه ينضح.

ولما كان الوضع هكذا، لا مفر فى النهاية من مواجهة الإرهاب الفكرى. وهنا يجب أن نلاحظ أن القضية ليست الرد على حججه، فلا أسهل من ذلك، بل الإصرار على عدم الانجراف إلى طريقته فى "الحوار"، أى إلى إرهاب فكرى مضاد. كما يجب أن يؤخذ فى الاعتبار أن التيار منهزم واقعيا وتاريخيا، على نحو ما أوضحنا فى مقال العدد السابق، وأنه فى وضعه الحالى ليس أكثر من أداة مساعدة للهيمنة الأمنية على السياسة الخارجية، وبالتالى فإن المسألة ليست استفزازه من عدمه، بل عدم إتاحة الفرصة له ليمارس هوايته الأثيرة فى تعطيل كل ما يهدد وجوده الهش. يصعب أن تسمح تيارات الهوية بتجاوز عجزها المتمثل فى الاكتفاء بمظاهرات التنديد والمطالبة بإسقاط النظم العربية وإرسال المعونات بغير استشعار للحاجة لطرح أى أفق واقعى لإنهاء الصراع على أى وجه كان. أصبحت مجرد ترضية الضمير المتقاعد أيقونة مقدسة تتمحور جهود تيارات الهوية فى حمايتها من أية مناقشة كفيلة بتعرية استقالته الواقعية من أية مواجهة شجاعة لقضية الصراع مع الصهيونية.

 

خلاصة عامة

لقد تناول الجزء الثالث بالتفصيل القضية الفلسطينية وصياغة تصور ديمقراطى جذرى لها، باعتبار ما لها من أهمية محورية بالنسبة للسياسة الخارجية عموما، والموقف الإنسانى اليسارى من قضايا التحرر فى المنطقة خصوصا. غير أن هذا الموقف، على أهميته، ليس سوى أحد تمثلات الموقف الديمقراطى الجذرى العام من السياسة الخارجية، ومحوره فكرة التحرر من أسفل على أيدى الناس أنفسهم، وإقامة التحالفات التى تناسب هذا الهدف. ولا يتسع المقام هنا لعرض تصور عن مجمل السياسات الخارجية، ولكن يمكن الإشارة إلى الأطر العريضة لهذا التصور كالآتى:

من أهم أسس هذا الموقف، كما لعله قد اتضح، التخلى عن سياسات الهوية بمجملها ومقاومتها. فكما يقتصر العداء على المشروع الصهيونى، لا على اليهود ولا على سكان فلسطين اليهود بصفتهم يهودا، فإن هذا الموقف لا يتسق بأى حال مع فكرة الصراع مع شىء يسمى "الغرب"، وإنما مع الطموحات الاستعمارية ومنطق الهيمنة على الموارد والدول والبشر، فى منطقتنا وفى غيرها. ويجب الاهتمام بواقع وجود مصالح متوسطية مشتركة تربطنا بأوربا، فضلا عن علاقات تاريخية تمتد لآلاف السنين، بما يشجع التعاون مع الاتحاد الأوربى كدولة، ومع قواه الديمقراطية خصوصا، على أساس المصالح المشتركة فى السلم والتعاون وإنقاذ المنطقة من الفقر والتخلف التكنولوجى، ولكن ليس بطريقة المنح، وإنما من خلال التعاون بين القوى الحية فى المجتمعات نفسها.

وفى هذا الإطار من الوارد التحالف مع حركات العولمة البديلة، ومع مجمل الحركات والمنظمات التحررية التى تتجاوز الحدود القومية. وباختصار الاستفادة من العولمة ومواكبتها فى تنظيم تعاون تحررى عالمى. على أن هذا التعاون يجب أن يكون على قدم المساواة، وعلى أساس التفاوض على أجنداته، بدلا من نظام إملاء المانح المالى لأجندات خاصة به، قد لا تكون مناسبة، حتى ولو كانت مخلصة فى نواياها، والتى تغطى عادة نزعات التفوق المستترة، وحتى غير الواعية أحيانا، التى تجعل بعض التحرريين فى الغرب يجزمون بأنهم الأقدر على وضع أفضل أجندات التحرر وبرامجه وأولوياته لكل مكان فى العالم، أو يشعرون بنوع من تفوق أخلاقى لتبنيهم قضايا عادلة خارج نطاق اهتمامات معظم السكان عندهم، وغالبا فى مواجهة سياسات حكوماتهم.

وتنطوى هذه الرؤية أيضا على التحفظ على كل نزعة طائفية، دينية أو عرقية، مهما ادعت من بطولات فى مواجهة إسرائيل أو الغرب. لأن المعيار المهم هنا ليس عدد الطلقات أو الشهداء، وإنما طبيعة السياسة المتبعة نفسها وقيمها وأهدافها. وبصفة عامة يصعب تصور أن يشجع تحرريون جذريون سياسات انقلابية أو مغامرة، أو تتمحور على عبادة زعيم ما، أو أية قوة تطرح نفسها بوصفها بطولية، وتضع نفسها بذلك فوق شعوبها وجماعاتها. بالمقابل يجب الاهتمام، فى إطار سياسة التحرر من أسفل، بكل القوى التى تمثل قطاعات منظمة فاعلة، لا منقادة، من الناس.

غير أن الأهم اتخاذ موقف صريح ضد النزعات العروبية الاستعلائية وشبه العنصرية فى السودان أو العراق أو غيرها. فالسودان الديمقراطى لا يمكن أن يقوم على سيادة العرب على النوبيين والجنوبيين. وأيا كان نصيب ادعاءات التدخلات الخارجية من الصحة، فإن موقفا ديمقراطيا لا يمكن أن يتغاضى عن تاريخ طويل من الاحتقار العرقى الذى مارسه العرب هناك، وبنوا الدولة على أساسه. وينطبق نفس الشىء على الأكراد أو غيرهم من الأقليات العرقية والدينية فى المنطقة، وأيضا خارج المنطقة. وبداهة أن الشىء نفسه ينطبق على النزعات الدينية التى تهدد بعنف مبدأ المساواة بين سكان أى بلد، وتحطم الأطر القومية، ولكن فى اتجاه عدوانى استعلائى فج، لا فى اتجاه إنسانى تحررى.

ولكن بنفس المنطق لا ينطوى التصور المطروح على أى تشجيع للخطابات التى يسميها العروبيون قطرية، أو حالات العداء بين البلدان والشعوب، خصوصا العربية. فالموقف السلبى من الوهابية السعودية يجب ألا ينسحب إلى ما يمكن أن نسميه "رؤية مصرية وطنية معادية لعرب الخليج"، أو نسبة المشكلات الطائفية المصرية إلى "نزعة وهابية بدوية". فهى مقولة تقوم على ادعاء كاذب بشكل مزدوج، يدعى أن المصريين عموما، وعلى مدى التاريخ، تميزوا بنزعة متسامحة أصيلة، بنفس القدر الذى يغفل به أن شخصيات مثل حسن البنا أو سيد قطب ليست أقل "مصرية"، إن كان لهذا التعبير أى معنى أصلا، من سعد زغلول أو مصطفى النحاس أو طه حسين. الأخطر أن هذا التبسيط المخل الذى يرقى إلى مرتبة التزوير هدفه ليس أقل من التنصل من المشكلة برمتها، باعتبارها "مستوردة"!! ومن هنا فإنه يمثل نوعا من علاج تعصبات خطرة بتعصبات مضادة، كما يغفل أن المجتمعات الخليجية لها مسارها التحديثى الذى أنبت أيضا مكافحين خليجيين ضد سلطوية النظم والمحافظة الاجتماعية. وهؤلاء حلفاء طبيعيون، ينبغى الحرص عليهم.

أخيرا، ربما تجدر الإشارة إلى أن التصور المطروح هنا يتعارض مع كل من المشروع الأمريكى الإسرائيلى بشأن المنطقة، وكذلك المشروع "المقاومى" الاستبدادى، الطائفى أحيانا. فنظرا لأن الاتجاه العام للمقال يركز على التمايز عن الخطاب "المقاومى" الذى هو بلا أجندة أصلا، باعتباره الخطاب السائد المدعوم رسميا و"معارضيا"، فلا بد من التأكيد مرة أخيرة هنا على أن التحرر الديمقراطى من أسفل هو أيضا تجاوز لخطاب المقاومة السلطوى الذى استنفذ أغراضه وقدراته، وبالتالى فإنه فى الأساس مشروع لمقاومة الهيمنة الاستعمارية بطريقة واقعية بقدر ما هى ديمقراطية، أى بقدر ما أنها تحدد استراتيجية تقوم على أن يأخذ السكان مصيرهم بيدهم، من خلال تنظيماتهم المستقلة، بعيدا عن هالات الزعامة والجماعات المسلحة التى تحولهم إلى متفرجين أو ضحايا، وفى الغالب الاثنين معا. 

 

اقرأ أيضا : نحو تصور ديمقراطي للسياسة الخارجية ( 1 من 3 )

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.