أسئلة الإمبريالية والمقاومة والتحرر الوطنى

الأزمة اللبنانية وخطابات اليسار المصري

 

عمرو عبد الرحمن

 

 لا تحرر من الكولونيالية بدون دولة ومجتمع حداثيين تمارس فيهما السياسية بما يسمح بتنظيم القوى صاحبة المصلحة في هذا التحرر. وهذه القوى المنظمة وحدها هي التي تقرر إن كانت قادرة على وراغبة في الإطاحة بهيمنة البرجوازيات اللبنانية "سنة وشيعة ومسيحية" في ظرف ثوري لا يجوز العبث بإطلاق أوصافه على أية غزوة تقوم بها ميليشيات لهذا الطرف أو ذاك في ظل غيبة الجماهير. والحال أن أنشطة حزب اللـه ونمط اجتماعه يقوم بالضرورة على غيبة الجماهير، وإلا لانتفت الحاجة إلى هذه الميليشيات.

الأزمة اللبنانية وخطابات اليسار المصري

 

عمرو عبد الرحمن

 

بتوقيع اتفاق الدوحة فى مايو 2008، والذي نجح في استباق حرب أهلية لبنانية ثانية، تكون الأزمة اللبنانية قد دخلت منعطفاً جديداً سوف تتضح ملامحه مع بداية الاستعداد للانتخابات النيابية في منتصف العام الحالي. خلال هذا السباق الإنتخابى سيتضح إذا ما كان بإمكان حزب اللـه وحلفائه داخل الطوائف اللبنانية المختلفة، ورعاته الإقليميين ممثلين فى النظامين السوري والإيراني، ترجمة حسمهم العسكري في شوارع بيروت إلى أغلبية برلمانية تسقط الخيارات الاستراتيجية للأغلبية النيابية الحالية. وتتمحور هذه الخيارات كما هو معروف حول مناصبة النفوذ السوري في لبنان عداءً واضحاً والمطالبة بنزع سلاح حزب اللـه ودمج تشكيلاته العسكرية في الجيش اللبناني هذا بخلاف الانفتاح على الولايات المتحدة الأمريكية بعد عقود من الهيمنة السورية على مقدرات السياسة الخارجية اللبنانية. فإذا أخذنا بالاعتبار واقع الاستقطاب الحاد في الشرق الأوسط بين معسكر التشدد القومي/ الإسلامي المدعوم سياسيا وماديا من إيران ومعسكر ما يسمى بالاعتدال المدعوم دعماً أمريكيا صريحا، واحتمالات ضربة أمريكية، أو إسرائيلية مدعومة أمريكياً لإيران، على خلفية الجدل بشأن برنامجها النووي، يصبح الصراع على هذه الخيارات مسألة مصيرية، إذ يرتب نتائج حاسمة بالنسبة لاستقرار لبنان وتعايش طوائفه وقواه السياسية.

تعقد حالة التوتر تلك من مهمة التنبؤ بمسارات الأزمة اللبنانية إذ تبقى الباب مفتوحاً دائماً لتحولات حادة ومفاجئة في مواقف اللاعبين الرئيسيين في هذه الأزمة. وهى تحولات يتشكل أغلبها بعيداً عن مسرح السياسة العلني المكشوف لنا. هذا ناهيك عن أن الخروج بمثل هذه التنبؤات يخرج عن جدول أعمال مطبوعتنا ذات الطابع النظري. ولكن لمّا كان الهم الأساسي "للبوصلة" هو إعادة النظر في المسلمات التقليدية التي هيمنت على تجربة اليسار في مصر ومحاولة لإبداع خطاب يساري جديد بشأن القضايا المفصلية التي تطرح نفسها على جدول أعمال القوى السياسية والتجمعات الثقافية، كان من الطبيعي التطرق بالتحليل للأزمة اللبنانية والتي تقاطعت مع الخطاب اليساري المصري حول أحد مفرداته المركزية وهو مفهوم "الإمبريالية". وهو المفهوم الذي ظل يشكل إطاراً تحليلياً عتيدا لفهم طبيعة العلاقات الاجتماعية في المنطقة وسياسات أنظمة حكمها وتحالفات قواها السياسية ودور إسرائيل فى الإقليم ومستقبلها.

ففي لبنان حزب إسلامي يرى في معركته مع إسرائيل وجهاً من معركة أوسع مع "الإمبريالية" متذرعاً بمقولات يسارية تقليدية تمزج بين العداء للغرب والعداء للاستغلال الرأسمالي في مركب واحد. أكثر من ذلك أن الحزب أبدى قدرة واضحة على اكتساب حلفاء معتبرين له داخل اليسار اللبناني يرون فيه قوة مناهضة للإمبريالية حتى ولو هيمن على خطابها نزعة إسلامية متشددة أو حتى لو ارتكزت على قاعدة طائفية ضيقة. وفى لبنان، أجندة ليبرالية جديدة ناجزة تفعل فعلها داخل المجتمع اللبناني منذ بداية التسعينيات معتمدة على رأس مال خليجي سخي وبمساندة أمريكية صريحة، وهى حالة تتطابق مع التصورات الراسخة لليسار عن علاقة الأوليجاركيات الحاكمة في المنطقة بالغرب والتي تثرى على حساب إفقار شعوبها. بعبارة أخرى، تشتبك الحالة اللبنانية بوضوح مع تصوراتنا عن أسئلة التحرر الوطني وعلاقة أنظمة الحكم في المنطقة بالغرب الرأسمالي وبإسرائيل وطبيعة ودور حركات الإسلام السياسي.

وهذه الإشكاليات التي تثيرها الأزمة اللبنانية وإن كانت ليست بالجديدة، إلا أنها تكتسب ملامح خاصة منذ نهاية التسعينيات تقريباً. فقد شهدت هذه المرحلة تداخل مسارين كانا دائماً على درجة من التباعد أو حتى التناقض منذ مرحلة التحرر الوطني: النضال ضد عودة الاستعمار بأشكاله المباشرة للمنطقة، أو ضد هيمنة الولايات المتحدة على مقدرات سكان هذا الإقليم من العالم -سواء بالتحالف مع إسرائيل أو بدونه- والتحلل شبه الكامل للدولة الوطنية وأجهزتها ومنتجها الاجتماعي الأهم: الأمة/ الشعب. يتجلى هذا في مسار حركة التحرر الوطني الفلسطيني وفي عراق ما بعد الغزو الأمريكي ولبنان ما بعد الحرب العربية الإسرائيلية الأخيرة في 2006. بل وتتجلى ذات المعضلة في خطابات حركات مناهضة للإمبريالية في دول قد تشهد مسارا مماثلا للتحلل في المستقبل مثل سوريا والأردن.

وجد هذا الاقتران ضالته النظرية في تحول جذري لخطابات القوميين العرب وقسم معتبر من الحركة الإسلامية وقسم كبير مما تبقى من مثقفي اليسار السبعينيين. يتمثل هذا التحول في إبلاء الأولوية القصوى للنضال ضد عودة الاستعمار للمنطقة على ما عداه من نضالات، وتحويل الجدل بشأن شرعية أنظمة ما بعد الاستعمار بهذه المجتمعات إلى رديف لذات الهدف -أي الربط بين شرعية هذه الأنظمة ومدى قدرتها على التصدي لهذه الهجمات الإمبريالية. بالتالي يتحول النضال ضد أنظمة الأسد والملك عبد اللـه الثاني أو مبارك في مصر إلى حلقة باتجاه الهدف الجذري، وهو وضع العصي في عجلة الاستراتيجية الإمبريالية

يفضى تأمل هذا المشهد إلى حتمية الإجابة على السؤال التالي: هل يقتضى النضال ضد الاستعمار والهيمنة الأمريكية، من حيث أن الأخيرة لا تأتى معها إلا بتشديد ظروف الاستغلال الرأسمالي ودعم أنظمة القهر الطبقي الفج، بناء دول؟ أو هل يقتضى من الأساس أي شكل من أشكال الاجتماع البشرى؟ أم أنه قد يتخذ كل الأشكال الممكنة من حيث يتوحد مع الطوائف أو الدول أو القوى الاجتماعية الحديثة أو غيرها، من حيث أن الأخيرة جميعها هى أشكال غير واعية لنضالات جماهيرية لمواجهة الاستعمار؟ وقد نرى السؤال معكوساً ليكون بالشكل الآتي: هل يتسق النضال ضد الاستعمار مع تصدى جماعات أهلية تحت وطنية من طوائف وقبائل لحمل لواء هذا النضال؟ وهل يمكن أن تكون استراتيجية هذا النضال هي بناء أشكال من الاجتماع قائمة على منطق المحاصصة والتوزيع العددي بين هذه الجماعات وليس بناء دول وطنية ناجزة؟

إجابتي على السؤال في وجهيه هي أن أي نضال ضد الإمبريالية بدون بناء أمم ودول ناجزة محكوم عليه بالفشل ومقدر له الانحطاط لأشكال من الاستبداد أو الإرهاب المعمم، وأن الطوائف وأمرائها لا يناضلون ضد الاستعمار حتى لو تضادوا معه. النضال ضد الإمبريالية هو استراتيجية تبزغ من رحم مشروع للتحرر الوطني أي بناء دول وأمم وشعوب ومواطنين بالمعنى الحديث للكلمة. أما ما نراه أمامنا من صراعات ذوداً عن الشرف أو العرض أو الدين أو الطائفة فهي ليست بنضالات ضد الإمبريالية، بل أنها تتناقض مع هذه النضالات في المستقبل وتعرقلها وتصادر على شرطها اللازم. ونزيد بأن ما يراه البعض من جوهر مناهض للاستعمار في هذه التحركات إنما يعبر عن خلل منهجي ينتحر بمقتضاه المثقف اليساري متخلياً عن أهم أدواته التحليلية المادية لصالح تصورات مثالية ترى كل الممكنات في كافة المواقف متذرعة بقليل من الألعاب اللغوية.

تقتضى سلسلة الأحكام تلك استفاضة في تحليل أسباب الاحتراب الأهلي اللبناني ودلالته واتجاهاته العامة ومحاولة لصياغة موقف يساري جذري بصدده يستلهم آفاق الحركات الجماهيرية القاعدية المناضلة في سبيل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في العالم العربي ويحاول أن يفكر من داخل مشروعها. يحاول المقال أن يقدم هذه الصياغة وهذا التحليل من خلال خمس أطروحات(1).

الأطروحة الأولى: في طبيعة أزمة الدولة والاجتماع اللبنانيين- بزوغ نمط للهيمنة لا يحمل مشروعاً للدولة

مدخل مناقشتنا للأطروحات اليسارية المصرية بشأن الأزمة اللبنانية يجب أن يبدأ بتوصيف طبيعة الأزمة اللبنانية الراهنة. هل نحن بشأن صراع بين أطراف متنازعة حول دور وهوية لبنان أم أننا بشأن أزمة لبنان نفسه كوطن واجتماع؟ بمعنى آخر، هل الأزمة هي بين من يريدون محاربة إسرائيل ومواجهة الإمبريالية ومن يريدون تحويل لبنان لقاعدة متقدمة لمشروع استعماري أمريكي؟ أم أننا بصدد أزمة تتعلق بانعدام مقومات العيش المشترك بين المجموعات الأهلية التي تحتل بقعة جغرافية موروثة منذ زمن الحرب العالمية الثانية تعبر عن نفسها بهذين الخيارين؟ يرتبط بهذا السؤال سؤال آخر ناتج عن تحول الأزمة اللبنانية إلى شأن دولي وموضوع لتدخلات استراتيجيات متخصصة في فض النزاعات وبناء الديمقراطية، وهو: هل أزمة لبنان ناتجة عن شذوذه عن مسار عالمي يتجه إلى تسوية النزاعات بالأساليب السلمية وبناء ديمقراطيات دستورية مستقرة أم عن وجوده في القلب من تفاعلات عالمية تؤجج هذه النزاعات وتضع العراقيل في سبيل تسويتها؟

أزعم أن أزمة لبنان هي من النوع الثاني - أي أزمة استحالة بناء وطن واجتماع مشترك. وهى أزمة تتغذى من ظرف عالمي يحفز النزاعات الطائفية ويضعف من بنى الدولة القومية واجتماعها السياسي القادر على استيعاب هذه النزاعات. إنها أزمة أقرب إلى أزمة يوجوسلافيا (السابقة) أو أزمة علاقة الجمهوريات السوفيتية بروسيا غداة انهيار الاتحاد السوفيتي. فما يفرق اللبنانيين اليوم ليس الصراع على هوية لبنان ودوره. فكيف يمكن تفسير أزمة التعايش تلك؟

من جهة أولى، نعثر على بعض التشخيصات الاستشراقية الجديدة كتلك التي يتم تداولها في مراكز الأبحاث ومعامل الأفكار الأمريكية وداخل أروقة المنظمات الدولية المعنية بلبنان (وإن كانت هذه الفرضية تظهر بأشكال مراوغة لا مجال للاستفاضة في شرحها هنا). تفترض هذه التحليلات أن هذا الكم من الطوائف يستحيل أن يتعايش في وطن واحد نتيجة خلافات جوهرية في توجهات أبناء تلك الطوائف وعقائدهم وطموحاتهم (وهى تشخيصات لها أصولها في كتابات لبنانية مثل كتابات المفكر الدستوري اللبناني ميشيل شيحا ذات التأثير الواسع في النخبة اللبنانية غير اليسارية أو غير القومية عشية الحرب الأهلية). قد لا نحتاج هنا لذكر أمثلة عن مجتمعات أكثر تنوعا من لبنان وتعدداً في الأعراق والمذهبيات نجحت في إنجاز هذا التعايش المشترك كالهند على سبيل المثال. فحالة التعايش المشترك تبدو أكثر استقراراً فى الهند برغم توتراتها الطائفية الدائمة، بما لا يقارن بنظيرتها اللبنانية.

وأمام هذه الحجج تنحو بعض التفسيرات الأكثر ليبرالية إلى تعداد أوجه غياب الأسس المادية المباشرة لهذا العيش من رفاه مادي وتنمية اقتصادية ودولة قوية قادرة على إدماج مجموع السكان في مشروع واحد تقوده طبقة برجوازية وطنية (إيليا حريق يمثل نموذجاً مهماً في الفصل بين الطابع البرجوازي والطابع الطائفي للسلطة في لبنان). ولكن إذا كان هذا التفسير قد يشرح أسباب الاحتراب في العراق وفلسطين- وهو مردود عليه كذلك ولكن هذا ليس موضوعنا على أية حال- فإنه لا يمكن أن يفسر كيف فشلت برجوازية قديمة وعلى قدر معتبر من التطور، وطبقة وسطي هي الأعرض في العالم العربي- سواء بالنسبة لمجموع السكان أو بالنسبة لدرجة الإسهام في الناتج القومي الإجمالي خصوصاً في قطاع الخدمات- في بناء مشروع للدولة البرجوازية الجامعة يتجاوز الطابع الطائفي للسلطة فيه.

وفى أحيان أخرى يجتمع التفسيران معاً، كأن يُرَد عجز البرجوازية الفتية إلى الطابع الطائفي للمجتمع بشكل تتكسر فيه محاولات البرجوازية اللبنانية على صخرة البناء الطائفي. ولكن هذا التفسير نفسه، والذي يتشارك فيه تقريباً جميع الفرقاء اللبنانيين (وفى القلب منهم حزب المستقبل)، من خارج بيئة حزب اللـه (الذي يتبنى تفسيرات أخرى للأزمة كما سنرى)، يصمت عن تواطؤ هذه البرجوازيات الفج على اختلاف طوائفها على الإبقاء على ذات البناء الرجعى المتخلف الذي يتحكم في الاجتماع والثقافة اللبنانيين. كذلك يتجاهل أنصار هذا الطرح حقيقة أخرى مفادها أن ما يتمتع به لبنان من وضع متقدم نسبيا بشأن الحريات العامة ناتج في الأساس عن عجز أي من هذه الطوائف عن تسييد تصورها الكامل بشأن هوية الكيان اللبناني وطبيعته، ولا يرجع بأي حال من الأحوال إلى تقدمية ما لدى هذه البرجوازيات اللبنانية.

هنا نتقدم خطوة في التحليل لنصل إلى التفسيرات التي حاولت أن تربط بشكل خلاق بين البرجوازية اللبنانية والبناء الطائفى، بالقول بأن هذا البناء هو عامل ضروري لتأبيد هيمنتها ذاتها. بالنسبة لمهدى عامل أو فواز الطرابلسى (فى مداخلاته المتناثرة بشأن الأزمة الأخيرة فقط) وآخرين، تتحول الطائفية من حيث هي جملة من الترتيبات السياسية إلى أداة تربط بها البرجوازيات اللبنانية، بحكم علاقاتها التاريخية وواقعها التابع في السوق العالمي، اللبنانيين إلى حيز حركتها ومحيط تراكمها، المتمثل في التجمعات الطائفية ذاتها، لتحقيق تراكم بدائي لا يسمح وضعها الريعى في الاقتصاد العالمي بطرح ما هو أبعد منه. من ثم ترتبك هذه الطبقة أمام كل محاولة لإلغاء الطائفية السياسية بشكل كامل. وعليه يصبح النضال ضد الطائفية في جوهره نضالا ضد هذا النمط لهيمنة البرجوازية اللبنانية وينبغي أن تقوده قوى اجتماعية من خارج صفوفها وبالتناقض معا.

هذا التحليل على الرغم من تقدمه الظاهر يقع في فخ كل المحاولات النصوصية لتخريج تصورات ماركسية عن الوضع في منطقة الشرق الأوسط بالمجمل. ويترتب على هذا، مثلا، أن يفوته تفسير فترة تصدت فيها قطاعات من البيروقراطية اللبنانية إلى مهمة تذويب الطائفية بخطى بطيئة خلال تجربة حكم الرئيس "فؤاد شهاب" في بداية الستينيات من القرن الماضي والتى كانت متأثرة بالناصرية. فقد أدمجت هذه التجربة للمرة لأولى قطاعات واسعة من السكان الشيعة، الذين كانوا بحكم ضآلة طبقتهم الوسطي وضعف برجوزياتهم وممثليهم السياسيين طرفاً هامشياً في معادلة السياسة اللبنانية منذ الاستقلال. أدت تجربة "شهاب"، من ضمن ما أدت إليه، إلى اتساع الطبقة الوسطي الشيعية ودخول أفرادها طرفاً في المعادلة السياسية اللبنانية عبر الأحزاب اليسارية والقوى العلمانية الأخرى خلال السبعينيات. ومن أحد نتائج هذه المحاولة أيضاً تربية هذا النزوع الدولتى لدى بعض من المؤسسات والبيروقراطيات اللبنانية، وهو نزوع يظهر على السطح بين الحين والآخر ثم سرعان ما يخبو، ولكن يصعب رد خفوته إلى عناد أصيل في البنية الطائفية اللبنانية أو إلى مقاومة برجوازية عنيدة، لأن هذه البرجوازية اللبنانية نفسها كانت متضامنة مع المشروع الشهابي.

يجرى التحايل على هذه الحقائق التي تبدو متناقضة مع الفرضية بتخريجات كارثية تحيل الإشكال إلى السياسة بمعناها المباشر- كالقول بأن المشكلة تكمن، مثلا، في عمالة فلان أو في علاقة الطرف السني البرجوازي بالسعودية (وتحليلات مفكر ماركسي/ قومي كأسعد أبو خليل الذي يتبنى الإطار النظري لمهدى عامل تقف مثالاً نموذجياً على هذا الطرح). وبالتالي تنتفي سريعاً أية محاولة للبحث عن الاتجاهات العامة في التحليل لصالح "سياسوية" تبسيطية، تصبح بمقتضاها تبعية آل الحريري للسعودية محض اختيار انتهازي أو ضرورة من ضرورات البيزنس المباشر، بعد أن كانت في التحليل السابق دلالة على طابع بنيوى في تشكيل البرجوازية نفسها.

الخلاصة، انه إذا كانت الأزمة تتميز بطابع بنيوى فإننا لا يمكن أن نردها لأية أسباب بنيوية في التشكيلة الاجتماعية اللبنانية. فالأمر يتعلق بأن الميل العام لأداء البرجوازية والبيروقراطية اللبنانيتين شهد تحولا مهما، من الميل إلى تأسيس أمة ودولة لبنانيتين إلى تضاؤل هذا الميل أو غيابه. ومن ثم ينبغى أن يتركز البحث البحث حول أسباب ظهور هذا الميل ثم خفوته.

هذا التحول لا يمكن فهمه إلا بالبحث في طبيعة مشروع الهيمنة البرجوازية داخل لبنان. ونعنى بمشروع الهيمنة تشكل كتلة تاريخية من شرائح وفئات اجتماعية مختلفة تحت سطوة شريحة قائدة تؤسس نمطاً من الاجتماع والممارسة السياسية عبر خطابات فكرية محددة على النحو الذي يضمن ويعيد إنتاج موقع متميز لهذه الكتلة داخل هذا الاجتماع على المدى البعيد. يحدث ذلك من خلال المزج والتركيب بين استراتيجيات سياسية وخطابات فكرية مختلفة متاحة لهذه الكتلة، يتم استقاؤها إما من المستوى العالمي أو المستوى المحلى المباشر الذي ينظم الصراعات السياسية في ظرف تاريخي بعينه. ويبقى هذا النموذج قائماً مادام قادرا على استيعاب شرائح وفئات اجتماعية جديدة. فإن عجز عن ذلك دخل في أزمة عضوية تفتح الطرق أمام تبلور مشاريع سياسية بديلة للهيمنة. فالمشاريع السياسية إذن ليست مسطورة في جينات الطبقات الاجتماعية على الوجه الذي يصر عليه الماركسيون والليبراليون الذين تطرقوا لأزمة لبنان- فلا البرجوازية تحمل حتما مشروعا تحديثياً لبناء دولة في لبنان ولا هي حتماً في تناقض بنيوى مع هذا المشروع.

فالكتلة التاريخية اللبنانية من برجوازيات مدينية وأرستقراطيات إقطاعية جبلية وبيروقراطية حديثة النشأة، المنتظمة تحت قيادة طبقة سياسية برجوازية في غالبيتها، طرحت مشروع بناء دولة وأمة لبنانيتين حديثتين في أعقاب الحصول على الاستقلال مع منتصف أربعينيات القرن المنصرم بوصفه نمط هيمنتها الاجتماعية المتميز. تركب هذا المشروع بالاغتناء من ميل عالمي لتفكيك الاستعمار وتدعيم بنى الدولة الوطنية كضمانة للسلم والأمن العالميين، بل وظهور نزعة وطنية اقتصادية شجعت بيروقراطية الدولة على القيام بأدوار أوسع في عملية إنتاج الدخل القومي وتوزيعه. إلا أن هذا المشروع نفسه انتظم حول عصبية طائفية ضاربة بجذورها في تاريخ لبنان تحت الحكم العثماني، والذي قام على محاصصة بين الملل والطوائف في المشرق العربي. فأضحت الدولة اللبنانية مشروعاً للتحديث الاجتماعى يقوم على هيمنة عصبية طائفية ويقنن المحاصة الطائفية تلك نمطاً للاجتماع، وهو المشروع الذي وصل نهايته مع منتصف السبعينيات وأفضى لعقدي الحرب الأهلية، والتي أشارت بانتهائها إلى تبلور نمط هيمنة جديد مع بداية تسعينيات القرن المنصرم. ومن ثم فإذا كان نمط هيمنة البرجوازية اللبنانية يحمل مشروع الدولة الوطنية فإن نمط الهيمنة الحالي يتسم بالانصراف عن الاستثمار في هذا المشروع. وبالتالي يجب أن يتركز البحث على الظرف التاريخي الذي أفضى لتبلور هذا النمط من الهيمنة والشكل المحدد لتمفصل العالمي والمحلى فيه.

الأطروحة الثانية: في تمفصل الظروف العالمية والمحلية كشرط إمكان لهيمنة خارج الدولة- واقع الكولونيالية الجديدة في لبنان وتكيف الجميع معها.

يمكن البدء برصد تحولات الدينامكية المحركة لرأس المال عالميا في أعقاب انهيار المعسكر الشرقي وانطلاق موجة جديدة من موجات الرسملة، أي إطلاق قوى السوق من عقالها بحد أدنى من الضوابط وتفكيك الطابع القديم المهيمن على سياسات الإدارة الاقتصادية والاجتماعية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية السبعينيات، والذي اتسم بنزعة تدخلية واسعة للدولة في عمليات الإنتاج والتوزيع والهندسة الاجتماعية بالمجمل. استدعى ذلك التحول تحديد أدوار جهاز الدولة في إطار عملية التنظيم والمتابعة أو سن القواعد.

على أن عملية إطلاق قوى السوق تلازمت بشكل كاثوليكي مع عملية أخرى جرى بها استبدال مفاهيم المواطنة والدولة الوطنية الكلاسيكية عالمياً بإيديولوجية قانونية دستورية جديدة أصبحت تنظم وجود الأفراد عل أرض الدولة بوصفه وجوداً عابراً مؤقتاً على وجه التقريب. في إطار هذا الفهم لا تعكس الدساتير إلا نزوعاً لإقرار حقوق تتعلق بالاستهلاك أو تحدد واجبات الأفراد بشكل سلبي تجاه الدول وتنظيم التعايش بين الجماعات الثقافية المختلفة المشكلة لهذه الأمم. فبينما ارتبط تدخل الدولة في العمليات الاقتصادية كما سبق الذكر بدرجة عالية من الهندسة الاجتماعية استهدفت إحداث تغييرات جذرية في ثقافة مواطني هذه الدول، اقترن تفكيك هذا الطابع التدخلى بالسعي للحد من دور الدولة تجاه ثقافة مواطنيها وأنماط معاشهم، وظهور المجتمع المدني بوصفه مجالاً مفتوحاً ينظم حياة هذه التجمعات بعيدا عن سطوة الدولة الفكرية. هكذا تشكل خطاب يقرن الليبرالية الاقتصادية بنزعة دستورية قانونية، ثم عولمته – أي تحويله إلى معيار عالمى للحكم على تجارب التنمية والإدارة السياسية- تحت قيادة مؤسسات مثل الأمم المتحدة والصندوق والبنك الدوليين وبرعاية أمريكية مباشرة، في البداية على الأقل.

الشرق الأوسط كان مسرحاً لهذه العملية بقدر ما كان مولداً للعديد من الديناميكيات المؤسسة والدافعة لها من الأصل. لن نفيض هنا في سرد تاريخ الطفرات النفطية المتعاقبة خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، ولكن نشير إلى ما أدت إليه من تحولات عميقة في كلٍ من: بنية الاقتصاد العالمي ذاته، حيث ظهرت مراكز أخرى في الخليج العربي معتمدة على رأس مالها المالي، مع تدعيم دور أسواق الأوراق المالية وغيرها من المؤسسات؛ وفي الأوضاع الاستراتيجية؛ وأخيرا في الاتجاهات الإيديولوجية الكبرى، حيث أدت إلي ظهور الإسلام كثقافة وحضارة، ليس بوصفه دينا للمستعمرات ولكن بوصفه إشكالاً عالميا، لأنه أصبح علامة على نفوذ هذه القوى الريعية الجديدة، كما أنه ينازع المراكز الرأسمالية القديمة نفسها سطوتها الفكرية والحضارية.

ولبنان هنا ساحة لهذه التحولات الثلاثة. فهو من زاوية خرج من حربه الأهلية بفضل رأس المال المالي الخليجي هذا نفسه، والذي سمح بإعادة تشكيل برجوازية لبنانية تحمل هذا الميل الجديد. كما أصبح من الناحية الجيوبوليتيكية في مواجهة مع إسرائيل بشكل شبه منفرد، إذ اتجهت الأطراف العربية الكبرى الفاعلة في الشرق الأوسط إلى تبنى خيار السلام مع إسرائيل فيما عدا لبنان المرتبط قهراً بالمسار السوري، هذا بخلاف خصوصية الحضور الفلسطيني في لبنان. ومن الناحية الإيديولوجية أصبح لبنان موقعاً لأحد صراعات الإيديولوجية الإسلامية تلك مع الغرب عبر مواجهة حزب اللـه المدعوم من إيران مع إسرائيل.

بهذا المعنى "انبنى" لبنان الجديد الخارج من الحرب الأهلية جزئياً بطريقة نيوليبرالية. فأصبح مطلوبا من الدولة اللبنانية الانسحاب لصالح الجماعات الأهلية، وهى الدولة التي لم توجد بالمعنى المفهوم للكلمة خلال عقدي الحرب الأهلية كي تنسحب. كما لم يتم الاستثمار في بنى هذه الدولة بأي شكل من الأشكال، بل ظهرت هذه البني نفسها بوصفها موضوعاً للنهب. واشترك الجميع في هذه العملية، بما فيها الأطراف الشيعية التي انطلقت مستظلة بسطوة حزب اللـه، محتكر تمثيل الطائفة الشيعية منذ بداية التسعينيات، إلى الأعمال التجارية المعتمدة هي الأخرى على رأس مال عابر للحدود، ومن ثم لم تدخل في تناقض مع الميليشيات، بل تعاملت معها بوصفها أمرا واقعا طالما سمحت بعملية النهب والتفكيك تلك. اقترن ذلك بانحطاط ثقافي في أوساط الشيعة لا يتطابق مع الرواج المالي الذي شهدته أوساطهم. ويعكس استمرار هذا الوضع طوال التسعينيات هذه الحالة بكل وضوح، التى من جوانبها مثلا التفاهم بين رفيق الحريري وحسن نصر اللـه، بل يعكس حالة التفاهم الإقليمي بمجمله.

هنا اشتعل الخطاب الطائفي مرة أخرى ليس ليبنى كيانا لبنانيا ويضع حدودا بين طبقاته الاجتماعية وطوائفه، أو بينه وبين محيطه العربي كما حدث مع الاستقلال، بل اشتعل المخيال الطائفي ليحتضن ويضفى نسقا على عملية تأسيس دولة مستباحة ومكشوفة بكل ما للكلمة من معنى. فتحولت الأدوار الطائفية التقليدية على سخافتها -مثل أن السنة يتاجرون والموارنة هم ملاك الأرض وأهل السياسة والشيعة للثقافة والإبداع- إلى محاصصات قائمة على "العدد" بالمعنى الحرفي للكلمة.

وبهذا المعنى تؤسس الجماعات المتكالبة على "أكلة الدولة" شرعيتها بمعنى طائفي غامض، بينما تغزل تحالفاتها الإقليمية رغماً عن الدولة التي أريد لها أن تعكس هذه المحاصصة العددية في بنيانها. وبالتالي خُلق ظرف كولونيالى جديد، بمعنى تحول لبنان إلى موقع لفعل القوى الكبرى عبر تحالفات مع قواه الطائفية الداخلية، لا فاعلاً كمشروع أمة/ دولة، وتحول أهله إلى مستلبين في علاقات وعمليات كبرى لا يسيطرون عليها، وانبنى العالم إيديولوجيا في هذه الحالة كمجموعة من العوامل الكبرى التي يحيا عبرها اللبنانيون ولا يشاركون في تشكيل مجراها، إلا من خلال احترابهم الطائفي.

من شأن التصور المطروح هنا لطبيعة الكولونيالية الجديدة في لبنان، وسائر المنطقة أن يشتبك مع الفهم التقليدي للكولونيالية. ويمكن أن نطلق على هذا الفهم التقليدي أنه فهم "مواقعي"، حيث يرصد مركزاً واحداً للاقتصاد العالمي تدور في فلكه مجموعة من الاقتصاديات الأصغر، تحركها طبقات تابعة بالمعنى الاقتصادي، أي تحيا من فائض علاقتها مع هذا الاقتصاد، وتابعة بالمعنى السياسي، أي تستمد شرعيتها ووجودها من تحالفها السياسي مع المهيمنين على هذا النظام الاقتصادي. وهى في تبعيتها تلك تتسبب في إفقار مجموع السكان إذ تحط من مجمل الأنشطة الاقتصادية. وبهذا المعنى يتحول التخلف إلى سمة أصيلة لهذه المجتمعات، ومن ثم يكون المخرج السياسي هو إزاحة هذه البرجوازيات التابعة من سدة الحكم على يد تحالفات اجتماعية شعبية الطابع.

والحال أن هذا الفهم التقليدي يتجاهل جملة من الحقائق المهمة والقابلة للتفسير وفقا للتصور الذي طرحناه هنا. أولها أن العمليات الاقتصادية في هذا الظرف الكولونيالى الجديد تخترق العلاقات الاجتماعية على كافة مستوياتها، لأن من شأن تفكيك هياكل الدولة القومية واجتماعها السابقين على هذه الحقبة التشويش على المركز الذي تدور حوله العمليات الاقتصادية، والذي يجعل خط التنظير الخاص بمدرسة التبعية كله ممكنا من الأساس. فقد أصبحنا في الحقيقة أمام "موزاييك" من الأنشطة الاقتصادية التي تتعايش الدولة معها جميعاً، وأمام جماعات أهلية تغتني جميعاً بشكل من الأشكال عن طريق الارتباط بهذه العمليات. ونحن أمام فوائض مالية تتدفق لتصل إلى أدنى الشرائح الاجتماعية التي سرعان ما تتحول هي نفسها إلى برجوازيات "رثة"، إن جاز التعبير، بمعنى أنها ترتبط بأنشطة لا تسهم في تحقيق تراكم رأسمالي على مستوى وطني وتنخرط في أنشطة تتميز بدورة قصيرة لرأس المال. وبالتالي فالبحث هنا عن "قط" نعلق في رقبته جرس التخلف نتيجة علاقته برأس المال العالمي هو في الحقيقة بمثابة محاولة إضفاء طابع علمي على مقولة شعبوية مفادها أن بؤس الناس المعمم ناتج عن غنى قلة قليلة محتكرة لأقوات الشعب. فلا يمكن ببساطة القول بأن "الحريري" مثلاً هو ممثل هذه البرجوازية التابعة ونغض الطرف عن الوجوه السياسية لحركة أمل، وهم جميعاً منخرطون حتى آذانهم في هذا النمط من التنظيم الاجتماعي، مثلهم مثل حزب اللـه والبرجوازية الشيعية بالمجمل. (وهى فرضية سنتعرض لها بالتفصيل في السطور القادمة).

ومن ناحية أخرى من شأن ذلك أن يخلق ميلاً عاماً لدى الجماعات الأهلية لأن تقبل بالميليشيات المسلحة كمعبر عن مناعتها السياسية وقوتها. وفى الحالة الشيعية فإن شيعة الجنوب الذين تحملوا طويلاً عبء الاجتياحات الإسرائيلية لقراهم من الوارد أن يثقوا في حزب اللـه على حساب جيش دولة لا تربطهم بها إلا علاقة انتفاع محض، ولا تعرض هي نفسها أي مشروع آخر عليهم. ويعبر هذا الميل عن نفسه بامتياز في استمرار الكراهية لإسرائيل وأمريكا والتسليم لحزب اللـه بمهمة دحرهم مع عدم وجود أي ميل لحرب مفتوحة مع إسرائيل وأمريكا لدى الغالبية الكاسحة من الشعب اللبناني. فموقع حزب اللـه مقبول تماما من الناحية الدفاعية، في حين أن إيديولوجيتيه العقائدية الساعية إلى تصفية إسرائيل تبقى محل تأييد عام وغامض. وهذا الميل يقوم في حد ذاته كدليل آخر على استحالة تصور الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة "كومبرادور" أو طبقات تابعة ومطبِّعة متناقضة مع شعب تواق للحرية ومعادٍ للإمبريالية بطبعه.

الخلاصة إننا أمام حالة كولونيالية جديدة تم فيها إعادة هيكلة كيان دولة موروث منذ الحرب العالمية الثانية بوصفها كيانا مستباحا ومنهوبا وموقعا للمحاصصة والاقتسام. اغتنى هذا الميل العام من إيديولوجية طائفية كانت هي نفسها تتوهج وتخبو حسب التحولات العالمية، فانعكست على الواقع الخارج لتوه من الحرب الأهلية في شكل تمترس جماعات أهلية تنسج تحالفات دولية عابرة لحدود الكيان نفسه. والحال كذلك يستحيل التمييز بين طبقات تابعة وأخرى مستقلة، أو بين مشروع للتحرر الوطني وآخر للانخراط في السوق العالمي، لأن القوى الاجتماعية الحاملة لهذا المشروع نفسه والظرف الاجتماعي القائم لا يتصارعان ولا يمكن أن نتصور أن يتصارعا مع السياق العالمي -إلا بالتخلي الكامل عن الفكر الماركسي الذي يرفع رايته أنصار هذه المقولات. فكيف يمكن تفسير الأزمة اللبنانية إذن؟ كيف يمكن فهم احتكام الفرقاء للسلاح؟ وكيف نفهم العداء الظاهر والنضالية العالية التي يبديها حزب اللـه وغيره من قوى أكثر هامشية في مواجهة إسرائيل؟

الأطروحة الثالثة: مواجهة الإمبريالية إيديولوجية جديدة تحفظ تماسك العصبيات الأهلية

إذا كانت الكولونيالية الجديدة وهشاشة الدولة تاريخياً في المشرق قد شكلتا ظرفاً تاريخياً لصعود نمط هيمنة مرتكز على العصبية ولا يكترث بالاستثمار في بنى الدولة، فما هو الخطاب السياسي والفكري الذى يشرعن لهذا النمط من الهيمنة؟ فرضيتي الثالثة أن مواجهة الإمبريالية ورفع هدف إنزال هزيمة، لا يعرف أحد بشائرها أو كيف تقاس، بمخططات هذه الإمبريالية تفرض حالة من الاستثناء المعمم في المجال التشريعي والسياسي. تقدم حالة الاستثناء هذه التأسيس السياسي لهذا النمط من الهيمنة الاجتماعية والذي تحتل فيه العصبية موقعاً استراتيجيا متميزاً.

سبق أن جادلنا بأن هذا الواقع كان ظرفاً عالميا شمل الشرق الأوسط بالقدر الذي ساهم به الإقليم في تشكيل هذا الظرف نفسه. وكذلك طرحنا أن هذا الواقع الجديد يفتقر إلى المركز الذي تدور حوله التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية مولداً حالة دائمة من السيولة التي تسمح بغزل تحالفات إقليمية كبرى. في هذا السياق يعاد تشكيل عصبيات أهلية قوية تنتظم رأسياً خارج نطاق الدولة وتتماسك إيديولوجيا برغم التمايزات الطبقية في بنيانها. فكما كانت الأجهزة الإيديولوجية للدولة القومية قادرة على خلق هذا التماسك الأهلي على المستوى الوطني عبر تحولات لا متناهية وظفت فيها رموزاً تاريخية وأفكارا معاصرة، قامت التجمعات الأهلية الجديدة بنفس الأمر. وكما كان العداء لإسرائيل وقضية فلسطين ذاتها رمزاً إيديولوجيا استطاعت دول المشرق أن تخلق من خلاله اللُحمة عبر طبقاتها الهشة، استمر الرمز الفلسطيني يلعب نفس الدور بعد انتفاء الحاجة إلى هذه الدولة المشرقية ذاتها.

هذا الظرف التاريخي الذي تمخضت عنه هذه السيولة لا يمكن أن يستوعب تعقيد أفكار مدرسية الطابع، مثل الأفكار السائدة في الأوساط الدينية الشيعية، ومن هنا خضعت صياغة الإيديولوجيات السياسية الشعبوية لمنطق مغاير لهذه الأفكار المدرسية، وهو تأسيس الجماعة على الضد من جماعات أخرى، وهو ما يتناقض مع الأطروحات المدرسية الشيعية المعقدة. وأسفر هذا كله عن استمرار العداء لإسرائيل، المشوب بطابع اجتماعي ناتج عن واقع البؤس الذي يعيشه أهل الجنوب اللبناني، ولكن مع مسحة دينية ناتجة عن أيلولة السيطرة على الأرض إلى حزب إيديولوجي الطابع هو حزب اللـه.

ومن شأن استخدام رمزية العداء لإسرائيل بمعناها العام والهش والرث ذاك السماح باستمرار النهب المنظم للفوائض ومراكمة الثروات، لأن أي تشدد يتجه بالعداء إلى ما هو أبعد من هذه الحدود من شأنه أن يفصم عرى وحدة هذه الجماعة الأهلية الجديدة. وهكذا سمحت الرمزية الفلسطينية بإدامة حالة من الاستثناء يتم عبرها تصور السياسة بالمجمل ورفع فيتو أمام عمل الأجهزة الأمنية والعسكرية للدولة نفسها، التي تتململ وتتردد في القبول بلعب أي من هذه الأدوار.

نحن إذن أمام فصل جديد من انحطاط الرمزية الفلسطينية وخطابة العداء لأمريكا والإمبريالية. فكما سبق القول لا يرتكز هذا العداء على أي نزوع موضوعي مرهون بميل عام للسيطرة على الأسواق وبناء هويات وطنية على غرار باقي أمم العالم- وهى روح التحرر الوطني التي انعقدت لها السيادة في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن- ولكننا أمام إيديولوجية أصبحت تتناقض بوضوح مع هذا الهدف، إذ أصبحت مهمتها الإبقاء على الوضع القائم بأي ثمن. وبهذا يغدو الاستثناء منطقاً فاعلاً على المستوى الرمزي والعملي، بتأجيل الحديث في أي موضوع لحين إنهاء مهمة التحرر الوطني. وهنا نتساءل: ما الفارق بين العصبية الأهلية التي تأسست في جنوب لبنان وبين الأنظمة التي يتهكم عليها "حسن نصر اللـه" في خطاباته ويعايرها دائماً بعداء شعوبها لها؟

على الجانب الآخر، لم تتعرض باقي الأقاليم اللبنانية لظروف الحرب الأهلية وملابساتها المعروفة. فإسرائيل لم تحتل كامل لبنان، ولم يكن احتلالها لجنوبه نفسه بمثابة احتلال لجزء من ترابه الوطني، لأنه جرى في لحظة تاريخية لم يكن الكيان اللبناني نفسه موجودا بالمعنى العميق للكلمة. وبالتالي لم تتماسك العصبيات الأخرى حول رمزية العداء لإسرائيل ولكنها تحركت على أرضية غامضة تجمع بين حديث غامض عن عقلانية وليبرالية سياسية ما ونزوع اجتماعي محافظ، لدى السنة على وجه الخصوص.

عبر التركيز على الظرف الكولونيالى يمكن أن نفهم تشعب العلاقات الإقليمية للعصبيات الأهلية الجديدة ونضعها داخل ذات السياق وليس في مواجهته. وهى في علاقاتها الإقليمية والدولية تلك تتمتع بندية عالية وليس بتبعية مطلقة، على الطراز المتخيل في كتابات من تبقى من منظري اليسار اللبناني. على العكس، تتيح حالة السيولة المسيطرة على التفاعلات السياسية في الإقليم للأطراف المستوعبة في علاقة كولونيالية لعب أدوار مهمة في المركز، الذي لا يبنى تأثيره على نفوذ اقتصادي وحيد وجوهري، ولكنه يعضد نفوذه عبر هذه العلاقة ذاتها. بمعنى أن تبعثر التماسك الأهلي لدى الكيان المستعمَر يصبح بذاته ديناميكية تحفظ تماسك الطرف المسيطِر، ولكنها لا تعنى أنه يحرك الأطراف الأخرى كعرائس الماريونيت، لأنه ببساطة يرتكز عليها هي نفسها في حفظ تماسكه كمركز. من خلال علاقة الاعتماد المتبادل هذه يمكن أن نفهم كيف يجر انهيار المستعمرات عادة إلى انهيار إمبراطوريات كبرى، وكيف كان التنافس على المستعمرات يؤدى إلي تغيير ميزان القوى في العالم أجمع، برغم عدم وجود علاقة واضحة بين اقتصاديات الطرفين في الكثير من الحالات.

وتقوم الحالة اللبنانية كمثال نموذجي في هذا السياق. فعلاقة رئيس الوزراء الراحل "رفيق الحريري" بالبيت المالك السعودي كانت أعقد بكثير من كونها علاقة تبعية مباشرة تملى عبرها المملكة العربية السعودية شروطها وتصوراتها عليه. فقد لعب رفيق الحريري ومجمل التركيبة اللبنانية أدواراً مهمة في تصريف الفوائض النفطية السعودية، بل وكانت الشخصيات اللبنانية السنية المالية الكبرى طرفاً أصيلاً في صراعات البيت الملكي السعودي ومرجحاً لطرف من الأطراف في كثير من الأحيان.

على الجانب الآخر، هل يمكن اعتبار علاقة حزب اللـه بحليفه الإيراني علاقة تبعية مباشرة يخدم بمقتضاها الحزب وجناحه الحسابات الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة؟ بالقطع لا. ليس مردّ "لا" هنا إلى استقلالية قرار الحزب ومرجعيته كما يحب أن يروج أنصاره في مصر، ولكنها ترجع إلى طبيعة العلاقة التاريخية المركبة بين حزب اللـه والقيادة الإيرانية بشخوصها وزمرها منذ بدء تحلل حكم الشاه، بحيث يمكن القول بأن نشأة ومركزة الحكم الإسلامي في إيران ونشأة حزب اللـه في لبنان وجهان لعملية واحدة اتخذت من لبنان الحرب الأهلية أحد أهم مسارحها. فغالبية قيادات الثورة الإيرانية تدربت في معسكرات الثورة الفلسطينية، بل وحققت خلال إقامتها في لبنان هذا المزج الشعبوى بين المقولات القومية العالم ثالثية المعادية للإمبريالية والمقولات الإسلامية السياسية المحافظة. وهى ذات الفترة التي بدأت فيها ميليشيات الحزب في التشكل عبر الزمالة المباشرة والتأثير والتأثر بقيادات الثورة الإيرانية. بل ولعب الحزب، في طوره الجنينيى، أدوارا هامة في تغطية ظهر الثورة الإيرانية من الناحية العسكرية والمخابراتية في بداية الثمانينيات. واستمر هذا التعاون الوثيق في شق مخابراتي، وآخر عسكري مباشر، لعب الحزب عبره أدواراً في حفظ التماسك الإيراني الداخلي من الانهيار في حين لعبت الفوائض النفطية دوراً بارزاً في تمويل الحزب وتسليحه وتدريبه في مراحل لاحقة. المثال الأبرز على وضعية حزب اللـه تلك يتجلى في الدور البارز الذي لعبته كوادره في إيران في قمع انتفاضة الطلاب الإيرانيين في عام 1997. في هذا السياق كشف اغتيال المسئول الأمني بالحزب عماد مغنية في ظروف غامضة على الأراضي السورية في فبراير الماضي عن أوجه لعلاقة مركبة كان مغنية فيها أحد أذرع الثورة الإيرانية الضاربة قبل أن يكون قيادياً بارزاً في حزب اللـه.

غرض هذه الاستطرادات الطويلة كان التدليل على فكرة مؤداها أن تبعثر التماسك الأهلي اللبناني هو الوجه الآخر لعملية تماسك أهلي تجرى في مراكز محلية تتشكل على تخوم هذا التبعثر. ومن ناحية أخرى التدليل على أنه كما كان للدولة القومية خطاب إيديولوجي يحتفي بالرمزية الفلسطينية كان للعصبيات المتخلفة عن هذه الدولة ذات الخطاب الذي يحفظ تماسكها كما حفظ تماسك الدولة القومية في فترة سابقة. قد يتطلب الأمر هنا بعض التوضيح بشأن الوجه الآخر لحالة التبعثر الأهلي اللبناني تلك، ألا وهو تماسك المراكز المحيطة.

الأطروحة الرابعة: إيران قوة محلية تطمح للعب دور إمبراطوري متوسلة بالعداء للولايات المتحدة ومستندة على التبعثر الأهلي اللبناني

لا تثير أطروحة الدور الإمبراطورى أي مشكلة لدى اليسار عند تطبيقها على المملكة العربية السعودية، إلا أنها تثير الاضطراب عند مجرد التطرق بها لإيران. سبب هذا الاضطراب هو خطاب إيران المناهض للولايات المتحدة والمتبنى للشعارات اليسارية التقليدية المناهضة للإمبريالية، حتى ولو وشت سياساتها الواقعية بعكس ذلك، مثلا في العراق أو أفغانستان، حيث سهلت إيران الغزو الأمريكي للبلدين ثم لعبت أدواراً مهمة في إثارة الفوضى في الاجتماع الهش فيهما. لا يمكن للخطاب اليساري التقليدي حتى الآن في مصر أن يتخيل إمكانية أن يجمع نظام ما بين الوجهين: مقاومة الولايات المتحدة وانخراطه في المشروع الكوني للتوسع الرأسمالي. وجه هذا الاضطراب الفكري يكمن في التصور السابق التعرض له لعمل رأس المال العالمي، والذي لا يستقيم في الذهن إلا على شاكلة مركز وأطراف تابعة تديرها أوليجاركيات تدين بولائها للمركز. ولكن من شأن التصور الآخر الذي حاولنا رسم ملامحه أن يربط بين معاداة الولايات المتحدة وحالة التبعثر الأهلي الناتج عن فعل رأس المال نفسه في علاقة واحدة، بحيث تصير معاداة الولايات المتحدة في لحظة معينة هي الخطاب الإيديولوجي الكفيل بحفظ الدولة والنظام القائمين، كما تصير نفس المعاداة سبيل حفظ العصبيات الأهلية الجديدة في الحالة اللبنانية.

فحقبة التحرر الوطني كانت قد تمت تصفيتها بالكامل خلال الفترة الأولى من الثورة الإيرانية. الثورة الإيرانية، من حيث هي رد فعل شعبوى/ ديني، قامت على مزج إيديولوجية الإسلام السياسي المحافظ بتصورات مغالى فيها عن عداء ماهوى بين العالم الثالث والولايات المتحدة، أو المستضعفين والمستكبرين، كما صاغها الإمام "الخومينى". كان من المنطقي أن يتحالف الإمام من حيث إسلاميته مع الأجنحة الرجعية والمتخلفة من البرجوازية الإيرانية، متمثلة في البازار الإيراني، ومع الشرائح الرثة من الطبقة العاملة الواقعة خارج عملية الإنتاج بالمجمل، والتي تماهت مع الزوج الشعبوى من المركب الإيديولوجي للثورة الإيرانية. وتفاعل الطرفان معاً تحت رعاية سلطة الملالى، الذين كانوا خير معبر عن هذا التحالف العريض الذي اغتنى من الإيديولوجية الشعبوية الإسلامية وأكسبها مبرر وجودها. وكان من شأن فعل هذا المركب مناصبة استراتيجية التحرر الوطني بمعناها الأصيل العداء الجوهري- استراتيجية التحرر الوطني من حيث هي تحديث لقوى الإنتاج البرجوازي وبناء دولة ومجتمع حداثيين على النمط الغربي، وهى الإيديولوجية التي فتحت الإمكانية لتبلور الطبقات العاملة والوسطي الحديثة، ومن ثم إمكانية طرح الاشتراكية من الأساس على جدول أعمال شعوب الشرق الأوسط. والحال أن هذه الاستراتيجية وقعت في مرمى نيران الثورة الإيرانية، سواء لحداثتها وتغريبها أو من حيث نمط تنميتها الساعي لبلورة طبقية حادة تختلف جذرياً عن النمط المساواتى الذي يركز على التوزيع ويتماهى اجتماعه مع نمط البلدة البندرية التي يديرها البازار بكفاءة.

وهكذا أسفر هذا التركيب عن استمرار الاعتماد على النفط والغاز الطبيعي كمصدرين رئيسيين لفائض ريعى بغير استثمار هذا الفائض في تصنيع إيران كاستراتيجية للتنمية الوطنية. واستمرت الشركات الأجنبية تدير النفط تحت الرعاية المباشر لبيروقراطية الدولة بشكل ولَّد فوائض مالية بغير تنمية حقيقية تدفع بالحراك الاجتماعي إلى الأمام وتطرح الدولة الحديثة والمجتمع الديمقراطي في لب الجدل الثقافي والسياسي. بل استمرت إيران في احتلال موقع هامشي من الاقتصاد العالمي، يتأثر جزء معتبر من تعاملاتها المالية بهزاته وأمواج انتعاشه المختلفة. بل ولم تشذ التأميمات التي أعقبت قيام الثورة عن نمط التأميمات المعتاد في تجارب رأسمالية الدولة والذي لم يخرج بهذه المنشآت من حركة السوق العالمي بأي حال من الأحوال. بل اكتسبت شروط الاستغلال المحلى مناعة وشرعية غداة تصفية الحركة العمالية وتنظيماتها المستقلة. فكانت الثورة الإيرانية بذلك هي الأخرى صاحبة إسهام في صياغة وعى جديد بالدولة يحولها إلى موزع ومقسم ومركز للمحاصصة أكثر منها فاعلا اجتماعيا في عملية تنموية. وكانت علاقاتها الخارجية وفورتها الشعبوية هما مصدر تماسك عصبية حكمها أو كتلتها التاريخية التي أنجزت وحدة كيانها الاجتماعي عبر الإرهاب الثوري المباشر.

كان من الطبيعي أن ينتاب الجناح البرجوازي المحافظ من هذه التركيبة بعض التململ من الفورة الشعبوية، خصوصاً مع انتهاء مرحلة الدفع الثوري واتساع نطاق الطبقة الوسطي الإيرانية التي تتوق لانفتاح على أنماط الاستهلاك والحياة العالمية. ولما كان هذا الجناح طرفاً أصيلاً في معادلة الحكم كان من المنطقي أن يعكس هذا التململ نفسه من داخل المؤسسة الحاكمة خلال حقبة حكم الرئيس "خاتمي"، بل وخلال الفترة الأخيرة من حكم الرئيس "رفسنجانى"، أي بعد عقد واحد فقط من انتصار الثورة. ولكن سرعان ما أجهضت العدوانية الأمريكية هذا النزوع، إذ شعر النظام الإيراني بتهديد جذري بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والهجوم على أفغانستان والعراق. وبالتالي كان الرد بدفع وجه "مهرج" كأحمدى نجاد إلى سدة الحكم وعودة وجوه الحرس الثوري مرة أخرى إلى الساحة بعد تصفية رموز الجناح الإصلاحي وتحجيمهم.

وبالتوازي مع هذه العملية كان النظام الإيراني يوظف كل تحالفاته العابرة لحدوده لتحجيم هذه النزعة العدوانية الأمريكية بكل الطرق، فأضحى الطرف الإيراني شريكاً في تفكيك التماسك الأهلي للعراق ولبنان بالقدر الذي ساعدت فيه هذه العصبيات على حفظ تماسك هذا النظام وخروجه محققا انتصارات نسبية في مواجهاته المحدودة مع الولايات المتحدة. ولا يمكن أن نفهم مغامرة حزب اللـه بالمبادرة إلى مناوشة إسرائيل في صيف 2006 وما أعقبها من عدوان إسرائيلي فاشل على لبنان إلا في هذا السياق.

وبالتالي، نحن أبعد ما نكون عن حالة من حالات الصدام بين مشروع للتحرر الوطني وآخر للهيمنة الإمبريالية. فلا الأساس الاجتماعي أو الإيديولوجي لهذا المشروع متوافر في الحالة الإيرانية، ولا ممارسات الطاقم الحاكم الإيراني تتسق مع هذا النموذج، ولا العدوانية الأمريكية تهدف أصلا إلى تصفية أي مشروع تنموي إيراني من أي نوع. نحن فقط أمام صراعات قوى مجردة تدور جميعا على نفس المسرح الكولونيالى، يتذرع فيها كلا الطرفين بطبعات منحطة من إيديولوجيات كبرى. فكما تتذرع قيادة الولايات المتحدة بسعي لتدعيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط تتذرع إيران بسعي لمواجهة الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل.

ولا نفهم وجه الصعوبة في هضم إمكانية وجود أكثر من قوة إمبريالية تصارع في مسرح استراتيجي واحد برغم أن تعدد المراكز الإمبريالية ذاك كان سمة ملازمة للرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية منذ بدايات التوسع الاستعمارى. فمؤتمر برلين على سبيل المثال الذي وضع لبنات التقسيم الاستعمارى للعالم ضم أكثر من 11 قوة استعمارية. ومع بداية القرن العشرين وصلت التناقضات بين هذه القوى الاستعمارية وبعضها البعض إلى حد الحروب الوجودية التي أفنت أمما وشعوبا وأسست أمما جديدة. وخلال هذه الفترة كانت أحد أهم هذه الإمبراطوريات الاستعمارية، وهى الإمبراطورية العثمانية، تتذرع هي الأخرى بمحاربة الغرب والاستعمار ومحاولة طرده من أراضى المسلمين. وكان الموقف الصحيح للثوريين الروس – وهم أيضاً من يدعى أنصار حزب اللـه في أوساط اليسار الانتساب إليهم- هو التعامل مع هذه الحروب الاستعمارية بوصفها تعبيرا عن تناقضات داخل ذات المعسكر الإمبريالي ينبغي الخروج منها سريعاً وعدم تحويلها لأتون يلتهم الشعوب.

حقبة التسعينيات من القرن الماضي، وهى الفترة التي انفردت فيها الولايات المتحدة بقيادة النظام الرأسمالي العالمي، هي الاستثناء في التاريخ الإمبريالي وليست القاعدة، ولا يجوز التعامل مع واقع صراعات القوى الإقليمية الكبرى أياً كانت مع الولايات المتحدة بوصفها جميعاً أشكالاً من المقاومة وإلا كان الوجود الصيني في أفريقيا مثلاً شكلا من أشكال المقاومة، أو كان النفوذ الروسي في بعض مجتمعات أوروبا الشرقية وآسيا الوسطي يدخل في وارد النضال ضد الإمبريالية، حتى وإن آذى أحد قواها وألحق بها بعض الهزائم الجزئية.

الخلاصة أننا أمام حلف أهلي واسع يناصب الولايات المتحدة العداء ويتوسل بتحرير فلسطين كإيديولوجية تحفظ تماسكه وتعيد إنتاج هيمنة الكتلة الفاعلة داخله. ويُنتج هذا التحالف في الحركة الواقعية تبعثرا أهليا في لبنان في حين يحفظ تماسك المركز الإيراني والعصبية الشيعية تحت قيادة حزب اللـه، تماماً كما تنتج العصبيات الأخرى تبعثرا أهليا لبنانيا لصالح تماسك المركز السعودي ولصالح حفظ الهيمنة الأمريكية على المدى البعيد على مقدرات الإقليم وحفظ تماسك العصبية السنية حول آل الحريرى. وكلا الموقفين يتأسسان على أرضية فعل رأس المال العالمي في مرحلته الإمبراطورية وبالتناغم معه ولا يجوز تحميلهما أكثر مما يحتملان. فلا ينبغي أن يحمل أي تشابه بين رطانة حزب اللـه وإيران المعادية لإسرائيل وبين خطاب حركات التحرر الوطني في العالم على محمل الجد. كذلك لا ينبغي أن يحمل أي تشابه بين رطانة فريق الحريري وخطاب الديمقراطية الليبرالية على محمل الجد.

وهنا يبرز سؤال تطرحه العديد من القوى اليسارية التي تحمل لواء التحالف مع حزب اللـه، ألا وهو: أياً كانت دوافع الحلف الإيراني العريض في المنطقة وأي كانت أثاره، ألا يشكل موقعه المعادى للإمبريالية فرصة قد يستفيد منها الخطاب المعادى للإمبريالية في صورته الصافية؟ ألا يشكل مشروع الحريري المتحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل مباشر تهديدا جذريا لنضالات الشعوب العربية من أجل الديمقراطية والعدالة؟ ألا تعرقل إيران وحزب اللـه سطوة البرجوازية في لبنان بلا منازع وتسليم مقاليد لبنان بشكل كامل للحلف الأمريكي الإسرائيلي؟ ألا يشكل حزب اللـه وإيران رادعاً يحفظ قدراً من التوازن في هذه المعادلة؟ تقتضى الإجابة عل هذه الأسئلة، والتي تدور حولها كل إسهامات اليسار المصري في الشأن اللبناني تقريبا، أطروحة مستقلة بذاتها.

الأطروحة الخامسة: التأييد غير المشروط لحزب اللـه أو التحالف السياسي معه يعنى في الممارسة تحطيم أسس الاجتماع اللبناني ومن ثم يصادر على أية إمكانية مستقبلية للتحرر الطبقي

تؤسس الأطروحة المصاغة فى الأسئلة أعلاه نفسها داخل الحقل المفاهيمى الماركسي بشكل عام، ولكنها لا تقتصر على الكتابات اليسارية الداعية للتحالف مع حزب اللـه، بل تتعادها لتكتسب شعبية في كتابات ليست يسارية بالضرورة ولكنها تتذرع بهذه المقولة لتؤسس لأطروحة ضرورة التأييد الغير مشروط لحزب اللـه (تحيل تحليلات كتيبة كاملة من الصحفيين والمناضلين اليساريين القدامى في جريدة الأخبار اللبنانية وغيرها إلى هذه المقولة حرفياً بطريقة تلفت الانتباه). فحزب اللـه وفقا لهذه المقولة هو ممثل لمصالح شعوب المنطقة التي تتناقض بشكل رئيسي مع المشاريع الإمبريالية ووكلائها من قوى 14 آذار وما يسمى بمعسكر الاعتدال العربي.

التناقض وفقا لهذه المقولة لا يمكن فهمه إلا بقبول ثنائية مستقرة وهى ثنائية الجوهر والتمثيل- أي أن أي تناقض لا يمكن أن يعبر عن نفسه مباشرة ولكنه يتخذ شكل صراع بين ثنائيات قد لا تماثل بالضرورة حقيقة هذا التناقض. فالتناقض بين الإمبريالية وشعوب المنطقة كامن لأنه لا يتحدث هنا بالأصالة عن نفسه ولكنه يتخذ شكل الصراع مابين الإسلام والغرب مثلاً، فجوهر التناقض يتحول عند تمثيله إلى صراع قد يبدو مغايرا لجوهره ولكنه في الحقيقة يعبر عن هذا الجوهر ويحيل إليه. وهذا الجوهر يكشف عن نفسه بالتدريج عبر حركة التاريخ أو مسرح الصراعات السياسية. وبالتالي، وفقا لهذا التصور، تكون الصراعات السياسية مجرد "تكثيف" لتناقضات كامنة. ومن ثم فإن كانت اللحظة الراهنة تتميز باتخاذ التناقض شكل الصراع بين الإسلام والغرب في لبنان، والعراق وفلسطين بالطبع، فإن الصراع السياسي داخل صيرورة التاريخ كفيل بأن يكشف جوهره السابق الذكر بوصفه صراع مصالح، ومن ثم يوجه التاريخ في وجهة أخرى عنوانها تحرر هذه الطبقات من أسر الإيديولوجية المهيمنة ووعيها بذاتها. ومن ثم تصبح استراتيجية اليسار هي التحالف مع حزب اللـه، وباقي القوى الإسلامية المقاومة في المنطقة، بدعوى أن التعالي على منطق صراعات هذه القوى يتجاهل جوهرها المناهض للإمبريالية على المدى البعيد ويحول دون تطورها.

سنحاول نقد هذه الأطروحة من خلال التعرض لشقيها أي تفكيك مفهوم التناقض الجدلي نفسه- بتبسيط شديد إذ لا يتسع المقال لمناقشة مستفيضة- وكشف تداعيات تطبيقاته في لبنان. لنبدأ بمفهوم التناقض. يفترض مفهوم التناقض بالمعنى الهيجلى مفهوماً معينا للكلية منفصلاً عن الأجزاء المكونة لها، ولكن هذا الكل نفسه ينطوي على التناقض الذي لا يظهر بالضرورة بين أجزاؤه. فالتناقض إذن يتأسس عبر المستويات البنيوية المشكلة للكل الاجتماعي ولا يتأسس بين القوى الاجتماعية التي تشكل هذا الكل ولا بين الاستراتيجيات السياسية التي تتبعها. فمثلا هناك تناقض داخل نمط الإنتاج البرجوازي- عند النظر إليه ككل مختلف عن مجموع أجزاؤه- بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج أو بين رأس المال والعمل ولكن هذا لايعنى بالضرورة مواجهة دائمة بين الطبقة العاملة والبرجوازية داخل المستوى السياسي. هذا التمييز نفسه هو نقطة الضعف في هذا البناء النظري، إذ أنه يقر باستقلالية ما للمستوى السياسي داخل نمط الإنتاج البرجوازي بما يستتبعه ذلك من اتخاذ مواقف سياسية لا يحتمها علينا منطق التناقض الكامن في هذا النمط ولكنه سرعان ما يعيد تأسيس علاقة ما بين هذا الكل والمستوى السياسي أقل ما يقال عنها أنها علاقة ميتافيزيقية لا يمكن تأسيسها تاريخياً. وأحد دلالات تلك اللحظة الميتافيزيقية هو العجز الدائم عن تحليل ظهور هذه الكليات نفسها في المقام الأول، أو تفسير لماذا تتخذ تناقاضاتها هذه الأشكال بالتحديد.

لا يمكن الإجابة على هذه التساؤلات بالاستناد إلى نفس المنطق الجدلي. ولكن يمكن العودة مرة أخرى إلى منطق الهيمنة الذي سبق أن تطرقت إليه عند محاولة شرح نشوء العصبيات الطائفية في المشرق العربي وانصرافها عن الاستثمار في مشروع الدولة الوطنية. الكيانات الاجتماعية تتشكل عبر شبكة هائلة من علاقات الهيمنة التي تستدعى مفصلة طيف واسع من المفاهيم، التي قد تنتمي لحقول خطابية مختلفة، في خطاب واحد يتم تسييده على باقي مكونات الكل الاجتماعى. فمثلاً تأسيس التشكيلات الاجتماعية البرجوازية الناجزة كان يعنى إدراج طيف واسع من السكان داخل علاقات العمل المأجور. هذه العملية تمت بتحويلهم من سكان أو قوة عمل بالمعنى الخام للكلمة إلى مواطنين يتمتعون بحقوق وواجبات تسمح لهم الدخول في السوق الرأسمالي لبيع قوة عملهم على قدم المساواة. علاقة الهيمنة تلك هي المسئولة عن تشكيل نمط الإنتاج البرجوازي نفسه بوصفه كلا اجتماعيا يؤشر إلى شبكة العلاقات تلك. وعلاقة الهيمنة تلك هي التي تفتح الأفق أمام تصور انعتاق الطبقة العاملة من الأصل، لأن بنية الهيمنة تلك تنطوي على تناقض غير محلول بين ميل رأس المال للتوسع وميل معدل الربح للانخفاض، ومن ثم تكثيف شروط استغلال الطبقة العاملة وتوليد أزمة هيمنة دائمة تتمثل في عدم قدرة الطبقات الحاكمة على إعادة إنتاج موقعها المتميز بوصفه أمراً طبيعياً.

أي أننا أمام عملية مادية لتشكيل هيمنة عبر حيز اجتماعى وخلق بنية مفاهيمية تنظم هذا الحيز نفسه، تنطوي هي نفسها على مثل هذا التناقض. والتناقض هنا هو المسئول عن فتح المجال أمام الصراع لتأسيس أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعى، أي أشكال جديدة من الهيمنة. أي أن الأمر يتأسس على شاكلة هيمنة. فتأسيس كلية تنطوي على تناقض يفتح الطريق للنضال من أجل هيمنة علاقة هيمنة بديلة وهكذا. التناقض إذن يتشكل كأثر لحركة هذه القوى على عكس التصور السائد لدى غالبية الماركسيين العرب من أن التناقض هو الموجه لحركة هذه القوى. وبالتالي ينبغي النظر إلى الحقل السياسي بوصفه مجالا مستقلا لتشكل الهويات الطبقية وتشكل علاقات الهيمنة حتى وإن كان التناقض في البنية يمثل شرط إمكانها، وهو المنهج الذي حاولنا الالتزام به لفهم انتعاش مقولات العداء للإمبريالية على حساب أبنية الدولة الوطنية.

لتحاشى التجريد، أو لتوضيحه، نعود على مناقشة ملموسة. لنفترض أننا قبلنا منطق التناقض الجدلي السابق نقده، وهو أن الصراعات السياسية مهما تنوعت أشكالها هي مجرد تكثيف للمواقع الاجتماعية، ومن ثم يكون انحياز المثقف هنا مواقعيا بغض النظر عن النتائج. فى هذه الحالة ستفلت منا ظواهر كثيرة: مثلاً، أن نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا تأسس تحت ضغط القطاع الأوسع من الطبقة العاملة البيضاء بهدف الحفاظ على فرص العمل. وفى هذه الحالة يجب الذهاب مع الطبقة العاملة إلى النهاية في مطالبها حتى لو كان القسم الأكبر من هذه الطبقة في تحالف وثيق مع الطبقات الحاكمة! أو قصر هذا التأييد للتحركات غير الواعية للجماهير في الحالات التي تفضي فيها هذه التحركات إلى مواجهة مع الطبقات المهيمنة. ولكننا هنا لا نذهب بعيدا أيضاً. ففي حالة التناقض مع منطق الهيمنة يستدعى التأييد بالضرورة تدخلا نشطاً من قبل المثقفين اليساريين لتوضيح حقيقة الصراع الدائر، وهو ما يعنى الإقرار باستقلالية المجال السياسي، ومن ثم يثير التساؤلات عن ضرورة التحالف مع قوى تدمر البنية التحتية لهذا السياسي نفسه مثل القوى التي ترفع شعارات طائفية أو دينية. هنا لا يكون الرد إلا باعتبارات الاستراتيجية والتكتيك، أي أن التحالف يكون مع الطرف الأقوى. وهنا تنقلب الفرضية الجدلية المعقدة إلى محض حساب للمنافع والخسائر وإخضاع كافة أشكال الفعل السياسي الممكنة إلى ثنائية عقيمة محورها "الاستراتيجية والتكتيك". هذا بخلاف تحويل الجسد الاجتماعي بالكامل إلى ساحة معركة تنغلق فيها السياسة ويقعقع فيها السلاح مهما كانت النوايا الطيبة.

هذا الخلل المنهجي والإسراف غير الواعي في استعمال مقولة فلسفية معقدة وعلى قدر عال من التجريد في الجدال السياسي اليومي يقود إلى اضطرابات على مستوى الاستراتيجية السياسية عند تطبيقه على الحالة اللبنانية.

النتيجة الأولى لهذا الاضطراب هي التضحية بكل ما هو موضوعي أو مادي في التحليل لصالح تصورات مثالية، أو بالأحرى "ميتافيزيقية" عن إمكانية قيام استراتيجيات مناهضة للإمبريالية لا تقودها قوى اجتماعية تحمل مشروعا بديلا لمنطق عمل الإمبريالية ذاتها. فتتخيل هذه القوى اليسارية على سبيل المثال أن نضالا بالسلاح ضد إسرائيل إنما يجرى في الفراغ، في حين أنه لا يوجد اليوم قوة اجتماعية في لبنان معبأة ومؤهلة لقيادة مشروع للتحرر الوطني يسيطر على مقدرات الدولة والاقتصاد اللبنانيين أو على استعداد لمواجهة إسرائيل، بل وتنحو الغالبية الكاسحة من أبناء الشعب اللبناني نحو الانخراط النشط في صيرورة الكولونيالية الجديدة. وبالتالي فإن تغولاً للعصبية الشيعية التي يقودها حزب اللـه، والحاصل على تفويض شيعي يخوله الحماية والدفاع وفقط، يفزع باقي هذه الشرائح ويدفعها باتجاه سياسة طائفية نشطة وصريحة تصادر على إمكانية أي تحرر اجتماعي في المستقبل. من ثم فالتسليم لحزب اللـه بالحق في مواجهة إسرائيل في أي زمان ومكان هو مصادرة على إمكانية تحرير هذه الشرائح من السياسات الطائفية الصريحة.

النتيجة السياسية الثانية هي أن انخراطا نشطا لحزب اللـه في الصراع مع إسرائيل رغماً عن الجماهير اللبنانية، وهو انخراط ترتبه واجباته الإقليمية تجاه المركز كما سبق التوضيح، يقتضى ضرورة المصادرة على أية إمكانية لتملص أهل الطائفة الشيعية من سطوة حزب اللـه نفسه، إذ يجرى اعتقالها هي نفسها في خطاب معاداة الاستعمار المجوف ذاك وتخوين أية أصوات أخرى حتى لو كانت يسارية، بالمناسبة. والنوايا الطيبة التي تتخيل غير ذلك ما عليها إلا مراجعة ممارسات حزب اللـه الأمنية في مناطق نفوذه لتتأكد من ذلك. في ضوء ذلك فإن تقديم اليسار لحزب اللـه على صورة المعادى للإمبريالية يقدم المدد لهذه الصيرورة الشعبوية باتجاه الإغلاق الكامل لكل التصور الاجتماعي والسياسي في خانة الخائن/ المقاوم. وهذه الصيرورة نفسها تتناقض مع أية إمكانية على الأرض للقوى الاجتماعية لتنظيم نفسها داخل الطائفة الشيعية، بل وتتناقض مع كل طموح اليسار ونصائحه الطريفة لحزب اللـه بألا يحتكر خطاب المقاومة في مواجهة من وصفهم اليسار نفسه بالعملاء!

الخلل السياسي الثالث والأهم، المترتب على هذا الخلل المنهجي الأساسي، هو تصور إمكانية تقسيم الجسد الاجتماعي بالكامل إلى معسكرين متساويين أحدهما يضم الأخوة والآخر يضم العملاء بغير أن يتحول هذا التقسيم إلى الداخل، بمعنى استعمال سلاح حزب اللـه داخلياً في الصراع السياسي. فكما سبق الذكر، يحوِّل سحب مقولة التناقض تلك على طبيعة الصراعات السياسية الأخيرة إلى تحويل كل هذه الصراعات إلى فكرة حرب الطبقات. وهى فكرة تتخيل إمكانية انتصار الطبقات المقهورة والمستغلة على مستغليها بالسلاح أو بأن تنفى هي هذه الطبقة الأخرى عدديا ببساطة، أي تلغى وجودها المادي نفسه تحت ضربات السلاح. دعك من فكرة أن حزب اللـه نفسه يمثل أية طبقات مقهورة من أي نوع، إذ سبق توضيح أن إطلاق هذا الوصف على الشيعة ما عاد يلائم حقائق لبنان ما بعد الحرب الأهلية. ولكننا هنا نشدد على أنه بدون ممارسة سياسية مفتوحة لا يوجد تحرر طبقي من أي نوع. بل يتم تحويل الفقراء إلى مليشيات وقتلة مأجورين. وفي التحليل الأخير يتباهى كل منهم بالسلاح تباهياً أبلها يصادر على إمكانية إعمال العقل في إدراك ومواجهة شروط استغلاله.

الخلل السياسي الرابع يكمن في تصور اليسار لإمكانياته هو نفسه كتيار، والتي يتخيل أنها تسمح له بالتأثير في خطاب وممارسات حزب اللـه بمجرد الكلام مع قيادات حزب اللـه!! وهذا ما أسميه الانتحار المنهجي، أي تخلى اليسار عن أية أصالة منهجية تفصل بينه وبين تصورات الإيديولوجية البرجوازية الإرادوية عن الفعل الإنساني وإمكانية تغيير العالم بنخب متنورة وواعية. التحالف مع حزب اللـه يتم اختزاله إلى الكلام مع قيادات حزب اللـه بينما يقوم حزب اللـه بالتنفيذ على الأرض. إنه التصور اليساري النخبوى المنتفخ ذاته الذي ينسب إلى كوادره قدرات خارقة تؤهلهم لتوجيه مسار ثورات كاملة مهما كان ضعفهم السياسي، فقط إذا تحالفوا سياسياً بذكاء مع الطرف الرابح.

هذه السذاجة المفرطة تتجاهل الحقيقة الأهم، وهى أن كوادر اليسار نفسها هي التي يتم استيعابها في خطاب الطرف الرابح وليس العكس: أي يتحول الكادر اليساري إلى تقدير القوة المفرطة المجردة من أي عقال، بل قد يتحول بسلاسة بالغة إلى مصاف الحركة الإسلامية. إن أي حديث عن إمكانية التأثير في خطاب القوى الأخرى بدون وزن جماهيري هو محض انتهازية سياسية يائسة لا تثق في الجماهير نفسها وتعجب بالسلاح. على نفس المنوال يصدع أنصار حزب اللـه اليساريين في مصر رؤوسنا بالكلام عن لاهوت التحرير، ناسيين أن لاهوت التحرير كان بمثابة رد أحد أجنحة الكنيسة الكاثوليكية عل حركة جماهيرية صاعدة سعى إلى الارتباط بها، أى أنه استند إلى ثقل مؤسسى وليس إلى محض أفكار مجردة وردت على عقل عدد من القساوسة.

الخلل السياسي الخامس المترتب عل الخلل المنهجي الأصيل هو تجاهل التناقض الأهم بين خطاب 14 آذار وبين طبيعة تركيبة قواها السياسية: ترفع 14 آذار خطاباً ديمقراطياً ليبرالياً بينما تنخرط في سياسة طائفية نشطة. هذا التناقض ناتج بالأساس عن الظرف الموضوعي الذي تشكلت على أرضيته فكرة 14 آذار نفسها: أي عدم التماس المباشر مع إسرائيل وعدم تعرض مناطقها للعدوانية الإسرائيلية بشكل مباشر. هذا الظرف هو ما دفع خطابها إلى تبنى هذه المقولات الليبرالية كجواز سفر للنفاذ إلى الترتيبات الإقليمية بشأن المنطقة، في حين أن بعدها عن المواجهة مع إسرائيل قلل من احتمالات انخراطها في إعادة تسليح نفسها كطوائف مسلحة. من هذه الفجوة بالذات تشكلت إمكانية السياسي والممارسة السياسية. بالمقابل يصادر الطرف الآخر ما هو سياسي ويغلقه على ثنائيتي احتلال/ مقاومة، ومقاومة/ خيانة.

كذلك تحُول شيطنة البرجوازية والإمبريالية الدينيتين ومقولات التناقض بين الإمبريالية والمقاومة المغلوطة دون الإلتفات إلى حقائق دامغة من عينة أن جميع الفضائيات بما فيها تلك التي تؤيد حزب اللـه تبث من مناطق 14 آذار. لا توجد جريدة واحدة تصدر من الضاحية الجنوبية ولا يوجد حزب سياسي واحد يمارس أي نشاط في الجنوب اللبناني. بل يتسكع مناهضو العولمة القادمين لتأييد حزب اللـه في بارات بيروت الغربية ويحتلون ميادينها العامة لإلقاء خطبهم. لا يوجد تجمع مدني واحد قادر على النشاط في الضاحية الجنوبية التي تم تحويلها لمربع أمنى بدعوى ضرورات مواجهة إسرائيل. ولا يوجد منطق واحد قادر عل تبرير ملاحقة المنظمات المدنية في الضاحية الجنوبية والتي تقدم المعونات لضحايا الحرب بدعوى أنها قد تكون مخترقة بجواسيس من الطرف الآخر. ولا يمكن لمن يقول لحزب اللـه أنه يمثل المقاومة بالمجمل أن ينفى مسئوليته هو نفسه عن هذه الممارسات.

إن هذا التناقض داخل خطاب 14 آذار هو الذي حال دون تشكل عصبية خشنة داخل هذا المعسكر وهو مصدر "الطراوة" في سياسيي ومحازيب هذا التجمع الذين فروا أمام مقاتلي حزب اللـه في مواجهات "مايو" الأخيرة. كانت هذه الطراوة موضع سخرية واستهزاء مثقفين علمانيين وسياسيين يساريين مصريين بشكل يدمى القلب، وكأن المفروض أن ترد الطوائف الأخرى الصاع صاعين حتى يرتاح مناهضو الإمبريالية أنصار الحرب! إن 14 آذار لديها ما تعد الناس به ومن ثم تفتح الباب للمحاسبة، أما حزب اللـه فلا يعد أنصاره إلا بالجنة، ولا يمكن لمن يذهب إلى الجحيم من مقاتلي حزب اللـه أن يعود ليمسك بتلابيب مشايخه ليسأل عن حقه المهدر.

فإذا ما أضفنا إلى هذه الصورة المأسوية حقيقة أخرى تتعلق بخصوصية الاستعمار الإسرائيلي من حيث كونه استعماراً استيطانياً يطالب بحقوق تاريخية ويبنى حياة جديدة على الأرض-وليس صراعا يدور حول سلطة ما على الإقليم مثل الحال في الحروب الكولونيالية التقليدية- يصبح التسليم بالتأييد غير المشروط لعسكرة الصراع مع هذا الشكل الخاص من الاستعمار بمثابة تسليم تاريخي على وجه التقريب لحزب اللـه وغيره من القوى الإسلامية باحتكار التمثيل السياسي لسكان الإقليم- أي تدعيم حالة الاستثناء التي تقدم التأسيس السياسي/ الإيديولوجي للعصبيات اللبنانية. إذن فبينما وجدت هذه العصبيات لحظتها التأسيسية السياسية في الرمزية الفلسطينية ومنطق الاستثناء، وكانت الشعبوية هي نمط ممارستها السياسية، تجد هذه العصبية لحظتها النظرية في المقولات المتعسفة لموضوع التناقض الجدلي بين الإمبريالية والجماهير.

في كلمة واحدة: لا تحرر من الكولونيالية بدون دولة ومجتمع حداثيين تمارس فيهما السياسية بما يسمح بتنظيم القوى صاحبة المصلحة في هذا التحرر. وهذه القوى المنظمة وحدها هي التي تقرر إن كانت قادرة على وراغبة في الإطاحة بهيمنة البرجوازيات اللبنانية "سنة وشيعة ومسيحية" في ظرف ثوري لا يجوز العبث بإطلاق أوصافه على أية غزوة تقوم بها ميليشيات لهذا الطرف أو ذاك في ظل غيبة الجماهير. والحال أن أنشطة حزب اللـه ونمط اجتماعه يقوم بالضرورة على غيبة الجماهير، وإلا لانتفت الحاجة إلى هذه الميليشيات.

خاتمة لا تثير الدهشة!

لا يمكن للمتتبع لخطى التحليل السابق أن يصل لنتائج خارجة عن مألوف الخطابات العربية بشأن الحفاظ على الديمقراطية الناشئة في لبنان وعدم الاحتكام للسلاح الداخلي في تسوية النزاعات السياسية الداخلية واندراج هذا السلاح نفسه في خطة دفاعية وطنية وكف يد القوى الدولية عن التدخل في الشأن اللبناني. هي ذاتها العبارات التي يمكن أن نسمعها في خطاب القسم الرئاسي أو الحكومي. ولكن الفارق أنها تكتسب معنى ولا تستحيل لغواً فارغاً كما هي الحال الآن. مهمة التحليل السابق كانت بالأحرى إعادة بناء هذا الخطاب الديمقراطي الوطني الذي يحاول أن يوازن بين ضرورة مواجهة الإمبريالية وبين ضرورة مقرطة الحياة السياسية والحفاظ على التماسك الأهلي اللبناني والحيلولة دون تهميش أية طائفة من الطوائف خلال هذه العملية. كما أنه الخطاب الذي يحاول أن يصفى نفوذ العصبيات المنشدة للخارج الإيراني دون إثارة نعرات وطنية أو طائفية مضادة، كما يسعى لتصفية العصبيات المنشدة للخارج السعودي/ الأمريكي دون الانحطاط لمهاوى الخطابات الشعبوية والديماجوجية. قد يبدو الوصول لهذا الوضع من المستحيلات أخذاً في الاعتبار ملامح الصورة الحالية أو استحقاقات المستقبل المنظور من انتخابات نيابية أو توتر إقليمي محتمل، ولكن لا يسعنا هنا إلا التمسك بمقولة المفكر الإيطالي انطونيو جرامشى المغدور في سجون موسولينى، السجون التي لم تقل غباءً عن السجن المشرقي الكبير: "ينبغي أن نتحلى في نضالنا بتفاؤل الإرادة مع تشاؤم الفعل".

ـــــ

(1) نتيجة لاعتبارات المساحة وبهدف مناقشة الأسئلة المطروحة مناقشة مستفيضة لن يتطرق المقال إلى مواقف فصائل يسارية أو ليبرالية لبنانية أو مصرية أخرى التي لا ترى في حزب اللـه وقوى المقاومة الإسلامية في المنطقة حليفاً استراتيجياً. عدم التعرض لهذه المواقف لا يشير بالضرورة إلى أي تأييد أو تضامن معها، ولكن ليس من قبيل الإنصاف مناقشة مواقف هذه القوى على عجل ودون الإحاطة بكافة تفاصيل خطابها، والذي يستحق التأمل.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.