فواز طرابلسى مناضل وصحفى شيوعى لبنانى، رأس تحرير جريدة "بيروت المساء" الأسبوعية المعبرة عن منظمة العمل الشيوعى فى الثمانينيات. فواز طرابلسى أيضا مؤرخ مرموق، ويعمل حاليا أستاذا للعلوم بقسم التاريخ والعلوم السياسية بالجامعة الأمريكية فى بيروت. وقد أجريت معه هذا الحوار فى برلين أوائل عام 2008 بفضل حصولنا سويا على منحتين بحثيتين من "كلية الدراسات المتقدمة" ببرلين.
..........؟
لا جدال في أن الرأسمالية انتصرت على نمط سياسى اقتصادي بديل في "بلدان الاشتراكية المتحققة" وذلك لأسباب لا يتسع المجال الآن للتبحر فيها مع أنها لا تزال تستحق استخلاص الدروس للحاضر والمستقبل. لم يحن الوقت بعد للجزم في شأن المدى الزمني لهذا الانتصار. ولكن لا يبدو أن الانتصار قد أزال أيا من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى نشوء الأفكار الاشتراكية ولا إلى التطلع الكوني إلى تجاوز الرأسمالية، وإن يكن قد تزامن مع انبثاق طور جديد من العولمة الرأسمالية هي الرأسمالية المتعولمة والمتعسكرة الأحادية القطب.
هذه هي بعض الملامح السريعة لسجّل الرأسمالية المنتصرة: مركز أوحد يحتكر السلطة والقوة العسكرية في إمبراطورية غير مسبوقة في التاريخ، وإن يكن لا بد من الملاحظة أنه معرّض للمنافسة من مراكز جديدة وافرة الفوائض المالية - الصين، الهند، الدول النفطية، روسيا، الخ – يسعى المركز الأمريكى إلى الرد عليها بالقوة العسكرية والهيمنة الكونية، وخصوصا بالسيطرة على نفط الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
هناك 200 شركة متعدية الجنسيات، معظمها أمريكى وأوربي، تسيطر على الاقتصاد العالمى، تفرض على العالم عقيدة واحدة تتلخّص في لاهوت السوق ومبدأ الربح الأسمى وتقديس الملكية الفردية، بينما يعيش نصف البشرية على أقل من دولارين في اليوم. فالعالم اليوم أشبه بأرخبيل من جزر البحبوحة والترف في محيط من الفقر والعوز والتهميش.
من جهة أخرى، وبعد أكثر من نصف قرن على انتهاء الحقبة الكولونيالية، تلجأ العولمة المتعسكرة هذه من جديد إلى الاحتلال والسيطرة من النمط الكولونيالي في فلسطين وأفغانستان والعراق.
من هنا فإن المسألة الرئيسية ليست الانتصار فى حد ذاته، وإنما أثره. فلا العالم صار أوفر عدلا ومساواة وحرية بعد انهيار المعسكر السوفييتي، ولا التفاوت بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب تقلّص، ولا المجاعات ومساحات الفقر تراجعت، بل تزايدت. ولم يزُل أيضا الخطر النووى بد انتهاء الحرب الباردة بل تفاقم، وكذلك وتيرة التسلّح وخطر الحروب. بل طرأ وافد جديد: الحروب الأهلية. وللممثل بول يوستينوف معادلة رائعة: الحروب الأهلية هي حروب الفقراء مثلما الحروب النظامية هي حروب الأغنياء. العلاقات الدولية اليوم أكثر حدة واضطرابا.. والرأسمالية ما زالت تبتكر الأعداء والفزاعات، فانتقلت من العدو الشيوعي إلى العدو الإرهابي المتلبّس لبوس الإسلام.
والأكثر فداحة أن سقوط المعسكر السوفييتي وانتصار الرأسمالية بدلا من أن يحسّنا الأوضاع العالمية ويسلبا اليسار مبرر وجوده قد زادا من مشكلات الرأسمالية وأديا إلى انتكاس العديد من المكاسب الاجتماعية والسياسية والثقافية المتراكمة خلال فترة الحرب الباردة. ذلك أن الرأسمالية منذ الثلاثينيات من القرن الماضي، وخصوصا بُعَيد الحرب العالمية الثانية، أخذت تتحول، تحت ضغط أزماتها (الانهيار الاقتصادى عام 1929 ومنافسة الاتحاد السوفييتى ونضالية الحركات العمالية والاشتراكية)، إلى رأسمالية اجتماعية وسّعت أطر الديمقراطية واعتمدت التخطيط الاقتصادي وحققت عددا من برامج الحد الأدنى الاجتماعية التي كانت تنادي بها الحركات العمالية والاشتراكية، كالتأميمات (من النقل إلى المصارف) والضمان الاجتماعي والصحي وما إليها. والآن بعد انتصار الرأسمالية، يجري الإطاحة بهذه المكاسب والإنجازات جميعها، ليس فقط في بلدان الشمال وإنما أيضا فى بلدان الجنوب التي لم تعرف من هذه الرأسمالية الاجتماعية إلا النذر اليسير، هذا إذا عرفت منها شيئا. فيفرض عليها المركز الإمبريالي والمؤسسات الدولية التي تأتمر بأمره إعادة الهيكلة ورفع الدعم عن المواد الغذائية والضروريات الحياتية ورفع الحواجز الجمركية وتخصيص كل شيء من مصانع الحديد والصلب إلى مياه الشرب.
لن تكتمل الصورة إذا لم نتحدث عن بعض خصائص الطور الجديد من الرأسمالية المتعولمة. فرؤوس الأموال الصناعية الغربية تهاجر الآن إلى الجنوب توفيرا لتكاليف الإنتاج وتحقيقا لأعلى معدلات الربح، وتَفلُّتا من القيود التي فرضتها عقود من النضالات النقابية والعمالية. كما تُدخِل الرأسمالية أعدادا متزايدة من العمال والعاملات في سوق العمل الدولية، حيث تمارس عليهم أعنف أشكال الاستغلال الرأسمالي في غياب شبه كامل لأية ضمانات وحقوق.
وقد أدت عملية التفريع الصناعي هذه إلى نتيجتين رئيسيتين: الأولى، ارتفاع نضالية العمال الأمريكيين والأوربيين ضد نقل المصانع إلى بلدان الجنوب، لما تفرضه من تسريحات عمالية واسعة النطاق وبطالة متفاقمة. والثانية أن هذا التفريع الصناعي لم يساهم في تحسين أوضاع بلدان الجنوب، وخصوصا العمالة فيها. خصوصا إذا لاحظنا أن التسليع المتزايد لاقتصاديات بلدان الجنوب يؤدي إلى تنامي وتائر الهجرة الجنوبية إلى بلدان الشمال، مع ما يجر إليه ذلك من مشكلات ليس أقلّها ارتفاع الحواجز ضد "الأجانب" وتنامي العداء العنصري ضد الوافدين والمقيمين من غير الأوربيين، حيث ينال الإسلام والمسلمين النصيب الأوفر من التحريض والعداء.
من جهة ثانية، ينتقل العالم بوتيرة متسارعة إلى طور اقتصادي جديد يتّسم بتلك "الفقاعة المالية"، التى تنتقل بموجبها بلايين، بل تريليونات، من الأموال عبر العالم في ثوان بلا رقابة ولا حساب، في مقابل التهميش المتزايد للقطاعات الإنتاجية. ليست تلك الفقاعة ميدان تحقيق أرباح خيالية بلا ضرائب وحسب، وإنما باتت تهدد أيضا الاقتصاديات العالمية ذاتها بأوخم العواقب وفي مقدمها الأسواق المالية العالمية، التي تعرّضت ولا تزال تتعرّض لهزات عنيفة. ليس هذا رأي نقّاد الرأسمالية، وإنما رأي لاعبين كبار في تلك الأسواق المالية، أمثال شورس وبيل جيتس، ناهيك عن الاقتصاديين الليبراليين أمثال الحائز على جائزة نوبل جاك طوبِن، الذى دعا الأمم المتحدة إلى أن تفرض ضريبة على المضاربات المالية وتستخدم عائداتها لتحسين أوضاع سكان العالم الثالث وحماية الأسواق المالية من انهيارات قد يكون لها مفعول تسلسلي.
لكل ذلك لا يقدم انتصار الرأسمالية حلا لقضايا العالم، ولا هو يؤدى إلى إفلاس مطالب اليسار أو اليسار ذاته، وخاصة اليوم، حيث تعلن الأوساط الاقتصادية العالمية عن دخول الولايات المتحدة ومعها الاقتصاديات العالمية برمتها في مطلع فترة من الركود والانكماش لم يشهدها العالم منذ ستين سنة.
..........؟
أرى أن البنك الدولي لم يتبن استراتيجيات مكافحة الفقر. المؤكد أن هذه الاستراتيجية على جدول إعمال الأمم المتحدة ووكالة التنمية الدولية أكثر منها على جدول إعمال البنك الدولي. وهذا من ثمار الوزن الكبير الذي احتلته دول العالم الثالث في المنظمة الدولية أكثر منه ثمرة انتصار الرأسمالية في الحرب الباردة.
ولكن لنكمل عن استراتيجيات مكافحة الفقر. كانت الإحصائيات السابقة في الأمم المتحدة تعالج توزيع الدخول، وبالتالي تشير إلى آليات الاستغلال والتفاوت الطبقيين داخل المجتمعات المعنية أو على النطاق العالمي. وقد انحسرت تلك الإحصائيات الآن وحلّت محلها قياسات الفقر. وبذلك لم نعد أمام معادلة الإمام علي "ما مُتّع غني إلا بما حُرِم منه فقير"، ولا عاد الموضوع إعادة توزيع الثروة. في ظل الرأسمالية المنتصرة، صار الفقر أشبه بمرض "الإيدز"، أشبه بآفة، والوعود هي بمكافحته بل بـ"استئصاله" حسب التعبير السائد في أدبيات الأمم المتحدة. أكثر من ذلك أن سجّل المؤسسات الدولية والدول والحكومات المعنية في ميدان الاستئصال هذا سلبي جدا، باعتراف تلك المؤسسات نفسها.
أما عن البنك الدولي، فقد فرح البعض بأنه تمكن من إزاحة رمز كريه من رموز المحافظين الجدد الأمريكيين بسبب فضيحة محاباة مالية لصديقته (العربية!). لكن الجريمة الكبرى لولفوفتز هي حرب العراق، التى لم يحاسب عليها. والجرائم الكبرى للبنك الدولي هي ما يرتكبه في حق البلدان الفقيرة، لا في فضيحة مالية لمديره. وهي مفارقة ينطبق عليها سؤال الكاتب المسرحى الشيوعى برتولد بريشت: "ماذا تساوي سرقة بنك بالمقارنة بعملية تأسيس بنك؟!". من يحاسب البنك الدولي على سياساته، بل على وجوده ذاته؟ ذلك البنك الذى يرفض إقراض الدول التي ترفع حواجز جمركية لحماية منتجاتها أو تلك التي تدعم المواد الغذائية والاستهلاكية الأساسية كالخبز والمحروقات، فى حين أن أكثر بلد مسوّر بالحواجز الجمركية هو الولايات المتحدة الأمريكية التي تحمي صناعاتها ضد الأقمشة الرخيصة وارد بنغلادش، أحد أفقر بلدان العالم، مثلما تحميها ضد منتجات الصلب الأوربي سواء بسواء.
والولايات المتحدة، وهى الممول الرئيسي للبنك الدولي، تفرض بواسطته رفع الدعم عن القمح والحبوب والمحروقات لإغراق أسواق العالم بمنتجاتها من تلك المواد الغذائية، بينما تحمي مزارعيها وتدعم منتجاتهم والمحاصيل. بل ضغط البنك من أجل رفع الدعم عن الخبز في مصر، مثلا. وفى عام ۱۹۹۷ فرض البنك الدولي على بوليفيا خصخصة المياه، فاضطر ملايين من البوليفيين ممن لا يملكون ما يسمح لهم بشراء الماء إلى حفر الآبار كيفما اتفق والشرب منها فحصدوا التلوث والأمراض المعوية والأوبئة لهم ولأطفالهم. يريد رئيس بوليفيا اليساري الحالي إعادة تأميم المياه فيهدده البنك الدولي بالعقوبات. فالبنك الدولي لا يكافح الفقر، بل يعممه.
تبدو أجندة البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة في زمن الهيمنة الأمريكية والنيوليبرالية بعيدة كل البعد عن أجندات فعلية أو ممكنة لليسار سابقا وراهنا ومستقبلا. خذ موضوع المرأة: لم يعد هناك شيء اسمه "تحرير المرأة". في أحسن الأحوال هناك ما يسمّي "تمكين المرأة"، ولاحظ أن المصطلح المستخدم ليس "تمكُّن المرأة" بل تمكينها. على كل حال، ينحلّ هذا "التمكين" إلى مهمة تكاد أن تكون وحيدة هي زيادة نسبة تمثيل المرأة السياسي والإداري، حتى ولو اقتضى الأمر فرض "كوتا" (حصة) محددة لذلك التمثيل.
وهذا بالمناسبة تعميم لما توصلت إليه المرأة في أوربا وأمريكا، بعد أربعة عقود على الأقل من "الثورة النسوية" منذ الستينيات، على العالم بأسره. ففى هذه البلدان تحقق للمرأة الدخول الكثيف في سوق العمل، والتعليم ومقادير من سيطرتها على جسدها ورفع القيود التي تميّز ضدها في كافة المجالات السياسية والحقوقية، بما في ذلك نيلها الحق المتساوي في الطلاق والحضانة والإجهاض وما إليها. تأسيسا على هذه الإنجازات كلها تصير المساواة في التمثيل السياسي وفي الوظائف أمرا يتوّج تلك الإنجازات ويكملها. أما إسقاط هذا اللون من "التمكين" على سائر أجزاء العالم من غير تلك القاعدة من الإنجازات، فماذا يعطيك؟ يعطيك، مثلا، الاعتراف بحق المرأة في التصويت في الكويت، وتعيين أميرة أو شيخة من الأسرة الحاكمة وزيرة في منطقة أخرى من الخليج. وهو ما لا يُحدث تغييرا فى تركيب المجتمع الذكوري. فالمرأة لا تدخل هناك حلقات الرجال، ولا تتمتع بحرية اختيار شريك حياتها، ولا بحق الطلاق، ويجري التمييز ضدها في الحضانة والإرث وما إلى ذلك.
..........؟
ما من شك في أن هذا الطور الجديد من العولمة يحمل في طياته ثورة تكنولوجية أدخلت عالمنا في العصر الالكتروني ووسائل الاتصال المدهشة الاتساع والسرعة والفاعلية (وقد لعبت هذه كلها دورا لا يستهان به في تقويض النظام السوفييتى). على أن تنامي تلك العولمة الاقتصادية والإعلامية يقابله التذرير الفعلي السياسي والثقافي إلى ما دون الدولة-الأمة واستنفار الولاءات الإثنية والقبلية والدينية والمذهبية واللغوية والثقافية وسواها.
لن أسارع إلى استنتاج أن الدولة-الأمة باتت من مخلّفات الماضي، لأنها لا تزال تخدم بما هي واسطة فرض العولمة وهيمنة القطب الواحد على بلدانها، وإن يكن حلم النيوليبرالية تحويلها إلى الدولة الشرطي وحسب. وإنما لا بد من الملاحظة بأن إضعاف الدولة في المجال الاقتصادي أدى، في حالات بلدان العالم الثالث خصوصا، إلى إضعافها أيضا بما هي واسطة للتوحيد المجتمعي. هنا أيضا كان للأغنياء عولمتهم وللفقراء عولمتهم. عند الأولين، تتجلى العولمة فى ولادة الوحدات الإقليمية وأبرزها وأهمها الاتحاد الأوربي. أما عند الفقراء، فتترجم العولمة، بما هي تراجع لدور الدولة ، لصالح العصبيات السابقة على تشكُّل الأمة، وبتفشّي النزاعات والحروب الأهلية. لا يقتصر الأمر على منطقتنا العربية، بل يمتد إلى أفريقيا.
أما قضية حقوق الإنسان، فهى مسيّسة وقائمة على النفاق. ، تثار قضايا حقوق الإنسان في منطقتنا ضد الأنظمة التي تتعارض مع السياسة الأمريكية، وتجري التغطية على التجاوزات الفاقعة لهذه الحقوق في الأنظمة الموالية، فيجرى تفصيلها علي مقاس الانظمة الموالية للولايات المتحدة الأمريكية، باسم التعددية مثلا. من جهة ثانية، يجري الفصل في حقوق الإنسان بين الحقوق الفردية والحقوق الجمعية، بل يجري استخدام الحقوق الفردية للتغطية على الحقوق الجماعية. أين حقوق الشعوب في تقرير مصيرها؟ وفي مقدمها حق فلسطين، آخر مستعمرة في هذا العالم، في أن يقرر شعبها مصيره على أرضه؟ أين حق الشعب العراقي في الاستقلال وجلاء الاحتلال والجيوش والقواعد الأجنبية عنه؟
هذه هى أجندة العولمة الرأسمالية الأمريكية لبعض القضايا العالمية. وهي كما حاولت أن أبينّ مختلفة جذريا عن رؤية تلك القضايا من وجهة نظر اليسار ومن يمثله من مصالح وفئات اجتماعية. الفقر بما هو آفة والفقر بما هو حصيلة الاستغلال ليسا الأمر ذاته. حقوق الإنسان المنافقة ليست هي ذاتها حقوق الإنسان - الفردية والجمعية - من منظور ديمقراطي متسّق. تمكين المرأة وتحررها أمران مختلفان كليا. أما عن البيئة فلنبدأ البحث في مسؤولية الدول الصناعية عن تلويث البيئة، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية وهي الطرف الذي يرفض توقيع الاتفاقات الدولية بشأنها.
أما أن تكون هذه الأجندة الرأسمالية الأمريكية مسيطرة فأمر ناتج عن منطق سيطرتها الشاملة في الميادين الأخرى. وهو أمر ليس جديدا، فقد سيطرت أجندات أخرى للرأسمالية في ظل الحرب الباردة، وهو ما لا يعنى القبول بطرائق تصويرها لقضايا العالم وتناسي مضمونها من المصالح والقوة والسيطرة والإيديولوجيا الذي تنطوي عليه. كما لا يعنى أن هذه الأجندات لا يمكن دحضها وقلب ادعاءاتها ضدها وتخريبها واستبدالها برؤية ومطالب ومصالح بديلة، أشرت إلى بعضها من قبل.
كذلك الحال بالنسبة لرموز الاحتجاج التي ارتبطت باليسار. فحتى بالنسبة لصورة جيفارا، تبين السنوات الأخيرة أن الرأسمالية لم تستوعبها، فقد انتصرت أربعة أو خمسة أنظمة سياسية في أمريكا اللاتينية، بما فيها في البلد الذي استشهد فيه جيفارا، يجاهر قادتها باستلهامهم أفكار ومثال الثائر الأرجنتيني الكوبي. وفي هذا انتصار لجيفارا الإنسان والشيوعي لا لمجرّد الرمز الرومانتيكي. وقد لا يكون ثمة ضرر أصلا فى أن يكون جيفارا ذلك الرمز الرومانتيكي لملايين من شبيبة العالم اليسارية والديمقراطية أو حتى المتمردة فحسب. فهو رمز رومانتيكي فى أعين قطاعات واسعة من شبيبة عالمية كمثال في النزاهة والتفاني وربط القول بالفعل، في وجه كذب ونفاق السياسيين والحكام. الرومانتيكية هنا شحنة أخلاقية، تعني الحق في الحلم ورفض الانصياع للأمر الواقع المفروض علينا باسم الواقعية. وتحلم شبيبة أكثر تسييسا من خلال جيفارا بعالم أفضل وتريد بالتماهي مع مثال جيفارا أن تميّز نفسها عما لحق بالشيوعية من تلوّث وترهل وجرائم على يد البيروقراطية الاستبدادية السوفييتية. يجب الطموح دوما إلى المستحيل ولكن بشرط وعي ضرورة تحقيق الممكن. هذا ما يقوله لنا مثال جيفارا حسبما أظن.
..........؟
لا توجد علاقة سببية بين بروز قضايا البيئة والجماعات المضطهدة وتراجع هيمنة نضالات الطبقة العاملة على المشهد السياسى. فما أشرت إليه من قبل ربما يبين أنه لا يوجد تعارض بين الأشكال المختلفة من النضالات. فوفود وبروز قضايا وصراعات جديدة على المستوى العالمي لا توجب أخذها بالجملة والمفرّق في أى مكان وزمان وبلا تراتب وأولويات فيما بينها. كما أن تعريف "الجماعات المضطهدة" يختلف فى الإيديولوجيا المسيطرة عن تعريفها عند من يعبّرون عن مصالح الشعوب والجماعات المضطهدة من منظور يساري، أي من منظور من يعتقد أن اللا مساواة بشرية، فلا هي ربانية ولا طبيعية، وأنها يمكن أن تزول، وأنه يمكن المزواجة بين الحرية والمساواة، لا تحقيق واحدة منهما على حساب الأخرى. الجماعات المضطهدة الآن لا تلغى استمرار اضطهاد "الجماعات المضطهدة بالأمس". على خلاف ما شاءت الدوائر الأمريكية اختياره من أقليات مضطهدة، مثل الجماعات المثلية والنساء، كما لو أنه لا توجد أكثريات مضطهدة.
أما بالنسبة لنضالات الطبقة العاملة، فهى لم تكن من قبل مهيمنة على المشهد السياسي المحلي، العربي، العالمي. ولكن النضالات العمالية ما زالت مستمرة، مثل نضالات عمال المحلة فى مصر من أجل أجورهم ومستحقاتهم وظروف عملهم. ما زال صراع العمل مع رأس المال مستمرا، وصراع الفلاحين من أجل الأرض. في البرازيل وحدها ملايين تناضل في لجان "المحرومون من الأرض" (سين تيرّا) لإعادة توزيع أراضي كبار الملاك وتحقيق مبدأ الأرض لمن يفلحها. وقد شكلوا إحدى القواعد الراسخة التي جاءت بلولا إلى رئاسة الجمهورية لأكبر دولة في أمريكا اللاتينية. ما زال فقراء العالم يعانون من مشكلات غياب سكن لائق وعمل شريف وماء نظيف وفرص تعليم متكافئة ودواء رخيص وحق في المشاركة في الحكم والقرار السياسى. وما زالت قضايا المساواة بين المرأة والرجل وحق الأفراد والجماعات في التطلع إلى مستقبل أفضل قائمة. فإذا كانت الأجندات الرأسمالية العالمية قد تغيّرت، فإنما تغيّرت تحديدا لطمس هذه المشكلات وتحوير النظر عنها.
..........؟
في كل الأحوال، هناك طريقان فى مواجهة هذه الأجندات، وهي الوجه البارز في جبل جليد العولمة، إما الانتكاس إلى الماضي والتقوقع الذي تميل إليه الحركات والإيديولوجيات القومية والإسلامية أو طريق تجاوز العولمة نحو عولمة بديلة. طريق الانتكاس الماضوي يقع في كل أفخاخ العولمة الرأسمالية.
فالحركات الإسلامية في بلادنا في معظمها يتفق فكرها الاقتصادي والاجتماعي مع النيوليبرالية: قداسة السوق، الملكية الفردية، مبدأ الربح (لا الفائدة) والإحسان جوابا على الفقر. الماركسية الخلاقة، بما هي علم الرأسمالية وعلم العولمة الرأسمالية تحديدا، كانت ولا تزال النظرية الوحيدة التي تملك العدّة المفهومية لفهم هذا الطور الجديد من العولمة وتصوّر سبل ومسارات واستراتيجيات تجاوزه، بل تجاوز الرأسمالية برمّتها. لا بالانتكاس إلى ما دون العولمة - وهذا مستحيل أصلا - وإنما بإنتاج عولمة بديلة تستفيد من كل إيجابيات العولمة الحالية، لتحل أحد التناقضات الرئيسية للرأسمالية: التناقض بين ما أتاحه التطور البشري – وتطور الرأسمالية ذاتها – من إنتاج لثروات تسمح بسدّ الحاجات الأولية لكافة سكان المعمورة من جهة، وبين واقع الفقر والتهميش والتفاوت المتسع في مستوى الدخل والمعيشة بين القارات والشعوب والمناطق والطبقات من جهة أخرى، وهو التناقض الذي يرتكز إلى التضاد المتنامي بين الطابع الجمعي والعالمي لإنتاج الثروات وبين الطابع الفردي للاستحواذ على تلك الثروات وتملكها في ظل غلبة السوق وسيادة مبدأ الربح.
وغني عن القول أن شروط الإنتاج الجماعية والمتعولمة الآن هي أضعاف مضاعفة ما كانت عليه أيام ماركس، بسبب ما ادخله الطور الجديد من العولمة من ثورة تكنولوجية وفي الاتصالات وتفريع وعولمة للإنتاج الصناعي ونمو الاتكال المتبادل بين البلدان وتكوّن الفقاعة المالية والتشابك المتزايد بين المناطق والشعوب والأنظمة الاقتصادية عموما.
..........؟
فى تقديرى أن مشكلات وأزمات الأحزاب الشيوعية العربية سبقت انهيار الاتحاد السوفييتى. فقد بدأت مع صعود الحركة القومية العربية الحديثة إلى السلطة. قبل تلك اللحظة التاريخية، كان اليسار الشيوعي يشكل يسار حركة التحرر العربية في وجه الوجاهات الإقطاعية والتجارية التي تصدرت حركة الاستقلال. وقد تمثلت مساهمته في الربط بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي وطرح مسألة الأرض والسيطرة على الموارد والثروات الطبيعية والمساواة بين المواطنين. وكانت خطيئته المميتة حينها موقفه من القضية الفلسطينية الذي عزله جماهيريا أيما عزلة.
عندما برزت الفئة الثالثة القادمة من الطبقات الوسطى والوسطى الدنيا، وضباط الجيش، ضاق الهامش كثيرا بين يسار حركة التحرر العربية والحركة القومية المستحدثة. لأن هذه الأخيرة، عندما وصلت إلى الحكم، استوعبت الكثير من برامج اليسار وأهدافه، بل تخطت أحيانا تلك البرامج. لنأخذ مثلا برنامج الحزب الشيوعي المصري في نهاية العشرينات، أي زمن الحقبة المتطرفة من تاريخه، حين تبنى نموذج "طبقة ضد طبقة"، تجد مثلا أن سقف الإصلاح الزراعي المقترح كان أعلى مما نفذه عبد الناصر وأن البرنامج خلوٌ من المطالبة بتأميم قنال السويس.
ولعل الأهم أن تلك الأنظمة تحالفت مع الاتحاد السوفييتى، وقابل هذا الأخير التحية بأحسن منها، فابتكر نظرية "الطريق اللا رأسمالي"، وهي صيغة غامضة أُطلقت على أنظمة كانت تسير فعلا في طريق رأسمالية الدولة. لا يجوز التقليل من الوطأة السلبية للاتحاد السوفييتى على الحركة الشيوعية العربية سواء من حيث اعترافه بدولة إسرائيل أو لاعتباره أن للمنطقة مركزا أوحد هو مصر، أو إخضاعه لسلوك الأحزاب الشيوعية لمتطلبات دبلوماسيته والحرب الباردة، كما في حالة منع الحزب الشيوعي العراقي من المشاركة في الحكم زمن الجمهورية وعبد الكريم قاسم، حتى لا يثير هواجس الغرب بشأن تأميم النفط، ناهيك عن الوقع الخطير للانقسام السوفييتى- الصيني وما تلاه من تكفير دعاة "الشيوعية الأوربية" إلى آخره.
المهم أنه عند ضياع التمايز والحدود بين اليسار الشيوعي والسلطات القومية، بات نقد تلك الأحزاب للنظام الناصري منصبّا مثلا على أنه يريد بناء الاشتراكية من دون الاشتراكيين. ما يعني التسليم بأن ما يجري بناؤه هو اشتراكية أصلا. رد النظام الناصري على هذا النقد بتوزير شيوعيين أو دعوتهم للعمل داخل "التنظيم الطليعي"، أو حتى بتكوين الجبهات الوطنية والتقدمية الشهيرة. أما انتقادات الأحزاب الشيوعية لغياب الديمقراطية في تلك الأنظمة فكانت فاقدة للمصداقية. فلا الأحزاب المعنية معروفة بأنها تقيم علاقات ديمقراطية في تنظيمها الداخلي، ولا النموذج الذى تؤيده - أى النظام السوفييتى – ديمقراطى، فما هو إلا دكتاتورية استبدادية، بحيث يبدو احتكار السلطة من قبل الحزب الأوحد في النظم البعثية والناصرية، وقمع المعارضات، وممارسة الرقابة، وتقييد الحريات، والقطاع العام الذى يرتع فيه الهدر والانتفاع والفساد، يبدو كل هذا كمجرد صدى باهت لذاك النظام السوفييتى.
..........؟
التحليل الوارد فى الإجابة السابقة ليس استخفافا بأثر أزمة ۱۹۹۰ على الأحزاب الشيوعية، ولا هو يتناسى دور القمع في إضعافها، في العراق والسودان خصوصا. ولكن تجدر ملاحظة أن تلك الأزمة، وقد أزاحت السيطرة الماركسية المُسَفْيتة – نسبة للاتحاد السوفيتى (كما كان يسميها ياسين الحافظ) – عن كاهل الأحزاب الشيوعية العربية، بدا وكأنها أخرجت مكبوتين: النزعة القومية من جهة والنزعة الليبرالية من جهة ثانية.
من هنا لن تجيء عملية إعادة بناء اليسار أو الولادة المتجددة لليسار من الأحزاب الشيوعية القائمة، ولا من تشكيلات اليسار الأخرى، وإن تكن عناصر من هذه وتلك سوف تساهم فيها. الأهم هو توافر عدد من الشروط تعادل استجماع اليسار لعناصر قوته واستقلاله.
أولا، إعادة تأسيس اليسار على قاعدته الاجتماعية، أي على الفئات الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير الجذري لمجتمعاتها، ولكن على أساس جديد هو التمثيل الفعلي لتلك الفئات، لا حسب الترسيمة الغرائبية السابقة: اليسار يحمل فكر الطبقة العاملة، فيكون مباشرة إذن حزب الطبقة العاملة. والحال إن تمثيل الفئات الاجتماعية هو تمثيلها فعليا لا افتراضيا. البرجوازية تملك المال والإعلام؛ الأحزاب الدينية تملك الدين؛ اليسار ليس له مصدر قوة إلا الجماهير.
ثانيا، إعادة الاعتبار للنظرية الماركسية الخلاقة والمغتنية بكافة التيارات الأخرى. اكبر عملية تضليل نتعرّض لها هو ما تروجه العولمة النيوليبرالية من أن عصر الإيديولوجيات قد ولّى، فى حين أن أعتى وأسخف إيديولوجية هي الإيديولوجيا النيوليبرالية. لا توجد تيارات سياسية من غير فكر. ولا يوجد فعل تغيير من غير إنتاج معارف عن المجتمع وعن الخصوم والعقبات التي تعترض قوى التغيير وعملية التغيير. هكذا تكون المعرفة قوة. ومصدر هذه القوة لدى اليسار هو أرقى نظرية اجتماعية اقتصادية سياسية في العصر الرأسمالي، أى الماركسية، على كل ما تتطلبه هذه النظرية من مراجعات نقدية وإضافات وإثراء. يبقى أن الماركسية وحدها، على أن ننظر إلى النظريات بعامة على أنها نقطة انطلاق لا نهاية مطاف، تسمح لليسار بأن يتمايز وأن يحقق استقلاله الفكري، وبالتالي السياسي والطبقي، وإلا سيبقى متذيلا للسائد على الساحة من تيارات سلطوية أو قومية أو إسلاموية أو ليبرالية. بذلك يتم بناء الرؤية المطابقة للعصر العولمي ولما طرأ على منطقتنا من تحولات اجتماعية عميقة برصد التناقضات المستجدة والقوى الاجتماعية المتمفصلة عليها واستكشاف مسارات التغيير الممكنة واستراتيجياته والوسائل.
ثالثا، إعادة بناء الأحزاب بما هي وسائل، لا كأهداف بحد ذاتها، وأن تكون متعددة المنابر الداخلية، تمارس في بنيانها الداخلي ما تتصوّره للمجتمع برمّته – أي الديمقراطية والمبدأ الانتخابي وتداول السلطة – وتستمد قوتها من الجماهير المنتمية إليها، أى أن تكون أحزابا جماهيرية تخلصت نهائيا من منطق الأحزاب الطليعية التي تنوب عن الشعب وتتعالى عليه باسم نص مقدّس أو دور تربوي، فتضع نفسها في خدمة تمثيل الشعب والتعبير عن مصالحه وتطلعاته.
رابعا، استعادة دور اليسار فى الربط بين الأوجه المختلفة للحياة العربية وحياة كل بلد عربي، اعني: الربط بين المسألتين الوطنية والقومية (الاستقلال، فلسطين، الصراع العربي الإسرائيلي، الوحدة العربية) وبين هدف السيطرة على الثروات الطبيعية، وفي مقدمها النفط، ووضعها في تصرّف تنمية المنطقة ونهوضها واحتلالها المكان الذي تستحقه في العالم، والربط أيضا بين مسألتي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وحده اليسار قادر على ذلك في إطار فهم عميق للطور الجديد من العولمة الرأسمالية. وهذا في مواجهة أجندة النيوليبرالية والعولمة العسكرية بوجهيها: من جهة الأجندة الأحادية القائمة على "الحرب ضد الإرهاب" التي لا نهاية لها، ومن جهة أخرى، تذرير وعزل القضايا المجتمعية بعضها عن بعض: مرأة، بيئة، حقوق إنسان، إنعاش ريفي، تسليف شعبي، حقوق المثليين، الخ..
خامسا، ابتكار أشكال جديدة من التحرّك والنضال تنسجم مع التحديات الآنفة الذكر وعلى الأخص تحدّي الجمعيات غير الحكومية والأهلية بما هي بدائل عن النقابات وعن الحياة الحزبية.
..........؟
فيما يتعلق بالإسلاميين، أريد أن أبين أولا المفارقة المأسوية التي أدت باليسار العربي إلى التخلي عن كل المخزون العظيم من المعارف والعلوم والوسائل النضالية لصالح نزعة سياسوية تكاد أن تختزل نشاط اليسار فى موضوعة واحدة اسمها "التحالف". إذا كانت هناك علامة على إفلاس اليسار فهى هذه المفارقة. وأضيف أن هذا التشبّث السياسوي غالبا ما يؤدي بأطراف يسارية إلى الوقوع فيما درجت عليه في الماضي: الاختيار بين جناحين من أجنحة السلطة والطبقة المسيطرة، أو القبول بما تطرحه السلطات وأجهزة الإعلام المهيمنة من أجندات، بحيث تصير هذه هي الأجندات الفعلية لليسار. ليس أدل على ذلك من التجربة اللبنانية. ولكن ليس هذه هو الموضوع الآن. فلنكمل.
الجواب بسيط. إذا كان لليسار حظ في الوجود والفعل فهو في تمايزه عن السلطات الاستبدادية وعن الحركات الإسلامية في آن معا، وبناء مواقفه ومواقعه المستقلة. لم يحتكر الإسلاميون قضية المواجهة مع الصهيونية، فلا تزال هناك قوى يسارية وقومية فاعلة في هذا المجال، ومن الظلم التنكر لدورها ونضالاتها وتضحياتها، في فلسطين ولبنان وفي كل قطر عربي آخر. والاهم من ذلك أنه ليس صحيحا أن جميع الإسلاميين يواجهون الصهيونية. تنظيم "القاعدة" يواجه الأمريكيين بما هم "صليبيين"، أي مسيحيين، ولم نسمع ولم نشاهد له أية معركة مع الصهيونية، إلى الآن.
من جهة ثانية، ثمة موقعان للمقاومة المسلحة الإسلامية ضد إسرائيل: لبنان وفلسطين. في الحالتين لا تقتصر المواجهة على الإسلاميين. ولكن الأهم من ذلك كله هو الآتي: هل القتال الذي يخوضه حزب اللـه وحركة حماس والجهاد الإسلامي قتال تراجعي، أم هو قتال مفتوح الآفاق؟ سيكون قتالا مفتوح الآفاق إن كان قادرا وراغبا في أن يقلب معادلة الحلول الثنائية ويستعيد المبادرة العربية الشاملة في الصراع بعد تعليق الأنظمة المعنية لمسار السلام الحالي، لأنه يفتقر إلى شريك إسرائيلى. واقع الأمر أن التنظيمات الجهادية المذكورة لا تضع فعليا الحلول الثنائية موضع التساؤل لارتباطاتها بالأنظمة المنضوية في التسوية. ولكنه سيكون قتالا تراجعيا إذا كان كل دوره أن يساعد ما تبقى من الأنظمة السائرة في الحلول الثنائية على التوصل إلى تلك الحلول: أعنى نظام محمود عباس في رام اللـه والنظام البعثي في دمشق.
من جهة ثالثة، معظم الأحزاب الإسلاموية متصالحة مع العولمة الرأسمالية في مضامير الاقتصاد والاجتماع. كما أنها نشأت وترعرعت وسط القطاع الخاص وتؤيد الملكية الفردية ( مثلا موقف الأخوان المسلمين في مصر من التراجع عن الإصلاح الزراعي باسم قدسية الملكية الفردية)، واقتصاد السوق ومبدأ الربح (وإن قالوا لا الفائدة. وقل لي بربّك أيهما أفدح الربح أم الربا؟) ولا تمانع في الخصخصة عموما على طريقة البنك الدولي وصندوق النقد. أضف إلى هذا أنهم ينادون بالإحسان جوابا على التفاوت الاجتماعي والفقر. بل يقف العديد منهم ضد المبدأ الضريبي. وهكذا نجد بن لادن في ندائه الأخير إلى الأمريكيين، يدعوهم إلى دخول الإسلام لأنه لا ضرائب في الإسلام. هل توجد نيوليبرالية أكثر من هذا؟ يدافع الإسلاميون عموما عن التمايزات الاجتماعية القائمة، بما فيها التمايز الطبقي. وليس لديهم حل فعلى لمسألة الأقليات، دينية كانت أم مذهبية أم إثنية أم لغوية. ناهيك عن ضلوع الإسلاميين عموما في العولمة، بما هي إعلام واتصالات . ففيما يتعدى مسألة التحالف أو عدم التحالف، الموضوع الرئيسي هو التنافس مع الإسلاميين في الشارع على كسب – أو إعادة كسب – الجماهير.
من جهة ثانية، إنني أناضل بالوسائل السلمية من أجل ألا يصل أي تنظيم ديني إلى السلطة. ولكني احترم قرار الناس عندما تختار الأكثرية في انتخابات حرة تزكية حركة إسلاموية أو دينية ما لكي تحكم. هذه هي كلفة الديمقراطية، وتلك هي السيادة الشعبية، وبدائلها إما سلطة النص (الديني أو العلماني لا فرق) أو تسلّط الفرد الديكتاتور أو العائلة المالكة. ليختر الناس حكامهم وليتحملوا مسؤولية اختيارهم وليدفعوا الكلفة. وليحاسبوا من بعد أولئك الذين أولوهم ثقتهم. أما الذين يقولون باستحالة الديمقراطية، وذوي الدلال الذين يرفضون الديمقراطية بحجة نواقص تطبيقها في الغرب، أو لاقترانها بالسيطرة الاستعمارية، فإنهم لا يفعلون غير إدامة الاستبداد والقهر والقمع والظلم وبقاء أنظمة الاستبداد على اختلاف أشكالها ومسوّغاتها تتحكم في رقابنا.
جرت محاولات لتجاوز الديمقراطية السياسية من يسارها، وباءت بالفشل بسبب عدم نضج الظروف الاقتصادية والاجتماعية، اقصد التجربة المجالسية الروسية (السوفياتات). وأغرب ما في تلك التجربة أن التراجع عنها تم لصالح دكتاتورية الحزب لا لصالح الديمقراطية السياسية (أي التعددية والمبدأ الانتخابي وتداول السلطات(،في حين أن التراجع عن "اشتراكية الحرب" كان لصالح رأسمالية السوق. أما بالنسبة لمسوخ البدائل من النمط القذافي، فواقع الحال أن حكم اللجان الشعبية ما هو إلا ستار لتحكم الفرد وسيطرة أجهزة المخابرات.
..........؟
فيما يتعلق بالمشهد الثقافى العربى، أخالفك فى التشخيص؛ فقد صارت إمكانيات النفاذ إلى الجمهور أكبر من جهة وأضيق من جهة أخرى. نعم، الانترنت يفسح المجال رحبا للتواصل والترويج للأفكار كائنا ما كانت، ولكنه يبقى محدودا وملجوما بالقدرة الشرائية للناس، ومحصورا فى النسبة التي لا تزال صغيرة من القادرين على استخدامه. في المقابل، أطبقت السيطرة النفطية (السعودية خصوصا، والاستثناء القطري في طريق التدجين) على الإعلام المرئي والمكتوب.
الأهم إننا إزاء نمط جديد من المثقفين. فقد نجح الاستبداد الرسمي والتدجين النفطي في استيعاب أعداد واسعة من الإنتليجنسيا العربية التي كانت مادة وفيرة للحركات القومية واليسارية منذ الأربعينات فصاعدا، بحيث حلت محلها الآن إنتليجنسيا صاعدة اجتماعيا من خريجى المدارس والجامعات الأجنبية، وتشمل الإعلامي والباحث أو الموظف في المنظمات الدولية أو الناشط في الجمعيات غير الحكومية والمعلوماتي وسواهم. من قبل، كان المثقف هو بالدرجة الأولى الطالب والمدّرس (الريفي خصوصا، خريج المدارس الرسمية) أو الصاعد من أبناء الطبقات الوسطى والمهن الحرة (طبيب، مهندس، محام، الخ). المثقف الجديد يعيش فى مستوى معيشة مختلف جذريا عن ذلك الذي عاشه آو تطلّع إليه المثقف التقليدى، واستفاد أيما إفادة من رواتب عالية ناتجة عن واقع أن العرض في ميادين الإعلام والأبحاث لا يزال يفوق الطلب. إذ لا صلة بين تأسيس المؤسسات الإعلامية وبين الطلب على الإعلام، بل التأسيس يأتي من حاجة الأنظمة للترويج لنفسها أو المنافسة مع أنظمة خصمة أو تلبية لحاجة رجال الأعمال إلى تنويع الاستثمارات أو التحضير للأدوار السياسية.
على هذا النحو انقلب الهرم الثقافي: بينما كانت ذروته تشكل جزءا من السلطات القائمة و90% من الباقي في عالم المعارضة، صارت الذروة تمثل 90% من المثقفين، أى هؤلاء المنخرطين في سلك الأنظمة أو الواقفين عند تخومها، والـ10% فقط في موقع المعارضة.
يكفي القول أن لهذا التحول في الموقع الاجتماعي أثارا عميقة على دور المثقف ووظيفته، سواء دوره الإنتاجى أو دوره التبشيري التكراري الببغائي والترويجي، حيث تحول من النقد إلى تبرير ما هو قائم. والغائب طبعا عن المجتمعات العربية هو إنتاج المعارف، ولكن هذا أمر يطول شرحه وقد يحتاج إلى مقابلة أخرى.
علِّق