لم تكتف بعض قطاعات اليسار فى مصر والمنطقة العربية والعالم بتأييد حماس بلا قيد أو شرط، ولكن أيضا اتهمت كل من يخالف موقفها باتهامات مختلفة، بدءا من تشجيع الليبرالية الجديدة عالميا ومحليا، وانتهاء باتهامات العمالة "الموضوعية" لإسرائيل الصهيونية. و"البوصلة" إذ تعاتب من اتخذوا هذا الموقف تدرك أن عتابها هو دعوة إلى نقد أفكار ومسلمات يسارية موروثة منذ عهد الحرب الباردة وتراكمت على مدى نصف قرن، وبالتالى إلى مراجعة شاملة لمسار الصراع اليسارى ضد الصهيونية. ولكنها تأمل أيضا فى أن اليسار هو فى جوهره نقد اجتماعى قائم على مساءلة مستمرة للمسلمات، حتى ولو كانت مسلماته هو فى مرحلة من تاريخه.
"البوصلة" تعاتب بعض اليسار لأنه يتبنى عمليا الرؤية القومية المبسطة للصراع ضد الصهيونية، التى يصطف بموجبها العرب كـ"قوم" فى مواجهة إسرائيل كـ"كيان". ووفقا لها يتم النظر إلى كل منهما ككتلة واحدة، وبالتالى يشارك هذا اليسار فى إدانة كل من يعترض على هذا المنطق على أساس أنه موالٍ للمعسكر الصهيونى، أراد أم لم يُرد. بل تذهب مشاركته أحيانا إلى حد توظيف أفكار طبقية بشكل سطحى لتخدم إيديولوجية هى فى جوهرها غير طبقية.
تعاتب "البوصلة" هذا اليسار لأنه يتجاهل الواقع المشهود: أن هذه الطبعة القومية التى يسير فى ذيلها تزداد انحطاطا، فهى حتى ليست رؤية أحمد بهاء الدين حين قال إن "الصراع العربى مع إسرائيل فى جوهره صراع حضارى". أصبح الصراع مجرد مواجهة عنيفة تقودها أطراف بلا رؤى ولا برامج، وتغطى على عماها السياسى هذا، النابع من عجزها الحتمى عن تحديد أهدافها، بإقامة معيار يقيس المواقف "الوطنية" و"التقدمية" بحدة المواجهة ومدى القدرة على اجتذاب الإعلام، أو ما يسمى "إحياء القضية"، أو "إعطاء أمل للناس" فى شىء غير محدد سياسيا يسمى الانتصار. وبالتالى أصبح هذا اليسار يؤيد أية مواجهة مسلحة مع إسرائيل، أيا كانت مبادئها وأهدافها، بل وأيا كانت نتائجها المتحققة على الأرض، ويسعى إلى جعل الأطراف التى تمارسه مقدسة تعلو على النقد.
نعاتب هذا اليسار لأنه ينجرف بهذا الموقف فى موجة نسيان الهدف التحررى الذى هو أساس أى نضال يقوده اليسار ضد الصهيونية أو يشارك فيه أو حتى يكتفى بتأييده. الهدف التحررى يعنى برنامجا سياسيا لتحرير كلا من العرب واليهود من العدوانية الصهيونية وتكتيكات تناسبه، أى رؤية تقاس فيها مشروعية وأفضلية كافة أشكال النضال، سلمية ومسلحة، وفقا لعلاقتها بهذا الهدف، وتُحسب نتائج كل فعل نضالى وفقا لمساهمته فى الاقتراب من الهدف، أى علاقته بقضية التحرر.
نعاتبه لأنه يواصل النضال على خطى التيارات القومية والدينية، دون أى اهتمام بأنها أصبحت فاقدة للهدف السياسى، ولأنه يحاول أن ينسى أن هذه التيارات قد تعبئ السكان بشعاراتها، ولكنها لا تحررهم ولا تعترف بالديمقراطية، إلا كطريق إلى السلطة، وإنما تخضعهم لسلطة دينية نخبوية تمييزية مسلحة؛ ولا تطلب منهم مشاركة، بل تأييدا؛ ولا تعطيهم سلطة ولا تعترف لهم بحق المبادرة، بل تعرضهم للآثار الوخيمة لسياساتها، وتقدم لهم دعاية مكثفة تقوم على منطق ثأرى كتبرير وتعويض. ولأنه، لكى يساعد نفسه على نسيان كل هذا، يفصل بشكل تعسفى بين طبيعة هذه القوى السياسية وأهدافها الإيديولوجية وبين سياساتها الواقعية وأشكال مواجهتها لإسرائيل، فيتصور أنه يستطيع أن يؤيد المواجهة دون أن يؤيد منطقها.
نعاتب هذا اليسار لأنه فى موقفه من حماس وقبل ذلك من حزب اللـه، كان يفتقر إلى الحس النقدى اليسارى ويقبل عمليا المساهمة فى تقديم شعارات تعصبية، قائمة على الهوية القومية أو الدينية، ذات محتوى أخلاقى يضلل الجمهور، ويبقيه دائما فى وضع "الحشد" الذى عليه أن ينصاع لما يراه "سادته" من الطبقة الوسطى، ويُفقِر قدراته على التفكير المادى العقلانى، لا العقائدى، الذى يستطيع اليسارى أن يراه بوضوح فى تلك الإضرابات والاعتصامات الأخرى التى فشلت النخبة، والحمد للـه، فى "قيادتها".
وأخيرا نعاتبه لأنه يسلم بسيادة الأفكار القومية والدينية السائدة، ولأنه يتصور أنه يستطيع أن يستخدمها، ويستخدم القوى التى تحملها، لأهداف تحررية، ويعيد بناء شعبيته من خلالها، ولأنه ينتابه الخوف من التمرد عليها. نذكِّر هذا اليسار بأن معظم الناس يقفون خارج هذه الأطر السياسية المحتضرة محل الصراع، التى تتناقص حتى قدرتها التعبوية غير العقلانية وغير الثورية، والاستبدادية فى جوهرها، عاما بعد آخر. إنك حين تثابر على التحديق من ثقب باب التيار القومى والدينى متوهما أن مستقبلك يكمن فى عبور الباب والدخول فى حضن هذا التيار واستخلاص جماهيره المحدودة بحيلة جهنمية، تصيب نفسك بقصر النظر. تلفت حولك لتجد عالما بأكمله، وقطاعات مناضلة واسعة خارج حلبة السمع والطاعة والنزعة الثأرية تنتظر رؤيتك اليسارية المستقلة وتضحياتك ونضالاتك.
علِّق