|
صوت ديمقراطي جذري
|
||
النسوية المصرية والديمقراطية: جذور الأزمة وإمكانيات النهوض
زينب أبو المجد
شهدت الساحة السياسية المصرية خلال العاميين الماضيين زخما سياسيا نشطت فيه العديد من الحركات والتنظيمات السياسية التي باتت تسعى للإسهام في موجة تغيير ديمقراطي طال انتظارها ومأمول حدوثها. وفي ذلك السياق نشطت فعاليات عديدة تقودها ناشطات سياسيات ذوات توجهات يسارية وغير يسارية. يحاول هذا المقالة أن يتناول بالتحليل والنقد النشاط السياسي للنسويات المصريات ذوات التوجه اليساري على وجه الخصوص، ويوجه اهتمامه للإمكانيات الكامنة لإسهامهن الضروري في عملية الحراك الديمقراطي في مصر في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ الوطن.
يمكن للحركة النسوية أن تشارك في عملية التغيير الديمقراطي في مصر عن طريق الأتي: أولاً: الإسهام في رفع مستوى الوعي والمشاركة السياسية للنساء من مختلف الفئات الاجتماعية في المدينة والريف على وجه السواء، ودعم النساء المحليات في الوصول لصناديق الاقتراع سواء كمرشحات أو كناخبات ينظمن أصواتهن بشكل جمعي لجعلها تمثل كتلاً حرجة في دوائرهن تسهم فعلياً في قيام مرشح وسقوط آخر. ثانياً: ترشيح رموز الحركة أنفسهن في الانتخابات البرلمانية أو المحلية، كما بالمنافسة في الانتخابات الرئاسية. إذا ما تحقق هذان الأمران، ربما نستطيع حينها أن نزعم أن هذه المنظمة النسوية أو تلك نجحت في الإسهام في ديناميكيات التغيير الديمقراطي وقامت بأداء الواجب المأمول منها تجاه هذا الوطن ونسائه. انطلاقاً من هذا، فإنه بالنظر لواقع المشاركة السياسية للتنظيمات النسوية – والحديث هنا بالأساس على تنظيمات يسارية أو ليبرالية التوجه لا تستند لدعاية دينية من أي نوع - نجد أن هذه التنظيمات للأسف لم تحقق درجة ملحوظة من النجاح فى أى من الأمرين. ولكن في واقع الأمر لا تقف التنظيمات النسوية منفردة في هذا الموقف، إنما هي جزء لا يتجزأ من واقع محدود الفعل لجميع الأحزاب والحركات اليسارية المصرية. يغلب على الحركة النسوية المصرية وجود جناحين تاريخيين فيها: جناح النسوية الليبرالية وجناح النسوية الماركسية، وكلاهما يعمل على يسار الحزب الحاكم. يتداخل هذان الجناحان ويتقاطعان في الكثير من المواقع الفكرية والنضالية. وكلاهما لم يحققا نجاحاً سياسياً ملموساً حتى الآن. فمن جانب، لم تجرؤ أغلب رائدات العمل النسوي الموجودات على الساحة السياسية اليوم على تقديم أنفسهن كمرشحات في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة. ومن غير المتوقع أن يزددن جرأة مع حلول موعد انتخابات المجالس المحلية المؤجلة. على أن نوال السعدواي - بجرأتها العفوية المعهودة - طرحت اسمها كمرشحة للتنافس مع الرئيس مبارك وزمرة من الرجال فاقدي الكفاءة السياسية في الانتخابات الرئاسية السابقة، وهي خطوة تُحمد لها، ولكنها لم تكن مستندة لقدرة حقيقية على تعبئة أصوات، بالإضافة إلى أنها لم يتوفر بها شرط أساسي للترشُّح وهو عضوية قيادة حزب سياسي قائم، وانتهت التجربة مبكراً قبل حتى الشروع في حملة انتخابية. بالإضافة لذلك، ترشحت للانتخابات البرلمانية الأخيرة عدد من رائدات العمل النسوي التاريخيات من مثل أمينة شفيق وفتحية العسال ولكن لم تحظ أي منهن أيضاً بالنجاح المأمول. وعلى الجانب الآخر الأكثر أهمية، لم تفلح التنظيمات النسوية قبيل الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية الأخيرة في توسيع قاعدة المنتميات لها بشكل أفقي عابر للحدود الجغرافية الضيقة للعاصمة وبشكل رأسي عابر للحدود الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية. كانت أصوات النساء في كلتا هاتين التجربتين الانتخابيتين نهباً للحزب الحاكم من ناحية والتيار الديني من ناحية أخرى من خلال توظيف الرشاوى الانتخابات والدعاية السياسية دينية الطابع، ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ أن فُتح باب التعددية السياسية في مصر. إذن نستطيع أن نقول أن التنظيمات النسوية المصرية بجناحيها الليبرالي والماركسي تعاني من أزمة حقيقية عندما يتعلق الأمر بالفعل السياسي على أرض الواقع. من السهل أن نقول أن العيب في ذلك لا يعود للناشطات النسويات أنفسهن ولكن يعود لثقافة ذكورية سائدة جعلت الأحزاب لا تضعهن على قوائم مرشحيها وجعلت الرجال (وحتى النساء) لا يمنحوهن أصواتهم، فضلاً عن عدم نزاهة الانتخابات في مجملها. وقد يكون هذا بالفعل صحيح، ولكن ما حدث يكشف أيضاً عن قصور كبير في قدرات التنظيمات النسوية وفاعلية النشطات السياسيات، ويحملهن مسؤولية مشتركة لأنهن لم يفلحن بالأساس في نقض تلك الثقافة الذكورية وإحداث تغيير حقيقي في المجتمع بالرغم من كل ما توفر لهذه التنظيمات من إمكانات في السنوات الأخيرة مع تدفق التمويل الأجنبي من صناديق المعونة الدولية. لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الهام والمؤثر الذي لعبته الناشطات النسويات في السنوات الأخيرة في مجابهة قوانين ومؤسسات قائمة من أجل انتزاع بعض الحقوق القانونية والاجتماعية للنساء في مصر، وكان التفاوض المستميت مع الحكومة في أغلب الأحيان هو الوسيلة التي اتبعها أفراد أو مؤسسات في الحركة لانتزاع هذه الحقوق من مخالب الدولة الأبوية ومخالب الجاثمين على مقاعد السلطة فيها من ذكور في مختلف الجهات، بدءاً من المصلحة الحكومية المحلية ومروراً بالمحكمة وقضاتها المحافظين ووصولاً للبرلمان ونوابه. فلا نستطيع أن ننسى نضالات بعض النسويات القانونيات لاسترجاع مادة الخلع مرة أخرى من كتب الفقه على المذاهب الأربعة وإضافتها للقانون المدني بعد أن أهملها هذا القانون عند وضعه على يد ذكور في بدايات القرن الماضي، ولا نستطيع أن ننسى أيضاً نضال أخريات لتغيير قانون الجنسية الذي لم يكن يعكس سوى سلطة ذكورية سافرة على حقوق المواطنة في دولة من المفترض أنها قومية حديثة. ذلك بخلاف عشرات القضايا الصغيرة التي تساعد فيها منظمات حقوق المرأة كل يوم نساء بسيطات هنا أو هناك لاستعادة بعض الحقوق القانونية التي افترسها منهن الزوج أو الأخ…إلخ. ولكن هذا لا يعفي الناشطات السياسيات من مسؤولياتهن الوطنية في عملية التغيير الديمقراطي الذي يستحقه منهن هذا الوطن. لعلّ أسباب القصور السياسي للتنظيمات النسوية الآن يعود إلى عدة أسباب ذات جذور تاريخية تمتد بأثرها للواقع المعاصر. سوف يستعرض المقال فيما يلي أسباب تطور الأزمة في أبعادها التاريخية والمعاصرة، ويتناول بالنقد بعض مواضع القصور في عمل الحركة، ثم ينتقل بعد ذلك لتقديم بعض الاقتراحات العملية بهدف الدعم الفكري للناشطات السياسيات وشحذ هممهن لأداء الدور السياسي المأمول منهن.
نسوية نخبوية المولد..رومانسية المآل لعلّ أولى المشكلات التاريخية للتنظيمات النسوية المصرية أنها ولدت نخبوية التشكيل والطابع. فقد أنشأتها دائماً نساء الطبقات العليا اللاتي سئمن العمل الخيري الذي لم يشبع طموحهن في العمل العام وقررن منافسة الرجال في العمل السياسي. بدأت الحركة النسوية المصرية في شكلها الأكثر تنظيماً على هذا النحو في عشرينات القرن الماضي، بسيدات من العائلات البرجوازية أصحاب الملكيات الزراعية الكبرى، مثل هدى شعرواي وملك حفني ناصف، وانضمت لهن نساء من الطبقة الوسطى اللاتي حصلن على قدر من التعليم مثل نبوية موسى. بدأت نساء هذه الحركة حياتهن بتأسيس جمعيات خيرية لرعاية الأيتام والفقراء من أجل ملء وقت الفراغ، ثم انتقلن للعمل السياسي وبالأخص مع تفجر قضايا التحرر الوطني. وفي ظل ظرف وطني حرج، استطاعت نساء الطبقة العليا في ذلك الوقت تعبئة قطاع من المتعلمات من نساء الطبقة العليا والوسطى وشحذ روح وطنية جعلتهن جزءاً عضوياً لا يتجزأ من النضال الوطني الأشمل. واتسمت مطالبهن في أغلب الأحيان بأنها مطالب نخبوية، فلم يكن هناك تركيز ضخم في برامجهن على أمور تختص بنساء الطبقات الدنيا أو الوسطى غير المتعلمات في الريف والمدينة خارج العاصمة، وإنما كان التركيز على مطالب تصب في إطار مصالح نساء الطبقة العليا في المدينة كحق الانتخاب والتعليم وحقوق الطلاق، إلخ. برغم أن الخارطة الاجتماعية-الاقتصادية لبنية التنظيمات النسوية اليوم تختلف بشكل جوهري عما كان عليه الوضع في عشرينيات القرن الماضي، إلا أنه لازال من الملحوظ أن نساء الطبقة العليا هن الأبرز فيها، بالإضافة لمن انضممن لهن من نساء الطبقة الوسطى خريجات الجامعة. إن القائمات على العمل النسوي اليوم تجمعهن في أغلب الأحيان - سواء كن ليبراليات أو ماركسيات- الأصول البرجوازية التي تجعلهن يتمتعن بخصائص شخصية كثيرة تمنحهن ميزة نسبية على نساء الطبقات الأخرى لريادة الحركة، مثل الدرجات العليا من التعليم، وبالأخص التعليم الأجنبي الذي يساعدهن على الاطلاع على أدبيات الفكر النسوي الغربي، وكذلك التواصل مع تنظيمات نسوية غربية والتمتع بمداخل للتواصل مع منظمات دولية للمرأة والحصول على تمويل لأنشطة مراكزهن منها. تؤدي الخلفيات الطبقية لرائدات العمل النسوي اليوم لصبغ عمل الحركة بسمتين رئيسيتين: السمة الاولى هي أن الانتماءات الطبقية تسبغ برامجهن بطابع نخبوي بعض الشيء. فعلى سبيل المثال، كان النضال لأجل تمرير قانون الخلع الذي قادته بالأساس النسويات الليبراليات- برغم كونه بدون شك من أهم المكاسب التي نالتها المرأة المصرية في دولة ما بعد الاستقلال- نضالاً برجوازي الطابع يخص فقط المرأة التي تمتلك من المال ما يكفي لشراء طلاقها في المحكمة. وقد أظهرت الدراسات التي أجرتها منظمات حقوقية نسوية أن المرأة من الطبقة الدنيا أو الطبقة المتوسطة الدنيا لم ينفعها القانون بشيء لأنها لا تملك رفاهية الطلاق من زوج يقوم هو بالإنفاق عليها وعلى أبنائها، وأنها حتى إن طالبت بالطلاق فإنها تفضل الطلاق العادى الذي يحفظ لها حقوق النفقة، لا الخُلع الذى يجعلها تدفع مالا – لا تملكه - للحصول عليه. السمة الثانية هو تبني النسويات الماركسيات بالأخص لنظرة ذات طابع رومانسي نحو نساء الطبقة الدنيا تستند لعطف طبقي أكثر من استنادها لعقيدة إيديولوجية تنظيمية. ولكن بالطبع لا يقلل هذا من شأن وجود العقيدة الإيديولوجية كعنصر رئيسي. تمنح الأسس العقيدية اليسارية الكثير من النشطات السياسيات الإطار الفكري الأشمل الذي يعملن من داخله اليوم، سواء كن قادمات من صفوف الطبقة البرجوازية أو الطبقة الوسطى المتعلمة. ولا يخفى على الكثير من الملاحظين للشأن السياسي بوجه عام أن تلك الأسس العقيدية تقف قاصرة اليوم أمام التعامل مع الكثير من الظواهر الاجتماعية في مصر. إن النسوية الماركسية في مصر تركز على أدني شرائح الطبقة الدنيا من النساء في المدينة/ العاصمة تحديداً، وتتجاهل المرأة خارج إطار الأحياء الشعبية وعشوائيات القاهرة، مثل نساء الريف ومدن ومراكز الوجهين القبلي والبحري المعبئة بطاقات فكرية وسياسية مغمورة وتستحق الاكتشاف والدعم، ومثل الطبقة الوسطى الصاعدة من نساء أصحاب المهن المتخصصة الناتجة عن تطبيق برامج اقتصاد السوق. لقد بزغت في المجتمع المصري، في السنوات الأخيرة بالأخص، بنية طبقية تختلف تماماً عن البنية التي تخيلها المنظور الماركسي الكلاسيكي، تحتاج الحركات النسوية الماركسية لإدراكها والتعامل معها. فنساء الطبقة الدنيا اللاتي يستهدفهن النضال اليساري لا ينطبق عليهن التعريف التقليدي للمرأة العاملة في تاريخ أوروبا، بل هي عاملة في قطاعات غير رسمية شتى وتقع في موضع أدنى بكثير من الحصول حتى على الميزات القليلة التي تحصل عليها عاملات المصانع، وتقع في صفوفهن قاطنات الأحياء الشعبية وقطاع شاسع من نساء الريف في الوجهين القبلي والبحري. ومن ناحية أخرى توجد شريحة هائلة من النساء اللاتي ينتشرن كموظفات درجات دنيا في المصالح الحكومية ويقفن يومياً على حافة الهبوط للطبقة الدنيا، ثم هناك قطاع صاعد من الفتيات أصحاب المهن المكتبية والتسويقية المتخصصة من أصحاب التعليم المتوسط والجامعي اللاتي فُتحت لهن آفاق جديدة في دولة ما بعد تطبيق اقتصاد السوق، وهؤلاء يقفن على الحدود ما بين الطبقة المتوسطة والدنيا، ثم هناك نساء أصحاب المهن العليا عاليات التخصص – غير القطاع التقليدي من المهندسات والطبيبات- مثل مبرمجات الكمبيوتر وخبيرات الموارد البشرية والمالية ومتخصصات إدارة المنظمات غير الرسمية اللاتي أيضاً تفتحت لهن آفاق جديدة مع اقتصاد السوق وتوظيفهن من قبل شركات ومنظمات أجنبية. وهن جزء من طبقة وسطى صاعدة تحتاج لمن يتلقفها قبل أن يسيطر عليها التيار الديني سيطرة كاملة - الذى حقق بالفعل انتصاراً ملموساً وكسب أراضٍ استراتيجية بين صفوف هذه الطبقة. وفوق كل ذلك تقف نساء الطبقة العليا اللاتي اعتدن تاريخياً أن يكن علمانيات بحكم اطلاعهن على ثقافات غربية، ولكن تتجه نساء هذه الطبقة مؤخراً نحو التدين لأنها أصبحت تستوعب بين صفوفها أثرياء الخليج وليس فقط الأثرياء ذوي الثقافة المتغربة. إذن، من الواضح أن البنية الطبقية للنساء المصريات اليوم أكثر تعقيداً من المنظور الاستاتيكي الذي رسخته الكتابات الماركسية التقليدية، بخلاف كتابات اليسار الجديد الذي يرى الصورة بشكل أوضح، وإن كان لم يجد بعد سبيله للساحة السياسية المصرية. ونتيجة لاتجاه النشطات النسويات بشكل رومانسي للتركيز على نساء شرائح الطبقة الدنيا في العاصمة فقط دون ما وراءها فقد فاتهن الكثير مما يمكن تحقيقه بشأن آفاق التعبئة السياسية وتحقيق توسع جماهيري. ولنأخذ مثالاً على ذلك المرأة الريفية. إن عملية تعبئة أصوات النساء في الريف اليوم تتم بشكل جمعي لصالح مرشحي العائلات الكبرى المتحالفة مع الحزب الحاكم في كل قرية على حدة، وتستخدم فيها الرشاوى الانتخابية بشكل موسع- ولكن يحصل ذكور العائلة فقط على تلك الرشاوى ويتم استغلال أصوات النساء حتى بدون أن يذهبن بأنفسهن للجان الانتخابية، وذلك كما أثبتت الانتخابات البرلمانية الأخيرة وسابقاتها. وبالمثل تركت النشطات السياسيات اليساريات أصوات شرائح نساء الطبقة العاملة في قطاعات غير رسمية نهباً لمرشحي الحزب الوطني الذين يمنحوهن رشاوى مالية وعينية في الأحياء الشعبية، أما النساء الموظفات فقد أصبحت الكثيرات منهم جزءاً من نسيج التيار الديني، وبرغم تعبئة الدولة لأصوات الموظفات في حافلات عامة موجهة لصناديق الانتخابات إلا أنه لوحظ في الانتخابات الأخيرة أن أصوات الكثير من الموظفين قد ذهبت للتيار الديني نكاية في الدولة وحزبها. ولا يخفى على أحد أيضاً أن التيار الديني حقق مؤخراً نجاحاً ملموساً في تعبئة أصوات النساء صاحبات المهن العليا والمهن المكتبية والتسويقية المتخصصة والمرأة البرجوازية. تبدو التنظيمات النسوية اليسارية في غفلة عن كل ذلك، غارقة في تصورات نظرية قديمة عن البنية الطبقية لمجتمع لم يوجد يوماً في مصر، أو منخرطات في أنشطة ذات طابع رومانسي يقمن من خلالها بالعطف الطبقي على بعض شرائح النساء الفقيرات، مما يحملهن بدون شك خسارة فادحة لأصوات جميع هؤلاء النساء في مجتمع تزداد بنيته تعقيداً يوماً بعد يوم.
ما بين سطوة الإمبراطورية واحتكارية الدولة من الجذور التاريخية والمعاصرة الأخرى لأزمة الحركة النسوية المصرية وقوعها بين براثن قوتين قاهرتين لا يمكن الفرار منهما، وهما الإمبراطورية من ناحية والدولة من ناحية أخرى. وما بين هذه وتلك لا تصل المنظمات النسوية للأفق المأمول منها الوصول إليه من حيث دمج نفسها ودمج النساء في عملية تغيير ديمقراطي. وُلدت الحركة النسوية المصرية في بدايات القرن العشرين من رحم حركات نسوية غربية وقامت منذ بداياتها على الفكر النسوي الغربي. ولم تكن الحركة النسوية فريدة في الاستناد للفكر الغربي في نشأتها، بل تشاركها في ذلك الحركات التي تبنت الفكر القومي الوطني والعربي والأحزاب الليبرالية والحركات الشيوعية، وحتى حركات الإسلام السياسي، فجميعها استعارت من الفكر الغربي مفاهيم وآليات عمل حديثة واستقدمتها لواقع النضال، مثل فكرة الدولة القومية أو وحدة العرق أو الحرية أو الأممية أو حتى التنظيم. أما فيما يتعلق بالحركة النسوية، فقد تبنت أجندات نسوية تم تطويرها في دول غربية بالأساس وكانت تُقدم للنسويات المصريات على أنها ذات طابع عالمي يصلح للتطبيق في كل زمان ومكان. ومن المؤكد أن سلطة الامبراطورية سواء كانت البريطانية أو الفرنسية في ذلك الوقت ورؤيتها لنفسها كمبشر بقيم الحرية والمساواة جعل لأجندات النسويات الغربيات اليد العليا فوق نضالات نساء العالم الثالث بشكل عام. تاريخياً تدعم الإمبراطوية نساء الطبقة العليا المرتبطات بها بحكم التعليم الأجنبي وتمنحهن مختلف أنواع المساندة، حيث أن الإمبراطورية الحديثة اعتادت أن تتخذ من قضايا المرأة موطئاً رئيسياً لدعاوى التحديث والتغير بدافع الهيمنة. إن وجود أجندات نسوية عالمية جاهزة الصنع جعلت الحركة النسوية المصرية تستند للراحة والدعة، بعدم القيام بالواجب المنزلي الذي كان ينبغي تأديته بالنزول لواقع المرأة المصرية وتطوير أجندات تتواءم مع مطالبها بجميع فئاتها وطبقاتها الاجتماعية. كانت مفاهيم تحرر المرأة جميلة، ولكن كان هناك أشياء كثيرة لابد العمل عليها بجهد للوصول لهذا الهدف الذي وصلت له النساء الغربيات بعد قرون من تحدي السلطة الذكورية. وكان هذا هو أحد أهم عوامل عدم قدرة بواكير العمل النسوي في مصر للوصول لمرحلة تعبئة سياسية واسعة المجال للمرأة في معركة التحرر الوطني. يتكرر هذا الأمر بعينه اليوم مع وجود الإمبراطورية الأمريكية. تقدم الإمبراطورية مفاهيم حقوق الإنسان وحقوق المرأة - بكل ما تحمله هذه المفاهيم في حد ذاتها من قيم نبيلة- على اعتبار أنها بشكلها الغربي عالمية صالحة لكل مكان وزمان. تضخ منظمات حقوق الإنسان الدولية أموالاً ضخمة كل عام في جعبة المنظمات النسوية في العالم الثالث على وجه العموم، والمصرية على وجه الخصوص، لأجل تنفيذ بنود الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان واتفاقية عدم التمييز ضد المرأة. بالطبع للإمبراطورية أجندتها الخفية خلف الترويج لمفهوم المواطن والمواطنة العالميين الذين يتمتعون بأشكال منمطة للحقوق ويؤدون أشكالا منمطة للواجبات، وقد نكون ساذجين إن ظننا ظناً حسناً غير هذا. حيث إن كل ذلك يؤدي لخلق مواطن عالمي ينتج ويستهلك بشكل رأسمالي نمطي، يتمتع بنفس الحقوق ويمارس نفس الواجبات أينما كان في العالم، مما يجعل عملية التحكم الكوني للإمبراطورية يسيرة. يضاف إلى ذلك أن أموال الإمبراطورية أدت لنسف الحدود بين النسوية الماركسية والليبرالية-أو بالأحرى صارت الحدود بينهما غامضة. من المفهوم أن تحصل الناشطات الليبراليات على دعم الإمبراطورية المالي نظراً لاعتناق الإمبراطورية لإيديولوجية ليبرالية، ولكن كانت المفاجأة هي اتجاه النسوية الماركسية للحصول عليه أيضاً- وهي ظاهرة تكررت في اليسار المصري بوجه عام، ولم تقتصر على النسويات، بل وتكررت قي صفوف اليسار في العالم الثالث بأكمله منذ عقد الثمانينات. اتجهت النسوية الماركسية لأموال الإمبراطورية وأجندتها الليبرالية مع الاحتفاظ بطابع يساري يستهدف نساء الطبقات الدنيا في عملهن، وهكذا شهدن طعام معاوية وصلين خلف عليّ في آن واحد. تماهت الحدود بين النسوية بالليبرالية والماركسية واختلط علينا الأمر مع سيطرة الإمبراطورية، وكانت النتيجة الحتمية هي إما نسوية ليبرالية تابعة تركز على مصالح نساء الطبقة العليا في نضالاتها أو نسوية ليبرالية "متمركسة" تستهدف نساء الطبقة الدنيا. هذا من جانب الإمبراطورية. أما إذا ما التفتت الناشطة النسوية إلى الجانب الآخر فإنها تجد الدولة تتربص بها لتحمل عن كاهلها أيضاً عبء التغيير وتقوم عنها بواجبها. لقد اعتادت الدولة المصرية منذ نشأتها الحديثة على احتكار العمل النسائي بشكل مستفز حتى وإن ظهر للعيان أنها تفتح الباب للنسويات للحراك بوجه مستقل. شهد عقدا السبعينيات والثمانينيات انفتاحة كبرى للنسويات مع بزوغ برامج دولية للأمم المتحدة لدعم المرأة. وفي ظل ذلك استطاعت النسويات أن ينظمن أنفسهن بشكل رسمي مرة أخرى بعد أن كانت الدولة الاشتراكية قد أممت جميع الأنشطة السياسية ومنها النشاط النسائي لما يقرب من عقدين. ثم جاء عقد التسعينات بما صاحبه من انفراجة التمويل الأجنبي الذي لم تنتبه الدولة لخطورته آنذاك، والذي ساهم في دعم العديد من النسويات للتعاون مع الإمبراطورية وتأسيس الكثير من مراكز الدعوة السياسية لحقوق المرأة، والتي عملت على تبني مطالب النساء وقامت بمحاولات للضغط السياسي والتفاوض مع الدولة لتحقيقها. ولم تمنح الدولة هذه المسموحات السياسية نتيجة لعطف قلبها وتقدميتها، ولكن نظراً لوقوعها تحت ضغوط دولية لتنفيذ اتفاقيات حقوق الإنسان وعدم التمييز ضد المرأة التي وقعت عليها. لكن الضربة القاصمة جاءت بقانون الجمعيات الأهلية الجديد لعام 2002 والذي سعى بشكل واضح لوضع حدود قاسية على مراكز حقوق المرأة وتجفيف منابع تمويلها المالي. فقد دفع هذا القانون هذه المراكز، التي كانت تعمل كشركات مدنية، لتوفيق أوضاعها والتحول لجمعيات أهلية تتحرك داخل قبضة وزارة التضامن الاجتماعي (وزارة الشؤون الاجتماعية سابقاً) وتلتزم بكل تعقيداتها البيروقراطية فيما يتعلق بعقد الأنشطة ونشر الإصدارات، كما حظرت عليها النشاط السياسي لأن الجمعية الأهلية بتعريفها التقليدي لا تمارس العمل السياسي، وأخيراً وضعت عليها من القيود ما يجعل حصولها على تمويل أجنبي ليس بالسهولة التي كان عليها في التسعينيات، حيث صار الحصول عليه يعد مخالفة قانونية ما لم يتم إعلام الوزارة به مسبقاً بل وموافقتها عليه أيضاً. بالطبع كان هذا القانون ضربة كبرى لأية إمكانية لمنظمات المرأة لأن تتوسع في مجال التعبئة السياسية للمرأة، فيما عدا أن هذه المنظمات على كل حال لم تكن تعمل جدياً على ذلك لأنها كانت أكثر انشغالاً بتطبيق أجندات الإمبراطورية. والأكثر من ذلك أن الدولة تعمل على قطع الطريق أمام النسويات باحتكار أصوات النساء من خلال وزارة التضامن الاجتماعي ومكاتبها المنتشرة في القرى والمراكز بالوجهين القبلي والبحري. الدولة كعادتها تقدم للشعب مكاسب ضئيلة تسد فمه وتجعل من الأيسر تعبئته نحو صناديق الاقتراع، وتقريباً تحتكر وزارة التضامن الاجتماعي بما يتبعها من آلاف الجمعيات الأهلية في القرى والمحافظات العمل النسوي في الوجهين القبلي والبحري، مثل جمعيات الأسرة المنتجة وخلافها، وتسخِّر الوزارة لذلك من موارد الدولة ما لا تستطيع التنظيمات النسوية المدنية توفيره للوصول للنساء خارج العاصمة. لا شك أن القدرة الفائقة للدولة على الوصول للنساء المحليات مع عدم بذل التنظيمات النسوية في العاصمة الجهد الكافي لذلك يضعف بشكل هائل قدرتها على تعبئة أصوات المرأة بشكل جمعي في مسار عملية التحول الديمقراطي. وفي ظل كل ذلك تظل هناك حقيقة واحدة قائمة: الدولة بمفردها هي التي تتخذ القرار- أو بالأحرى يتخذه أصحاب المواقع الرسمية فيها في السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية من ذوي العقول الأبوية الضحلة. تمرر الدولة تبعاً لدرجة ما تتعرض له من ضغوط خارجية أو داخلية هذا المطلب أو ذاك، ثم تأخذ لنفسها أمجاد تحقيق الحرية والعدالة، متجاوزة بذلك كل ما بذلته النسويات من جهد مستميت في عمليات التفاوض والمساومة مع الدولة لتحقيق هذه المطالب. يتضح ذلك في مثالي قانون الخلع والجنسية اللذين مررتهما الدولة بعطف أبوي من قلب القائمين على السلطة، وكذلك بضغوط دولية للالتزام باتفاقية عدم التمييز ضد المرأة. فبرغم الجهد الحثيث الذى بذلته ناشطات وتنظيمات نسوية لتمرير هذين القانونين، فإنهما لم ينتجا حقاً عن تفاوض ومساومة مع الدولة في أطر ديمقراطية بالمعني المتعارف عليه، إنما خرجا نتيجة عطف الدولة التي تُنعم أنّى شاءت وتحرم متى أبت. وأخيراً بزغ في الأفق المجلس القومي للمرأة الذى يتوج احتكار الدولة للعمل النسائي. فهو يسحب البساط من تحت أقدام التنظيمات النسوية لأنه منافس شرس لمراكز أضعف من أن تقف أمام سطوة مؤسسات الدولة الاحتكارية. صار المجلس يضع الكثير من القيود بشكل مباشر أو غير مباشر على عمل مراكز حقوق المرأة بدعوى أن المجلس يقوم بالفعل بما قد يشرعن في القيام به، بالإضافة لمحاولة المجلس لاستقطاب التمويل الأجنبي من مصادره وسد بعض الطرق على مراكز حقوق المرأة. مرة أخرى تحتكر الدولة من خلال هذا المجلس أمجاد أي تغيير تحدثه السلطة في مجال حقوق المرأة، وينافس، بما يتمتع به من هيبة الدولة نفسها ومواردها، مراكز صغيرة أضعف من أن تقوى على الوقوف في وجهه.
ذكورية التجمعات السياسية العامل الثالث الذي يترك أثره المقيت على عدم فعالية التنظيمات النسوية بشكل كامل هو واقع المجتمع المُسيّس في مصر في نشأته التاريخية الحديثة وواقعه المعاصر. فهو جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري على وجه العموم بكل ما يحمله من أمراض ثقافية. وأهم تلك الأمراض التي تترك أثرها الجوهري على أية محاولة نسوية للنهوض بفعل سياسي عضوي هو سيطرة التوجهات الأبوية الذكورية على عقول القائمين على الأحزاب والتيارات السياسية من الرجال، مما يغلق المجال أمام اندماج النشطات السياسيات بشكل عضوي في تيارات الحراك السياسي، سوى في حالات نادرة. اعتاد الرجال ذوي النزعات الثقافية الذكورية في التيارات السياسية المختلفة تاريخياً على توظيف النساء لمصالحهم السياسية من خلال تعبئتهن في أوقات الأزمة، ثم استبعادهن وتهميشهن بعد أن يكون هذا التيار السياسي أو ذاك قد حقق مصالحه على أكتافهن. وأشهر الأمثلة على ذلك صراع هدى شعرواي مع سعد زغلول، حين خذلها بعدم وضع مطالب النساء على أجندته في البرلمان بعد أن تلقى منها هو وحزبه دعما سياسيا موسعا. وكانت نتيجة الخلاف أن انشقت شعرواي عن حزب الوفد وشكلت تنظيمها النسائي المستقل. تكرر هذا السلوك فى الكثير من التيارات السياسية في حركات تحرر وطنية أخرى في الدول العربية ودول العالم الثالث. والآن يمارس التيار الديني خدعة أفدح بتعبئة النساء مع الاحتفاظ بأيديولوجيات ذكورية محافظة سوف تكشف عن نفسها بشكل أكثر وضوحاً إذا ما شاء القدر وحقق هذا التيار مصالحه. ولا تختلف الأحزاب اليسارية الشرعية فى مصر عن ذلك. فروادها يحملون منظوراً ذكورياً في إدارة العمل الحزبي. كل حزب يخصص لجنة داخله للمرأة ويضعها في ردهة ما في المقر لمجرد استكمال صورة مثالية تقدمية للتنظيم، ويتم من خلال ذلك استبعاد طاقاتها من الظهور في ردهات أخرى للحزب يحتكرها الرجال. فمثلا حزب التجمع به لجنة للمرأة تُحال إليها جميع العضوات الجديدات، في حين أنه غير مرحب بهن في لجان أخرى، كاللجنة الاقتصادية مثلاً، التي يقوم عليها النبهاء من الرجال. بالإضافة إلى ذلك تقف نظرة الرجل اليساري للمرأة اليسارية، في الأغلب، عند الحدود بين اعتبارها شريك نضال واعتبارها موضوعاً جنسياً يسهل اقتحامه انطلاقاً من كونها "متحررة". إن نخبة اليساريين من الرجال في مصر لا هي عملت وأدت واجبها ولا تركت النساء تعملن "في حالهن". وبالطبع لا يتحمل رجال اليسار وحدهم مسؤولية ذلك، فالمرأة تتحمل مسؤولية مماثلة مادامت قد تواطأت مع الوضع أو قبلته ولم تتمرد بشكل أو بآخر عليه، سوى بإعلان الاستياء في أفضل الأحوال- أو ربما بالانتحار في أحوال أخرى.
نحو آليات للتطوير؟ يتضح مما سبق أن هناك عوامل عديدة تعوق التنظيمات النسوية المصرية عن الإسهام في تغيير ديمقراطي في السنوات القليلة الماضية. وهى العوامل تاريخية في ذاتها ولكنها تمتد بأثرها للواقع المعاصر. منها ما يعود لمشكلات داخلية في الحركة النسوية نفسها، ومنها ما هو مرتبط بعناصر خارجية ضاغطة في البيئة الدولية والمحلية، ومنها ما يعود لليسار المصري بشكل عام ودرجة وطبيعة إدماجه للمرأة النشطة سياسياً داخله. يبدو الأمر إذن أكثر تعقيداً من أن يُحل بين يوم وليلة، بل هو يحتاج لحلول عملية براجماتية تطور نفسها على المدى الطويل. وأؤكد مرة أخرى على مصطلح "براجماتية" لأن الأمر في النهاية لعبة سياسية تحتاج من النسويات للحنكة وتبني تكنيكات نفعية لمنافسة خصوم شرسين على أصوات النساء. ليس لدينا وقت لإضاعته، فكيف يمكن للتنظيمات النسوية أن تسرع فى الإسهام في عملية تغيير ديمقراطي؟ لا شك أن التنظيمات النسوية تحتاج تارة لبعض من مرونة النقد الذاتي وإعادة توجيه في المسارات بالتخلي عن بعض العقائد الدوجمائية، وتارة يحتجن لبعض من التحايل والمخاتلة السياسية المدروسة على سطوة كل من الامبراطورية وقبضة الدولة لإمكانية الحراك دون خسران مواقع وامتيازات جوهرية قد اكتسبنها، ثم يحتجن إلى مزيد من التمرد وثورات محدودة للتطهير الفكري في المجتمع اليساري المسيس الذي يتزعمه حفنة من الذكوريين ومدّعي التقدمية. تتمثل البداية الحقيقية بالأساس وفي المقام الأول في إحداث نقلة نوعية في آليات التنظيمات النسوية للتعبئة السياسية للمرأة. إذا ما أفلحت هذه التنظيمات في استثمار المهارات الفائقة لعضواتها في التعبئة السياسية للنساء في الريف والمدينة والعمل بين صفوف الطبقات العاملة والفلاحات وأصحاب المهن والنخب على وجه السواء فإنها ستكون قد قطعت بذلك نصف الطريق الذي تحتاجه أية حركة سياسية ترغب في الانخراط في عملية تغيير قائمة على أساس ديمقراطي. في سبيل ذلك تحتاج النسوية الليبرالية للتخلي عن نخبويتها، وتحتاج النسوية الماركسية للتخلي عن رومانسيتها، وذلك فيا يتعلق بالفئات الاجتماعية التي تستهدفها كل منهما في عملية التعبئة. تحتاج الرائدات النسويات بما يملكنه بالفعل من مقدرات بحثية وخبرات اجتماعية إلى النزول للواقع ورسم خارطة جديدة للبنية الاجتماعية- الاقتصادية لنساء المجتمع المصري بجميع فئاته. لم يعد ممكنا اليوم أن تراعى التنظيمات النسوية مصالح نساء الطبقة العليا وحدها، أو أن تراهن فقط على نساء الطبقة الدنيا في المدينة، وتترك شرائح أخرى صاعدة من فئات النساء أصحاب المهن فريسة سهلة للتيار الديني. لا تستطيع هذه التنظيمات أيضا أن تستمر في تجاهل كل هؤلاء النساء في الريف، بل والتضحية بأصواتهن التي تذهب سائغة بشكل جمعي لصالح العائلات المتحالفة مع الحزب الوطني. فيما يتعلق بالمرأة كناخبة، تحتاج النشطات النسويات لابتكار وتطوير أساليب أصلية- مستندة للواقع المصري- أكثر جدة وإبداعاً لتعبئة المرأة من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية في الريف والمدينة للعمل السياسي ووصلوها لصناديق الاقتراع بشكل جمعي ككتل تصويتية حرجة. من المؤكد أن هذا ليس بالهدف اليسير في ظل تحكم الإمبراطورية في موارد التمويل وفرض أجنداتها وأساليبها الفوقية وبسبب حظر التجول الذي تفرضه الدولة على حركة النشطات النسويات داخل وخارج حدود العاصمة، لكن لا مناص من الاستماتة في المحاولة. فيما يتعلق بالمرأة كمرشحة، تحتاج الرائدات النسويات- مرة أخرى بما يمتلكنه من مهارات عملية فائقة لم يتم استثمارها بشكل كامل- لحشد أنفسهن لخوض الانتخابات البرلمانية أو دعم رائدات نسويات محليات مغمورات في المراكز والقرى لخوضها، وبالأخص فيما يخص انتخابات المجالس المحلية. هناك الآلاف من النساء المنتشرات في القرى والمراكز بالوجهين القبلي والبحري صاحبات الطموح السياسي والمواهب التنظيمية، اللاتى لا تجدن من يأخذ بيدهن وتتلقفهن في النهاية الأذرع الممتدة في كل ركن للحزب الحاكم. توجد طاقات نسوية عبقرية معطلة في قرى ومراكز الصعيد والدلتا تنتظر أي دعم سياسي من أي نوع قد تقدمه النسويات لهن سواء في شكل تدريب أو توعية أو إصدار مطبوعات أو تنظيم حملات انتخابية..الخ. وتوجد الكثير من الأمثلة على ذلك اصطدمت بها شخصياً على أرض الواقع أثناء عملي الميداني في الريف على الانتخابات البرلمانية الأخيرة. في الختام، أود أن أنهي المقال بالتأكيد على أن كاتبة هذه السطور تكن كامل الاحترام للتنظيمات النسوية المصرية، وأعتذر مقدماً لجميع النسويات عن التعميمات غير الملائمة في بعض الأحيان في التعامل مع أطياف الفكر النسوي المصري دون منح الاعتبار الكافي للاختلافات والاستثناءات، وكذلك عن أية أخطاء تحليلية أخرى ربما يكون المقال قد وقع فيها. نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 14:50.
رد |
||
|
Elbosla | Designed by Bent Masreya 2007 |
||
أحدث التعليقات
منذ 23 أسبوعا 4 أيام
منذ 27 أسبوعا 6 أيام
منذ 29 أسبوعا 6 أيام
منذ 30 أسبوعا يوم واحد
منذ 30 أسبوعا 4 أيام
منذ 30 أسبوعا 5 أيام
منذ 31 أسبوعا 19 ساعة
منذ 31 أسبوعا يومين
منذ 32 أسبوعا 6 أيام
منذ 33 أسبوعا 3 أيام