"المرأة على خط النار": أثر الصراع بين الإسلاميين والدولة على أحوال المرأة المصرية

هالة شكر الله

ركز العديد من المعلقين والنشطاء المصريين، وكذلك عدد لا بأس به من المحللين والدارسين الغربيين، على تحولات خطاب الحركات الإسلامية فى شقها المعتدل تجاه قضايا المرأة، والتى تعتبر، وفقاً للعديد من هذه التعليقات، بمثابة نقطة تحول فى نظر الحركات الإسلامية تجاه قضايا مثل المشاركة السياسية للمرأة وحقوقها الاقتصادية والاجتماعية، مثل التعليم والرعاية الصحية وشروط العمل المتساوية. وتقارن هذه الدراسات تلك الرؤى المنفتحة نسبياً برؤى هذه الحركات ذاتها التى سادت خطابها خلال فترات ازدهارها وصعودها فى السبعينيات والثمانينيات والتى اتسمت بمحافظة شديدة حادة تجاه ذات القضايا وتخلص إلى استنتاجات بشأن استعداد هذه الحركات والحال كذلك إلى الاندماج فى الحياة السياسية الرسمية.

ولكن ما تتجاهله هذه التعليقات أن تراجع أحوال النساء المصريات على مختلف الأصعدة، وإن كان لا يمكن رده بشكل مباشر إلى الخطاب الإيديولوجى للحركة الإسلامية، والذى شهد تحولات لافتة للنظر بالفعل، فإنه وثيق الصلة بالديناميات التى ولَّدها الحضور الإسلامى فى المجال العام وصراع الإسلاميين مع الدولة على الهيمنة الثقافية وجدارة احتكار الحديث باسم هوية "المجتمع المصرى". فى سياق هذا الصراع الممتد منذ الحقبة الليبرالية التى أعقبت ثورة 1919 حتى الآن، نزعت الحركة الإسلامية إلى تصوير المرأة كحامل للهوية الثقافية للأمة الإسلامية والمجتمع المصرى بشكل خاص أكثر من كونها ذاتاً حرة تتمتع بحقوق متساوية مع الرجل. ومن ثم أصبحت المرأة أحد مواقع الصراع مع الغرب، حيث تم تصوير نزوع المرأة المصرية إلى التخلى عن التقاليد والخروج إلى المجال العام كذات مستقلة كاختراق غربى للمجتمع المصرى المتجانس. وفى المقابل، نزعت الدولة إلى الإقرار بسيطرة الرؤى الفقهية التقليدية، بل والنزعات الذكورية والأبوية التقليدية فى المجتمع المصرى التى لا تقوم على أساس فقهى، على المجال الخاص لحياة المرأة والمواقع الأكثر حميمية بالنسبة لها كذات مستقلة، كمقدمة لاعتراف القوى المحافظة بهيمنة الدولة الحديثة على مؤسسات الهيمنة الإيديولوجية المختلفة من تعليم وإعلام.

يترتب على هذا أن تحولات خطاب الحركة الإسلامية بشأن قضايا المرأة ليست العامل الحاسم عند النظر إلى الآثار الممكنة لاتساع نفوذ الحركات الإسلامية فى مصر على أوضاع النساء الاجتماعية إيجاباً أو سلباً. وإنما يمكن تحديد هذا الأثر فى ضوء استشراف مستقبل الصراع بين الدولة والحركة الإسلامية على احتكار الهيمنة فى المجال العام، والذى قد يؤدى لاستمرار دينامية ترميز المرأة كحامل للهوية الثقافية، حتى فى ظل تحولات خطاب الحركة الإسلامية باتجاه مزيد من الاعتدال. وما أزمة الحجاب الأخيرة التى أثارها نواب جماعة الإخوان المسلمين فى البرلمان، وزايد عليهم فيها نواب الحزب الوطنى، إلا خير دليل على هذه الإمكانية.

البديل الإسلامى فى مواجهة أزمات التحديث على الطراز الغربى:

ترميز المرأة كحامل للهوية الثقافية

حظيت الحركة الإسلامية على مدار العقدين الماضيين باهتمام منقطع النظير من قبل الأكاديميين والمعلقين فى الصحافة الغربية أو مراكز البحث والاستشارات السياسية القريبة من مواقع صنع القرار فى العالم الغربى. وتعود جاذبية هذه الحركات إلى القدرة التعبوية المدهشة التى تمتعت بها منذ هيمنتها على المجال العام فى العديد من البلدان الإسلامية، بدءاً من منتصف السبعينيات. سمحت هذه القدرة التعبوية باختراق قطاعات واسعة من مختلف الطبقات تحت شعار جامع موحد فى جوهره وإن اختلفت صياغاته من سياق لآخر. ولكن جاذبية الحركات الإسلامية فى مصر وباقى مناطق العالم الإسلامى تعود إلى رؤية الناس لها بوصفها بديلاً لمشكلات الحداثة الموروثة عن العالم الغربى نفسه، وخصوصا فى ضوء فشل تجارب التحديث بطبعاتها المختلفة فى تلك البلدان. وبالتالى ينبغى قراءة استراتيجيات الحركة الإسلامية من زاوية سعيها الدائم إلى تقديم بديل للحداثة الغربية، سواء على مستوى الخطاب الإيديولوجى، أو على المستوى البرنامجى للملايين فى العالم الإسلامى، وفى القلب منه مصر بالطبع.

دار أحد أهم مجالات الصراع الإيديولوجى مع الخطابات الفكرية والسياسية الضاربة بجذورها فى الحداثة الغربية حول تعريف المجتمع المصرى وهويته وتاريخه. نزعت كافة التيارات إلى تقديم قراءة بعينها للتاريخ والهوية المصريتين تضفى التجانس والوحدة على مكونات المجتمع المختلفة التى، وإن تباينت فيما بينها، تشكل أمة متميزة من دون الناس. بالتوازى مع ذلك، حددت هذه التيارات انقطاعات وفواصل تاريخية أرخت للنهضة والانكسار. هذه الفواصل تباينت تبعاً للمصدر الإيديولوجى لهذا التيار أو ذاك. ولم يكن التيار الإسلامى بمعزل عن هذه العملية.

والتجانس فى القراءة الإسلامية منبعه الرئيسى هو الإسلام الذى يتسع فى بعض الدراسات اللاحقة ليصبح حضارة وليس مجرد دين بعينه. فجميع المصريين وفقاً لهذه الرؤية هم منتمين للإسلام كدين أو كحضارة، بما يرتبه من توزيع محدد للأدوار بين كافة "عناصر" هذا المجتمع المتجانس التى تعمل بتناغم. ولحظة القطع الرئيسية فى التصور الإسلامى عن المجتمع المصرى المتجانس الموحد هى إخضاع العالم الإسلامى للاستعمار الغربى وانهيار الخلافة الإسلامية والتى أدت لاختراق هذا المجتمع بمجموعة جديدة من الأفكار والممارسات التى تنتمى لنسق حضارى مختلف ولا تتسق مع تجانس المجتمع المصرى الموحد على الطراز الإسلامى. فى هذا السياق فإن الحركة الإسلامية تميزت عن غيرها من التيارات بأنها لم تقتصر فقط على إعادة خلق الانقطاعات على المستوى التاريخى فى صيرورة المجتمع الإسلامى، ولكنها عمدت كذلك إلى رسم حدود جديدة فى اللحظة الراهنة بين المجتمع المتجانس والغرباء عنه أو الدخلاء عليه، الذين ينتمون إلى زمن مغاير وهو الحداثة الغربية. ومن ثم خلقت هذه العملية توتراً منذ البداية، تمحور حول كل من المرأة والأقباط على أساس أن وجودهم فى المجال العام يعود بشكل لا يحتمل التأويل إلى تأسيس الدولة المصرية الحديثة وانتهاجها برامج إصلاحية على الطراز الغربى.

وحيث أن المرأة شكلت وفقاً لهذه القراءة أحد مواقع اختراق الحداثة الغربية للجسد الاجتماعى المصرى المتجانس، كان من الطبيعى أن تصبح المرأة وقضاياها أحد مواقع الهجوم المضاد الذى ستشنه الحركة الإسلامية على الحداثة الغربية. ومن ثم سينزع التيار الإسلامى فى خطابه منذ البداية إلى عملية ترميز واسعة للمرأة المصرية بوصفها حاملاً للهوية الثقافية للمجتمع المصرى والتى تتحمل مسئولية نقلها للأجيال المتعاقبة. أى أن المرأة تحولت إلى عقدة إعادة إنتاج الهوية المتميزة التى يتجمع حولها المجتمع المصرى بوصفها مربية. وحول هذه الفكرة المحورية أنتج منظرو الحركة الإسلامية فى أطوارها المختلفة أدباً نظرياً ضخماً يتعلق بسلوك المرأة وواجباتها على النحو الذى يؤهلها للعب هذا الدور الخطير. وأعيدت رسم صورة المرأة المسلمة داخل التاريخ الإسلامى الطويل بما يتلاءم مع توزيع الأدوار الجديد هذا.

وقد ساهم هذا التصور، الحداثى فى جوهره (وإن يختلف بالطبع عن كل من التصورات الفقهية التقليدية أو الذكورية الأبوية غير المؤسَّسة على قواعد فقهية- وهى التصورات التى لم تشغل نفسها كثيراً بالمرأة كحامل للهوية الثقافية أو كعضو فى المجتمع) فى التعمية على ما أقرته هذه التصورات من علاقات إخضاع دائمة للمرأة فى المجال الخاص، تراكمت فى أزمنة سابقة على أزمنة الحداثة. أى أن هذا الخطاب الإيديولوجى الحداثى الجديد ساهم فى الإبقاء على علاقات شديدة التخلف فى المجال الخاص، إذ فرض على المرأة وضعاً استثنائياً منذ البداية بوصفها حارساً للتقاليد، ومن ثم ينبغى أن تخضع لرقابة مجتمعية صارمة ومستمرة. هذه القراءة السياسية ستصطدم لاحقاً مع أية محاولة لإعادة النظر فى أوضاع السلطة الأبوية إذا انطلقت من مواقع علمانية، وستفرغ أية قراءة تقدمية قادمة من داخل الخطاب الإسلامى ذاته من مضمونها. هذا النزوع العام لترميز المرأة المصرية كحامل للهوية الثقافية اتخذ أشكالاً متعددة، واختلفت القضايا التى يحضر بشأنها وتكتيكاته ولهجته، تبعاً لتحولات السياسات التى انتهجتها الدولة تجاه المرأة، وكذلك تبعاً لتحولات علاقة الدولة بالخطاب الإسلامى نفسه منذ بداية القرن الماضى. وهو ما سنحاول أن نتعرض له بشكل مختصر فى القسم التالى.

بناء الدولة الوطنية الحديثة:

التضحية بمطالب النساء على مذبح المساومة السياسية

ارتبطت عملية التحديث منذ بدايتها بتأثير النفوذ الغربى على مصر. كانت إصلاحات محمد على تهدف فى التحليل الأخير إلى اللحاق بما حققه الغرب من تقدم غير مسبوق فى مجالات العلوم والاقتصاد. وفى القلب من سياساته التحديثية كان محمد على مدفوعا بالرغبة فى بناء نظام تعليمى حديث على الطراز الغربى، وهو ما أدى إلى نشأة التعليم المدنى الموازى للأزهر وإخضاع الأزهر نفسه لسيطرة الدولة. ولكن الاصطدام بالتفوق الحضارى للغرب بعد هزيمة هذا المشروع فى منتصف القرن التاسع عشر دفع الأرستقراطيات الحاكمة وقطاعات واسعة من المتعلمين تعليماً حديثاً غير دينى إلى الربط بين البعد التقنى المحض لإصلاحات محمد على وضرورة تطوير خطاب عن النهضة المصرية فى العديد من المجالات. بعبارة أخرى تشكلت منذ تلك اللحظة ملامح حركة اجتماعية داعية للإصلاح على الطراز الغربى، وستنمو هذه الحركة بالتوازى مع صعود الشعور القومى المعادى للاحتلال البريطانى لمصر فيما بعد، وستعتبر هذا الإصلاح صنواً للاستقلال.

هذه الحركة الاجتماعية الواسعة ستتمخض عن تيارين رئيسين مع بداية القرن العشرين بشأن عملية الإصلاح تلك: الأول يرى أن الإصلاح أو النهضة لا يمكن أن تتم إلا بالرجوع إلى قيم وتقاليد الإسلام الموروثة والمتداولة فى مؤسسات على رأسها الأزهر، بينما يمكن أن نسمى التيار الآخر تياراً علمانياً. التيار الأول سيرى أن قيم الديمقراطية والحرية الغربية وجدت فى صورتها الصافية خلال دعوة النبى ودولته التى أقامها فى المدينة. وبالتالى تكون العودة إلى الإيمان التقليدى الخالى من البدع والخرافات هى الطريق الوحيد الذى يمكن أن يقود الناس إلى التقدم واللحاق بالغرب. أما التيار الثانى فقد دعا إلى تنحية الدين بشكل عام عن جدل التحديث الجارى والسعى للحاق بشكل كامل بالنماذج الغربية المتباينة القائمة فى هذا الزمن بشأن النهضة.

حُسم ذلك الجدل لمصلحة التيار العلمانى الذى بسط نفوذه منذ بداية القرن على المؤسسات التعليمية والصحف ودولاب الدولة الإدارى. وأدى نجاحه فى السيطرة على مقاليد الدولة والمجال الثقافى إلى اشتداد التباين بين التيارين على الرغم من اتفاقهما فى الأصل الواحد، وهو أفكار مصلحى القرن التاسع عشر. تجلى هذا الاستقطاب فى المجال السياسى بظهور جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 كتتويج لسعى هذا التيار التقليدى إلى الوجود المستقل على غرار التيار العلمانى الممثل بأحزابه المختلفة. مع الوقت اكتسبت التيارات التقليدية نزعة شعبوية دمجت القضية الوطنية بضرورة العودة للإلتزام بالأصول الدينية، أى أن الإحياء الإسلامى لم يعد ضرورة للحاق بالغرب بقدر ما أصبح ضرورة للتحرر من سيطرة هذا الغرب فى المجالين السياسى والثقافى. وقد دفعت جماعة الإخوان المسلمين هذه الفكرة إلى مدى أبعد بتوظيفها فى التعبئة والدعاية السياسية المباشرين. وهكذا تباعدت الصلة بين هذا التيار التقليدى وينابيعه الأولى لدى محمد عبده ورشيد رضا، اللذان تميزت كتاباتهما بنزعة ثقافية وتأسيسية تهدف للإصلاح الدينى بالعودة للأصول وتحرير الدين من الخرافات والبدع وإيجاد صلة حقيقية مع قيم الحداثة تتجاوز منطق الدعاية السياسية القائل بأن الإسلام قد سبق الغرب فى مضمار الحرية والمساواة.

كما أشرنا فى البداية، احتلت المرأة مكانة متميزة فى الجدل الدائر بين التيارين. نزع كل من المحدثين الأوائل، سواء على الطراز الإسلامى التقليدى أو العلمانى الغربى، وكذلك الناشطات النسائيات الأوائل، إلى إحضار قيمة المرأة إلى واجهة الجدل العام حول التحديث من زاوية ضرورة تحرير طاقات المرأة للمشاركة فى عملية النهضة الوطنية. ولكن المرأة دفعت ثمنا غاليا فى الاستقطاب التالى على انبثاق جدل التحديث. فقد أسفرت مساومة التيارات العلمانية الصاعدة، فى سعيها إلى بسط سيطرتها على مفاصل الدولة الحديثة ومجالها الثقافى، مع المؤسسات الدينية التقليدية، إلى إقرار سيطرة التيارات المحافظة على مجال الحياة الخاصة للأفراد، وهو ما يعنى غبنا مضاعفا على النساء بطبيعة الحال. فلم تقترب التيارات العلمانية من أحكام الشريعة الإسلامية الخاصة بالمواريث أو قضايا الأحوال الشخصية بما تضمره من تقنين للهيمنة الذكورية المطلقة على مدى قرون. بل لم تحاول تبنى تفسيرات أكثر انفتاحاً قادمة من داخل نفس المؤسسة الدينية تجنباً لأى صدام سياسى مع التيار المحافظ والحركة الإسلامية التى أخذ خطابها يزداد شعبوية مع الوقت. وبالتالى اقترن الحضور الواسع للمرأة المصرية فى مؤسسات التعليم ومواقع العمل، بل ومواقع الإنتاج الثقافى المختلفة من سينما وصحافة، بالإبقاء على كافة علاقات السلطة الأبوية التى تتحكم فى ذاتيتها كامرأة قائمة لا تمس.

صعود وإنهيار الناصرية وعودة الإسلام السياسى

النساء يدفعن الثمن مرتين

استمرت قضايا المرأة عرضة لهذه المساومة العلمانية الإسلامية مع تأسيس الدولة الناصرية التى دفعت بهذه المساومة إلى آفاق أكثر تعقيداً. قطعت الدولة الناصرية شوطاً أبعد بكثير من نظام ما قبل 1952 فى دمج التيار الإسلامى المحافظ فى مؤسساتها. حاولت الناصرية إعادة تعريف المجتمع المصرى المتجانس ودفع حدود هويته لما هو أبعد من حدود هويته الوطنية فى ضوء ما أطلق عليه عبد الناصر فى فلسفة الثورة دوائر الهوية المتداخلة المصرية والعربية والإسلامية. ومن ثم تراجعت الخطابات العلمانية التى ركزت على هوية الأمة المصرية المتميزة المتطابقة مع حدود دولتها الوطنية داخل المناهج التعليمية، وتم ترشيد لغة الصحافة لتصب فى الاتجاه العروبى الجديد. كما أنه من المعروف تأثر قيادات تنظيم الضباط الأحرار بكل من جماعة الإخوان المسلمين ومصر الفتاة، وكلاهما سعيا لتوظيف فكرة الهوية المتجانسة فى الصراع مع الاستعمار. وتجلى ذلك بتعيين عدد من رموز تلك التيارات فى مواقع الفتوى والشؤون الدينية بالدولة الناصرية مثل الشيخ الباقورى. ولكن على الجانب الآخر، سمحت السياسات الاجتماعية الناصرية لقطاعات واسعة من النساء المصريات بالخروج إلى المجال العام للعمل والتعليم مع التوسع غير المسبوق فى وظائف الدولة التدخلية وسياسات توظيفها.

فإذا وضعنا هذه الثنائية فى سياق سعى الناصرية إلى دمج كافة الشرائح الاجتماعية فى هياكل تعبوية إدماجية تقتسم فوائض النمو مقابل ضبط المنتمين إليها، سندرك إن النساء المصريات قد دفعن ثمنا مضاعفا للسياسة الناصرية فى مقابل مكاسبهن الاجتماعية. فلم تفتقر النساء المصريات فقط إلى الحق فى التنظيم المستقل فى المجال السياسى- حيث تم العصف بالتنظيم النسائى المستقل سريعا بضرب الإتحاد النسائى المصرى- ولكنها أصبحت أبعد عن نيل استقلالها فى المجال الخاص الذى سعت إليه فى الحقبة الليبرالية، نظرا لأن الدولة الناصرية قد استدعت التيارات المحافظة لإضفاء الشرعية على حكمها، وكذلك لمحاججة التيارات الدينية المسيسة التى ظلت عصية على الدمج فى النظام السياسى الجديد. خلقت هذه الوضعية ثنائية واضحة فى الخطاب العام حول المرأة، حيث توزعت مفرداته بين حث المرأة على الاعتزاز بنفسها كمواطنة فى الدولة الإدماجية والالتزام بالقواعد المرعية للإسلام بوصفها عضوا فى جماعة دينية أوسع من هذه الدولة نفسها.

كانت هزيمة 1967 مؤشرا على استحالة الجمع بين التقليدين العلمانى والمحافظ فى عباءة النظام الإدماجية. فهزيمة يونيو هى هزيمة للخطاب القومى العربى الذى وفر أرضية التلاقى المشترك هذه. ومن ثم عاد نزوع التيار الإسلامى الشعبوى إلى التعبير المستقل، خصوصا مع سعى النظام منذ وصول أنور السادات إلى سدة الرئاسة إلى إضفاء مسحة دينية على شرعيته المتآكلة، وكذلك لمواجهة النشاط اليسارى الراديكالى الذى أعقب هزيمة 1967.

على أن الهزيمة فى حرب الأيام الستة لم يعقبها تآكل نفوذ الخطاب القومى فقط، بل سرعان ما أصبحت مقدمة لظهور تناقضات التحديث الناصرى نفسه. أدت سياسات التنمية المعتمدة على التصنيع السريع الذى تقوده الدولة إلى نمو حضرى متزايد ومعدلات هجرة عالية من الريف بالإضافة إلى تضخم جهاز الدولة. مع انهيار نموذج الإحلال محل الواردات نتيجة تخمة جهاز الدولة بالنفقات وعدم قدرته على المنافسة العالمية، انهارت خدمات الدولة ووصل الفساد داخل إداراتها لذرى غير مسبوقة. أصبحت القاهرة وغيرها من المدن الكبرى متخمة بالقادمين من عمق الريف مع تبدد فرص الصعود الاجتماعى يوما بعد آخر. أى أن وحدة المجتمع التى خلقتها الدولة الناصرية بدأت فى التآكل مخلفة وراءها فراغاً لا تقدر أية إيديولوجية ذات أصول غربية على ملئه، لأنها ليست معززة بقوة جهاز الدولة الإيديولوجى. تقدمت الحركة الإسلامية مستفيدة من السماح الملحوظ لها بالحركة لملء الفراغ، فى محاولة لإعادة خلق صورة المجتمع المتجانس المتوحد حول التقاليد والهوية الإسلامية الأصيلة.

هنا يكمن الاختلاف الأهم عن الصعود الإسلامى الأول فى العصر الليبرالى، الذى كان بمثابة محاولة لتقديم إجابة مختلفة على سؤال التحديث، أى كيفية تحقيق نهضة وطنية بالعودة إلى الأصول الأولى التى تتجلى بها قيم الحرية والديمقراطية. أما الإحياء الإسلامى الثانى مع منتصف السبعينيات فكان محاولة لتقديم طوق نجاة لضحايا هذا التحديث على الطراز الغربى بعد أن أثبت فشله وخطأ توجهاته. وهو ما سيجعل نقده لمفردات هذا الخطاب التحديثى الغربى أكثر عنفاً وسيضفى عليه مسحة هوياتية تصور نفوذ هذا التيار فى الدولة على أنه نفوذ غربى يخترق المجتمع الإسلامى الموحد. وفى القلب من مظاهر هذا الاختراق تقع مكانة المرأة المتميزة نسبيا التى حصلت عليها خلال العهدين الليبرالى والناصرى، والتى ستسعى الحركة الإسلامية إلى الانقلاب عليها فى سياق استعادة المرأة لدورها المفترض فى هذا المجتمع الإسلامى المتجانس كربة أسرة حاملة للهوية الثقافية الإسلامية وناقلة لها للأجيال لتالية. وهكذا فإن السيطرة التى تبدو منطقية للتيار الإسلامى على المجال الخاص مع بداية القرن، والتى تكيف معها التيار العلمانى من قبيل المساومة السياسية، سيتم إبرازها بوصفها سلاحاً فى معركة سياسية. بعبارة أخرى، انتقل التيار الإسلامى من مرحلة الدفاع عما تبقى من نفوذ فى دولة تتسارع عملية علمنتها إلى الهجوم على مواقع متميزة احتلتها المرأة نتيجة للتحديث المتسارع، مثل العمل والخروج إلى المجال العام كالمسارح والسينما. وستتبلور خلال هذه الفترة نظرة فى صفوف الحركة الإسلامية تعتبر مجرد وجود المرأة فى المجال العام خلال فترة التحديث الطويلة تحديا رمزيا للمجتمع الإسلامى وللسيطرة الذكورية الأبوية الكامنة فى قلبه.

تجلى هذا النزوع فى أصفى صوره خلال المعركة الضارية التى خاضتها الحركة الإسلامية على اختلاف تلاوينها ضد قانون الأحوال الشخصية الجديد لعام 1979، والذى أدخل تعديلات وُصفت بأنها جذرية على حقوق الرجل فى الطلاق. استمرت هذه المعركة حتى تم تعديل هذا القانون بشكل قلل من تأثير ما وُصف فى وقتها بالتغييرات الجذرية. أقدمت الدولة المصرية على استصدار هذا التشريع كجزء من محاولاتها الدءوبة فى نهايات عهد السادات للحاق بالمعسكر الغربى والتخلص من النفوذ الإسلامى الذى أصبح مثيراً للقلق. على أن أحد أهم الدلالات الرمزية لهذه المعركة تجلى فى أن أى صدام حول قضايا المرأة سيستهدف فيما بعد المجال الخاص فى المقام الأول بوصفه المجال الذى بالغت الحركة الإسلامي فى ترميزه ودفعت به دفعا إلى المجال العام فى سياق محاججتها ضد الغرب، فأصبح هو الآخر فى مرمى نيران القوى العلمانية بعد أن كانت تتحاشى الاقتراب منه حفاظاً على مساوماتها السياسية.

النساء يتبنين الخطاب الإسلامى:

استبطان الخطاب المحافظ فى عملية المساومة داخل نفس علاقات القوى القائمة

إذا تركنا الجدل العام قليلاً سنجد أن استقبال النساء للخطاب الإسلامى الهوياتى لم يتمثل فى شكل خضوع طبيعى على طول الخط، بل كان على درجة عالية من التركيب. فقد تم استدخاله ليلعب دوراً فى الحياة اليومية للمرأة المصرية كما تحياها بالفعل، لا ليلعب دوراً جذرياً فى تغيير هذه الحياة نفسها لتصبح أكثر اتساقاً مع النموذج الإسلامى المقترح أو فى اتجاه الفكاك من أسر العلاقات الأبوية التقليدية الحاكمة لتوزيع الأدوار والمكانات فى المجال الخاص. بعبارة أخرى، كان تبنى المرأة للخطاب الإسلامى بمثابة محاولة منها لتحسين شروط التفاوض فى سياق علاقات قوى غير مواتية، بغير سعى للفكاك منها، وهو ما سيؤدى إلى تغيير مجرى الخطاب نفسه على المدى البعيد منذ نهاية الثمانينيات تقريباً حتى الآن.

المثال الأبرز على ذلك يتعلق بظاهرة الحجاب نفسها. لا يمكن أن يمثل الانتشار غير المسبوق للحجاب مجرد علامة على الخضوع المتزايد الطوعى للخطاب الإسلامى بشأن المرأة. على العكس، لا يمكن قراءة هذا الخطاب إلا فى سياق سعى النساء المصريات إلى موائمة وجودهن المتزايد فى المجال العام مع عدد من الاعتبارات.

أولاً، كان الانتشار الواسع للحجاب مع بداية الثمانينيات فى أوساط بنات الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى فى الجامعة محاولة للالتفاف على واقع التمايز الطبقى الصارخ الصاعد فى الساحة الجامعية. خلقت سياسات السادات الانفتاحية تمايزاً شاسعاً داخل صفوف الطبقة الوسطى نفسها بين شرائحها العليا المرتبطة بالمواقع الجديدة لاقتصاد السوق وبين القطاعات التقليدية للطبقة الوسطى القادمة فى الغالب من خارج القاهرة، والتى نُسيت تقريباً فى قلب هذه التحولات الراديكالية. اقترن ذلك بشيوع هوس استهلاكى نتيجة الانفتاح المفاجئ على العالم الغربى وتدفق الفوائض الخليجية الريعية داخل الاقتصاد المصرى، وهو ما جعل الملبس أحد أهم آليات التمييز الطبقى فى صفوف الطبقات المتوسطة. وإذا أخذنا فى الاعتبار عدم انتشار ظاهرة الجامعات الأجنبية والخاصة فى تلك الفترة، والتى ستهاجر إليها قطاعات الطبقة الوسطى العليا فى زمن لاحق، سيبدو المشهد فى الجامعات الحكومية خليطا غير متجانس، يولِّد شعوراً دائماً بالإحباط لدى الأغلبية الساحقة المنتمية للشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة غير القادرة على مجاراة الهوس الاستهلاكى الجديد. من هذه الثغرة ستنفذ ظاهرة الحجاب بوصفها ممارسة حاسمة قادرة على إضفاء تجانس واسع وتماثل غائم بين جميع الطالبات اللاتى ترتدينه، كما أنه قادر على إخفاء الأصل الاجتماعى ومماهاته. من جهة أخرى سيشكل الحجاب حلاً مؤقتاً لمعضلة الشعور بالدونية لدى بنات الطبقة الوسطى ويحوله إلى شعور زائف بالتفوق الأخلاقى فى المجال العام.

ثانياً، شكَّل الحجاب مقدمة لانخراط المرأة فى المجال العام واقتسامه مع الرجال فى مواقع العمل والدراسة مع تجنب النظر إليها كموضوع للجنس. الحجاب، أو الزى المحتشم بشكل عام، أصبح علامة على حس عملى يخرج بالعلاقة بين الرجل والمرأة عن سياقها الحسى أو العاطفى إلى مجال آخر لا مكان فيه لهذه "التهويمات". ومن جهة أخرى كان الحجاب بمثابة مساومة داخل نطاق الأسرة للسماح بالخروج للمجال العام أصلاً، نظرا لأن هذا الزى يعتبر إقراراً بواقع الهيمنة الأبوية التى ينبغى الانصياع لها بدءاً كشرط للخروج من المنزل. الواقع أن اهتزاز المركز الذكورى فى الأسرة نتيجة مشاركة المرأة فى الإنفاق، بل وتوليها الإنفاق بالكامل فى نسبة يعتد به من الحالات، ولد تشبثاً متوتراً بغطاء الرأس بوصفه أحد العلامات المتبقية الممكن إبرازها أو الإفصاح عنها بصدد الهيمنة الذكورية المطعون فى أسسها المادية.

وتعكس الإستراتيجيتين نزوعاً إلى تبنى الخطاب الإسلامى فى سياق مساومة تعترف بواقع علاقات السلطة القائمة ولا تسائلها، وإنما تلتف عليها: الأولى طبقية والثانية أبوية. وفى الحالتين تقدم المرأة تنازلاً بصدد هويتها كنوع فى سبيل الحصول على مكاسب فى المجال العام. أى أننا لسنا بصدد محض ممارسات رجعية محافظة، ولكننا أيضا لسنا بصدد أى مظهر للمقاومة أو الاحتجاج على واقع الهيمنة الطبقية والأبوية/ الذكورية.

على أن العديد من المتغيرات ستطال عملية المساومة تلك وتصل بها إلى حدودها، وأهمها على الإطلاق أن شيوع الحجاب فى أوساط الطبقة الوسطى الوسطى والطبقة الوسطى العليا نزع عنه سمته الأهم، وهو قدرته على إخفاء الأصل الاجتماعى. فأصبح تخمين الأصل الاجتماعى ممكنا بين المحجبات أنفسهن، وليس فقط بين المحجبات ومن عداهن. وقد أدى هذا التغير المهم إلى ظهور طبعات جديدة من الخطاب الإسلامى حول الحجاب ينزع عنه صفته النضالية ويحوله إلى زى تقليدى تلتزم به نساء مصر جميعاً.

خلاصات وأجندة للمستقبل:

أثبت العرض السابق أن التنافس بين التيار التحديثى العلمانى والتيار الإسلامى المحافظ فى المرحلة الليبرالية، وبعد 1952 بين الدولة وتيار الإسلام السياسى، لم يكن فى مصلحة المرأة على الإطلاق. تم استدعاء قضايا المرأة لتصبح على المحك فى سياق الجدل بين التيارين وأصبحت موضوعاً للصدام والترميز، ومن ثم للمساومة. فمع ثورة 1919 أدى سعى التيار العلمانى للسيطرة على المجال العام ومفاصل الدولة إلى الإقرار بهيمنة التيارات الدينية على المجال الخاص للمرأة، فترك قضايا الميراث والأحوال الشخصية قائمة لا تمس. ومع الحقبة الناصرية حازت النساء المصريات على مكتسبات واسعة على صعيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولكنهن خسرن، مع فئات وشرائح اجتماعية أخرى، العديد من الحقوق المدنية والسياسية. ومن ثم غُبنت المرأة المصرية مرتين. ومع الصعود الثانى للتيارات الإسلامية أصبحت المرأة رمزياً على خط المواجهة مع الحضارة الغربية. فالمرأة أصبحت من جهة حجر الزاوية فى بناء المجتمع الإسلامى، ومن جهة أخرى الممر الذى يمكن أن يحدث الاختراق الغربى عن طريقه. ولكن فى كل الأحوال كان تبنى المرأة للخطاب التقليدى يهدف إلى تحسين شروط مساومتها داخل نفس علاقات القوى القائمة.

على هذا النحو، لم يكن الحضور الإسلامى فى صالح المرأة بشكل عام. ولكن هذا الحضور أدى من حيث لا يدرى إلى إيجابيات قد تظهر آثارها فى المستقبل القريب وينبغى للتيار الديمقراطى الصاعد أن ينتبه لها عند صياغة استراتيجياته:

من جهة أولى، كان موقف التيار الإسلامى المغالى فيه من قضايا المجال الخاص مبرراً لدفع هذه القضايا لأن تحتل الأولوية على جدول أعمال الحركات النسائية فى الثمانينيات، بعد أن كانت الأخيرة مشدودة للنموذج التنموى الناصرى الذى ركز على تعليم الفتيات ودمجهم فى البنية الاقتصادية ورفع مستواهم المهنى.

وعلى الجانب الآخر، دفع اهتمام الخطاب الإسلامى المتزايد بقضايا المرأة هذه القضايا نفسها إلى الصدارة فى أجندة القوى المناهضة للحركة الإسلامية، والساعية إلى بلورة بديل ديمقراطى، وهو ما لم يكن عليه الحال حتى سبعينيات القرن الماضى. بعبارة أخرى، شكل الموقف الإسلامى من قضايا المرأة أحد المرتكزات المحورية لعمل التيار الإسلامى التى ينبغى تقويضها إذا كان السعى صادقاً لبناء بديل ديمقراطى جذرى وشعبى فى الوقت نفسه.


نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 14:47.

رد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Copy the characters (respecting upper/lower case) from the image.