|
صوت ديمقراطي جذري
|
||
نضالات المرأة المصرية عشية إنطلاق حديث التغيير: مائة عام من الإرتباط بالقضية الوطنية "الملامح والحصاد"مركز دراسات المرأة الجديدة
يمكننا أن نستخلص من عرضنا، ومن العروض والدراسات التاريخية الأخرى، أن وضع المرأة فى الخطاب الاجتماعى الرسمى أو الخطاب التاريخى والسياسى لم يتجاوز إطار الأدوار الأسرية والتربوية عدا لحظات نادرة (أثناء الثورات والتحولات الاجتماعية الكبرى –مثل ثورة 1919 و1952 -إلى حد ما)، لتعود المرأة بعدها إلى الأطر التقليدية ذاتها، بل وترتفع الأصوات تطالبها بالعودة لهذه الأدوار التى طالما حاربتها. ولكن سرعان ما يتم تجاوز فترات الإحباط لتجدد المرأة أساليب مشاركتها فى المجتمع وتتحول إلى عنصر أساسى فى التحضير والتمهيد والتنظيم للتحولات الاجتماعية المطلوبة. تتناول هذه الدراسة المختصرة ثلاث فترات تاريخية ترى أنها حددت إلى حد كبير وضع قضايا المرأة الراهن فى الجدل العام: من عام 1879 إلى عام 1952 ومن عام 1952 إلى فترة السبعينات ومن الثمانينات حتى نهايات القرن العشرين. وقد اخترنا تحديد البداية التاريخية بعام 1879 لأنه عام ظهور قاموس السير الذاتية للنساء للكاتبة مريم النحاس المعنون "معارض الحسناء فى تراجم مشاهير النساء"، إيمانا منا بأن اللغة والكلمة انعكاس لدرجة الوعى، وبالتالى يمكن التأريخ لبداية ظهور إرهاصات الوعى النسوى بهذا العام. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل التواريخ الخاصة بالنساء –عندنا- لم تحظ بقدر من الاتفاق العام. ربما لأن نشاط المرأة- على مدار الزمن – لم يجد مكانه فى التأريخ للأحداث الرئيسية، بل كان -باتفاق المؤرخين – لا يبتعد عن المكانة الثانوية! ومن ثم كان على الحركة النسوية أن تؤرخ لنفسها.
المرأة فى إطار المجتمع المدنى والدولة من 1879 إلى 1952 قرب نهاية القرن التاسع عشر بدأت المرأة تعبر عن أفكارها وتطرح قضاياها بأشكال متنوعة: الشعر والنثر ومعاجم للسير الذاتية للنساء، ومقالات الصحف. فقد ظهرت نصوص رائدة عديدة أنتجتها نساء على مدى خمسة عشر عاما قبل الجدل حول قضية المرأة المنسوب إلى قاسم أمين. عند الحديث عن ظهور وعى نسوى نحتاج أيضا للنظر إلى ما كان متوقعا من مختلف أنواع النساء وما كان يعمل لتحقيق تلك التوقعات. "بالنسبة للرأسمالية وملاك الأراضى الأجانب والمحليين، كانت النساء تمثل العمالة الأرخص فى الزراعة والصناعة. وبالنسبة للسلطات الكولونيالية والإرساليات كان يتعين تعليم النساء المحليات بحيث يصبحن زوجات وأمهات صالحات (والأفضل مسيحيات) لكوادر المهنيين والموظفين الذين كانوا يتدربون لتشغيل الاقتصاد الكولونيالى. أما بالنسبة للإصلاحيين الذكور من البرجوازية المحلية، فقد احتاجت النساء لقدر مناسب من التغريب والتعليم من أجل تحسين الصورة الحديثة والمتحضرة لبلادهن وأنفسهن، ولكى يمارسن تأثيرا جيدا على الجيل التالى. هكذا نمت المطالبة "بربات بيوت متحضرات" لتحتل موقعاً متميزاً على جدول أعمال الدولة الحديثة. ومن بين التبعات الناتجة عن ظهور هذه الأولوية، حصول النساء من خارج الطبقات العليا على فرص أكبر للتعليم؛ فقد أنشأت الدولة مدارس للذكور والإناث (كجزء من مخططها التحديثى)، وكذلك الإرساليات التبشيرية. وقد سمح توسع التعليم النسبى لنساء من طبقات وشرائح متباينة، خصوصا من الطبقة الوسطى، بانخراطهن فى الجدل العام، وبالتالى لم تبق المشاركة النسوية محصورة فى نساء الطبقات العليا اللاتى تعلمن العربية والفرنسية والتركية فى منازلهن تحت إشراف معلمين خصوصيين. وتدريجيا راحت الحركة تتوسع وحصلت نساء الطبقتين العليا والوسطى على الشهرة والدعم المالى والشرعية برعاية القصر، فظهرت فى هذا السياق المنظمات الخيرية النسائية التى قامت فى نهاية القرن الماضى على أسس طائفية ودينية -لأن تبلور الهوية الوطنية الجامعة كان لا يزال فى طور التشكل- مثل الجمعية الخيرية للسيدات المارونيات، وجمعية "يد المساعدة النسائية الخيرية"، والجمعية الخيرية النسائية بالإسكندرية، والجمعية الخيرية للسيدات السوريات بطنطا، والجمعية النسائية القبطية بالفيوم- على سبيل المثال لا الحصر. وقد ركزت تلك المنظمات على أنشطة تعليم الفقراء، ورعاية الأيتام، ومساعده الفتيات الصغيرات. وبالإجمال كانت تلك الأنشطة تتجنب عن وعى النشاط السياسى. ويرى البعض أن انخراط النساء فى العمل الخدمى الطوعى لا يمثل جديداً يعتد به، إلا أن استكمال الصورة بإضافة توسع دور الصحافة النسائية وحضور النساء فى مجال التداول الثقافى بالمجمل يعزز الاعتقاد بأن الدافع وراء تلك المنظمات المبكرة (التى يمكن أن نسميها منظمات طوعيه خاصة) قد عكس رغبة النساء فى دخول المجال العام باستخدام طريقه مشروعة ومقبولة اجتماعيا- أى العمل التطوعى - لمساعدة الفقراء والمحرومين.
ثورة 1919 فى أعقاب نفى سعد زغلول، وغيره من زعماء الوفد، لعبت النساء دورا محوريا فى تعبئة الناس وتنظيمهم فى المظاهرات، التى شاركن فيها برغم المضايقات التى تعرضن لها نتيجة لكونهن نساء، بالإضافة إلى الأشكال الأخرى من القمع الذى تعرضن له مع زملائهن الرجال. ونتيجة لتمسكهن بالمشاركة الجادة فى هذه القضية – أى قضية الوطن – شكلن بعد ذلك لجنة للعمل جنبا إلى جنب مع الوفد، ويعد ذلك تحولا عن التصميم السابق لتجنب كافة الأمور السياسية، وهو التطور الذى توج بتشكيل اللجنة المركزية للنساء الوفديات بالكنيسة فى 8 يناير 1920 والتى انتخبت هدى شعراوى رئيسة لها. كان الوفد قد قطع على نفسه عهدا بإعطاء النساء حق التصويت متى بلغ السلطة، تقديرا لمشاركتهن فى النضال من أجل تحرير البلاد. ولكن عندما عاد البرلمان إلى الانعقاد وتمت صياغة دستور جديد، أهمل الوفد وعده، بل لم تتم دعوتهن لافتتاح البرلمان، بينما وُجِّهت الدعوة لزوجات المسئولين البريطانيين. ولعل هذه كانت لحظة تفجر إدراك بعض النساء بأن تلبية احتياجات النساء ومطالبهم يتعين أن تتجه نحو الاعتماد على الذات بمعزل عن الخطاب الوطنى المتسلط الذى خذلهن.
الاتحاد النسائى المصري: طريق منفصل تأسس الاتحاد النسائى المصرى فى 16 مارس 1923 على يد العديد من عضوات اللجنة المركزية للنساء الوفديات، فى منزل هدى شعراوى، وتشكل من نساء أقباط ومسلمات من الطبقات العليا والوسطى. وفقا للائحة الاتحاد. فمن بين العضوات المؤسِّسات هدى شعراوى، وإحسان القوسى، وجميلة أبو شنب، وسيزا نبراوى، وعزيزة فوزى، ومارى كحيل. "فى هذا الاجتماع، ولد الاتحاد مع المطالبة بحق الاقتراع للنساء..."، وهو ما يعكس اختلافا عن الشعور السابق بأن النساء غير معنيات بالسياسة أو بحق التصويت. وربما أمكن تفسير هذا الموقف بغضب النساء إزاء حرمانهن من حق التصويت على يد رجال الوفد. كما يمكن، من جهة أخرى، النظر إلى تأسيس الاتحاد كنقطة تحول، لأنه جمع بين المطالب النسائية العامة والخاصة على جدول أعماله. فالنضال من أجل حق الاقتراع لم يكن أبدا النشاط الأساسى للاتحاد النسائى المصرى، بل كان واحدا من مطالب عدة. غير أن التحالف بين نشطاء الحركة الوطنية والحركة النسوية لم ينفض برغم شعور الاتحاد النسائى المصرى بخذلان الوفد له، فظل الاتحاد يستخدم المطالب الوطنية إطارا لمواقفه. وانقسمت مطالب الاتحاد إلى ثلاثة أقسام: سياسية (وطنية أساسا) واجتماعية ونسوية. ويشير ترحيل المطالب النسوية إلى المؤخرة إلى أن المؤسِّسات وضعن حقوق النساء فى وضع هامشى، وداخل إطار المطالب الوطنية. وكانت ملك حفنى ناصف قد استخدمت الحجة الوطنية، أى مصلحة الوطن، فى الدعوة لتعليم النساء، كما استخدمتها نبوية موسى فى الدفاع عن حق النساء فى العمل. وشملت أنشطة الاتحاد الدعوة والضغط من أجل مطالب النساء (إصلاح قانون الأحوال الشخصية والأجر المتساوى وشروط العمل الجيدة والحق فى التعليم والحق فى الاقتراع)، كما أدار الاتحاد عدة برامج للنساء فى مناطق عديدة من مصر، وهى برامج وفرت الخدمات مع بعض التوجهات الخيرية. وقد حرص الاتحاد على امتداد حياته على تجنب إثارة عداء الحكومة والمؤسسات الدينية، وتقديم مطالب النساء فى إطار الشريعة الإسلامية. وكان من شأن هذا الموقف وضع قضية المرأة فى إطار إشكالى، فقد كان "الربط القوى بين الأصالة الثقافية والإسلام معناه أن الخطاب النسوى كان بإمكانه أن يواصل مسيرته فى أحد طريقين لا ثالث لهما: إما إنكار أن الممارسات الإسلامية قهرية بالضرورة أو تأكيد أن الممارسات القهرية ليست بالضرورة إسلامية".
الثلاثينيات: تعدد الأصوات والاتجاهات مع نهاية العشرينات وأوائل الثلاثينات نشهد تيارات جديدة تنمو فى أوساط جماعات نسائية فى ظل شخصيات قيادية جديدة. ويرجع هذا الوضع إلى التحولات الاجتماعية والسياسية فى المجتمع المصرى آنذاك. فمن ناحية، زاد عدد النساء اللاتى دخلن مجال التعليم والعمل؛ مما خلق الشروط الموضوعية لتواجد أعداد كبيرة من النساء فى ساحة الحياة العامة والمهنية؛ ومن ناحية أخرى شهد المجتمع تعدد الاتجاهات السياسية والرؤى الاجتماعية، التى انعكست بدورها على الحركة النسائية المتنامية. ويمكن أيضا أن نستخلص أن أفول عهد الاتحاد النسائى كالقطب الأوحد للحركة النسائية قد تأثر، بجانب الشروط الموضوعية المحيطة، بما يمكن أن نسميه كسادا داخليا؛ حيث أصبح تركز اهتمامه فى النشاط الخيرى والخدمى عنصر طرد لكثير من العناصر الجديدة. إلا أن السمة المشتركة بين الاتجاهات الجديدة، على اختلافها، تتمثل فى استمرار الربط بين قضية تحرير النساء والخطاب الوطنى السائد ومحوره تحرير الأمة، برغم الانتكاسات التى واجهتها النساء فى السابق إزاء الخطاب الوطنى. وبهذا الصدد يمكن طرح تساؤل حول مدى استطاعتهن تغيير مفهوم الوطنية، وبالمقابل، مدى تأثير هذا الإطار على حركتهن. هل كان هذا الخطاب وسيلة من جانبهم لاسترضاء الحكومة، باستخدام خطاب يزعم من الناحية الأساسية أنه فى خدمة البلاد - أم أنه يعكس قضية جوهرية بالنسبة للنساء، وهى محاولتهن للتعبير عن هويتهن المتنازعة بين قضايا "متنافسة" فى المجتمع مثل القضية النسوية والقضية الوطنية. أحد أهم الاتجاهات الجديدة التى أثرت فى النضال النسوى فى تلك الفترة كان الاتجاه الإسلامى المرتبط عضويا بجماعة الإخوان المسلمين بزعامة رائدته "زينب الغزالى"، التى أسست جمعية النساء المسلمات فى 1937 وهى فى الثامنة عشرة من العمر. وهى تلخص خلافها مع حركة هدى شعراوى على أساس أنه "من الخطأ الفادح الحديث عن تحرير المرأة" فى مجتمع إسلامى حيث أن "كل شيء، الحرية، الحقوق الاقتصادية، الحقوق السياسية، الحقوق الاجتماعية، والحقوق العامة والخاصة"، كل ذلك موجود فى الإسلام. وترى زينب الغزالى أن أهمية النساء تنبع من دورهن فى تربية رجال البلد فى المستقبل. وتشبه هذه الرؤية رؤية المصلحين الذكور فى أوائل هذا القرن، وهى الرؤية التى ستستمر لتدمغ أطروحات التيارات الإسلامية على تنوعها بشأن قضايا المرأة خلال مرحلة الصعود الثانى للتيارات الإسلامية المحافظة مع منتصف السبعينيات. ركزت أنشطة هذه الجمعية فى قسم كبير منها على جلسات الوعظ والإرشاد التى كانت تُعقد دوريا لتنوير النساء حول السلوك الفاضل والوفاء بالواجبات التى يفرضها اللـه عليهن. وكان هذا الفعل الإسلامى الذى يبدو محافظا يهدم التقاليد فى الواقع.. ففى مركز الوعظ والإرشاد كان النساء يتلقين الدروس فى التفسير والفقه والحديث، فضلا عن الحصول على خبرة فى العمل الاجتماعى والتعليم. وكان هذا التدريب الدينى مرتبطا بالعلماء، ولكنه كان فى نفس الوقت يهدم التقاليد بفتح هذا المجال المغلق على الذكور أمام النساء. وقد كتبت زينب الغزالى نفسها تفسيرا للقرآن، تحت عنوان "نظرات فى كتاب اللـه". كما تمثل هذه الجمعية تيارا جديدا فى تنظيم النساء لأنفسهن، من حيث أن صاحبته كانت وثيقة الصلة بالإخوان المسلمين، ولكنها حافظت أيضا على استقلالها. وكانت منظمات أخرى فى السابق قد ذابت فى نظرائها من الذكور أو تكونت بطلب منهم (كما كان الحال بالنسبة لحزب العفاف اللطيف واللجنة المركزية لسيدات الوفد). على الجانب الآخر ترك موت هدى شعراوى فى 1947 الاتحاد بلا قيادة. وظهرت على الساحة منظمات جديدة واصلت النضال من اجل حق الاقتراع، مثل اتحاد بنت النيل الذى أنشأته درية شفيق (1908-1975)؛ وتكوين الحزب النسائى بقيادة فاطمة راشد عام 1942 مناديا بحقوق النساء السياسية. ووفقا لدرية شفيق فإن "حق التصويت جنبا إلى جنب مع تغيير النظام الاقتصادى الاجتماعى الذى يمثل أساس قهر النساء كان يتعين أن يكونا هدفى الحركة النسائية." وقد ركزت رسالة بنت النيل على نقطتين: الأولى: السعى إلى رفع مستوى الأسرة المصرية ثقافيا واجتماعيا وصحيا؛ والثانية: السعى إلى إصدار التشريعات التى تحقق تدعيم الأسرة المصرية وتجنيبها عوامل الانقسام والتفكك، وذلك عن طريق تقييد الطلاق وتعدد الزوجات بحيث يقتصر على الضروريات التى تجيزهما. وانحصرت وسيلتها فى تحقيق هذه الأهداف فى السعى لتقرير حق المرأة فى الانتخاب والنيابة عن الأمة لتتمكن من المساهمة فى إصدار التشريعات الذى تكفل هذه الحقوق.
الأربعينيات: البعد الطبقى والمهنى والوطنى شهدت الثلاثينيات من القرن العشرين توسعاً ملحوظاً فى أجندة النضالات النسائية لتشمل مطالب تخص كفالة الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمرأة فى أماكن العمل أو فى المجال العام بالمجمل. على أن فترة الأربعينيات ستشهد لأول مرة أشكالا من التعبئة النسائية المتميزة والمستقلة للمطالبة بهذه الحقوق. ففى فبراير 1946 شاركت رابطة العاملات المصرية فى تكوين اللجنة الوطنية للعمال والطلبة مع نقابات وجمعيات أخرى. وكانت هذه أول منظمة للنساء العاملات فى مصر وقادتها حكمت الغزالى، وهى عاملة نسيج من شبرا الخيمة. ومن خلال هذه النقابات والجمعيات بدأت النساء من كل الطبقات فى تمكين أنفسهن وحماية مصالحهن، وكذلك مصالح أمتهن من خلال التوحد فى جماعات. وربما نستطيع أن نزعم أن دخول النساء من مختلف الطبقات إلى مكان العمل ساعد على نشر مبادرات النساء ومنظماتهن على امتداد البلاد، وكذلك على دمج مختلف الطبقات داخل حركات أوسع. وخلال هذه الفترة كانت السمة الأساسية هى الوجود القوى للشرائح المتوسطة والدنيا من نساء الطبقة الوسطى، بخلاف النمط السائد فى أوائل القرن. كانت الروح الاجتماعية شديدة الشيوع بين الطلاب الذين مالوا لليسار خلال الأربعينات. وانخرطت الطالبات مثل إنجى أفلاطون ولطيفة الزيات فى الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد، ومثلن تيارا جديدا فى الحركة النسائية سعى إلى ربط مطالب تحرر المرأة بتحرر المجتمع من كافة أشكال الاستغلال والاستعمار وتحقيق الاشتراكية. وكانت إنجى أفلاطون مندوبة رابطة فتيات الجامعة والمعاهد المصرية (منظمة للنساء الشيوعيات) فى المؤتمر العالمى للمرأة بباريس فى 1945. وتركزت مطالب الحركة فى الجلاء ورفض الأحلاف العسكرية ورفض معاهدة الدفاع المشترك. تعكس هذه المطالب إخضاع هؤلاء النساء لقضيتهن للقضية الأكبر المتعلقة بتحرير الأمة. إلا أن النساء أصبحن أعلى صوتا خلال الأربعينات، كما أصدرن كتابات عدة عن وضع المرأة المصرية المتدنى فى المجتمع. وتتذكر لطيفة الزيات المضايقات التى تعرضت لها على يد الطلاب المنتمين للتيارات الإسلامية الجامعة. "حاولوا تشويه سمعتي- وصفونى بأننى داعرة وأشياء من هذا القبيل". على أن هذا لم يمنع هؤلاء النساء من الانخراط فى الحركة الثورية بالمجتمع وأن يصبحن عنصرا فعالا فى تنظيمها.
1952 حتى نهاية السبعينات: عهد سيطرة الدولة تعتبر هذه الحقبة نقطة تحول أساسية فى مسار الحركة النسائية ومطالبها، فلم تعد الحركة النسائية وتنظيماتها التى تأسست فى الفترة السابقة ودافعت عن القضية الوطنية والقومية - وناضلت فى نفس الوقت من أجل حقوق المرأة – مرغوبا فيها من قبل الحكومة الجديدة. وبالتالى توقفت أصوات الحركة النسائية التى تعرضت تنظيماتها الأهلية إلى التجميد والحل، جنبا إلى جنب مع تعرض كل التيارات الفكرية والسياسية - الليبرالية والإسلامية واليسارية - إلى الاعتقال والقمع. صحيح أن إسماعيل صدقى فرض أولى القيود على الحركة النسائية المصرية (اليسارية) فى عام 1946 حين حل كل المنظمات اليسارية بما فى ذلك مكاتبها النسائية، إلا أن عام 1953 مثل نقطة تحول هامة حين أغلق الضباط الأحرار مكاتب الاتحاد النسائى المصرى واتحاد بنت النيل بدعوى أنهما حزبان سياسيان. وبحلول عام 1954 اتخذت الحكومة الجديدة إجراءات حاسمة لصالح مركزية السلطة، ثم تم حل الاتحاد النسائى بشكل نهائى عام 1956 وحل محله التنظيم النسائى بالاتحاد القومى، ثم التنظيم النسائى بالاتحاد الاشتراكى، اللذان أقيما على التوالى بقرار من السلطة بديلا لهيئة التحرير فى عامى 1958 و1963 على الترتيب ولم يكن لأيهما وجود مستقل متميز عن أجهزة الدولة. ولوقت طويل منذ تلك الفترة وحتى أوائل السبعينات سيكون الحزب الواحد ومكاتبه الشكل التنظيمى الوحيد المطروح للنساء المصريات. برغم القيود الشديدة على حق التنظيم المستقل التى فرضها النظام على الجميع، بما فى ذلك الحركة النسائية المصرية، لم يكن النظام معاديا لولوج المرأة إلى المحيط العام أو لإعطائهن حق المشاركة السياسية فى الحدود التى سمح بها بهذه الحقوق بوجه عام. ولكن النظام كان يحتاج من ناحية أخرى إلى ترويض المشاركة النسائية بحيث تنسجم مع البرنامج السياسى والاجتماعى والاقتصادى للنظام الجديد وتكوين قيادة نسائية جديدة أكثر قبولا وتأقلما مع الرؤية الاجتماعية والاقتصادية الجديدة. وبالتالى أدمج النظام جانبا من الأجندة المطلبية لنساء الطبقة المتوسطة كمكون فى برنامجه الاجتماعى التقدمى، وأسفر ذلك عن مجموعة من الإجراءات الاقتصادية والسياسية توصف فى بعض الأحيان - خطأ فى نظرنا- بالأجندة النسوية للدولة، خاصة لأن اثنين من هذه المطالب كانت تستجيب تماما لاحتياجات الدولة من النساء، وهما حق العمل وحق المشاركة فى الحياة البرلمانية. ومن أجل تدعيم القوى الإنتاجية بتشغيل النساء سعى النظام إلى إجراءين: أولهما خلق قيادة نسائية جديدة من بين الجامعيات اللاتى ينتمين إلى نفس الأصول الطبقية للضباط الأحرار –الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى. وفى عام 1962 عين النظام الدكتورة حكمت أبو زيد كأول وزيرة للشئون الاجتماعية، وهو منصب أصبح منذ ذلك الحين مرتبطا بالعديد من شئون النساء. وثانيهما إصدار تشريع يحمى حقوق النساء العاملات. إضافة إلى ذلك تم تجنيد كوادر نسائية فى صفوف الاتحاد الاشتراكى العربى كما نجحت عدد من النساء فى الوصول إلى مقاعد البرلمان. من هنا أصبحت علاقة النظام بالقطاع النسائى وثيقة الصلة بعلاقة النساء بالحزب الحاكم الواحد، مما جعل المبادرات النسائية كلها تصدر من هذا التكوين الحزبى دون أن تكون هناك مساحة تسمح بتشكيلات أخرى سياسية أو اجتماعية. فى هذا السياق، أسست الحكومة العديد من الجمعيات – تحت إدارتها هذه المرة - وعينت موظفين حكوميين للعمل بها. وكانت إحدى النتائج الأخرى لمنع حق التنظيم المستقل هى حرمان الفئات المهمشة من النساء التى لم تجد تعبيرا سياسيا عنها، نظرا لأن كثيرا من احتياجاتها لم يتضمنها البرنامج السياسى لثورة يوليو، التى كانت تخاطب فى الأساس الطبقة الوسطى المصرية. فالإصلاح الزراعى على سبيل المثال لم يخاطب سوى الرجال واستثنيت من الاستفادة منه النساء إلا فى حالات نادرة، مثل حالات الأرامل اللاتى تعلن أبناءً قصر. أما النساء المعيلات لأسر والمطلقات فلم يستفدن من إجراءات توزيع الأرض، بل أن وزارة الزراعة قد حددت فى 17 نوفمبر 1952 أن أجر الفلاح اليومى بـ18 قرشا بينما حددت أجر المرأة بعشرة قروش. ولكن النظام الناصرى لم يقترب من قوانين الأحوال الشخصية التى تركتها الدولة فى يد المؤسسة الدينية، وحين توجهت بعض الشخصيات النسائية إلى عبد الناصر فى 1967 تطالبنه ببعض التعديلات فى قوانين الأحوال الشخصية اقترح عليهن التوجه إلى المؤسسة الدينية على أساس أنها صاحبة الكلمة الأخيرة فى هذا المجال. وبهذا وضعت الدولة - ليس لآخر مرة – المؤسسات الدينية وسيطا إلزاميا بين النساء وحقوقهن. باختصار ارتدَّت حركة المرأة المستقلة فى هذه الحقبة إلى مستوى الجمعيات الخيرية مرة أخرى، والتى ينظم عملها القانون رقم 49 لسنة 1945، بتعديلاته واستبدالاته، والذى يعطى حاليا لوزارة الشئون الاجتماعية حقوقا رقابية فى التشكيل والإشراف المالى والتفتيش وإعطاء التراخيص وطلب حل الجمعيات.
الحركات الاجتماعية وموقفها من قضايا النساء شكلت هزيمة 1967 نقطة تحول، ليس على مستوى الوضع العسكرى والسياسى للنظام فحسب، وإنما أيضا نقطة انطلاق لجملة من التغيرات السياسية والاجتماعية على المستوى الشعبى، فقد بدأت إرهاصات الحركات الطلابية - كرد فعل لهزيمة النظام واحتلال سيناء - قامت على أثره أولا بالمطالبة بمحاكمة المسئولين عن هزيمة 1967، وثانيا بالمطالبة بمشاركة المجتمع فى القرار السياسى. وكان موقفها هذا يعنى ضمنيا سحب الثقة من النظام السياسى الذى أمم نضالها الديمقراطى لفترة طويلة ورفض تغييب صوتها. لقد شهدت بداية السبعينات صعودا فى الحركة الطلابية والتى كانت أقوى عناصرها من فئات اليسار المختلفة، وبرغم أن عددا من قوى هذه الحركة وقياداتها كان من النساء، وبرغم وجود العديد من الطالبات فى كافة المواقع التنظيمية، إلا أن المطالب النسائية لم تشكل ولو جزء ضئيل من برنامج العمل الطلابى، ولم تُدرج قضايا النساء فى أية لحظة ضمن القضايا الديمقراطية أو الاجتماعية أو السياسية المعلنة فى مطالب الحركة الطلابية آنذاك. ومن ناحية أخرى مهدت الهزيمة، بما ترتب عليها من إحباط، الأرض لبذرة صعود طبعة جديدة من التيار الإسلامى. وقد ارتبط نجاح الجماعة الإسلامية فى تحويل نفسها من أسر جامعية صغيرة تتناول الدراسات الثقافية والدينية، بدعم نظام السادات لهم فى محاولة لضرب التجمعات الطلابية الماركسية والناصرية. وقد تركز نشاط المنظمات الإسلامية بالتساوى على مظهر الفتاة ودورها فى الحياة وعملها واشتراكها فى الحياة العامة. إلا أن قدرة الحركة الإسلامية – خاصة مع صعود الأزمة الاقتصادية - على تقديم خدمات لعضويتها ولسائر الطلاب، خاصة الطالبات (الزى المدعوم - وسائل المواصلات الخاصة بالبنات) ساهم فى إبراز الجماعة كقوة بارزة فى الوسط الجامعى. وتفسر استجابة الحركة الإسلامية لعدد من المطالب الملحة لبنات الجامعة وطلابها بشكل عام الجاذبية الشديدة التى تمتعت بها، فحتى دعوة الإسلاميين لعودة المرأة إلى المنزل جاءت متواكبة مع بدايات الأزمة الاقتصادية وصعوبات ظروف العمل ومؤشرات انتشار البطالة، فكان خطابهم يتضمن تلاقيا واضحا بين الأجندة النسائية الإسلامية والاستجابة للظروف الاقتصادية ومزاحمة النساء للرجال فى سوق العمل المحدود. شهدت هذه الفترة أيضا ظهور عدد من التكوينات السياسية الشرعية، عرفت بداية باسم المنابر وسرعان ما تحولت إلى أحزاب اليمين والوسط واليسار. وبرغم وجود مكاتب نسائية فى كل حزب فإن العمل النسائى فيها قد اقتصر على ترويج برامج المنبر أو الحزب بين أوساط النساء على أرضية من الخدمات التى تناولت الأمور الصحية ومحو الأمية، ومرة أخرى دون التعرض إلى قضايا الفضاء الخاص التى تهم النساء. فهذه الأحزاب تكاد تتفق على المضمون الخجول لبرنامجها النسائى الذى اقتصر على مطالب الحياة العامة ولم تتجاوز خصوصيته النسائية بعض المطالب المرتبطة بحقوق المرأة العاملة فيما يتعلق بوظيفتها الإنجابية. فظل يجمع بينها رفض التعامل مع قضايا النساء باعتبارها قضايا ذات خصوصية نوعية، ورفض تخصيص قضايا نسائية لا يعانى منها الرجال، فكان إرضاء الرجال، إما فى المجتمع بشكل عام، أو فى الشكل التنظيمى أو الجمهور المستهدف، مبررا لتجاهل المطالب النوعية للنساء. وكان ذلك يتم إما بدون تنظير (منابر الوسط واليمين) أو بتنظير على أساس أولويات وتراتبية المشكلات والقضايا (منبر اليسار). كما شهدت فترة السبعينات عددا من المكاسب الرسمية؛ ففى سبتمبر 1970 أصدر السادات قرارا بتشكيل سكرتارية للمرأة داخل الاتحاد الاشتراكى العربى برئاسة سعاد أبو السعود، كما تم تشجيع النساء على الترشيح للمجالس المحلية، وانتُخبت جيهان السادات رئيسة المجلس المحلى فى المنوفية فى أكتوبر 1975، إضافة إلى 30 امرأة أخرى نجحن فى تسع محافظات. كذلك تم تعيين عائشة راتب وزيرة للشئون الاجتماعية ونجحت فى نفس العام تسع نساء من الحصول على مقاعد فى البرلمان. كانت معركة قانون الأحوال الشخصية عام 1978 كبرى معالم السبعينات فيما يتعلق بالعمل النسائى، كما كانت انعكاسا لإشكالياته. فلم تستطع قوة نسائية أو سياسية واحدة أن تتخذ موقفا متكاملا من مشروع القانون رقم 44 لسنة 1979، الذى ارتبط باسم جيهان السادات، وصدر بشكل غير دستورى من حيث إجراءاته، حيث صدر استنادا إلى السلطات الاستثنائية لرئيس الدولة فى إصدار قرارات بقوانين فى غيبة البرلمان الذى كان فى أجازته الصيفية، بغير حاجة للاستعجال. وكان الموقفان المطروحان على الساحة هما تأييد التغيير لما فيه مصالح النساء وتجاوز الجانب الإجرائى أو مهاجمة القانون جملة وتفصيلا سواء على أساس إسلامى أو على أساس رفض الصلاحيات الاستثنائية لرئيس الجمهورية، بينما غاب عن الساحة طرح يجمع بين رفض السلطات الاستثنائية لرئيس الدولة والمطالبة بالحقوق المنصوص عليها فى القانون الجديد. وقد سقط القانون بحكم للمحكمة الدستورية العليا فى 4 مايو 1985 بعدم دستوريته. وقد أكدت المحكمة أن اعتراضها لا يتناول مضمون القانون وإنما إجراءات إصداره. وقد أبدت مجموعات من النساء المصريات اعتراضهن على سقوط القانون رقم 44 وشكلن لجنة عرفت باسم لجنة الدفاع عن الأسرة والمرأة (نلاحظ إدراج "الأسرة" فى عنوان اللجنة تفاديا للاحتجاج العام ضد المطالبة بحقوق المرأة وهو تحفظ سوف تحمله المنظمات النسائية لسنوات طويلة معها فى خطابها وبرنامجها النسائي). ولكن المقاومة لم تكن قوية ولم تتجاوز بعض الاحتجاجات التى خاطبت البرلمان، ولم يُبذل مجهود واضح للمطالبة بقانون جديد.
الثمانينيات والتسعينيات موقف الدولة من المرأة - ما بين المناخ الدولى والضغوط الداخلية واصلت هيئات الأمم المتحدة فى الثمانينات طرح موضوع المرأة كأولوية على جدول أعمالها. ففى منتصف عام 1980 عُقد بمدينة كوبنهاجن منتدى منتصف عقد المرأة Mid Decade Forum، إلا أن مؤتمر نيروبى المنعقد فى عام 1985 هو الذى شكل دفعة هائلة فى اتجاه تبنٍ أكثر اتساعا لقضايا المرأة، وفى نفس الوقت أكثر شمولا وعمقا. كما أصدر هذا المؤتمر تقريرا خاصا عن أوضاع المرأة فى مختلف أنحاء العالم. والجدير بالذكر أن تقرير منطقة غرب آسيا الذى أصدرته منظمة الإسكوا - بناءً على ما جاء بالتقارير الوطنية الصادرة عن 13 حكومة عربية - من ضمنها مصر - تمثل الأقطار العربية الواقعة فى هذه المنطقة - قد تميز عن التقارير الخاصة بباقى مناطق العالم بالتأكيد على أمرين: أ. أهمية الارتكاز على تراث الحضارة العربية الإسلامية وعلى القيم الدينية والروحية للمنطقة. ب. تخصيص قسم كامل لبحث أمور الأسرة. ويعكس هذا الموقف منظور الدولة الخاص من المرأة الآخذ فى التبلور، خاصة منذ أواخر السبعينات، وهو وضع المرأة وحقوقها رهينة المؤسسة الدينية ومؤسسة الأسرة اللذان وضعا كحد فاصل بين النساء والمؤسسات المدنية فى المجتمع. ومن زاوية أخرى كان هذا استمرار لتكريس الإطار التقليدى للأدوار الاجتماعية للمرأة. وبهذا الصدد، عندما نعود إلى تصنيف أنشطة الجمعيات المسجلة فى مصر حتى يومنا هذا تحت مظلة وزارة الشئون الاجتماعية (وهى التى تمثل حتى الآن الأغلبية العظمى من المنظمات غير الحكومية)، نجد أنها لا تتضمن أنشطة مصنفة "نسائية" أو "امرأة"، من بين المجالات التى تعترف بها كمجالات ممكنة للنشاط الأهلى. وهكذا يتضح أن نشاط المرأة يجب أن يندرج - على الأقل فى الذهنية الرسمية - مرتبطا بالأدوار الاجتماعية التقليدية المنوطة بها، مثل أنشطة رعاية الأمومة والطفولة، رعاية الأسرة، تنظيم الأسرة. فى نفس الوقت، لم تحظ المنظمات الأهلية فى مصر فى هذه المرحلة بالقدر الكافى من حرية الحركة مما يكفل لها إمكانية القيام بدور "الفاعل الاجتماعي" القادر على المشاركة والتأثير فى عملية التغيير. إلا أن هذه المرحلة شهدت بداية تشكيل بعض المجموعات التى تنظر من منظور خاص إلى المسألة النسائية. ونذكر منها على سبيل التخصيص منظمة تضامن المرأة العربية التى تأسست عام 1982 عقب مؤتمر كوبنهاجن، والتى قادتها نوال السعداوى واستطاعت أن تستقطب حولها مجموعة من النساء المؤمنات بالطرح النسوى لمسألة المرأة. كما تشكلت فى نفس الفترة مجموعات أخرى لم تكن قد اتخذت بعد الشكل القانونى الرسمى، ومنها مجموعة المرأة الجديدة ومجموعة بنت الأرض. وتصنف بعض الكتابات هذه التشكيلات على أنها تنتمى إلى الشرائح العليا من الطبقة المتوسطة. وقد يكون ذلك صحيحا إلى حد ما من حيث التوصيف الشكلى للأصل الطبقى، إلا أن النساء اللاتى اندرجن فى هذه المجموعات قد انطلقن من مواقع فكرية واجتماعية مختلفة عن تلك التى حركت التجمعات النسائية فى مراحل سابقة. فقد انطلقت مؤسسات تلك المجموعات من ارتباط مسبق بحركات ديمقراطية عامة تشكلت من عناصر ذات أصول اجتماعية مختلفة. كما كان طرحها، منذ بداية نشاطها، بعيدا عن مفهوم العمل الخيرى، بل يرفض هذا النمط من العمل. كما طرحت القضية من منظور "نسوي" له بعد اجتماعى يتميز بالوعى بأهمية التعرف على مشاكل النساء بصفة عامة، والفقيرات والمهمشات بصفة خاصة، والتصدى لها. أما المجموعات النسائية غير الرسمية الأخرى، مثل مجموعة المرأة الجديدة وبنت الأرض، والتى تنبع نشأتها من ارتباط عضواتها بالحركة الطلابية فى فترة السبعينات، فقد ظلت تحاول بلورة رؤية لتحركها الهادف إلى التوجه القصدى نحو قضايا المرأة بصفة عامة والفئات المختلفة من النساء بصفة خاصة. وهكذا اندرجت بعض عضوات هذه المجموعات فى أنشطة خدمية مثل فصول محو الأمية، ربما للالتحام بجمهور أوسع، ولكن ربما أيضا للتعرف عن قرب على مشاكل الفئات المحرومة والمهمشة من النساء. إلا أن الأنشطة الأساسية التى تميزت بها بداية الثمانينات بالنسبة للمجموعات "النسوية" القليلة الموجودة على الساحة المصرية هى البحث فى تاريخ الحركة النسائية، وتنظيم حلقات نقاش محدودة العدد حول بعض الكتابات النسائية، وإصدار مجلات تتناول موضوعات حول تاريخ الحركة النسائية فى مصر، كما تتناول قضايا متعلقة بظروف حياة العاملات والفلاحات، هذا بالإضافة إلى الدفاع عن الحقوق المكتسبة والمطالبة بمزيد من الحقوق. وفى كل الأحوال السابقة، لا يمكن القول بأن المهتمات بقضايا المرأة قد نجحن فعلا فى الوصول إلى الجماهير العريضة من النساء، سواء من خلال الأفكار، أو من خلال العمل المباشر مع هؤلاء النساء. قد تكون أحد الأسباب لذلك هو استمرار الانغلاق داخل دوائر مقتنعة أصلا بأحقية قضية ما، وربما عدم إيجاد اللغة التى تثار من خلالها هذه القضية. ولكن ما من شك فى أن هناك أسبابا أخرى وراء هذه العزلة، ومن أهمها عدم تشجيع الدوائر الرسمية لوجود خطاب نسوى قد يؤدى إلى الاشتباك مع المد الأصولى المعادى لتحرر المرأة. وبالتالى، وجدت الكثير من النساء المطالبات بالمساواة بين الجنسين صعوبة كبيرة فى إيجاد القنوات المناسبة للوصول إلى القاعدة العريضة من النساء المصريات الفقيرات، وخاصة فى الريف. وبرغم بدايات إحياء حركة نسائية فى فترة الثمانينات من خلال تجمعات صغيرة من النساء، إلا أن هذه المجموعات لم تستطع التأثير بطريقة فعالة فى الأغلبية العظمى من الجمعيات "النسائية" التى ظلت منحصرة فى إطار الأنشطة التقليدية التى رسمتها لها وزارة الشئون الاجتماعية، مثل رعاية الطفولة والأمومة وإعانة الأسر، ولم تمارس مفهوما شاملا للتنمية، كما أنها لم تعمل على تعزيز قدرات المرأة. كخلاصة لهذه الفترة، يمكن القول أن نهاية الثمانينات قد شهدت على المستوى الأهلى تحول مجموعات كثيرة من المنخرطين فى العمل العام من المنحى "السياسي" إلى المنحى الاجتماعي/ التنموي- مما بدأ يضفى على هذا المنحى الأخير نظرة أكثر شمولية تجاه التنمية تحمل فى داخلها هدف تغيير المجتمع وعلاقاته نحو الأفضل وتبعدها عن مجرد العمل الخدمى.
التسعينيات الدولة والأحزاب وقضية المرأة: اهتمام أكبر نسبيا يشوبه الحذر شهدت مرحلة التسعينات على المستوى الدولى تفعيلا مهما لدور وقيمة المجتمع المدنى. فقد تكاثرت الأبحاث والمنظمات التى كشفت أهمية الدور الذى يلعبه وجود مجتمع مدنى قوى فى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعى، خاصة عند تراجع الدولة فى مجال توفير الخدمات الأساسية للمواطنين. وهكذا أثر الجو العام على الأوضاع الداخلية فى مصر، فحظيت بعض المنظمات حديثة الولادة بمساحة أكبر نسبيا للتحرك، ولكنها تعرضت فى الوقت ذاته إلى حملات متكررة من قبل الدوائر الرسمية. ويتميز هذا العقد بانعقاد سلسلة متتالية من مؤتمرات الأمم المتحدة التى أدرجت موضوع المرأة كأحد النقاط الفاصلة على جدول أعمالها. ففى عام 1993 عقد فى فيينا المؤتمر الدولى لحقوق الإنسان الذى تبنى وأصدر - ضمن مخرجاته الأساسية - الاتفاقية الدولية لإلغاء كافة أشكال التمييز ضد النساء. وفى إطار جهود الأمم المتحدة لإلقاء الضوء على قضايا المرأة لا يمكن أن نغفل الدور الفريد الذى لعبه المؤتمر الدولى للسكان والتنمية (القاهرة 1994) فى دفع المنظمات الأهلية المصرية للمشاركة بطريقة نشطة فى فعاليات ذلك المؤتمر وفى دفع الحكومة المصرية لاستثارة هذا الدور، رغبة منها فى الظهور بمظهر لائق وبوجه ديمقراطى على المستوى الدولى. ويمكن أيضا - خاصة بعد مؤتمر بكين - ملاحظة إتاحة مساحة أكبر فى الصحافة الرسمية للموضوعات والأخبار المتعلقة بإدراج المرأة فى عملية التنمية. بالتوازى ظلت التشكيلات الحزبية والنقابية محتفظة بنظرتها التهميشية للمرأة. وقد تجلى ذلك بوضوح شديد أثناء انتخابات مجلس الشعب عام 1995، حيث تخلت أحزاب كثيرة عن مساندة عضواتها اللاتى رشحن أنفسهن لصالح رجال من نفس الحزب. وفى بعض الأحوال اتخذت بعض هذه الأحزاب إجراءات عنيفة ضد عدد من النساء اللاتى لم يرضخن لرغبة الحزب، وصلت إلى حد الفصل. بالتوازى تراجعت قضايا المرأة فى البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية عام 1995، مشيرة إلى أنه "من جوانب الاتفاق بين الأحزاب السياسية حكومة ومعارضة حول المرأة ما يتصل منها بصحتها العامة والإنجابية، وتعليمها، وتثقيفها باعتبارها الأداة الرئيسية لتنشئة الأبناء".
صعود التحركات النسائية: بداية الاندماج بين منظمات الدفاع الاجتماعى والمنظمات التقليدية تشكلت فى مصر بمناسبة انعقاد مؤتمر السكان - وربما بطريقة فوقية إلى حد ما - عدة مجموعات عمل Task forces حول الموضوعات المختلفة المطروحة فى المؤتمر. وبهذا الصدد ينبغى ذكر المجموعة المعنية بتعزيز قدرات المرأة Gender task force التى كان لها مساهمات مهمة على مستوى هذا المؤتمر، فتضمنت الوثيقة الصادرة عن المنظمات الأهلية المصرية قدرا لا بأس به من المعلومات والتوصيات حول أوضاع المرأة المصرية. ولكن الأهم من ذلك هو عملية التحضير نفسها منذ عام 1993 على مستوى العمل الأهلى، والتى مكنت لأول مرة عددا كبيرا نسبيا من الجمعيات الأهلية من اللقاء معا وتبادل الخبرات وبدء التشبيك فيما بينها. ويجدر الإشارة هنا إلى أن الـ450 جمعية التى شاركت فى التحضير لهذا المؤتمر تمثل النسبة النشيطة للجمعيات فى مصر والتى يزيد عددها على 10 آلاف جمعية بكثير. على صعيد آخر، | ||
أحدث التعليقات
منذ 23 أسبوعا 3 أيام
منذ 27 أسبوعا 6 أيام
منذ 29 أسبوعا 6 أيام
منذ 30 أسبوعا يوم واحد
منذ 30 أسبوعا 4 أيام
منذ 30 أسبوعا 5 أيام
منذ 31 أسبوعا 11 ساعة
منذ 31 أسبوعا يومين
منذ 32 أسبوعا 6 أيام
منذ 33 أسبوعا 3 أيام