|
صوت ديمقراطي جذري
|
||
بيروت : عام علي العدوان الإسرائيلي و النصر الإلهيهل مازال هناك ما لم يتم إحراقه؟عمرو عبد الرحمن
ومن ثم أصبح الإمساك عن الخوض فى الشأن اللبنانى غير ذى موضوع، لأن ما تنقسم القوى السياسية والفكرية فى مصر الآن بشأنه قد أصبح ببساطة: هل يقف المتحاورون مع خيار الحرب الأهلية أم ضده. بعبارة أخرى نحن لسنا بصدد التفكير للبنانيين ولسنا بصدد مناقشة أنماط تحالفاتهم السياسية أو مواقعهم. صياغة المواقف السياسية يخضع فى التحليل الأخير لملابسات كل حالة على حدة. ولكننا بصدد التصدى لعملية التحريض الفكرى التى تمارسها النخب فى مصر لصالح حزب اللـه وحلفاؤه ونسعى لتفكيك مكوناتها الرئيسية وتتبع أصولها. هذا إذن ليس ملفا عن كامل المسألة اللبنانية، التى بلغت درجة من التعقيد يصبح معها الخوض فى تفاصيل اللوحة المعقدة فى لبنان دونما ترو من قبيل الاستخفاف، وإنما هو سجال مع غالبية واضحة من الأصوات فى مصر، تنحاز فى التحليل الأخير لحرب أهلية جديدة فى لبنان. فنجد أنه ربما ينبغى البدء بالتذكير ببعض الحقائق وتنشيط الذهن ببعض الفرضيات. وفرضيتنا هى أن حرب الصيف الماضى قد مثلت إخفاقاً مدوياً للمحاولات الإسرائيلية المدعومة أمريكياً والهادفة إلى القضاء على التهديد الذى يمثله حزب اللـه ومن خلفه النظام الإيرانى للنفوذ الأمريكى والإسرائيلى فى المنطقة. ولكن هذه الحرب نفسها، بما ترافق معها وأعقبها من تفاعلات، كانت مؤشراً على عمق المستنقع الذى وقعت فيه قضية التحرر الوطنى فى المنطقة، على أيدى ما يسمى بقوى الممانعة القومية والإسلامية (مثل حزب اللـه ومن خلفه النظامين السورى والإيرانى). ملامح هذا المأزق تتجلى فى بقاء قضية التحرر الوطنى أسيرة قوى تؤدى قناعاتها الفكرية واستراتيجيات عملها بشكل دائم إلى العصف ببنى هذه الأوطان ذاتها ووقوع شعوبها فريسة الصراعات المذهبية والطائفية، وكأن تحرير هذه الأوطان لا يستقيم إلا بتفتيت وحدتها. قد يكون ذلك المأزق أحد أفدح الأثمان التى تدفعها شعوب المنطقة بسبب غياب اليسار - من حيث هو تقليد فكرى وسياسى يسعى إلى تأسيس مناهضة الاستعمار على قاعدة النضال الاجتماعى والديمقراطى والعداء الحازم للروح المذهبية والطائفية- عن ساحة الفعل السياسى بها.
مابعد الإنسحاب الإسرائيلى فى 2000: التوترات تتجمع وتزداد حدة وتنتظر مفجراً لا ينكر أى طرف من أطراف الصراع الحالى فى لبنان، بما فيهم حزب اللـه نفسه، أن حرب الصيف الماضى كانت العامل المفجر لكافة التوترات التى اعتملت فى الدولة والمجتمع اللبنانيين منذ الانسحاب الإسرائيلى عام 2000. فقد كشفت السنوات الست التى أعقبته هشاشة التوازنات السياسية والاجتماعية التى أسست دولة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، والتى حكمت عليها بالبقاء أسيرة تركيبتها الطائفية المتخلفة وتوازنات الصراع بين قوى الإمبريالية، ممثلة فى إسرائيل، والأنظمة التى تحمل راية مواجهتها، مثل إيران وبدرجة ما سوريا. كشفت هذه الاستقطابات عن نفسها على الوجه الأمثل فى حالة حزب اللـه نشأ حزب اللـه كحركة ذات ثلاثة أوجه لا تنفصل عن بعضها البعض. الوجه الأول للحزب هو وجه حركة تحرر وطنى راديكالية على طراز حركات حرب العصابات التقليدية التى استفاد الحزب من تراثها نتيجة حضور المقاومة الفلسطينية على أراضى لبنان منذ سبعينيات القرن الماضى. ومن جهة أخرى أفاد الحزب من راديكالية طاغية فى صفوف الطائفة الشيعية ناتجة عن سياسات التحديث والرسملة المتسارعة التى وسعت قطاعات الإنتليجنسيا الشيعية فى ظروف استقطاب اجتماعى حاد كانت ضحيته هذه الطائفة ذاتها. دفع ذلك غالبية هؤلاء المثقفين فى البداية إلى آفاق المشاريع الاشتراكية المختلفة فى لبنان. ولكن لاحقا تقاطع هذا المزاج الثورى مع انتصار الثورة الإيرانية والنفس الراديكالى الذى أتاحته بخصوص تصورات القوى القومية واليسارية للصراع العربى الإسرائيلى وألوية النضال المسلح على مشاريع التسوية التى قادتها مصر. على أن انحسار المشاريع الاشتراكية فى العالم العربى ككل، مضافاً إليه عمق التأثير الأيديولوجى للنظام الإيرانى الجديد فى الجنوب اللبنانى بحكم الانتماء المذهبى، سمح بتحويل هذا المزاج الثورى إلى حالة شعبوية الطابع تنزع إلى تمثيل العالم العربى كشعب واحد لا يحمل أية تناقضات يعتد بها ويعيش فى بؤس معمم سببه حفنة من الاحتكاريين المتغربين القابعين فى كراسى الحكم والمنفصلين عن معاناة هذا الشعب وثقافته وأنماط حياته. هذه التلفيقية الأيديولوجية القادمة رأساً من طهران والتى تسعى لتمثيل الصراع مع النظام السياسى القائم فى لبنان بعبارات ثقافية مبهمة تختلف جذرياً عن أطروحات القوى الإسلامية المحافظة فى الإقليم والتى تكيفت مع واقع الاستعمار وركزت جل جهدها على محاربة المشاريع التقدمية فى تحالف فج مع الكتل الحاكمة. سيفتح هذا التحول فى اتجاه الشعبوية الباب أمام سياسة تعبوية للطائفة الشيعية ككتلة واحدة بغير أية تنظيمات على أسس مصلحية وراء زعيم واحد ملهم على الطراز الإيرانى يتزعم حزباً يحتكر التمثيل السياسى للطائفة. الوجه الثانى الذى تشكل فى رحم عملية التثوير تلك هو الوجه الميليشياوى لحزب اللـه، أى منطق وآليات الميليشيا المسلحة التى تستخدم على نطاق واسع فى عملية تجنيد أتباعه وتدريبهم على السلاح بخصوص المواجهة الطويلة مع إسرائيل فى الجنوب. الوجه الأول سياسى شعبوى قائم على التعبئة الجماهيرية والآخر تقنى انضباطى سلطوى قائم على السرية والالتزام والانتقائية. وعلى العكس من الصلة المباشرة بين الزعيم والجماهير بغير مؤسسات تذكر، وهى الصلة الحاضرة بشدة فى علاقة نصر اللـه بجماهير الحزب فى وجهه الأول، يطور الوجه الثانى هوساً بالهيراركية ولا يعترف بالعلاقات الشخصانية فى صفوفه. الوجه الثالث لحزب اللـه هو الوجه الطائفى المحافظ التقليدى والذى ينتمى للسياسة اللبنانية أكثر من أى شىء. حزب اللـه يظهر هنا بوصفه حزباً يمثل الطائفة الشيعية داخل معادلات السياسة اللبنانية ومتاهاتها المعقدة ولا تتسع عضويته إلى أبعد من تلك الحدود. هذه العوامل الثلاثة جعلت حزب اللـه منذ الميلاد مرتهناً بالتوازنات الإقليمية وانعكاساتها على لبنان. فارتبط بتحالف وثيق مع النظام الثورى الإيرانى صاغت خطوطه التقاطعات المذهبية والدينية والمصالح الاستراتيجية وتمثل فى تدفق هائل للسلاح والفوائض المالية التى بنى من خلالها الحزب ميليشياته وشبكات الضمان الاجتماعى التى نهض من خلالها بأحوال الطائفة الشيعية. ثم ارتبط -حسب الأحوال- بتحالفات مع النظام البعثى السورى استفاد منها حزب اللـه طوال مواجهته الطويلة مع إسرائيل، حيث أمنت له سوريا إمدادات السلاح والغطاء الإقليمى داخل النظام الرسمى العربى، كما أفادت منه سوريا بتوسيع رقعة حلفائها فى الداخل اللبنانى. ولكن التحالف السورى لم يرق بأى حال من الأحوال إلى مرتبة التحالف الإيرانى الوثيق. حال هذا الارتباط الخارجى المعقد دون استسلام حزب اللـه للفوران الثورى والإطاحة الكاملة بأركان الدولة اللبنانية – وهو الخيار التى لم تكن كل الأطراف السابق ذكرها على استعداد حتى لبحثه لما قد يترتب عليه من حرب إقليمية كبرى تدفع هى ثمنها. ولكنه أبقى الجسور مفتوحة طوال فترة مواجهته مع إسرائيل مع كافة القوى اللبنانية، مستغلاً هذه الفترة فى بناء قاعدة اجتماعية واسعة تجسد طابعه الشعبوى فى شكل دويلة إدماجية تعبوية داخل الدولة اللبنانية: نظم صحية وتعليمية موازية وشبكة رفاه اجتماعى معتمدة رأساً على التدفقات المالية الإيرانية وعلى موارد المؤسسة الدينية الشيعية المتنفذة، مما خلق وضعاً أفاد منه الحزب. كذلك أدت ظروف انهيار أنماط الإنتاج التقليدية فى الوسط الشيعى إلى حالة من التذرير سمحت بتشكل جمهرة شيعية واسعة غير منظمة فى أى أطر مؤسسية كنقابات عمالية أو مهنية. وفى نفس الوقت أعاق تدفق الفوائض المالية الخارجى تشكل برجوازية شيعية مستقلة أو إقطاعيات سياسية على الطراز اللبنانى التقليدى، مما سهل من نشأة نظام شعبوى فى الجنوب "محلى" الطابع متماسك يختصر فيه الحزب الطائفة والمجتمع الشيعيين ككل. على أن ظروف المواجهة مع إسرائيل قد ساعدت على اتساع نفوذ الجناح الميليشياوى فى الحزب ونزوعه الانضباطى البراجماتى. تمثل ذلك فى تولى حسن نصر اللـه للأمانة العامة. يمثل نصر اللـه رمزية بالغة الأهمية، إذ تتجلى فيه الملامح الفاشية لمشروع حزب اللـه الشعبوى بحذافيرها: الانضباط، الصرامة، الرشادة وحساب التكاليف، وفى ذات الوقت الكاريزما الطاغية التى لا تعترف بأية وسائط بين القائد وجماهيره بل يعمل على إبقائها مذررة كلما أمكن. على أن هذا الطابع الفاشى ظل طوال الوقت محكوماً بحقيقة أن حزب اللـه حزب للطائفة الشيعية فى التحليل الأخير ولا يستطيع -ولا يرغب بالطبع- فى تجاوز وضعيته تلك، ومن ثم سيبقى على وشائج الصلة قائمة مع النظام السياسى اللبنانى بما يحقق منفعة الطائفة الشيعية على المدى القصير. استفاد الحزب بالتالى من وضعية ما بعد الحرب الأهلية والمواجهة الممتدة مع إسرائيل، وتفاعلت الروافد الثلاثة بكفاءة لتصنع أسطورة حزب اللـه فى الرأى العام العربى الذى كان مؤهلاً بدوره لاستقبال تلك الأسطورة. فمن زاوية أصبح حزب اللـه ممثلاً للخيار المقاوم الوحيد بعد توقيع منظمة التحرير لاتفاقات أوسلو وتحولها إلى "سلطة". ومن زاوية أخرى كانت طبيعته الدينية مصدر إلهام وقبول لدى حركات الإسلام السياسى. ومن جهة أخيرة، رأت الفلول اليسارية فى شعبيته ومسحة العقلانية البراجماتية فى خطابه دلالة على إمكانية تحوله إلى تيار مقاوم للإمبريالية. كذلك أفد حزب اللـه من ظرف انتهاء الحرب الأهلية واستقرار الطوائف على معادلة "لا غالب ولا مغلوب" والتى ترجمت نفسها فى الواقع العملى إلى انصراف رفيق الحريرى، تحت الرعاية السعودية، إلى إعادة بناء الدولة الطائفية التى قوضت أركانها الحرب الأهلية وترك مسألة حزب اللـه معلقة. وهكذا اتجه حزب اللـه إلى التعاون الوثيق مع رفيق الحريرى: صمام الأمان الذى يحمى حزب اللـه من تقلبات السياسة الإقليمية ويحفظ له علاقات وثيقة مع النظام الإقليمى العربى الرسمى - بالتعاون مع النظام السورى بالطبع- ويشكل، من جهة أخرى، نوعا من العازل بين حزب اللـه وباقى الطوائف اللبنانية المتخوفة من تصاعد النفوذ الشيعى. اليوم يتجاهل محاذيب حزب اللـه فى الصحافة المصرية هذا التحالف، ويسارعون إلى كيل الاتهامات لرفيق الحريرى بإغراق لبنان فى الديون، ناسين أن هذا الاقتراض تم تحت رعاية حزب اللـه وبمباركته، التى ظلت مستمرة حتى الانسحاب الإسرائيلى من جنوب لبنان. ولكن هذا الانسحاب المفاجئ غيَّر المعادلة التى عاش عليها حزب اللـه بالكامل. أصبح حزب اللـه للمرة الأولى مجبراً على لعب دور نشط فى الساحة السياسية اللبنانية بالأصالة عن نفسه وليس عن طريق مباركة أو دعم أطراف أخرى. فواجه حزب اللـه عددا من المتغيرات التى حولت نمط التفاعل بين الملامح الثلاثة السابق ذكرها وأكسبتها أبعادا أخرى: أولاً، أفضى الانسحاب الإسرائيلى إلى وضع حزب اللـه فى خانة القوى المحسوبة على سوريا بشكل مباشر وفرض عليه استحقاقات لا يطيقها فى حماية النفوذ السورى فى لبنان فى نفس الوقت الذى أصبح يفتقر فيه إلى غطاء التذرع بدعم سوريا فى مواجهة العدو الإسرائيلى. وفقاً للكثير من المراقبين، شكل ذلك عبئاً على حزب اللـه. تجلى ذلك الدعم فى تأييد حزب اللـه لقرار التمديد للرئيس اللبنانى إميل لحود فى 2004، وهو القرار الذى لم يكن يتوقع الحزب وقيادته أن يجر عواقب مثل قرار مجلس الأمن 1559، والقاضى بنزع سلاح حزب اللـه نفسه. أى أن حزب اللـه أصبح يدفع ثمن الوصاية السورية من فاتورته الداخلية وعلى حساب تحالفاته اللبنانية الواسعة التى أمنت نفوذه فى الجنوب. الطريف أن القرار المذكور لعب العماد ميشيل عون – حليف نصر اللـه حالياً والمنفى فى فرنسا آنذاك - الدور الحاسم فى صدوره بالتعاون مع فرنسا. ثانياً، أصبح حزب اللـه يواجه مشروع الدولة اللبنانية الطائفية التى يسعى الحريرى إلى إحيائها معتمداً على التدفقات المالية الخليجية وعلى برجوازية لبنانية فتية صاعدة تسعى للعب دور سياسى نشط. فرض ذلك على حزب اللـه للمرة الأولى خيارات مُرة مثل طرح مسألة سلاحه على بساط البحث لبنانياً بعد أن كانت خارج النقاش لعقدين من الزمن. فإذا عدنا إلى ما ذكرناه فى البداية من تمدد دور الميليشيا الحزبية وتحولها لتصبح العامود الفقرى للحزب لكان بإمكاننا تخيل مايعنيه تفكيك الميليشيا على مستقبل الحزب نفسه. ثالثاً، واجه الحزب وضعاً إقليمياً مختلفاً. فمن ناحية كانت إيران نفسها تتجه نحو مزيد من الاعتدال فى سياستها الخارجية تحت قيادة محمد خاتمى وتتخلى عن قاموس الشيطان الأكبر الذى ورثته عن الخمينى فى وصف الولايات المتحدة. وهو ما كان يفرض على الحزب تعديلاً فى خطابه نحو آفاق أكثر براجماتية، تجلت فى استباق نصر اللـه لزيارة وزير الخارجية الأمريكية آنذاك "كولن باول" للبنان فى 2002 بإعلانه حزمة من التفاهمات التى تقضى على المدى البعيد بالاعتراف بإسرائيل وقبول خيار التسوية السلمية كجزء من صفقة إقليمية شاملة، وفقاً للطرح السورى. رابعاً وهو الأهم، أن أوضاع ما بعد الحرب الأهلية أسفرت عن انفتاح غير مسبوق فى المجتمع اللبنانى على العالم، وربط تدفق الرساميل فى قطاع الخدمات على وجه الخصوص قطاعات هائلة من الشباب بالأشكال العالمية المختلفة من التعبير الثقافى والفنى التى تتناقض مع كل من العصبيات الطائفية التقليدية فى المجتمع اللبنانى وأنماط التعبئة الشعبوية المعتمدة على فقراء المدن المعزولين عن أية رياح ثقافية عالمية الطابع. انعكس ذلك فى شكل حركة غير مسبوقة من الإنتاج الفكرى والفنى والأدبى أعاد إلى الأذهان صورة لبنان السبعينيات الذى كان قبلة الثقافة التقدمية العربية. وبالطبع لم تكن الطائفة الشيعية، وهى كبرى الطوائف اللبنانية، بمعزل عن هذه التطورات المجتمعية الجذرية وبدأ شبابها المتعلم تعليماً عالياً ينفلت من التعبئة الأيديولوجية لحزب اللـه منفتحاً على آفاق أرحب. وعليه كان على حزب اللـه أن يتحول من حركة تحرر وطنى إلى حزب محلى يتكيف مع المعادلة السياسية اللبنانية فى ظروف ما بعد الانسحاب الإسرائيلى. وهو ما أدى إلى غلبة ملمحه الطائفى الذى سيحدد سياساته الداخلية وتحالفاته فيما بعد. فسيصبح حزباً للشيعة وليس حزباً للـه. على أن طائفية حزب اللـه نفسها كانت فى أحد اوجهها نتاج طائفية القوى السياسية الأخرى فى لبنان. فعلى مدار عقد التسعينيات لم يقدم رفيق الحريرى المستند إلى النفوذ السعودى أى إسهام يذكر فى إحياء مشروع وطنى ديمقراطى علمانى ذى أبعاد اجتماعية. بل كان الحريرى أكثر حرصاً من حزب اللـه على المعادلة الطائفية ويتحرك فى إطارها. مشروع برجوازيات المنطقة لم يتسع إلى البديل الديمقراطى. ولكنه استعاض عن ذلك ببديل ليبرالى يبشر بحرية السوق ويستبطن نظرة متعالية للفقر والفقراء، تتعامل مع مشروع الحريرى بوصفه طريقاً للصعود الاجتماعى السريع، ولا ترى فى الطائفة الشيعية إلا مشكلة محلية لا يوجد من هو معنى بتقديم حل لها. على الجانب المسيحى لم يختلف الأمر كثيراً. فقد دعمت الانقسامات فى الصف المسيحى بخصوص الوجود السورى لهجة الخطاب الطائفى، إذ تنازع كل من فريق التأييد وفريق الموالاة الخطاب الطائفى ذاته: أى هل تأييد الوجد السورى يحمى المسيحيين أم العكس هو الصحيح؟ بل اجتمعت القيادات المسيحية على دعم نفوذ المرجعيات الدينية بوصفها الجهة الوحيدة التى تمتع بشرعية لا تتوفر لأمراء الحرب الأهلية السابقين. أدى هذا العجز عن تجاوز حدود الطائفية إلى ريبة مستديمة لدى أبناء الطائفة الشيعية بصدد حقيقة دعاوى الاندماج الوطنى التى أطلقها الحريرى والتى تناقض مع حقائق إفقار متواصل على الأرض، والذى لا يخفف منه إلا شبكة رفاه حزب اللـه.
انتفاضة 14 آذار: فرصة البديل الديمقراطى المهدرة فتحت ردود الأفعال على اغتيال الحريرى طاقة أمل كبرى بصدد قدرة الحساسيات التقدمية البازغة فى المجتمع اللبنانى على أن تحصل على موطئ قدم فى صياغة مستقبل هذا البلد. كانت لحظة الانتفاضة على الاحتلال السورى لحظة خاصة فى تاريخ ما بعد الانسحاب الإسرائيلى، وكان فعل انتفاضة 14 آذار فعلاً شبابياً بامتياز شكل تتويجاً لحالة الحراك الفكرى والسياسى التى شهدتها لبنان طوال العقد الماضى بعد انتهاء الحرب الأهلية. كما أن انتفاضة 14 آذار كانت حركة ديمقراطية بامتياز أيضا. فهى لم تدع فقط لإخراج السوريين من لبنان، وإنما اتجهت إلى محاسبة شعبية لحصاد الديكتاتوريات العربية المتعاقبة على كراسى الحكم فى المشرق، وعلى رأسها الديكتاتورية البعثية السورية، وقامت فى مواجهة نظام إقليمى محافظ سياسيا، بل ورجعى من الناحية الثقافية، وربطت نفسها منذ اللحظة الأولى بخطاب الإصلاح البازغ فى المنطقة ضد الديكتاتوريات المحافظة مثل الديكتاتورية المصرية والسعودية. أى أنها مثلت خياراً بدا لوهلة نموذجياً. على أن ما سبق أن ذكرناه من هشاشة المشروع الليبرالى اللبنانى وارتباطه الوثيق بالروح البرجوازية المحافظة وافتقاره لأى تراث كفاحى يسارى الطابع – على غرار ما كان حاضراً فى لبنان من خلال شيوعييها أو من خلال الفصائل الفلسطينية المسلحة فى سبعينيات القرن الماضى- سهل على القوى الطائفية التقليدية أن تحصد ما غرسته 14 آذار. وهو ما تنبه له العديد من القيادات اليسارية – مثل الصحفى المغدور سمير قصير- التى دعت إلى "انتفاضة داخل الانتفاضة": بمعنى الانحياز الكامل للانتفاضة والعمل على تجذيرها من الداخل، بمعنى السعى لدفع الشباب الذى يشكل قاعدة الحدث إلى تبنى خيار ديمقراطى واجتماعى يتجاوز الروح المذهبية والليبرالية الفجة التى تضع حدودا ضيقة للانتفاضة. على أن هذه الجهود ذهبت أدراج الرياح واستفادت الطائفيات السنية التقليدية والمسيحية المناهضة للوجود السورى من الانتفاضة الشعبية التى أطاحت بهذا الوجود ذاته. أول قرارات تيار الحريرى كان يمثل خيانة لهذه الانتفاضة نفسها بإرساء قواعد تحالف انتخابى يكرس الطائفية. كان التحالف الرباعى الذى خاضت على أساسه قوى الأكثرية اللبنانية الانتخابات يتشكل من حزب اللـه والحزب التقدمى الاشتراكى وتيار المستقبل وحركة أمل. بخلاف ذلك لم تقدم قوى الأكثرية طوال الفترة التى أعقبت اغتيال الحريرى أية إشارة تذكر لاستعدادها لتبنى مشروع أكثر ديمقراطية وأقل جموحاً فى ليبراليته وانفتاحه على قوى المنطقة المحافظة. بل على العكس شكل تركيزها المفرط على مسألة المحاكمة الدولية لقتلة الحريرى ودعايتها الصبيانية فى الكثير من الأحوال ضد حزب اللـه وسلاحه عامل قلق فى أوساط الطائفة الشيعية. لم يكن لدى 14 آذار ما توافر لدى الشيوعيين اللبنانيين لتقديمه للشيعة اللبنانيين كما حدث فى السبعينيات، إذ تستحيل مقارنة سعد الحريرى المدعوم من السعودية بجورج حاوى ومهدى عامل بكل ما يمثلانه من بريق مدعومين من قوى الثورة الفلسطينية. أما على الصعيد الإقليمى ففد بدأت نتائج التحول فى سياسة الولايات المتحدة تجاه الإقليم التى صاغها المحافظون الجدد بعد 11 سبتمبر، والساعى إلى القضاء على كافة البؤر المناوئة للسياسة الأمريكية تؤتى ثمارها. فمن جهة أولى "كافأت" الولايات المتحدة جناح الاعتدال الإيرانى - برغم انخراطه بكفاءة فى الحرب الأمريكية المعلنة على "الإرهاب" وتسهيل قصف أفغانستان والتعاون مع النظام العراقى الذى أسسه الاحتلال فى 2003- فأدرج إيران ضمن لائحة ما سمى وقتها بمحور الشر، وانتهج سياسة عدوانية تجاه مشروع الطاقة النووية الإيرانى. هذه العدوانية الأمريكية تضافرت مع عوامل أخرى لتؤدى لانتخاب أحمدى نجاد عام 2005 لموقع الرئاسة. اعتُبر ذلك بمثابة نهاية للخط البراجماتى الإصلاحى الذى مثله خاتمى والذى انعكس على خيارات حزب اللـه الداخلية كما سبق الذكر. من جهة أخرى تصاعد الضغط الأمريكى على النظام السورى بغي مبررات يمكن تسويقها فى الرأى العام العالمى، وهو ما دفع الأخير إلى محاولة تمتين قبضته على الساحة اللبنانية بوصفها ورقة تفاوضه الوحيدة، ودفع حزب اللـه دفعاً لدعم مرشحه للرئاسة اللبنانية. وأخيراً، أدى تدمير الدولة العراقية بالكامل إلى تفجير التوترات المذهبية فى المشرق العربى ككل وفتح الباب أما إعادة اصطفاف إقليمى على هذا الأساس، عبر عن نفسه فى الساحة اللبنانية باستدعاء لغة الخلاف السنى الشيعى فى تبرير خلاف تيار الحريرى الابن مع حزب اللـه. فى ظل تجمع هذه التوترات المكتومة، كانت فرصة الخيار الديمقراطى تبدو أبعد فأبعد إلى أن جاء انقلاب حزب اللـه عليه بالكامل بعمليته التى أقدم عليها بغير أية دوافع تذكر أو حتى أى مبررات قابلة للنقاش العقلانى.
حرب الصيف الماضى: الإنتصار الإلهى يعمق مأزق حزب اللـه انتهت الحرب بما أعلنه وقتها "حسن نصر اللـه" نصراً إلهيا مؤزرا. لن نناقش هنا حجج نصر اللـه فى إعلان انتصاره. فلا يشكك أى عاقل فى الصمود البطولى لمقاتلى حزب اللـه ولا فى فشل إسرائيل الذريع فى تحقيق أى هدف من أهدافها فى هذه الحرب. على أن الفرضية الرئيسية التى سيطرت على مجمل الجدل العام بشأن الحرب العربية الإسرائيلية الأخيرة أنها كانت بمثابة انتصار سياسى لحزب اللـه، ومن خلفه كافة القوى القومية والإسلامية – التى تطلق على نفسها قوى الممانعة- على غرار النصر السياسى الذى تحقق لعبد الناصر فى حرب السويس، برغم هزيمته العسكرية. وفقاً لوجهة النظر هذه، فشلت إسرائيل فى تحقيق أهدافها التكتيكية بالإفراج عن الجنديين الأسيرين أو أهدافها الاستراتيجية المتمثلة فى القضاء النهائى على قوة حزب اللـه العسكرية ونشر قوات متعددة الجنسية للحيلولة دون عودة مقاتلى حزب اللـه إلى الحدود. ولكن ما يفوت هذه الأطروحات أن تذكر لنا الأهداف التى نجح حزب اللـه فى إنجازها وما هو معيار نجاحه من عدمه؟ لا يجيب أحد هنا إلا بالأحاجى والألغاز للتعمية على مأزق حزب اللـه الداخلى الذى عمقته الحرب. فقد خسر حزب اللـه قاعدة تأييد واسعة له خلف الحدود الضيقة للطائفة الشيعية نجح فى تأمينها خلال فترة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلى للجنوب اللبنانى طوال عقد التسعينيات. وعندما نتحدث عن فقدان قاعدة التأييد هنا، فإننا لا نعنى القوى السياسية فى 14 آذار، ولكن نعنى جموع المواطنين المنتمين للطوائف الأخرى. حاولت آلة الدعاية العربية تصوير ما يجرى فى لبنان كتصاعد للتأييد الشعبى لحزب اللـه، ولكن هذه الدعاية المضحكة لم تستطيع أن تفسر لنا لماذا يقف جمهور حزب اللـه وحلفاؤه لمدة خمسة شهور فى شوارع بيروت دون أن تسقط الحكومة. الأهم من ذلك أن الحزب بحربه المفاجئة التى شنها على إسرائيل دفع الأمور على الصعيد الدولى إلى استصدار قرار ينص صراحة على نزع سلاحه وينيط بالحكومة اللبنانية تنفيذ هذه المهمة. وكان موقف الحزب من هذه القضية التى ورط فيها لبنان بكامله يقوم على ادعاءات واتهامات للحكومة اللبنانية بطعن الحزب فى الظهر، بينما كان قرار الحرب، وطلب الحزب المتكرر لوقف إطلاق النار هو الذى وضع الحكومة فى موقف شديد الضعف. خلف الحجج المختلفة، كان الإشكال الجوهرى هو أن الحزب يعى جيداً أن الحرب أدت إلى وضع سلاحه على طاولة التفاوض داخلياً وخارجياً، بعد أن أتيحت له فرصة تاريخية للتفاوض حول سلاحه فى ضوء ظروف من السلم الأهلى والهدوء الإقليمى. بعبارة أخرى، كان النصر الإلهى أحد فصول النهاية لحزب اللـه صاحب هذا النصر نفسه. الحزب يعى ذلك جيدا ويعلم أن ظهره للحائط، ومن ثم لم يعد أمامه من خيار سوى إسقاط الحكومة. ثم كان ما كان بعد ذلك من ضرورة التحالف مع بعض القوى المسيحية والسنية حتى لا يبدو التحرك طائفياً. فاختار حزب اللـه أكثر القوى طائفيةً فى الوسط المسيحى للرهان عليه كحليف وهو العماد "ميشيل عون". لا تخدع الطنطنة "الدولتية" للجنرال عون أى مراقب مدقق للشأن اللبنانى. قوام الدعاية الرئيسية لتيار عون هى تخويف المسيحيين من الرهان على قوى 14 آذار، بادعاء أنها تسعى لتهميش المسيحيين وإلحاقهم بالمحور السعودى وعزلهم عن العالم وتحويلهم لتابعين للسنة. أما حزب اللـه، كما أوضح عون نفسه فى أكثر من لقاء، لا يبغى أن يسيطر على الدولة ولكنه يهدف إلى الحفاظ على تأمين سيطرته على طائفته. الغريب أن "عون" ذكر ذلك نصاً فى حوار لقناة الجزيرة خلال الحرب على لبنان ومع ذلك يقدمه لنا مجاذيب حزب اللـه بوصفه رجل الدولة الذى يقف ضد الطائفية. جوهر مشروع الطرفين هو الرجوع بلبنان إلى عهد الوصاية السورية مع استبدال الوصاية الإيرانية بالسورية، على أساس أن الوصاية الإيرانية لن تتدخل لتحجيم المسيحيين كما فعل السوريون. بعبارة أخرى، يبتغى الطرفين قيام نظام طائفى ضعيف مرهون بتوازنات الخارج وقائم على معازل يديرها زعماء طوائف شعبويين مثل "نصر اللـه" و"عون". يتدعم المأزق إذا أخذنا فى الاعتبار أن حكومة الأكثرية تستند على أغلبية حقيقية، لا أفهم كيف يستخف بها مناصرى حزب اللـه. حزب اللـه نفسه لا يطلب أكثر من حكومة وحدة وطنية ولم يسع إلى إسقاط الحكومة بالضربة القاضية. وما بين العجز عن إسقاط حكومة تتمتع بهذا القدر من الشرعية وبين الخوف من خيار الحرب الأهلية التى قد تنطلق شرارتها من داخل الوسط المسيحى نفسه يتجلى عجز ومأزق حزب اللـه وعدم قدرته على دفع الأمور إلى الأمام أو الخلف. هذا العجز هو الذى أجبر حزب اللـه على القبول بتسوية دولية ثانية لإشكاله الداخلى فى أقل من سنة واحدة، حيث أعلن عن قبوله بأى اتفاق إيرانى- سعودى يستهدف تسوية معضلته، على أساس حكومة وحدة وطنية أغلب الظن أنها لن تتشكل وفقاً لأطروحاته. المحصلة أن الحزب أشعل حربا إقليمية عززت مواقف إيران وأضعفت من موقفه الداخلى، بل ودمرت ما كان قد بناه من رصيد لدى باقى الطوائف اللبنانية وحكمت عليه بالعزلة التامة. كما أنها بالطبع أضعفت من قدرته على مواجهة ماكينة الحرب الإسرائيلية وأجبرت الحزب فى المستقبل على أن يخوض أى مواجهة مقبلة وفقاً لشروط إقليمية غير مواتية بالمرة.
"موقعنا يتحدد بالتناقض مع موقع الإمبريالية": عندما يدعو اليسار للتصعيد المذهبى والطائفى بالوكالة هذا هو تسلسل الأحداث كما نراه ونفهمه، وهذا تقييمنا له كما نعتقد فيه: وهو تقييم لا علاقة له بالمحور المصرى- السعودى أو أى تفضيل لأحد الطرفين المتنازعين. انحيازنا الوحيد هو لخيار الدولة الديمقراطية العلمانية والمشروع الاجتماعى الديمقراطى فى لبنان. لإلقاء المزيد من الضوء على ملامح هذا الموقف ينبغى الاشتباك مع أطروحة مهمة ذائعة الصيت فى الأوساط اليسارية. تقول هذه الأطروحة أن التفرقة واجبة بين جمهور حزب اللـه الذى ينتفض الآن فى مواجهة المشروع الإمبريالى فى المنطقة وبين الحزب نفسه الذى لا يعبر بالكامل عن هذه الجماهير. ومن ثم ينبغى قبول تحرك حزب اللـه بوصفه تحركاً ضد الإمبريالية فى جوهره. وأن الاشتباك النقدى مع هذا التحرك كفيل بنقل هذا الوعى الطائفى المهيمن على قيادات الحزب وبعض قواعده إلى مرحلة وطنية ديمقراطية أعلى. ويلحق على هذه الفرضية فرضية أخرى مفادها أن ما من حركة مقاومة أو تحرر وطنى تطابقت فى ملامحها مع تصور اليسار، أو غيره من القوى الليبرالية، عن هذه الحركات. ولكن مع ذلك نجحت هذه الحركات فى تحقيق أهدافها وشكلت رصيداً فى مواجهة الإمبريالية. إلى هنا تنتهى تلك الفرضية ولنضعها فى مقارنة مع الخطوط العامة لتحليلنا فى السطور السابقة لنرى أوجه القصور بها وكيف تصب فى مشروع أكثر طائفية من مشروع قوى 14 آذار، بل وتهدد بالعصف بميراث النضال الديمقراطى والاجتماعى فى لبنان والمنطقة. أولاً: تتجاهل هذه النظرة "البديهية" الأساسية عند النظر لوضعية حزب اللـه فى الداخل اللبنانى، وهى أن حزب اللـه قد انتصر بالفعل كحركة تحرر وطنى ونجح فى فرض الانسحاب الإسرائيلى غير المشروط من كامل الجنوب اللبنانى فى العام 2000 وأن ما يبقى عالقاً هو قضايا شديدة الهامشية مثل زوج من الأسرى فى السجون الإسرائيلية أو منطقة غير معروفة الهوية مثل مزارع شبعا تقتضى بالضرورة ترسيما للحدود بين سوريا ولبنان حتى يتسنى معرفة إلى أى البلدين تنتمى- وهو الترسيم الذى يرفضه حزب اللـه بشدة. أى أننا أمام مرحلة "ما بعد التحرر الوطنى" أو ما بعد الاستقلال ولسنا فى مرحة التحرر الوطنى نفسها. ومن ثم فما يصدق من فرضيات بصدد حركات التحرر الوطنى خلال النضال فى سبيل الاستقلال لا يمكن أن ينسحب ببساطة بعد إنجاز هذا الاستقلال ذاته. تفرض مرحلة "الما بعد" تلك استحقاقات متباينة على حركات التحرر الوطنى. فى البلاد التى أنجزت فيها مطلب الاستقلال حركات تحرر وطنى يسارية أو ذات حضور يسارى كثيف كان نزع سلاح هذه الحركات ضرورة لاستكمال النضال الديمقراطى والاجتماعى الذى افتتحته. واستطاعت أن تبنى هذه الحركات على الرصيد الشعبى العظيم الذى حققته خلال التصدى للاستعمار بهدف دعم نضال الطبقات الشعبية من أجل التحرر من علاقات السلطة البرجوازية بارتباطاتها بالإمبريالية العالمية التى كانت تناضل هذه الحركات نفسها بالسلاح فى مواجهتها. المثال الأبرز على ذلك هو الحزب الشيوعى الفرنسى فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لا يمكن لأحد أن يدعى أن الجنرال ديجول كان يساريا، بل كان ينتمى إلى قوى اليمين الفرنسى بكل ما تمثله من تعالٍ تاريخى على الطبقات الشعبية ونزوع أبوى شعبوى. ومع ذلك كان على الحزب الشيوعى الفرنسى أن يختار بين نزع سلاحه فى مساومات تحددها علاقات القوى، على أن يبدأ نضالاً سلميا يبنى فيه على قبوله الشعبى الذى حققه نتيجة مقاومته للاحتلال النازى أو أن يوجه بنادقه للداخل فى مواجهة اليمين العائد للسلطة من وراء البحار مغامراً بفقدان وتشتيت هذا الإجماع الشعبى وتدمير هياكل الدولة الفرنسية وجرجرة جمهوره إلى مواجهة مع السلطة تستبق مطالبهم وطموحاتهم نفسها وتضعهم فريسة على محك الصراعات الدولية فى معركة خسارتها مؤكدة. اختار الحزب الشيوعى الفرنسى الطريق الأول وكانت النتيجة هى المزيد من السلطة للطبقات الشعبية والمزيد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتغيير جذرى فى ثقافة المجتمع ككل بما فيه طبقاته المهيمنة فى اتجاه أكثر عقلانية وديمقراطية. نموذج الحزب الشيوعى الفرنسى ليس النموذج الوحيد فى هذا الصدد ولكن يمكن الإشارة إلى جبهة التحرير الجزائرية والجيش الجمهورى الأيرلندى وقوات الفايتكونج الفيتنامية التى أذلت الجيش الأمريكى ثم التحقت طواعية بالجيش الفيتنامى بعد توحيد البلد. حزب اللـه اختار العكس تماما بحكم تركيبته الطائفية وشبه الفاشية التى يتجاهلها مؤيدوه. فبحكم هذه التركيبة ذاتها كان الاستقلال بمثابة ورطة للحزب، لأنه لا يملك برنامجا أو بديلا فكريا وسياسيا على غرار ما امتلكه اليسار وغيره من حركات التحرر الوطنى فى العالم يستطيع أن يطوره فى شكل نضال سلمى. على العكس، حزب اللـه جزء أصيل من التركيبة الطائفية اللبنانية، ومن ثم عاد إلى قواعد اللعبة الطائفية سريعا مدمرا رصيده الشعبى الهائل ومطلقا العنان للعداوات المذهبية. ثانياً، بالإضافة إلى الطبيعة الطائفية لحزب اللـه، تتجاهل الفرضية أيضا أنه حزب شبه فاشي يحمل فى طياته عناصر السلطة الانضباطية الشائعة فى الأحزاب الفاشية فى العالم على أكمل وجه. هذين الملمحين حاضرين فى تعبئته الجماهيرية، التى تتغذى من هذين الرافدين: الانضباط الحزبى والتعبئة الطائفية. الانضباط شبه العسكرى الذى يفتقر لأية آليات ديمقراطية لا يقتصر على أمور الحرب والمقاومة، بل يشمل بالذات التعبئة الجماهيرية ذاتها، حيث ينزل جمهور الحزب إلى الشارع تحت رعاية لجان انضباط الحزب التى تنظم تحركهم وتراقب مدى التزامهم بعدم التعرض للطوائف الأخرى أو استخدام شعارات طائفية! الأمر لا يخلو من طرافة حقيقية: جماهير تنتمى بالمجمل لطائفة واحدة يحركها رجال دين يتحدثون باسم هذه الطائفة تحت رقابة عناصر أمنية باللاسلكى والبزات العسكرية المموهة تحتل شوارع أحياء "سنية" ولكن تعلن التزامها بعدم الدعاية الطائفية! وما يثير المرارة هو وصف هذا التحرك بالعفوى. فإذا كان هذا التحرك عفويا فلماذا لم ينجح فى جذب أية عناصر غير شيعية أو حتى غير حزبية إلى صفوفه؟ ولماذا لم يطرح أى مشارك فى هذه التحركات مطالب أكثر جذرية مقارنة بمطالب قيادته الحزبية، مثل إلغاء بنود اتفاق الطائف مثلا ككل والشروع فى كتابة وثيقة مصالحة وطنية جديدة؟ ولماذا قرر هذا التحرك "العفوى" الانسحاب بالكامل بغير أى اعتراض يُذكر من الشارع فى يوم الثلاثاء الأسود عندما قررت قيادته ذلك؟ نحن أمام تحرك مدروس للسيطرة على الشارع وإرهاب الخصوم بنفس أسلوب المسيرات الفاشية العسكرية المعروفة. ثالثاً، هذه الفرضية توحد بشكل غريب بين النضال ضد الاحتلال الإسرائيلى أو الأمريكى فى المنطقة وبين النضال ضد المشروع الإمبريالى الأمريكى/ الصهيونى فى المجمل وملامحه التى تتجاوز واقعة الاحتلال المباشر لأراضٍ عربية. فالنضال ضد الاحتلال لا يمكن أن يقتصر على الوسائل السلمية وإلا فقد فعاليته السياسية بالكامل. ومن ثم فلا مجال للحديث عن مشروعية المقاومة المسلحة فى العراق أو فلسطين بوصفها بقاعا خاضعة للاحتلال العسكرى المباشر- ويتسع المجال حتى بعد هذا الإقرار إلى اختلاف واسع حول استراتيجيات هذا النضال المسلح ذاته. على أن النضال ضد هذا الاحتلال لا يمكن أن يتسع ليشمل كافة بقاع المنطقة العربية على اعتبار أن هذه المنطقة ككل خاضعة لتهديد هذا المشروع الإمبريالى. لنتخيل الوضع فى حال وجود ميليشيا مسلحة على الأراضى المصرية تنازع الدولة سلطتها وتتمركز فى سيناء مثلاً وتحول دون وصول الجيش المصرى إلى الحدود مع إسرائيل وتتشكل فى مجملها من البدو وتقوم بذلك كله تحت شعار مواجهة المشروع الصهيونى فى المنطقة! تبدو الصورة عبثية بالقطع. ولكن فى المقابل لم تتوقف القوى الديمقراطية المصرية يوما عن دعم نضال الشعب الفلسطينى بكافة السبل من تظاهرات واعتصامات وتبرعات، أو حتى الضغط لفرض بدائل لسياسات التطبيع التى أقدمت عليها الحكومة المصرية فى فترة من الفترات. عدم لجوء هذه القوى للسلاح لا يقلل من إخلاصها واقتناعها بأحقية الشعوب الخاضعة للاحتلال فى اللجوء للكفاح المسلح من أجل نيل استقلالها. إطلاق تشكيل الميليشيات المسلحة التى تتقاطع فى الغالب مع التكوينات الدينية والمذهبية لشعوب المنطقة هو بمثابة تفكيك للدولة القومية حتى لا يتم احتلالها، أو تدمير المشروع الوطنى بأيدينا حتى لا يدمره الاستعمار! توزيع الأدوار على درجة عالية من الأهمية، وهو ما يجعل من المستحيل قبول فكرة أحقية أى حزب مناهض للإمبريالية والحرب على العراق فى العالم بأن يحمل السلاح، فى قلب لندن مثلا، بحكم أن لندن أحد العواصم التى تحتل العراق وتدعم المشروع الأمريكى فى المنطقة. الرفض لا ينبع فقط من عبثية مثل هذه الخطوة، ولكن أيضا لأنها استباق لحركة الناس وقفز عليها وترسيخ لدعاوى السلطوية فى مواجهة الإمبريالية، والتى لا تخلف إلا استبدادا يزدادا انحطاطا مع الوقت. النضال ضد الإمبريالية هو فى جوهره نضال ضد قوى عالمية تسعى لإجهاض مشروع تحررى اجتماعى وديمقراطى ومن ثم لا يجوز بأى حال التضحية بالدولة المستقلة -والتى لا تخضع أراضيها للاحتلال - فى سبيل تحقيق أية انتصارات وقتية، يقتصر أثرها على رفع زائف للروح المعنوية للجمهور فى المنطقة. الأخطر أن التركيز المفرط على النضال المسلح يفرغ المشروع التحررى ضد الإمبريالية من جوهره، وهو النضال ضد الأوجه المختلفة لظاهرة الاستعمار والتى تتجاوز الاحتلال العسكرى المباشر وتتسع لتشمل النضال ضد البدائل الاقتصادية المقترنة بالتوسع الاستعمارى أو التصورات الثقافية المقترنة بالإمبريالية. هذا الافتتان بالجانب العسكرى لا يجعل الكفاح المسلح فى الأراضى الخاضعة للاحتلال فى خدمة النضال ضد المشروع الإمبريالى، بل يجعل المناضلين ضد الإمبريالية فى خدمة من يحمل السلاح، والذى قد لا يكون بالضرورة مناهضاً للإمبريالية الرأسمالية، بل قد يكون على العكس حاملاً للسلاح بهدف "منافحة الغرب الكافر الذى نشر إيديولوجيات الإلحاد فى المنطقة كالشيوعية والديمقراطية". تجلى ذلك فى الحرب الأخيرة فى صورة مواقف ذيلية اتخذتها التيارات القومية العربية وبعض التيارات اليسارية من إقدام حزب اللـه على مهاجمة إسرائيل. أعلنت هذه التيارات، المعروفة بنزوعها التقدمى، تأييدها لعملية حزب اللـه بدون قيد أو شرط تحت دعوى أن لا مقاومة تستأذن أحدا قبل مهاجمة أعداءها. ولكن تاريخ نفس هذه الحركات اليسارية والقومية حافلا بالنقد لتحركات مسلحة ضد إسرائيل. أشهرها على الإطلاق انتقادها المر لقرار عبد الناصر بسحب المراقبين الدوليين من سيناء وإغلاق المضايق والذى كان بمثابة إعلان الحرب على إسرائيل فى 1967. فى هذا الوقت اتخذت الفصائل اليسارية المصرية- والتى لا يزايد أحد على وطنيتها أو مناهضتها للإمبريالية- خطا واضحا يدين تحرك ناصر ويعتبره قفزة فى الهواء استعراضية الطابع غرضها تعبئة الجماهير خلف مشروعه الدولتى والذى يسعى للتواؤم مع الإمبريالية فى التحليل الأخير. ومع ذلك لم يتهمها أحد بالعمالة. هذا هو الموقف المتسق لتيار يسارى مناهض للإمبريالية بالفعل ولا يسعى لاكتساب شعبية افتقدها خلال سنين عزلته الطويلة فى ليلة واحدة بإعلان تأييد مغامرات عسكرية فاشلة لا هدف من ورائها إلا إشعال حرب إقليمية لا تمت بصلة للنضال ضد المشروع الإمبريالى. رابعاً وأخيراً، تتجاهل هذه الفرضية- عمداً أو عن غير قصد- بديهية أخرى وهى أن مد الخط على استقامته يقودها إلى القبول بخيار الحرب الأهلية، والتى ستصبح وفقا لمثل هذه الفرضية "حلقة من حلقات الثورة اللبنانية"، كما أطلق عليها الحزب الشيوعى اللبنانى فى الماضى. فالوصول إلى نهاية هذا التداعى المنطقى يقود إلى تحريض حزب اللـه على اللجوء للسلاح من أجل إقصاء خصومه عن السلطة والسيطرة على لبنان بالكامل وتحويله لقاعدة تقارع المشروع الأمريكى فى المنطقة. هذا هو الخيار الذى انتهجته قوى الثورة الفلسطينية واليسار اللبنانى فى عام 1975، ثم كان ما كان من إشعال الحرب الأهلية التى لا زال لبنان يعيش تداعياتها حتى اليوم. إن كان هذا هو خيار بعض القوى اليسارية والقومية العربية فليعلنوه صراحة، ولكن الأكيد أن هذا ليس خيار حزب اللـه؛ فقد أعلن الحزب مراراً أنه لا يريد خوض الحرب التى تستهدف تقويض دعائم النظام الطائفى بالمجمل ولكنه يستهدف التحرك من داخل نفس النظام الطائفى لفرض مطالبه. أى أن عورات خطاب الحركة القومية العربية وامتداداتها فى اليسار، تبدو فى الواقع العملى مجرد أوهام نتجت عن إسقاط اختيارات على التيارات الدينية حاملة السلاح، التى تتمسك بالمقابل بقدر كبير من التعقل ناتج عن تقديرها لمسئولياتها الطائفية بالذات.
ما العمل إذن؟ أزمة البديل الديمقراطى فى لبنان كما ذكرنا فى المقدمة، لا يمكن أن نفكر لليسار اللبنانى، ولا ينبغى ذلك. كل ما نستطيع فعله هو الاشتباك النقدى مع أطروحات اليسار المصرى بشأن الحرب اللبنانية وتحركات حزب اللـه وحلفاؤه، وهو ما حاولنا فعله فى السطور القليلة الماضية. كذلك نستطيع من خلال قراءتنا للصراع الدائر فى لبنان وتجارب التحرر الوطنى فى العالم أن نذكر المحددات التالية بوصفها إطاراً تتحرك بداخله المواقف اليسارية من الشأن اللبنانى حتى وإن اختلفت تحالفاتها: أولاً: الرهان الكامل على كلا الطرفين لا يشكل مخرجاً من الأزمة القائمة. جوهر الإشكال اللبنانى يتمثل فى استمرار النظام الطائفى الذى يؤبد هيمنة البرجوازيات المحلية وغيرها من القوى الإقطاعية الطابع ويفتح الطريق أمام التدخلات الخارجية، سواء أتت من واشنطن أو من طهران. وكلا الطرفين لم يبدِ أى استعداد حتى الآن لمراجعة أسس هذه المحاصصة الطائفية، بل على العكس يتلاعب بها كل طرف على طريقته. وعدم الرهان على أى من الطرفين لا يمثل خياراً طوبوياً أو معزولاً. على العكس، يعد ذلك بمثابة انحياز لخيار غالبية اللبنانيين- خارج الطائفة الشيعية- غير المحزبين حاليا والذين تجبرهم الدعاية والتصعيد الحاليين على الانحياز مرغمين لأحد طرفى الصراع. بدون تنظيم هذه الكتلة فى بديل ثالث ديمقراطى فى جوهره ومبناه لا يمكن الرهان على تصفية الطائفية على الأمد البعيد. اليسار اللبنانى كذلك أصبح أقرب إلى هذا البديل. فبعد أن انحاز الحزب الشيوعى اللبنانى إلى معسكر حزب اللـه فى معركته مع حكومة 14 آذار عاد أدراجه سريعاً ليحتفظ بمسافة تفصله عن الهوس الشعبوى المسيطر على حركة الاحتجاج على الحكومة والساعى لنسف أى سبيل للمصالحة الوطنية. وعلى الجانب الآخر، تراجع حركة اليسار الديمقراطى نفسها بعد سنتين من تماهى قيادتها مع خطاب 14 آذار الليبرالى المجرد والأجوف والذى هدد بعزلتها عن محيطها الطبيعى المناهض للإمبريالية والليبرالية الجديدة فى المنطقة وفى لبنان، وشهد مؤتمرها السنوى المنعقد فى أبريل الماضى إعادة نظر فى وجودها داخل تجمع 14 آذار من الأصل بعد أن انقطعت أية صلة تربطه بالانتفاضة التى مازال يتمسح باسمها وإن كان قرار الانسحاب من هذا التجمع مازال معلقاً. ثانياً: تصفية هذا النظام الطائفى لا يمكن أن تتم بدون نزع سلاح حزب اللـه وتحوله لحزب سياسى مدنى على غرار ما حدث مع كافة الأجنحة المسلحة لحركات التحرر الوطنى بعد استقلال أراضيها. لا يمكن التخلص من التعبئة المذهبية والطائفية بإعلان أن سلاح أحد الطوائف لا يوجه للداخل على الرغم من عدم وجود طرف خارجى يحتل لبنان ويستخدم هذا السلاح فى مواجهته. مجرد وجود ميليشيا حزب اللـه نفسها ومفاخرته بهذا الوجود هو فى حد ذاته عامل توتر طائفى دائم. ثالثاً: أحد بديهيات تجارب نزع سلاح حركات التحرر الوطنى وإدماجها فى أبنية الدولة هو ضرورة خلق توافق وطنى وعدم تصوير الأمر كما لو كان هزيمة للطرف المسلح. وفى الحالة اللبنانية لا يمكن تحقيق مطلب نزع سلاح حزب اللـه بدون تسوية مرضية لحزب اللـه نفسه باعتباره الطرف الذى حمل عبء الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلى للجنوب طوال عقد كامل. كذلك لا يمكن أن يتحقق نزع السلاح بدون توفير ضمانات دولية تحول دون عودة إسرائيل لاستباحة الجنوب اللبنانى. لا يمكن أن يتحقق مثل هذا التوافق فى ظل مناخ الشحن الدائم ضد الحزب الذى تمارسه قوى 14 آذار وإصرار رموزها على نزع الحزب لسلاحه بوصفه إقرارا بهزيمته. مناخ كهذا لا يؤدى إلا لإثارة مزيد من الشحن الطائفى لدى قواعد الحزب.
مرة أخرى لا يمكن أن تتم فلترة خطاب 14 آذار بصدد المطلبين – بناء التوافق الوطنى وتوفير الضمانات الدولية- بدون وجود القطب الديمقراطى الثالث غير الطائفى والمناضل ضد الإمبريالية. ما هى شروط ظهور هذا البديل؟ وإلى أى مدى يعتبر ظهوره واقعيا؟ وأى سياسات يتبع وأى تحالفات يبنى؟ هى جميعها أسئلة متروكة للبنانيين أنفسهم ليجيبوا عليها. أما نحن فى مصر فخيارنا منحاز للمحددات الثلاثة ويقف بحزم ضد أى دعوى تمرر خيار الحرب الأهلية بوصفه خياراً مقبولاً إلى الجدل العام.
نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:39.
( categories: )
رد |
||
|
Elbosla | Designed by Bent Masreya 2007 |
||
أحدث التعليقات
منذ 23 أسبوعا 4 أيام
منذ 27 أسبوعا 6 أيام
منذ 29 أسبوعا 6 أيام
منذ 30 أسبوعا يوم واحد
منذ 30 أسبوعا 4 أيام
منذ 30 أسبوعا 5 أيام
منذ 31 أسبوعا 19 ساعة
منذ 31 أسبوعا يومين
منذ 32 أسبوعا 6 أيام
منذ 33 أسبوعا 3 أيام