|
صوت ديمقراطي جذري
|
||
العلمنة والعلمانية المصرية فى التاريخ : نقد أطروحة طارق البشريشهاب فخري
نبدأ بعرض سريع لأهم ملامح تأريخ البشرى للعلمنة في مصر ثم ننتقل لبعض الملاحظات النقدية. يبدأ البشري بإقرار إحدى المسلمات الأساسية لفهم فكرته عن العلمانية والعلمنة، فيقول أنه منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، بل وحتى الآن، كان الاستعمار ولا يزال المشكلة الرئيسية التي تواجه الشعوب في المنطقة العربية، بحيث لا نستطيع بدونها أن نفهم دوافع الحركات السياسية في فشلها أو نجاحها. يبدأ السرد التاريخي بمشروع محمد علي، الذي يقول عنه البشري، بخلاف التحليلات "القومية"، أنه كان فى الواقع مشروعا لإعادة إحياء دولة الخلافة العثمانية في ثوب جديد، لا لتحقيق استقلال الدولة المصرية عن الإطار الإسلامي العثماني. ويستشهد البشري على هذا بواقعة تقدم جيش محمد علي نحو سوريا وحتى أبواب استانبول في 1839، حيث لم يعق هذا التقدم العسكري إلا التدخل الإنجليزي الفرنسي. وهو يرى أن تطور الدولة المصرية المستقلة عن الإطار الإسلامي العثماني خاصة بعد معاهدة لندن 1840، لم يكن نتاجا لإرادة محمد علي في الاستقلال، وإنما لفشله في إعادة إحياء الدولة العثمانية بسبب التدخل الأجنبي. ويرتب على ذلك أن العلمانية كفكرة مرتبطة بتكون الدولة القومية المصرية بعيداً عن الإطار الإسلامي العثماني لم تكن أبداً من أهداف محمد علي، وإنما نتجت عن فشل مشروعه الإحيائى، وعن ضعف القطر المصري المنفصل عن الدولة العثمانية أمام الأطماع الأجنبية. فكيف حدث هذا؟ بعد تسوية 1840- 1841، التى حصل بموجبها محمد علي على حكم ولاية مصر وراثيا فى ذريته، بدأت مرحلة جديدة من التدخل الأجنبي في شؤون القطر المصري المنفصل، الذي أصبح عرضة للأطماع الأجنبية على حد قول البشري. فنلحظ أن بعثات محمد علي إلى أوربا كانت في بداياتها مقتصرة على العلوم الطبيعية والفنون الهندسية والطبية بينما كانت بعثات العلوم الإنسانية قليلة جداً. أما بعد التسوية، وتزايد ضعف الدولة العثمانية، فقد بدأت مرحلة أخرى من المحاكاة والاستلهام اتجهت فيها البعثات الأوربية نحو ما يسميه البشري "تربية الوجدان وصياغة العقول والرؤى الحضارية" (الحوار الإسلامي العلماني، دار الشروق. ص 16). أي أن دور البعثات الأوربية كان مقتصرا على التعرف على تقنيات وصنائع الغرب، ثم أصبحت تستقى من معايير وقيم الغرب ذاتها وتحتكم إليها؛ فلم يعد الأمر يتعلق بالوسائل بل بالغايات. وفى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتحت الضغوط الأوربية، تمت محاكاة النظم الإدارية والتقنيات القضائية، بل ونظم التعليم أيضًا، كما سُمح بنشر نظم التعليم الغربية. ويصل التدخل الأجنبي تحت وطأة الأزمة المالية في عهد الخديو إسماعيل إلي ذروته مع إنشاء المحاكم المختلطة في 1876، والتي اعتمدت في تشريعاتها بشكل أساسي على القوانين الفرنسية. كما أنشئت المحاكم الأهلية بعد ذلك في 1883 معتمدة أيضاً على القوانين ذاتها. لا نفاجئ القارئ إذا قلنا أنه، بالنسبة للبشري، امتدت جذور العلمنة ونمت في الدولة المصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر خاصة، فقد تم بالفعل، ولكن تدريجيًا، الاستغناء عن النظام القضائي الإسلامي المستمد من الشريعة لتحل محله التشريعات الغربية. وهى تطورات، فيما يرى، لم تكن لتحدث بغير التدخل الأجنبي وبغير مساعدة فئات مصرية ارتبطت مصالحها بالوجود الأجنبي. أما عن العلمانية كمفهوم سياسي وفلسفي، فيقول البشري أنه باستثناء من كانت مصالحهم مرتبطة بالوجود الأجنبي، لم يجد الفكر العلماني في أواخر القرن التاسع عشر له نصيرا في أوساط المثقفين والناشطين السياسيين في مصر، بل على العكس نجد صحيفة اللواء والحزب الوطني اللذين أنشأهما مصطفى كامل متمسكَين بالهوية الإسلامية العثمانية لمصر. ولم تختمر إذن، بالنسبة للبشري، "عناصر التغريب" إلا في العشرينات من القرن العشرين، حين ظهر جيل المدارس الحديثة بـ"مناهجها التغريبية"، وهو نفس الجيل الذي سافر إلى أوربا ليدرس فيها العلوم الإنسانية. وتبدأ مع هذا الجيل ظاهرة في غاية الأهمية عند البشري، وهي ظاهرة العلمانية الوطنية. فمنذ العشرينيات من القرن العشرين ظهر جيل ضد الاستعمار ولكنه في نفس الوقت علماني، يعارض اتصال الإسلام بالدولة. وتتضح أهمية هذا الجيل عنده فى قوله بأن هذا الجيل الوطني العلماني منح الفكر العلماني والمذاهب الغربية الوافدة مشروعية لم تكن لها أن تكتسبها بغير مفكرين مثل طه حسين وعلي عبد الرازق. بعبارة أخرى، ارتبطت مشروعية الفكر العلماني في مصر باقتران العلمانية بالمشروع الوطني المعادي للاستعمار. فمن جهة، اكتسب هذا التيار المشروعية والمصداقية بسبب معاداته للاستعمار والمصالح الأوربية، ولكنه ظل من وجهة نظر البشري امتداداً للتغريب، لأنه ظل يستحدث أفكارا وقيما غريبة عن مصر، فهو تيار يستلهم الفكر النهضوي من نفس البلاد التي يحارب وجودها السياسي والعسكري في مصر. وهنا يجب أن نشير إلى نقطة مهمة أخرى، وهي أن البشري يربط بشكل مباشر بين تاريخ العلمنة في مصر ومشروعية العلمانية كمفهوم سياسي اجتماعي. فالعلمانية لم تكن لتوجد بدون التدخل الأجنبي الذي تسبب بشكل أو بآخر في إسقاط الشريعة. ولا نبالغ إذا قلنا أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر والذي تمت فيه علمنة النظام القضائي يشكل عنده حقبة من التراجع والانحدار القيمي. فالإسلام من وجهة نظره نظام شامل. فهو ليس فقط نظام من العبادات التي تضبط علاقة الفرد الخاصة بربه، وإنما هو "أصل الشرعية، ومعيار الاحتكام، والإطار المرجوع إليه في النظم الاجتماعية والسياسية وأنماط السلوك" (الحوار الإسلامي العلماني. ص 8). هناك إذن علاقة "عضوية"، من وجهة نظر البشري، بين الإسلام كنظام سياسي اجتماعي كامل والقانون (أي الشريعة)، الذي يستمد مشروعيته ليس فقط من أصله الإلهي ولكن أيضاً من السلوكيات والقيم السائدة في المجتمع. ويرتب البشرى على هذا أن العلاقة كانت وطيدة بين الأخلاق والعرف السائد من ناحية والقانون من ناحية أخرى قبل علمنة النظام القانوني المصري، لأن القانون المتمثل في الشريعة الإسلامية لم يكن إلا تعبيرا عن النظام الأخلاقي الإسلامي السائد في المجتمع. وبالتالى أدت التشريعات الوافدة، غير المرتبطة بالأخلاق السائدة في المجتمع، إلى قيام فجوة بين دائرتي الأخلاق والقانون، وإلى ازدواجية قيمية، لأن القانون لم يعد يعبر عن الاستعدادات الأخلاقية والعرف السائد، بل عن قيم غريبة مفروضةٍ من أعلى، بحيث أصبحت العلاقة بين الأخلاق والقانون علاقة إضعاف متبادل، لا تغذية متبادلة (الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، دار الشروق. ص 27-31). * نتمنى أن نكون قد قدمنا فى الفقرات القليلة السابقة فكرة شاملة عن تحليل البشري للعلمنة والعلمانية. ولعل أول ما يلاحظ أن البشرى، برغم رقي مستوى تحليلاته، يأتى لنا في نهاية الأمر بفكرة مألوفة، هي أن العلمانية لم تظهر في المجتمع المصري بناء على جهود ذاتية، أو تلبية لاحتياجات محلية، ولكنها كانت أساسا نتاج تدخل الغرب، بل ولفرضه قيم غريبة على مجتمعنا. ومثلما يربط البشري بين الظروف الملازمة للعلمنة والتدخل الأوربي يربط أيضاً بشكل ضمني بين مشروعية العلمانية كمفهوم سياسي اجتماعي والظروف التاريخية التي أمكن فيها ظهور الفكر العلماني. فالعلمانية تفتقر إلى المشروعية من وجهة نظر البشري لأنها فكر دخيل تم فرضه، كما تم فرض الظروف التي أتاحت قيامه فى مجتمع مسلم كان يتعايش مع الإسلام بمعناه الشامل كنظام أخلاقي وسياسي وقانوني كامل. لا تتسع مساحة هذا المقال لتفاعل نقدي مع أطروحات البشري على جميع مستوياتها. وبالتالى فإننى أحصر النقاش في ثلاثة محاور: الأول تاريخي، يختص بحقيقة ما يقوله البشري عن تغلغل العلمنة في النظم القضائية والقانونية بداية من منتصف القرن التاسع عشر بسبب ازدياد النفوذ الأجنبي الاقتصادي والسياسي ثم العسكري في مصر. المحور الثاني يناقش نظرة البشري الرومانتيكية الأسطورية عن عصر ما قبل النفوذ الأجنبي كعصر ذهبي تعايش فيه الجميع بسعادة تحت المظلة القيمية والسياسية للإسلام على حد قوله. أما المحور الثالث فيناقش بعض الدلالات السياسية لنفس النظرة الرومانتيكية.
علمنة النظام القضائى المصرى: من المسئول؟ بالنسبة للمحور التاريخي، أعتقد أن أطروحات البشري يشوبها نوع من التبسيط، فقد تغاضى عن النظر بجدية في الأسباب الواقعية التي دفعت الدولة المصرية الحديثة في فترات تكوينها إلى استحداث تقنيات قضائية وقانونية حادت بها عن النظم الفقهية الإسلامية، وصوَّر هذه النقلة بالمقابل كنقلة "ثقافية" بحتة، ناتجة عن النفوذ الأجنبي وحده. دعنا ننظر إلى الإصلاحات القضائية والقانونية التي تمت في الأربعينات وحتى الستينات من القرن التاسع عشر، أي قبل التدخل العسكري المباشر للاستعمار البريطاني. واقع الأمر أن هذه التحولات في النظم والممارسات القانونية، والتي تم من خلالها تأسيس نظم قضائية وقانونية وضعية موازية (ولا نقول معارضة) للنظام الفقهي الشرعي، كان لها مبررات من داخل منطق الدولة المصرية الحديثة وليس من خارجها (أنظر إلى كتابات خالد فهمي وناثان براون Nathan Brown ورودولف بيترز Rudolph Petersو كلارك لومباردي Clark Lombardi، والتى اعتمد عليها هذا المقال). مع محمد علي، بدأ مشروع تأسيس الدولة الحديثة وتأسيس نمط الإنتاج الرأسمالي في مصر، ولكنها كانت بداية مختلفة عما حدث في أوربا، حيث كانت الدولة هي المحرك الرئيسي لعملية الإنتاج والمالك الرئيسي لوسائله. وكان من السمات الأساسية لهذا المشروع توسيع وتطوير ومركزة centralization النظام الإداري البيروقراطي، الذي اتسعت مهامه لتتجاوز تحصيل الدخل الحكومي لتصل إلى إدارة عملية الإنتاج. وما يهمنا في وصف هذا المشروع هو التأكيد على خاصية مركزية الدولة المصرية الحديثة في مراحل تكونها وأهمية تحكم الدولة في العلاقات البشرية وفي النشاطات الاقتصادية والاجتماعية. فى هذا السياق أتت فكرة التعديلات القضائية والقانونية، كنتيجة منطقية لهذه التحولات في بنية الدولة. وقد ظهر نظام المجالس القضائية التي تبنت قوانين وضعية في أواخر عهد محمد علي، ولكن الجدير بالذكر أن هذه المجالس لم تعتبر عند المعاصرين نقيضا للنظم القضائية الفقهية وإنما استكمالا لها، فلم يكن الغرض منها نقض الشريعة ولكن العمل لتحقيق أغراض الشريعة العامة فى ظروف جديدة. وكانت هذه المحاكم في الواقع تعبيرا عن قوة الجهاز الإداري للدولة الحديثة وقدرته على الضبط والتحكم في العلاقات البشرية. وبالنظر إلى أحكام هذه المجالس يتراءى لنا كيف تشكلت علاقة غير متطابقة بين المجالس القضائية والقضاء الشرعي الفقهي؛ فعلى سبيل المثال لم يعد الرأى الفقهي الذى يقرر وجوب إخلاء سبيل المدعى عليه إذا سامحه المدعي مقبولاً من وجهة نظر المجالس القضائية، ليس فقط لأن الدولة لديها من الوسائل ما يمكن به إثبات الاتهامات ومطاردة المجرمين، بل لأن هذا "التسامح" قد يعبر في النهاية عن ضعف الدولة وعدم قدرتها على ضبط الأمن العام (انظر مقال خالد فهمي بعنوان The Anatomy of Justice: Forensic Medicine and Criminal Law in Nineteenth-Century Egypt). الجدير بالذكر هنا أن هذه ليست مسألة نوايا، فلم يعارض قضاة المجالس القضائية الحكم الشرعي من قبيل اللا مبالاة أو لأغراض "علمانية" صريحة. لقد فرضت قوة الدولة المركزية الحديثة نفسها على النظام القضائي مطالبة إياه بتحقيق مطالبها في التحكم في السكان وفي علاقاتهم. وعلى صعيد آخر شكلت القوانين الوضعية المعلنة خطوة مهمة للدولة المصرية الحديثة في توحيد المعايير القانونية، مما ساعد على تقوية صورة الدولة القوية القادرة على النفاذ إلى حياة البشر وعلاقاتهم. فبدلاً من النظام الشرعي المعتمد على تفسير القاضي الشرعي لقواعد الفقه وسننه، جاءت القوانين الوضعية المعلنة كمعيار واضح (أو على الأقل أكثر وضوحاً) للحكم وكإجراء نتج عنه تقليص مساحة التفسير. تتبلور في هذه التطورات حقيقة مهمة، وهي أن ما يمكن تسميته بعلمنة النظام القضائي المصري، أي التحول التدريجي الذي بدأ في العقود الوسطى من القرن التاسع عشر من النظام القضائي الفقهي الشرعي إلى القوانين الوضعية، لم يكن فى الأساس ناتجا عن تدخل الغرب كما يقول البشري، وإنما نتج بشكل ملموس- ولا أقول بشكل واعٍ- عن تطور الدولة المصرية الحديثة ذاتها. ومن هنا تكون أطروحة البشري القائلة بأن التحول العلماني للنظام القضائي والإداري المصري نتج عن النفوذ الأجنبي غير دقيقة، إن لم تكن قد جانبت الصواب بشكل واضح. ويبدو لنا، في نهاية الأمر، أن تركيز البشري على المنظور الثقافوي للعلمنة جعله غير قادر على تتبع الأسباب المادية المتصلة بالتحولات البنيوية للدولة المصرية، والتي تكشف الوثائق عن أثرها الكبير فى عملية علمنة القضاء المصري.
هل هناك هوية إسلامية مطلقة؟ غير أن هذا المنظور الثقافوى ينبع أصلا من مسألة أخرى أكثر تأصلاً في فكر البشري. فهو يقدم، كما ظهر في الفقرات السابقة، فكرة رومانتيكية أسطورية عن العصر الذهبي لما قبل النفوذ الأجنبي، الذى استمرت فيه، على حد قوله، "التكوينات الفكرية والصياغات الوجدانية ورؤى المستقبل وتصورات المدينة الفاضلة للإنسان ومعايير التحاكم في السلوك والتعامل والتداول...استمرت كلها إسلامية" (الحوار الإسلامي العلماني. ص 20). وقد يغفر لنا القارئ إذا سألنا بنوع من السذاجة: أية دراسات تاريخية أو إثنولوجية اعتمد عليها البشري في يقينه بأن كل الصياغات الوجدانية وتصورات المدينة الفاضلة كانت إسلامية؟ المشكلة في الحقيقة أن هذه مسلمة في فكر البشري، ولذلك يصعب أو يستحيل عليه الإقرار بأن العلمنة جاءت بأي شكل من الأشكال من "الداخل". فالداخل، أي المجتمع المصري الإسلامي في القرن التاسع عشر، هو عنده كتلة موحدة إسلامية لا تشوبه أية شوائب مذهبية أو دينية أو عرقية أو لغوية، وهو مجتمع يستقي قيمه وسلوكياته وطموحاته وقوانينه من الإسلام، بل أيضاً من رؤية موحدة للإسلام. فهو، كما يقول هيجل عن المجتمع الإغريقي القديم، مجتمع ذو "جوهر أخلاقي" بحيث تكون فيه القوانين متداخلة أو متطابقة مع العرف السائد في المجتمع، ومن هنا يكون القانون تعبيراً عن روح الشعب ذاته وليس فقط أداة لضبط السلوك الخارجي للفرد. فالإسلام بالنسبة للبشري كيان أكبر بكثير من الشريعة بشكلها القانوني، وأطروحته الأساسية هي أن الإسلام هو روح القانون وهو الكيان القيمي الذي شكل أخلاقيات المجتمع، وهو الذي يضفي على القانون بشكله الوظيفى مشروعية حقيقية. وبناء عليه يكون اقتباس قوانين غربية وضعية بمثابة إقامة لفجوة بين دائرتي الأخلاق والقانون، لأن الأخير أصبح أداة وظيفية بحتة، لا يعبر عن أخلاقيات المجتمع، وبالتالى لا تستند قوة القانون الوضعي المستحدث إلى ضمير الفرد، وإنما إلى قدرة الدولة القمعية. آخذ على البشري هنا أنه لم يحاول تبرير هذه المسلمة، بل تعامل مع فكرة الإسلام كنظام أخلاقي اجتماعي شامل للمجتمع المصري ككل بدون أي تحليل نقدي، وهو بذلك لا يأخذ فكرة التعددية محمل الجد. فبرغم جهده النظري فيما يخص المشكلة الطائفية، يرى البشري فى الإشارة إلى التعددية الداخلية للكيانات الكلية والشاملة مجرد أسلوب للتشتيت يستخدمه المغرضون لإثارة الفتنة. فتكون الإشارة إلى التعدد المذهبي في الإسلام، أو التعدد اللغوي والإقليمي والعرقي والديني بين شعوب الشرق الأوسط، مُدانة حتى تثبت براءتها، لأنها عوامل تشتت ما هو بالفعل، فى رأيه، كامل ومتسق داخلياً. ولكننا في الواقع في وقت أحوج ما نكون فيه إلي مخاطبة إشكالية التعددية. فبعد الحرب الأهلية اللبنانية والحرب الطائفية الحالية في العراق بات من الواضح أن الوحدة الداخلية لشعوب الشرق الأوسط ليست مسلمة بديهية، ناهيك عن الشعب العربي والإسلامي أجمعه. وفي مصر تزداد المؤشرات على وهن "التلصيم القومي" للأمة ذات المصالح والقيم والاتجاهات الثقافية والسلوكية الواحدة. وليست الصراعات الطائفية التي ازدادت حدتها هي المؤشر الوحيد، فهناك صدمة المثليين الذين صورتهم الصحافة المصرية كـ"طائفة" شيطانية لا مكان لها في المجتمع المصري، أو صدمة البهائيين، إلى آخره من "المفاجآت" التي يدرك فيها بعضنا، ولأول مرة، أن هناك بشرا يعيشون بيننا ولكنهم لا يشاركونا نفس القيم والسلوكيات و"الصياغات الوجدانية". وبشكل أكثر مباشرة فإن الوحدة" العضوية" الإسلامية للمصريين في القرن التاسع عشر ليست على الأرجح سوى الوجه الآخر لهيمنة النظام الرسمي للدولة بزيها الديني القيمي وعدم وجود مساحة حقوقية تمكن معارضي القيم والسلوكيات و"الصياغات الوجدانية" الرسمية من رفع أصواتهم في العلن. وتبين فقرة مهمة من عرض البشري للعلاقة بين الأخلاق والقانون التداعيات السياسية لتصوراته الاجتماعية، حيث يعقب على مرحلة اقتباس القوانين وما يصاحبها من قيم غريبة عن البيئة المصرية الإسلامية بقوله أنه "لا يكفي أن يسن القانون بطريقة ديمقراطية، أي بأسلوب جماعي أو نيابي، إنما يتعين أن يسري بين الناس وفيهم مسرى العلاقات الحية التي تقوم بينهم" (الوضع القانوني. ص 29). قد لا يرى البعض وظيفة "إنما" في جملة البشري، فحسب أحد تفسيرات مبدأ السيادة الشعبيةPopular Sovereignty، يكون الأسلوب الديمقراطي الجماعي، أو الانتخابي، لسن القوانين هو عينه التعبير الحقيقي عن القوانين التي يريد لها الشعب أن تسرى فيما بينهم مسرى العلاقات الحية، وإلا لماذا كان الانتخاب والاقتراع؟ لا تعبر هذه الجملة فقط عن شكوك البشرى حول فكرة الدولة المركزية التي تبدو من سياق الفقرة، والتي لا أستطيع أن أتطرق لها الآن، وإنما تعبر أيضاً عن شكوكه فيما يمكن تسميته بالديمقراطية الإجرائية. فأحد تفسيرات الديمقراطية هو أنها إجراء يتم فيه التفاوض والاقتراع من قبل الأفراد الأحرار المنتمين إلى طبقات ومذاهب سياسية مختلفة، كما يتم فيه التوصل إلى صياغة مجموعة من القوانين، لتحكم بدورها كل الأفراد الذين شاركوا في هذا الإجراء، حتى من كان منهم معارضاً لهذه القوانين. ويعتمد هذا التفسير للديمقراطية على مسلمات، أهمها أن أفراد الشعب لديهم حقوق متساوية في التعبير والاقتراع، وأنه توجد مساحة ما من الحقوق الفردية المتساوية التي لا يمكن حتى للأغلبية أن تلغيها (وإلا تحولت الديمقراطية إلى استبداد باسم أغلبية الشعب). هذا تفسير "صراعي" للديمقراطية، ففي حدود هذا الإجراء كل تشريع ممكن ولا توجد فكرة مسبقة عما يجب التوافق عليه، وبذلك لا تشكل القيم أو الأعراف السائدة في المجتمع أية قيود على هذا الإجراء. في المقابل نرى أن البشري يميل إلى ما يمكن تسميته بالديمقراطية المضمونية، وهي ليست ضد الاقتراع والانتخاب، ولكنها ترى أولوية، بل وضرورة، فرض القيم والأعراف التى تؤمن بها الأغلبية على الجميع لحدود أكثر مما تتقبله الديمقراطية الإجرائية (وبالطبع يوجد اختلاف بشأن المدى الذى يمكن أن يذهب إليه هذا الفرض). فهذه ديمقراطية قد يقول عنها مؤيدوها أنها "توفيقية"، فهي تؤكد على أهمية القيم والأعراف السائدة من ناحية وتطالب الأقليات بالانصياع لهذه القيم من ناحية أخري، وبالتالى فإنها لا ترى في ذلك إهدارا لحقوقهم. من هذا المنطلق تتوافق جملة البشري مع فهمه للعلمانية وتأريخه للتحول العلماني في مصر، فقد جاءت العلمانية عن طريق النفوذ الأجنبي لتغرز أفكارا وقيما غريبة عن القيم المحلية، وتسببت القوانين المقتبسة في انفصال القوانين عن الأخلاق والأعراف السائدة في المجتمع، الذي كان وما زال إسلامياً بالمعنى الشامل للكلمة. ولهذا لا ينصلح الحال إلا بالرجوع إلى، أو باستحداث، قوانين تستقي إلهامها من النظام الإسلامي "السائد" في المجتمع، والذي لا يزال "يسري بين الناس وفيهم مسرى العلاقات الحية". هذه من وجهة نظره هي الديمقراطية الحقة. تتلخص "الميتافيزيقا الاجتماعية" للبشري في تسليمه بأن المجتمع المصري كان في القرن التاسع عشر، وما زال بشكل من الأشكال، برغم ظهور العلمانية الوطنية التي تحمل داخلها تناقضات، مجتمعا ترجع فيه كل القيم والسلوكيات والصياغات الوجدانية إلى الإسلام كنظام قيمي اجتماعي شامل. ويبني البشري على هذه المسلمة فكرة عن الديمقراطية سميناها نحن مضمونية. وتناسقاً مع نقدنا للأساس الاجتماعي المبسط والأحادي للبشري تكون الفكرة السياسية المبنية عليها أيضاً محل نقد. بالمقابل، التعددية في وجهة نظرنا "حقيقة" اجتماعية لا بد أن يأخذها البحث والتحليل السياسي كنقطة بداية لا مفر منها. ولأن التعددية المذهبية والدينية والعرقية واللغوية موجودة في المجتمع، حتى في أوقات لم يكن متاحا لها فيه الإعلان عن نفسها، فإن الوقت قد حان الآن للتنظير للمجتمع والمواطنة بدون أية رواسب لفكره الأمة ذات التعريف الأحادي أو الهوية الأحادية المطلقة. وباختصار فإن ما نحتاج إليه، على خلاف طرح البشري، هو شيء من الديمقراطية الإجرائية التي لا تستبق اختيارات البشر، ولا تطرح عليهم غاية نهائية سياسية من خارج العملية السياسية ذاتها، مع احتفاظها بأكبر قدر ممكن للحريات الفردية، والتى هي في النهاية الأسلحة الدفاعية للفرد ضد سلطة كل من الدولة والمجتمع. إننا نضم صوتنا إلي ما قاله الكثيرون بشكل أكثر تفصيلاً عن فكرة المواطنة الديمقراطية والتي لا تنادي فقط بالفصل التام والنهائي بين المؤسسات الدينية والمؤسسات السياسية، بل أيضاً رفض ومقاومة أي نوع من التحيز من قبل القانون لأية جبهة "قيمية" أو دين أو مذهب. وبالتالي يكون النقد الرئيسي لفكرة البشري عن الديمقراطية - إذا كانت قراءتنا لها صحيحة - أنها في الواقع غير ديمقراطية، فهي تستبق العملية السياسية بطرح الإسلام، أو تصوره هو، الرومانسى، عنه، كمرجعية عليا للقوانين والقيم والسلوكيات. وهي "ديمقراطية" مستعدة للتفريط الواسع فى مساحة الحريات الفردية من أجل غاية نهائية مفترضة للمجتمع، وهي الحفاظ على إسلاميته.
دعوة إلى مناقشة جادة للعلمانية أخيرا، توجد نقاط كثيرة أخرى للتفاعل النقدي مع أطروحات البشري، نشير إلى إحداها هنا بشكل سريع. ما يثير الدهشة في عرض البشري هو عدم اهتمامه بمناقشة وتحليل الفكر العلماني بشكل كاف، أو حتى مناقشته أصلا. فقد اكتفى البشري بالإشارة إلى العلمانية كإسقاط لسلطة القوانين الإلهية وإحلال القوانين الوضعية محلها، وكأن هذا يعد بحد ذاته سبباً كافيا لاستبعاد هذه الفكرة ودليلاً واضحاً على عدم جدواها، في الوقت الذي يستشهد بعض العلمانيون بهذه الخاصية كسبب لدعمهم للفكر العلماني. بهذا التجاهل اختار البشرى ألا يصل إلى حل جذري للمشكلة ليصل على الأكثر إلى توصيف لها. وكان الأجدر به إن يناقش الفكر العلماني ذاته بدلاً من رفضه بشكل مسبق على أساس أنه "غربي". أما فيما يخص السرد التاريخي لعلمنة القضاء المصري والذي يقول عنه البشري أنه كان بسبب التدخل الأجنبي في شؤون الدولة المصرية، فنرجو أن تكون الملاحظات المطروحة عن دور تطور الدولة المركزية في مصر قد قدمت على الأقل ما يثير الشكوك حول هذا السرد، والذي نرى فيه تبسيطا شديدا أو رؤية أحادية للأحداث التاريخية.
ولكي يتقدم مستوى الحوار حول العلمانية إلى أبعد من عرض المسلمات وكأنها بديهيات، كان يتعين على البشري أن ينتقل بعرضه إلى طرح مسلماته ذاتها كنقطة بحث. فكان من الضروري أن يقدم مبرراته لهذه النظرة الأحادية عن الإسلام كمرجع قانوني وأخلاقي وسلوكي شامل للمجتمع المصري ككل في ماضيه، بل وفي حاضره، وبكل فئاته وأعراقه وأديانه، وبكل اختلافاته الـ"قيمية". بهذه الطريقة قد يصل البشري إلى تحليل أكثر عمقاً عن الحاجة لعملية حوار ديمقراطي لا يتم فيه فرض قيم أو سلوكيات مختصة بفئة معينة على الجميع، بل يتم فيه التعرف أولاً على قيم الآخر ثم تقنين أوسع مساحة من الحريات الفردية والسياسية والتي تتيح للجميع ممارسة قيمهم، كما تمكنهم من المشاركة الفعالة في العملية السياسية. نشره البوصلة يوم أرب, 10/31/2007 - 00:03.
( categories: )
رد |
||
|
Elbosla | Designed by Bent Masreya 2007 |
||
أحدث التعليقات
منذ 23 أسبوعا 4 أيام
منذ 27 أسبوعا 6 أيام
منذ 29 أسبوعا 6 أيام
منذ 30 أسبوعا يوم واحد
منذ 30 أسبوعا 4 أيام
منذ 30 أسبوعا 5 أيام
منذ 31 أسبوعا 19 ساعة
منذ 31 أسبوعا يومين
منذ 32 أسبوعا 6 أيام
منذ 33 أسبوعا 3 أيام